الحياة الاجتماعية للناشيء
الكاتب الدكتور علي القائمي
يدخل الناشيء المجتمع بالتدريج ومن هنا ينبغي معرفة اسرارالحياة الجماعية ، وينبغي رفع مستوى قابلية الآباء والمعلمين لغرض تربيتهم بصورة صحيحة كي يحصلوا على الاستعداد اللازم للحياة الاجتماعية ويعملوا بوصفهم اعضاء مؤثرين ومفيدين .
ينبغي اشراك الناشئين في الجمع واخذهم من قبل آبائهم معهم في الزيارات ، لان من البديهي ان تطلعات الناس في بنائهم مؤثرة وتؤثر التصرفات الاجتماعية في نفسيتهم . وعلينا ان لاننسى ان الاسرة السليمة والمدرسة المناسبة هما ركنان اساسيان لتربية هذا الجيل . ولهذا السبب ورد التأكيد في الاسلام على ملازمة الناشيء او اعتباره وزيراً لابويه . يجب ان يكون وزيراً لوالديه ، اي يتحمل جزء من عبء المسؤولية وحتى ان البعض يرى ان كلمة وزير مشتقة من ( وزر ) وتعني الجبل الذي يلاذ به ويجب ان يكون الناشيء مثل جبل يلوذ به والداه .
الحركة اللازمة
ومن وجهة نظر الاسلام فان الناشيء يجب ان يتحرك بصورة ملازمة للوالدين في السنين السبع الثالثة ويكون بصره وسمعه ملتفتاً الى حالاتهما وسلوكهما وكلامهما كي يتعلم درس تحمل المسؤولية بشكل علمي ويتعرف على مشاكل الحياة . ويجب ان لاتحول كثرة انشغال الوالدين ملازمته لهما .
ويجب ان يكون الناشؤون زملاء واصدقاء لآبائهم ويساهمون معهم في التدبير . ومن الطبيعي ان تتعاون الاناث مع الامهات ويلعبن دوراً ويتحرك الذكور مع الآباء ويجعلونهم اسوة في عملهم ومسؤوليتهم .
ويجب ان يكون الناشيء وزيراً ومستشاراً لوالديه لا ان يكون تابعاً لهما تبعية شديدة ففي هذه الحالة يصعب عليه مواصلة الطريق من دون وجود الوالدين . وفي مجال التعليم وتوجيه الناشئين يجب ان لايدفعون الى التحرك باستخدام طرق مثل التوبيخ وتهيئة الارضية للتسابق بل يجب ان تكون جميع التصرفات والمواقف المتخذة على اساس المحبة والرفق وكذلك على اساس مبدء التدرج والتحرك مرحلة فمرحلة .
نشاط الوالدين
يكون نشاط الوالدين في مجال تربية وتوجيه الناشئين في ثلاثة اطر غالباً ، في اطار اختيار الصديق ، الاعانة ودعم الناشيء في حل مشكلته بنفسه ومساعدته للتهيأ لتكوين اسرة ويختار بنفسه زوجته .
ينبغي جعل البيت ملاذاً ومركزاً لتربية الناشيء والقيام بتوجيهه وتربيته من خلال الأخذ بنظر الاعتبار مبدء المداراة وترك المعاقبة . ان الاستفادة من نشاط الغريزة وتوجيهها نحو بناء الاسرة يمكن ان يكون وسيلة لادارته وتوجيهه .
وتعتبر الحياة المقرونة بالتفاهم مبدء يمهد لتعليم الناشيء دروساً في البيت.
ويعتقد كافة معلمي التربية ان دور الاسرة في رشد او انحطاط الناشيء هو دور مصيري وحتى ان الزوجين يجب ان يخفيا علاقتهما الخاصة عن نظر الناشيء تماماً كي يظل محيطه الغريزي آمناً .
وحين طلب التعاون والالتزام طمان الناشيء ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار طاقته وامكانيته كي لاتتهيأ الظروف بالشكل الذي يحرم من اللذات والتسلية والمعاشرة . ويجب اقامة علاقة محبة وتفاهم معه وتقييد الآمال المعقودة عليه.
قضية الاخلاق
ان القوام والتكوين الاخلاقي للناشيء يرتبط بهذا السن الى حد كبير . ولهذا السبب يجب عدم نسيان التعليم النظري والعملي للاخلاق ويجب ان يكون الوالدان والمعلمون اسوة عملية للفكر الذي يدافعون عنه .
ومن حسن الحظ فان الناشيء مستعد للتربية الاخلاقية وهذا الاستعداد هو فطري الى حد كبير . ولايخفى على أحد ان الفطرة هي افضل واقوى القواعد التربوية وينبغي المحافظة عليها حية يقظة . ولا ينحصر التاكيد على العرف في تعليم الاخلاق لان الاساس في المجتمع الاسلامي يقوم على المباني الدينية والمعتقدات الاسلامية والاحكام والتعاليم القرآنية .
ومن الضروري للناشيء مراعاة الحياء والعفة وهي اكثر ضرورة للاناث نقرء في رواية مايلي : (( لولا الحياء لم يرع حق والديه ولم يصل ذا رحم ولم يؤد امانة ولم يعف عن فاحشة )) ودور الامهات بالنسبة للاناث مصيري على صعيد العفاف . وقال النبي ( ص ) : (( طوبى لمن كانت أمه عفيفة )).
ان الاسرة هي صف للاخلاق والوالدين هم معلمان جادان للناشيء ويجب ان يقوما بتهذيبه من خلال الاعتماد على الرأفة والعاطفة والاهتمام بالمشاهدات الطاهرة والسليمة في الحياة وتوسعة المهارة العقلانية والتعريف بحقائق الحياة ولفت الاهتمام بالقيم وتوسعة المعايير ذات الصلة بالآداب والسنن الدينية والاخلاقية .
قضية علاقات الصداقة
ان علاقات الصداقة امور مصيرية . ويقوم الناشيء عن طريق المعاشرة بالتشبه ويأخذ خلق الاصدقاء . ويحتاج الناشيء في هذا الامر بصورة ماسة الى التفاهم والملازمة والتوجيه .
ومن غير الواضح ان القيام بالطرد والرفض وطرح الكلام البذيء والتوبيخ الشديد تبعده عن العلاقات غير السليمة . والمهم ان نقوم بتوعيته بمحاسن وعيوب المعاشرة بالمنطق ولغة الاستدلال ونضع تحت تصرفه المعيار اللازم .
نحن لا نرغب ويجب ان لا نرغب في عزلة الناشئين لان العزلة وعدم الصداقة يسبب لهم صدمات ولكن علينا ان نعلم ان هؤلاء يهتمون عند اختيار الاصدقاء بظواهر الافراد والمظاهر البراقة وهو جهله ولاتجربة لديهم في هذا المجال ( جهل الشباب معذور وعلمه محصور ) .
والتشبه الجنسي يشكل خطراً جاداً في المعاشرة ، والتشبه الجنسي بمعنى ان الناشيء حين يرى صديقه من اهل علاقة الحب ومن اهل المعاصي ، يحاول ان لايتأخر عن القافلة وهذا الوضع يوجد لدى الناشئين الذين ترعرعوا في بيئات عائلية اكثر من غيرهم . وهكذا فانه اذا كان هناك ناشيء يبحث عن المفاسد والرذائل فانه يتأسى بصديقه ايضاً .
تعلم المسؤولية
يجب ان يدخل الناشيء الى المجتمع عاجلاً ام آجلاً ويتعايش مع الناس بصورة سليمة او انسجام مدروس . ويحتاج هذا الامر الى الاهتمام بالمسؤولية واليقظة والعلم عند اداء الوظيفة والمهارة في ذلك . ويرتبط السعي والترحك اللازم للناشيء في هذا الصدد وقدرة تحمله في هذا الامر بمدى اعداده من قبل الوالدين .
ومنذ حوالي سن 14و15 ينبغي ان يكون تكليف ومسؤولية الناشيء في الحياة العائلية معيناً بصورة كاملة وينبغي ان يتحمل عملاً ومسؤولية بما يتناسب واستطاعته وهذا يتطلب بناء وتربية الناشيء . ان عدم تحميله عملاً ومسؤولية وتركه ليلعب او حتى ليدرس تترتب عليه فيما بعد اضرار وعوارض كثيرة .
والتعريف بالوظائف وممارسة المسؤولية الاجتماعية هو جزء من الوظائف التربوية للوالدين ازاء الاولاد وينبغي في هذا المسير تهيئة الناشيء للحياة المستقبلية . تثبت التجارب اليومية ان ممارستهم في المجالات اللاحقة للحياة ستواجه مشكلات كبيرة .
بقية الموارد
هناك موارد أخرى كثيرة جديرة بالذكر على الصعيد الاجتماعي يمكن الاشارة من بينها الى الموارد التالية :
- تعريف الناشئين بحقوقهم وحقوق الآخرين ( ولها نطاق واسع وتشمل حقوق الحيوانات كذلك ) .
- تعليمهم كيفية الحكم مع امتلاك المعايير .
- تنظيم اوقات فراغهم وتوجيهها نحو الرشد والوصول الى الكمال المقدر .
- التمهيد لاقامة توازن في رغباتهم وكذلك بناء التنسيق في ابعادهم الوجودية والشخصية .
- الرفق ومداراة الناشئين خاصة في الموارد التي لديهم فيها عدم انسجام .
- مساعدتهم في معرفة انفسهم وهويتهم وامتلاك شعور بالالتزام في مجال بناء انفسهم .
- توجه الناشئين في قبول وتنفيذ دورهم الجنسي والتهيؤ للزواج.
- اعطاؤهم تكليفاً بقدر الاستطاعة والتعاون معهم في مجال تقوية التعلق والارتباط العائلي .
- المحافظة على الناشئين كي لايقعوا في شباك الاخطار والمفاسد .
- تجنب التحقير ، التمييز وغيرهما والأخذ بنظر الاعتبار بمبدء العفو في الحياة ( العفو حسنة ولكنه في الشباب احسن ) .