الحاجة العاطفية

 

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

عندما يأتي الطفل إلى هذه الدنيا يكون أشبه بكائن ضعيف لا قدرة له على دفع أذى ذبابة عن نفسه, ولا يستطيع الوقوف على قدميه وتأمين ما يحتاج, لكن الحكمة الإلهية أدخلت المحبة والحنان في قلب الوالدين وبالأخص الأم بشكل تكون فيه الأم على استعداد للتضحية بكل وجودها في سبيل طفلها لكي تحفظه يعيش وينشأ في ظل رعايتها واهتمامها.

إن حب الوالدين وعطفهم على طفلهم يكون سبباً في نموه وتطوره, حيث يستعين الطفل بهذه العواطف وهذا الحنان لينشأ ويترعرع تحت رعاية ونظر والديه وعلى أساس ما يخططونه من أجل إسعاده .

لقد أثبتت التجارب العملية إن الأطفال الذين لا يحظون بالعطف والحنان الكافي سيبتلون بنقص في النمو حيث يصيبهم الإحباط في ميدان الحياة الاجتماعية فلا يستطيعون الاستفادة من المزايا والنعم التي تغدقها عليهم الحياة الاجتماعية بشكل مطلوب ولائق.

إن تأمين الحاجات العاطفية للأطفال بالأخص البنات يعتبر الأساس في موفقيتهم, حيث يجب أن يهتم الوالدان بهذا الأمر اهتماماً كبيراً. ومن الأمور التي يجب الاهتمام بها في هذا المجال هي:

1-  حاجة الطفل إلى الحضانة: الإنسان لا دخل له في خلق الطفل وإيجاده لكي يكون الأمر والاختيار لنا في حضانته وقبوله أو عدم قبوله, إنه أمانة الله في أيدينا, ويجب أن نتقبل هذه الأمانة سواء كان ولداً أم بنتاً, جميلا أم قبيحاً.

هناك خطأ سائد يمارسه بعض الآباء والأمهات مبني على أساس وأصول جاهلية وهو عدم الاهتمام بالبنت بحيث تحرم من المحبة والحنان, أو أن يولى الولد اهتماماً أكثر من البنت فنشبع الولد بالعاطفة والحنان ونحرم البنت من ذلك.

إن مثل هذا العمل يعتبر اعتراضاً على الله سبحانه وتعالى وخلقته.

إن عدم احترام البنت وإيجاد الفوارق بينها وبين الولد وحرمانها من المحبة والحنان ونعمة الاستقرار من قبل والديها يكون سبباً في نشوء العقد والمضاعفات غير المطلوبة لدى البنت.

إن الوالدين وحسب الموازين الشرعية والعرفية يتحملون مسؤولية إدخال السرور على طفلهم بصفته فرداً من أفراد العائلة, حتى ولو كان ناقص الخلقة أو فاقداً لأحد الأعضاء فيجب احتضانه وتأمين ما يحتاجه.

2-  الحاجة إلى المحبة: من الحاجات الأساسية الأخرى للأبناء وبالأخص البنات أن نوفر لهن جواً من المحبة والحنان, وذلك ليتمكّن من بناء شخصيتهن, لأن المحبة والحنان لها تأثير مهم للغاية على شخصية البنت.

إننا نستطيع أن نحسن بدور المحبة في التربية في حالة فقدان المحبة.

أن التحقيقات التي قام بها علماء النفس حول حرمان الطفل من المحبة أثبتت ظهور عوارض مثل التخلف الذهني, التلكؤ في الكلام, قلة الحركة والخمول, العصيان وافتعال الضجيج والضوضاء, فقدان القابلية على التحمل, إهمال المسؤوليات الموكلة, واليأس من الحياة, وفي الوقت نفسه يجب أن نذعن إلى أن الإفراط في المحبة يوجب بروز ظاهرة الدلال ونمو حالة من الأنانية والذاتية والمحورية لدى الأطفال, وحتى بالإمكان أن يصل الأمر إلى حد الانحراف, بحيث يصبح الطفل مستبداً برأيه ولا يقبل الإرشاد والنصيحة.

إن الأطفال الذين أفرط في حبهم يصبحون من ذوي التوقعات الكثيرة ويحبون تنفيذ أوامرهم بدون مناقشة, وإذا ما حدث نقص في محبتهم فإن هذا الأمر يسبب لهم ضربة لشخصياتهم.

إن المحبة يجب أن تكون مبنية على أساس من التوازن بحيث يرتبط الطفل بعائلته وأبويه, ولا يجب الإفراط في ذلك ولا الإهمال, لأن كلا الأمرين يسببان مخاطر لشخصية الطفل.

ومن النقاط المهمة التي يجب رعايتها هي أن المحبة يجب أن تكون مستمرة وعلى الدوام وتتجدد كل يوم لكي يحصل الاطمئنان الدائم والمستر بالوالدين.

3-  الحاجة إلى الملاطفة: يحتاج الأبناء في مرحلة الطفولة إلى الملاطفة, ويستمر هذا الاحتياج إلى آخر العمر ولكن بالشكل الذي تكون فيه نوعية الملاطفة وشكلها مختلفة باختلاف العمر.

إن الطفل يحتاج (أن تمسح أمّه يدها على أعضاء بدنه ويقتضي الأمر في بعض الأحيان أن تحتضن الأم طفلها, أو تضع رأسه على الوسادة وتقوم بالمسح على رأسه وملاطفته, وهذا العمل له آثار مهمة على روح الطفل حيث أن بعض الأطفال يخلدون للنوم على أثر هذا العمل وهو دليل على تأثره وإشباعه من الملاطفة.

هناك صورة أخرى من الملاطفة وهي أثناء المرض, حيث يحتاج الطفل في هذه الحالات إلى اهتمام الأم والأب به, فعليهما إظهار تأثرهما وعدم ارتياحهما بسبب مرضه وإن يمسحا على رأسه وبدنه فينسى آلام مرضه.

4-  الحاجة إلى الأمن: يحتاج الطفل إلى الأمن والاطمئنان بحيث يحس بأنه قريب دائماً ومحبوب في البيت من قبل أمه وأبيه, وإذا ما قام بعمل مخالف للأصول فإنه يجب أن يردع ويعاقب لا أن يطرد من البيت, كذلك يجب أن لا تكون عقوبته عقوبة غير عادلة.

في بعض الأحيان نرى الأم والأب يقلقان قلقاً كبيراً من ارتكاب أطفالهم لبعض الأعمال السيئة فيتعاملان مع الطفل معاملة يفقده فيها أي أمل في الحياة فيحس وكأن آماله ذهبت أدراج الرياح, وهذا العمل والتصرف يعتبر ذا آثار سلبية, وبالأخص على روحية البنت التي تشعر بأنها ضعيفة ومغلوبة على أمرها.

ففي الوقت الذي يحس الطفل بنفسه أنه منفور من قبل والديه فإنه يحس بفقدان الأمن والانطواء, فيأخذ بالبحث عن مصدر للمحبة والعطف, ويقوم باختلاق الأعذار الواهية وممارسة المواقف العدائية والتوسل بآخر سلاح في كل المسائل وحتى في بعض الأحيان يصل إلى مرحلة الطغيان والعصيان.

إن لتوفير الأمن للطفل أثراً على سلامته الروحية فالبنت التي تخاف من الظلمة والمكان المظلم يجب أن يقوم الأبوان بتشجيعها نزع الخوف من قلبها, ومساعدتها عند بروز أي خطر.

يجب أن يوفر الوالدان للأطفال الأمن والصفاء والإتحاد, ويبعداهم عن الخلافات والنزاعات فيحب أحدهم الآخر ويعطف عليه, يقومون بتنظيم أوضاعهم في البيت ووضع كل شيء في محله, وأخيراً ينبغي إبعاد الطفل عن كل ما يسلب أمنه واستقراره.

في سنين الصبا والبلوغ تبرز اضطرابات وتهيجات بالنسبة للبنت تسبب ضغوطاً ومعاناة لها, والبنت في هذه المرحلة تحتاج إلى الأمن في أسرتها من قبل والديها أما الأمن الروحي فيأتي من الاتكال على الله سبحانه وتعالى. فالصبية والبالغة عندما تنام يجب أن تشعر بأن الله سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نوم يسمع ويرى ويراقب الجميع, وبذلك يطمئن قلبها وتنام بهدوء.

5-  الحاجة إلى الحماية والدعم: إن أبناءنا من الضعف بحيث أنهم لا يستطيعون مواجهة بعض المواقف فيشعرون بعدم الاقتدار بسبب عدم تمتعهم بالخبرة والتجربة في الحياة, فيؤثرون عدم خوض المعركة لكيلا يبرز لهم أمر جديد, وهذا الشعور يسبب لهم التخلف وعدم القدرة على السعي والتقدم.

يجب أن يتحرك الأبناء على أساس من الجد والمثابرة مع الاطمئنان بأنهم مدعومون من قبل الوالدين والمربين, فالبنت يجب أن تتولى بشجاعة مسؤولية طبخ الطعام في البيت مع الاطمئنان بأن أمها تتابع خطاها وتتابع حركتها بهذه, وإذا ما فشلت البنت في إعداد الطعام المناسب فيجب أن لا تردع أو تعاقب أو تؤنّب على ذلك, بل تشجع على تكرار العمل ثانية حتى توفّق إلى الأحسن.

إن من مظاهر الحماية والدعم الرفق بصورة غير مباشرة بحيث لا تفهم إنها عاجزة على العمل, ويجب إصلاح أو ترميم ما أتلفت بدون أي عتاب أو توبيخ أو ملامة لأن ذلك يجبرها على الكذب واصطناع الحيل.

هناك نقطة يجب أن نذكرها وهي إن الدعم والحماية أمر ضروري إلا أن الإفراط فيه مردودات سلبية.

أن البنت يجب أن تعلم بأن هناك سقوطا ونهضة في هذه الحياة, والإنسان عرضة للصدمات والخسائر, في أن يقوم الإنسان من محل سقوطه لا أن يبقى مستسلماً لعوامل السقوط.

وحسب البحوث والتجارب, فإن الدعم والحماية المفرطة تقوي الأنانية وحب الذات وعدم القدرة على تحمل المسؤولية ومواجهة الصعاب, وعدم الاهتمام بالمقررات والضوابط, والكسل, وكذلك فإن البنت ستفقد القدرة على العمل فتتعرقل عملية إصلاحها وبنائها. وكذلك يحتمل أن تتولد لدى البنت الرغبة في التسلط مما يؤدي إلى إصابتها بصدمة روحية ونفسية.

ويجب الإسراع في إغاثة الطفل عندما تصيبه نوبة من الخوف والهلع, بحيث لا يشعر بأنه يواجه الموقف لوحده.

ومن الضروري أن يقوم الوالدان بإبراز عواطفهما تجاه طفلهما عند ابتلائه ببعض المشكلات, ومواساته عند الشدائد.

ويجب أن تكون الحماية والدعم والاحتضان أكثر عندما يكون الطفل مصابا بنقص أحد أعضائه, سواءً كانت الإصابة منذ الولادة أو بعدها بحيث لا يشعر بالحقارة نتيجةً لهذا النقص.

6-  الحاجة إلى الشكر والتقدير: من السبل التي نستطيع من خلالها تأمين العواطف التي يحتاجها الطفل هي مدحه وتقديره وشكره والإطراء عليه, وهذا الأمر يخلق عنده روحاً طرية ومسرورة, ويمثل عاملاً لتقدير أعماله وشكره عليها, وبذلك نخلق عنده أرضية لاستمرار خدمته وقيامه بالمسؤولية.

أن الكثير من الأعمال التي يقوم بها الطفل- سواء كانت في البيت أم في المدرسة- لا يعلم هل أنه قام بها بشكل صحيح أم خاطئ, فهو ينتظر رد الفعل الذي يقوم به الوالدان أو المربي, وبديهي أن مدحه وتقديره سيكون عاملاً على شعوره وإحساسه بصحة عمله.

إن للشكر والتقدير أثراً في بعث روح الخدمة والسعي لدى الطفل, ويعتبر هذا الطريق من أفضل الأساليب التي يجب أن تقوم بها الأمهات تجاه بناتهن من أجل تدريبهن على القيام بأعمال البيت والمسؤوليات الأخرى. فإذا أوكل للبنت أحد الأعمال البيتية فيجب أن يرافقه التشجيع والشكر والتقدير وذلك لضمان القيام به بأفضل وجه وصورة. أن موضوعنا هنا يرتكز على أن نقوم بشكر وتقدير من يقدم عملاً ما. والأصل هو أن كل شخص يقوم بانجاز عمل, يستحق التقدير, وكذلك يجب أن لا يكون الشكر والتقدير كرشوة للقيام بعمل ما, بل يكون الأصل هو إحساس الإنسان بالمسؤولية في القيام بأعماله, وكل من يقوم بعمله فيستحق الشكر والتقدير.

7-  الإحساس بالشخصية: إن إحساس الطفل بالضعف والحقارة يسبب له القلق والاضطراب وعدم القدرة على تحمل المسؤولية إذا ما استمر هذا الإحساس. وهناك فنون ووسائل في التربية تجعل لدى الطفل القدرة على مقاومة هذا الضعف والتغلب عليه, والمفروض أن يقوم الأب والأم باختلاق ألعاب يكون فيها الطفل الطرف الغالب ويكونان هما المغلوبين, وذلك لنقدح في ذهن الطفل بصيصاً من الأمل يحس من خلالها بالقدرة والقابلية على الفوز, أو أن يقوم الوالدان بمسابقة مع طفلهما ويوفران له مقدمات الفوز في هذه المسابقة.

ومما لا شك فيه إن مثل هذه المسابقات في الوقت الذي تكون فيه مختلفة يجب أن لا يحس الطفل بكونها كذلك بل يجب أن نجعله يحس بأن المسابقة جدية وإن غلبته وفوزه كان أمراً حقيقياً.

وأما في سن الصبا والبلوغ فيجب أن نغلق باب المنافسات والمسابقات بين الصبي ووالديه لأن فوزه على والديه يخلق عنده أفكارا ذات مردودات سلبية على الطفل ونوعية تعامله مع والديه.

وفي هذا السن يجب أن نكرس روح المواساة والتعاون وننهي عن ممارسة التنافس والمسابقة أو إظهار القوة, بل يجب أن نلقن الصبي دروساً في الخدمة والتضحية والإيثار.

8-  الحاجة إلى الانضباط وإجراء العدالة: من أجل أن نقوم بتربية أبنائنا تربية لائقة, يجب أن نعلمهم كيفية الالتزام بالضوابط والمقررات, وهذا العمل يجب أن يقوم به الوالدان من خلال سلوكهما في المنزل.

إن تركنا الطفل يعمل ما يشاء, يساعد على بروز عوارض غير محمودة للأطفال, فالعائلة الجيدة هي العائلة الملتزمة بنوع من الضوابط والمقررات, وكل فرد منهم مسئول عن القيام بعمل طبق هذه المقررات.

فالأب يقوم بتهيئة لقمة العيش, والأم تقوم بطهي وإعداد الطعام وتقديمه للأب وللأطفال, والولد يقوم بفرش السفرة, وتقوم البنت بجلب الملاعق والشوكات والأقداح, وكل من أفراد العائلة يقوم بانجاز عمل يشعر من خلاله بالمسؤولية تجاه أسرته وبيته. وفي توزيع المسؤوليات يجب مراعاة قدرة وإمكانات أفراد العائلة بحيث لا يكلف أحد بما لا يطيق, ولا يعفى أحد بدون حساب, ولا يفرض عمل ومسؤولية شخص على شخص آخر, والتقصير في القيام بالعمل يجب أن تتبعه عقوبة وتوبيخ, والأب والأم يقومان بوظيفة إجراء المقررات والانضباط, والأم في الوقت التي تقوم به بإجراء الانضباط وتطبيق المقررات يجب أن تحتفظ بجاذبيتها وحنانها.

إن الحياة يجب أن تكون من البداية مقرونة بالنظم والترتيب وعلى أسس من الضوابط والمقررات, بحيث لا يكون الأمر غريباً بعد ذلك على الأطفال, ويكون تطبيق المقررات أمراً لا يطاق, وكذلك فإن العمل والاشتغال يجب أن يكون منذ البداية, بحيث تناط بالأطفال هذه المسؤوليات منذ الصغر, فيحسون بالمسؤولية وهم صغار, لئلا يكون عبئها عليهم ثقيلاً عند الكبر, ويجب أن تكون رعاية الضوابط والمقررات بصورة متساوية على البنين والبنات, ويجب أن يكون توقع العمل أكثر بالنسبة للبنات لأنهن يتمّ إعدادهن بسرعة لتحمل المسؤولية العظيمة في تربية الأجيال وهدايتهم .