الحاجات الروحية

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

إن روح الإنسان كبدنه بحاجة إلى التغذية والنمو من أجل استمرار مسيرتها التكاملية, والوصول إلى درجات سامية من العلو والكمال, طبعاً هناك تفاوت وتباين بين حاجات الروح والبدن, ندركها من خلال الاستعانة بالتعاليم الإسلامية والبرامج والوصايا الدينية حيث أن المصادر المتعلقة بهذا الباب مملوءة بالتعاليم التي تساعد على بناء روح الإنسان ورفع احتياجاته والوصول به إلى مراحل النزاهة والتزكية, ومن جملتها! الوعي, العدالة والحرية, الرفعة والكمال, الهدف والإيمان, المنطق والنظم المنطقي, حيث ترسخ هذه الموارد: القيم الإنسانية لدى الإنسان, وهي بعين الوقت تعتبر بمثابة نقاط التمييز بين الإنسان والحيوان, والآباء والمربون يتحملون مسؤولية عظيمة في طريق رفع هذه الاحتياجات لدى أطفالهم, وسنعرض لكل واحدة من هذه الاحتياجات بالتفصيل:

1- الوعي: عندما يولد الطفل ونهمل عنده الوعي الفطري والغريزي فيحب أن نذعن بان هذا الطفل سيبقى لا يفقه ولا يعلم شيئاً (أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً).

والمهم هنا في تربية الطفل هو إثراؤه بالمعلومات اللازمة في حياته, وتتضمن هذه المعلومات الجوانب التالية

-        الوعي بما يتعلق بالطفل نفسه والأبعاد الوجودية له, من هو؟ أين بدايته وأين نهايته؟

-        معلومات حول العالم والخلقة, كيف خلق ومن أي شيء, وإلى أين, وأي هدف خلق من أجله, ووراء أي هدف يسير؟.

-        معلومات حول خالق الكون وعلاقته بالكون والإنسان.

-        معلومات حول المدرسة الفكرية التي تتولى هداية البشر.

-        معلومات حول مسؤولياته تجاه نفسه, خالقه, المجتمع البشري وهذا الكون.

إن التربية يجب أن تكون بكيفية تفيد في إثراء الجيل الجديد بهذه المعلومات وذلك لإعداده للحياة الجديدة.

2- حاجته إلى الاحترام : يحتاج الطفل أن يعلم بأنه محترم وعزيز في أسرته, وإن الوالدين مسرورون بوجود أبناءهم ويحسبون لهم حسابا خاصاً, غير ضجرين من وجودهم.

إن احترام الابن يعتبر من المسائل الشرعية في الإسلام, لأن الآيات القرآنية أشارت إلى ذلك (ولقد كرّمنا بني آدم) هذا أولاً: الحثّ على هذا الأمر حيث قال (ص) "أكرموا أولادكم".

وعلى هذا الأساس فيجب أن لا يقتصر الأمر على عدم إهانة الطفل والتنفر منه فحسب بل ينبغي أن يقوم الوالدان باحترام الطفل, بالإضافة إلى مسؤولية احتضانه وتربيته. والاحترام يجب أن يكون بشكل يحسّ به الطفل, فيكون سبباً لإسعاد الأسرة, ويشعر الطفل بأن وجوده عزيز على والديه.

ومن أجل أن يصل الوالدان إلى هذا الهدف ينبغي أن يحترما الطفل ويجيبا على أسئلة بجدية واعتناء, وأن يشاركا الطفل همه وغمه وآلامه.

3- العدالة: إن الأبناء- وبحكم الفطرة- توّاقون إلى العدالة, يحبون أن تكون كل الأعمال والمساعي مرتكزة على أساس من العدل, وأن يقضى على التفرقة وتجتثّ آثارها من الوجود.

إن الكثير من الحسد, العصيان والطغيان وانزواء الأطفال وانطوائهم نابع من عدم تكريس العدالة من قبل الوالدين في الأسرة, فإذا ما تدخل الأب والأم في أمر وفصلا فيه, ففي بعض الأحيان نرى الطفل- ومن وجهة نظره- أن هذا الحكم والفصل غير عادل, فإذا ما حكم الوالدان في الاختلافات والنزاعات القائمة بين أبنائهما, فيجب أن يكون حكمهما عادلاً, ويجب أن يتساوى الأمر بالنسبة للبنت والولد والصغير والكبير, ويعطى الحق لصاحبه لا للذي يذرف الدموع أكثر.

يجب أن تراعى العدالة بين الأطفال وأن نقضي على التفرقة وتكون المحبة والعطف من الوالدين بالنسبة لأطفالهما هي السائدة ففي بعض الأحيان نرى بعض العوائل تتعامل مع البنت وكأنها خادمة أو عاملة في البيت, والولد وكأنّه سيد الأسرة, حتى أن سفرة غذائه توضع له بالقرب من فرشه, وهذا نوع من الظلم والتفرقة.

لقد قلنا بأن الجميع يجب أن يعملوا, والتكليف يشمل الجميع إننا إذا أردنا أن تسود العدالة والمساواة في العالم فيجب القضاء على الظلم والجور, يجب أن نعلم الطفل الإنصاف وإتباع الحق من الأيام الأولى لطفولته, فنعلمه الأصول والضوابط والمقررات, ويكون سلوكنا مع الأطفال مبنياً على أساس من العدل والإنصاف.

4- الحرية: يحتاج أبناؤنا في مسيرة نموهم ووعيهم إلى الحرية- ولا يستثنى من ذلك الولد أم البنت- الحرية التي يراعى فيها مصلحة الفرد وخيره ومنفعته وكذلك مصلحة المجتمع, ويجب أن تكون الحرية خاضعة للضوابط والمقررات الشرعية. فيحب أن يكون الأطفال أحراراً في السعي والتحرك واللعب والعلاقات الخاضعة لرقابة الوالدين, ويجب أن يكونوا أحراراً في التعبير عما يرون وما يبغون ويجب أن يكونوا أحراراً في إبداء وجهات نظرهم في الأمور, وعلى الوالدين أن يقوما بتهيئة الأرضية المساعدة لذلك.وتظهر في بعض الأحيان المفاسد في حياة أسرة من الأسر وذلك بسبب عدم تمتع أطفالها بالحرية في طرح وجهة نظرهم, أو الخوف من إبراز معتقداتهم, فلا قدرة لهم على بيان, ما يؤمنون به وما يذهبون إليه, طبعاً لا نقصد بالقدرة على إبداء وجهة نظرهم أن يقوموا بالاعتداء على أمهم وأبيهم أو التجاسر عليهم, بل ينبغي أن يكون هناك حائل وستر بين الوالدين والأبناء, إن الأبناء يجب أن يفهموا بأن الحرية ضرورية لكي يعيش الإنسان حياة مفعمة بالصلح والسلام, وكل فرد يتنازل عن بعض حرياته في سبيل سعادة الآخرين, فيقلّص من آماله وتوقعاته في سبيل خير وصلاح المجتمع- وإذا ما رأينا هناك بعض الممارسات التي فيها تقييد لحرية البنت فذلك من أجل المحافظة على طهارتها وعفافها وقدسيتها.

5- الاستقلال: إن الأبناء يرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالآباء, ومن أجل المحافظة على مسيرة حياتهم, فهم بحاجة إلى الاستقلال, أن التعود على الاستقلال يجب أن يبدأ من المراحل الأولى للطفولة, وتنمو هذه العادة لدى الطفل بحيث تشمل أفكاره وإراداته, حيث يجب أن تتمتع أفكاره بقسطٍ وافر من الاستقلال.

إن من الخطأ الفضيع أن نقوم بانجاز كافّة أعمال أبنائنا, حتى لباسهم, وغسل وجوههم وأيديهم, بل يجب أن ندعهم يزالون بعض أعمالهم بأنفسهم, فمثلاً يلبس لباسه بنفسه ويغسل وينظف نفسه بنفسه, ويفرش فراشه ويجمعه بنفسه, ويغسل جواريبه ومناديله ومناشفه, وفي بعض الأحيان يقوم بطهي طعامه بنفسه.

إن هذه الرغبة موجودة لدى الأطفال, والنزعة الاستقلالية أمر فطري وطبيعي لديهم وفي حالة إرشادهم إرشادا صحيحاً نحو الرقي والقيادة فإنهم سيخطون خطوات إيجابية في طريق بناء أنفسهم فالبنت تستطيع إدارة أمور البيت مستقلة وبحضور أمها مثلا لمدة يوم واحد, فتنجز كل ألاعمال البيتية كالطبخ والنظافة وترتيب غرف البيت وتنظيفها.

6- الارتباط العائلي: يحتاج أبناؤنا إلى الارتباط بأسرهم ارتباطاً وثيقاً, وهذه الرغبة لدى الاطفال رغبة فطرية, وتقوى بواسطة التربية الاجتماعية, حيث أن الطفل يحتاج إلى من يدافع عنه في المواقف التي يشعر بها بالظلم, وفي المراحل الأولى يكون تعلق الطفل بقدرة عائلته, أما في المراحل التي تليها فيكون تعلقه بالقدرة الأزلية الإلهية, حيث أن الطفل وكما عبر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يحس لأول وهلة بأن الذي يرزقه هو أمه وأبوه, ولكنه بعد ذلك يفهم بأن هناك قدرة فوق هذه القدرات هي التي ترزق أمه وأباه وكافّة المخلوقات.

إن الغرض من كون الطفل يريد استمرار ارتباطه بعائلته, هو لأنه يريد أن يبقى دائماً بالقرب من يوفّر له الحماية والتأييد والدفاع في حالة وقوع المشكلات, ووظيفة الوالدين هو تحذير هذا الارتباط وهذه العلاقة بشكل يدرك الطفل معها بأن بيته ووالديه محل أمنه والمكان الذي يلجأ إليه في شدائده, وعندما يتنفر منه الآخرون, فإنه يطلب العون من والديه, وهذا الإحساس يجب أن يكون أقوى عند البنات لأنهن بحاجة إلى الاستفادة من تجارب الوالدين من أجل إدارة أمورهن لئلا ينحرفن عن الجادة المستقيمة.

إن عدم الإحساس بالعلاقة العائلية والارتباط الأسري, أو ضعف هذا الإحساس, يكون في بعض الأحيان خطراً على البنت, فيحتمل أن تلجأ البنت إلى أشخاص ذي نوايا وأهداف سيئة.

7- الرفعة والكمال: هناك رغبة أكيدة لدى الإنسان للوصول إلى الكمال الفطري والذاتي, ففي التعبير الوارد في القرآن الكريم بأن الإنسان موجود فيه نفخة وروح من رب العالمين, فيسعى دائماً في الوصول إلى درجات الكمال وتجنب أسباب السقوط والتدني وهذه الأرضية تقوى لدى الإنسان عندما يكون سائراً في طريق الهداية والرشاد, فيتسامى حتى يصبح أفضل من الملائكة وفي بعض الأحيان يتهاوى حتى ينزل أدنى من الحيوانات.

فالوارد في القرآن الكريم هو أن الإنسان يرتفع في بعض الأحيان إلى أعلى عليين وفي بعض آخر يهبط إلى أسفل السافلين.

وعلى الوالدين في هذا المجال تقع مسؤوليتان:

الأولى: بيان طريق الكمال لأبنائهم.

الثانية: توفير الإمكانات للوصول إلى الكمال.

فالأبناء يملكون الاستعداد في السير في هذا الطريق, والبنات أكثر استعداداً لأنهن لا يملن إلى اللعب والشيطنة مثل الولد, وتقبّلها لطريق الصلاح والصواب أكثر من تقبل الولد, وزهد البنت وتعبدها دائماً أكثر من الولد. ونستطيع أن نلقي في نفس البنت بأنها تستطيع أن تصل إلى مراحل الكمال عندما تستطيع أن تقف أمام رغباتها وهوى نفسها وتتجنب الغرور والأنانية والذاتية والأفكار السيئة, واجتناب الأهواء غير المشروعة, والتوجه لكسب الصفات الحسنة والتي تقود الإنسان إلى طريق الحياة الكريمة والمثالية.

8- العشرة: إن الإنسان موجود اجتماعي بالذات, فهو يعيش في المجتمع, ويأنس بالجمع, ويحتاج إلى الألفة, ويرغب في العشرة والاجتماع, وإذا ما ابتعد عن المجتمع والتجمع فإنه سيتعرض إلى أقسى درجات الأذى والعذاب. فنرى أن الرسول (ص) قد عاقب ثلاثة من المختلفين عن طاعته وعن الذهاب إلى الجهاد, فكانت عقوبتهم بعزلهم عن الناس, حيث أوصى الرسول (ص) بعد الاختلاط والتكلم معهم وأمر مقاطعتهم, وقد أثرّت عليهم هذه العقوبة تأثيراً كبيراً وكان وقعها على نفوسهم أكثر من وقع الموت عليها .

إن العشرة من المسائل الضرورية لأبنائنا ويجب أن يهتم المربون والآباء وأن يحثوا الخطى في هذا الطريق بحسب مقتضى سن ودرك أبنائهم, فيجب أن يكرسوا ساعات فراغهم باللقاء والجلوس مع أبنائهم والتحدث إليهم وسؤالهم عن نشاطاتهم وأعمالهم, والاستفسار منهم عن مشاكلهم والصعوبات التي يواجهونها في كل يوم, واللعب والمزاح معهم, وذلك لإدخال السرور على قلوبهم, وهذه حاجة مهمة يحس بها الأطفال, فإذا ما أهملت, فإن الأمر سيؤول إلى ما لا يحمد عقباه, حيث سيقوم الأبناء بتأمين حاجاتهم في هذا المجال بالطرق غير الصحيحة, وتكون معاشرتهم مع أشخاص مجهولين لا سامح الله, ويكون هذا المعاشر الجديد ممن لا علم ولا إطلاع له بأوضاع أبنائنا, أو على الأقل لا يكون مثل الأب والأم حريصاً على مصلحة هؤلاء الأطفال, ولا يملك العطف والحنان والصدق والوعي, وفي هذه الحالة سوف تفتضح كافة أسرار الأسرة, ويحتمل أن ينجر الأمر إلى عواقب وخيمة.

9- الهدفية والإيمان: إن أبناءنا وبحكم فطرتهم يسعون للوصول إلى هدفٍ ما, فهم يرغبون بأن يعرفوا ماذا يفعلون ولماذا يفعلونه والدليل على فطرتهم: أسئلتهم واستفساراتهم في مرحلة الطفولة فالأطفال بأسئلتهم وتفحصهم, يسعون إلى معرفة كنه أسرار الأمور وخفاياها, فهم يواجهون شيئاً جديداً فيرغبون أن يكون لهم علم بمبدئه ومنتهاه, وما فائدته ولماذا هو كذلك وفي السنين التي يبدأ الطفل فيها بالتمييز, فيسأل السؤال التالي: كيف جاء إلى هذه الدنيا؟ ولماذا يعيش في هذه الدنيا؟ وما هي عاقبة أمره؟ ووراء أي هدف يسعى ؟.

يجب أن يقوم الآباء والأمهات بتعليم أبنائهم الهدفية, بحيث يتعلمون- من قريب أو بعيد- الهدف من الخلقة والهدف من الحياة, وكذلك يستفيدون من النصائح والتذكير الذي يقدمه لهم أبواهم.

إن إبراز وجهات النظر وتوضيح بعض المسائل أثناء العشرة يعتبر درساً من الوعي والإدراك يتعلمه الأطفال في هذا المجال. فإذا ما اعتبروا أن للكون والخلق هدفاً وإن حياتهم فيها مسؤولية تجاه الكون والخلق, فإن سلوكهم سوف يتغير صحيح أن تعلم هذه الأمور في أيام الطفولة غير ممكن, وأفضل وقت لتعلمها في سنوات الصبا والبلوغ, فيستطيع الطفل في هذه المرحلة إبداء بعض وجهات نظره, ومن بعدها- وعلى أثر النمو والتطور- يصل إلى المراحل المذكورة.

يحتاج أبناؤنا على عنصر الإيمان, الإيمان بالهدف, الإيمان بالفكر, الإيمان بالحساب والكتاب وبيوم الجزاء, الإيمان بالعمل ونتايج العمل, والتقوى والطهارة ومئات المسائل ذات العلاقة بحياتهم.

إن إيمان الطفل بالمسائل يجب أن يكون واقعياً وليس رمزياً أو انتسابياً بل يجب أن يكون إيماناً حقيقياً لا مزيفاً, لكي يقوم بمواصلة مسيره والوصول إلى هدفه بخطوات ثابتة ورصينة. وهذا الإيمان يأتي من التذكير والموعظة والبيان والتحذير والإنذار والتفكر والتأمل والسير في الأنفس والآفاق.

10- النظم في المنطق والاستدلال: وأخيراً فإن أبناءنا بحاجة إلى النظم والانضباط, والاستدلال ومعرفة الدليل في الحياة, فيكون طرح كل شيء على أساس الدليل والتخطيط, ليعلموا لماذا يجب أن يكون ذلك ولماذا يعاقبون ولماذا يذهبون إلى المدرسة... والخ.

وهذا النظام والمنطق ضروري حتى في الفكر والعمل والمطالعة والذهاب والإياب وفي النوم والاستراحة والتغذية وفي التحدث في الأوساط العامة وفي القضاء وإبداء وجهات النظر, فيجب أن لا نمر على كل هذه الأمور بدون تدقيق.

وفي المسائل التي لا نعرف لها دليلاً ينبغي أن نقول بان لها دليل ولكننا في الوقت الحاضر لا نستطيع أن نستنتج ذلك.

إن الحياة الهادفة هي الحياة المبنية على الاستدلال والمنطق بالرغم من التباين الموجود الذي يجعلنا نصل في بعض مجالاتها إلى نتيجة, وفي البعض الآخر فإننا لا علم لنا بما يجري.