الحالات النفسية للناشيء
الكاتب الدكتور علي القائمي
من خصائص مرحلة الفتوة عدم الثبات النفسي وهذا الامر يكون جاداً ومشهوداً حتى سن السادسة عشر تقريباً وبعد هذه المرحلة يحصل نوع من الثبات النسبي في الحالات النفسية للناشيء وهو لايستحق ذلك الاهتمام .
وتدفع غلبة الاحساس على العقل وقلة العلم والتجربة مواجهة الزخارف الدنيوية المتنوعة والجديدة ووجود جاذبيات جديدة ، الناشيء من حالة الثبات الى عدم الثبات . يتعلق قلبه بأمر او ظاهرة وبعد ساعة يتغير حاله حين يرى شيئاً يكون أفضل برأيه واكثر جذابية ويقبله.
كما أن حكمه بشأن الأمور والاشياء هو من هذا القبيل . فمثلاً لو رأى مشهد نزاع وقام أحد طرفي النزاع بتوضيح ما وقع له وطلب منه الحكم فان الفتى يحكم لصالحه ، ولو قام الطرف الآخر للنزاع بشرح القضية له بعد دقائق ، فان الفتى سيحكم هذه المرة لصالح الطرف الثاني . وفضلاً عن ذلك لو اقترن ذكر المشهد بالتظلم والبكاء والدموع والتأوه فانها ستكون مؤثرة اكثر في حكمة العاطفي .
الحالة العاصفية للنفس
هناك عاصفة قائمة في باطن الناشيء ، ولايتصف مزاجه بحالة السكون . فهو تارة خاضع ومتواضع وتارة محب للاستقلال ومتمرد . تارة يكون من أهل الصفاء والرأفة وكأنه يريد التضحية بنفسه وتارة يكون متشدداً الى درجة بحيث لايتأثر وبكاء الآخرين ويعمل بتشدد وخشونة.
وفي هذا المجال قليلاً مايؤثر فيه نهج الاخرين واسلوبهم ونصائح الكبار والمعلمين ، لأنه في مجال النمو عبر مرحلة الاتباع الاخلاقي للآخرين والقبول المطلق لتعاليم الكبار ووصل الى مرحلة اتباع نفسه وهذا سبب جزء مهم من تغيير اسلوبه .
ويكون مزاج الناشيء مهيئاً دائماً للهيجان والتخريب والثورة . وقد يؤدي تحريض روحي بسيط وضربة نفسية الى تغيير حالته وحرفه عن طريق التوازن والفوز . ويسعى في هذه العاصفة الى تحقيق آرائه وفرض افكاره ووجهات نظره والتعريف بنفسه على أنه فرد مستقل . ولكن ينبغي الالتفات الى ان نصيحة وتوجيه الغير تؤثر فيه رغم مايحمل من انانية واتباع لنفسه ومن هنا ينبغي عدم الغفلة عن توجيهه.
الغرور
ان الناشيء يشعر بالغرور سواء كان ذكر أم انثى – وقد ورد ذم ذلك في علم الاخلاق – وهو سلبي من ناحية لانه يدفعه الى تطلعات بعيدة ويدفعه الى السير ابعد من حده ويسقط احياناً . ولكنه ايجابي من ناحية أخرى لانه يؤدي الى عدم وقوعه في الرذائل ويحظى هذا الامر بحساسية خاصة فيما يتعلق بالاناث .
ان الفتى اصبح شخصاً كبيراً في الواقع وقطع مرحلة الطفولة واصبح رجلاً او امرأة . ورغم حاجته الى ابويه من نواحي مختلفة الا انه يتظاهر احياناً انه في غنى عنهما ولايحتاج الى رأفتهما ومحبتهما وغير ذلك ويحاول دائماً اثبات ادعائه ، ورغم مايشعر به من خوف واضطراب ولكنه يرحب بالمصاعب ويجازف ولو تمكن من التغلب على تلك المشكلة فانه يشعر باللذة .
ويعتبر الناشيء نفسه بطلاً في عالم الخيال ويرى نفسه تارة في حالة تحليق في السماء ، والناشئون يعلمون ان تفكيرهم بعيد ولكن اوضاعهم النفسية تكون بشكل بحيث يرون انفسهم حقراء ولهذا السبب لايهمهم كثيراً تعرضهم للاحتقار عند الآباء ولكن لا يتحملون التعرض للاحتقار عند الآخرين وحتى اخوتهم واخوانهم .
الاوضاع النفسية
وصفنا باطن الناشيء بالحالة العاصفية خاصة من ناحية ان احساسه يتغلب على عقله ، وتخطفه الجاذبيات من كل حبة ، وتهضمه الزخارف الدنيوية ، وتزداد دائرة نزاعه الفكري والنفسي يوما بعد يوم لانه يتعرف على عالم اوسع وتزداد نسبة ادراكه واستدلاله ورؤيته الكونية.
وتؤدي عوامل التشويش الناجمة عن الادراكات الجديدة الى عدم الاستثنائية وعلى هذا الاساس فان من العجب اذا كان ساكناً ومرتاحاً !!
ومن جهة اخرى يوجد تضاد وتعارض بين الرغبات النفسانية والجاذبيات المعنوية الناجمة عن صحوة التفكير والشعور الديني . ويريد الناشيء تحقيق امنياته من جهة ويريد تلبية دعوة فطرته وحالته المعنوية من جهة أخرى ولكنه يكون في ضيق ناجم عن كيفية اقامة الفة وصلح بينها.
وهو يحب الناس ويحب نفسه واناني ، يحب النصيحة والالفة والصفاء ويرى لنفسه حق الرفض ، رؤوف ولديه كذلك حالة لا ابالية قاسية ، هدفي وفي نفس الوقت اسير للاهواء العابرة . ولاتكون عواطفه في حالة اعتيادية بل في حالة تذبذب دائماً . ويوجد لديه مزيج من الغرور والحياء والخجل وحب الاستقلال والتسليم مما يجعله في نزاع دائماً.
حالاته الاخرى
يتطلب شرح هذا الموضوع وذكر حالات الناشيء مجالاً كبيراً ومن اجل اكمال الموضوع نشير باختصار الى موارد اخرى من هذه الحالات :
- حالة النقد : اوصى الاسلام ان يكون الانسان نقاداً . قال الامام علي عليه السلام : كونوا نقّاد الكلام . ( نهج البلاغة ) ولكن ذلك يستلزم الابتعاد عن ذكر العيوب وتجنب التظاهر واهم من ذلك معرفة القضية وكون الناقد بريئاً من موضوع النقد . ولكن الناشيء ليس هكذا ، انه يضع كثيراً من المسائل تحت المجهر ويحاول تضخيمها من اجل ان يضعف الاخرين ويقوي نفسه ومن الطبيعي ان هذه الحالة لاتحظى بقبول الافراد الكبار.
- حالة عدم الثقة : يفقد الناشيء ثقته بصورة اسرع كثيراً من الكبار بحيث انه اذا راى خطأ بسيطاً يصدر عن الوالدين والمعلمين يتخلى عنهم تماماً ويكون اعتقاده هو ان الشخص اذا ارتكب خطأ في القضية الفلانية فانه لايمكن الثقة به في بقية المجالات ، ولهذا السبب لايعد يسمع نصائحهم ولايتبع نهجهم وطريقهم ولايتقبل امرهم ونهيهم.
- فرض الآراء : يطالب الناشيء بان يتم القبول بامره ونهيه من دون كاستفهام وان يتبع ابواه رأيه . ولو سئل هل أنه يرى لابويه حقاً في ابداء الرأي في هذا الصدد فان جوابه يكون بالايجاب ولكنه من الناحية العملية يطالبهما بقبول كل ما يقول . والحد الاقصى لرفقه ومداراته هو انه يسلك طريق الصمت او الانطواء ازاء عدم قبول الوالدين برأيه.
- حالة الهاء نفسه : يشعر الناشيء في موارد كثيرة انه يلهي نفسه بعمل للتخلص من الضغوط المختلفة مثل ( انشاد الشعر واللعب باليدين والقدمين والاصابع ، واللهو بالامور الممنوعة احياناً ومشاهدة الصور والمناظر والسفر والمسيرات والرياضة والمسابقات وغيرها. وقد فسر عدد من مفسري القرآن ( ومنهم الشيخ بهائي ) الآية الكريمة :
- (انما الحيوة الدنيا لعب ولهو ) ( الآية 20سورة/ الحديد ) كما يلي : ان كلمة ( لعب ) تشير الى مرحلة الطفولة وكلمة لهو تشير الى لهو مرحلة الفتوة.