الحياة الثقافية للناشيء
الكاتب الدكتور علي القائمي
ان الناشيء بحاجة الى حياة ثقافية سليمة وينبغي في هذا الاطار ان يقوم الوالدان والمعلمون بتشجيعه على كسب العلم والتفكير وامتلاك فلسفة في الحياة . وينبغي ان يعلماه الآداب والتقاليد المتعارفة والمشروعة وتعليمه مراعاة الشعائر والسنن الى ان تصبح بالتدريج عادة مطلوبة لديه .
وفي التربية الاسلامية سعي لتأهيل الناشيء للدخول الى ساحة الحياة وتكيفه مع اوضاع المجتمع . ولانقصد من هذا التكيف هو الخضوع للاوضاع بل الحصول على انسجام مدروس وهادف والذي قد يحصل في إطاره معارضة ومقاومة ايضاً . وفيما يلي اهم مساعي الابوين والمعلمين في التربية الثقافية للناشيء :
البناء الثقافي للناشيء
وفي هذا الصدد تنصب المساعي نحو هذا الامر وهو :
- ان يتعرف الناشيء على ثقافة المجتمع وابعاد واجزاء ثقافاته .
- ان يتعرف على النواحي الايجابية والسلبية لتلك الثقافة ويكون قادراً على مقارنتها مع المعاير الاسلامية .
- يكون قادراً بعد التقييم على العمل لاصلاحها وازالة جوانبها السلبية .
- ان يقوي الجوانب الايجابية لتلك الثقافة ويثريها.
- ان يهتم في النهاية بكسب الثقافة وهضمها في حياته الشخصية .
- اما بشان الثقافة المحلية فيجب ان يتطبع عليها ويقوم مراعاتها في حياته بالشكل الذي يعرفه الانسان وفقاً لتلك الثقافة مرتبطاً بمجتمع خاص ولا يكون ايرانياً ولكنه اوربي من الناحية العلمية . الاطلاع على ماهية المشاكل ، الاهتمام باحتياجات الناشئين ومشكلاتهم ، توعيتهم باسرار الطبيعة ، اثارة اهتمامهم بالعدل والانصاف والاسوة والقدوات والدفع الى تحمل المسؤولية والدفع الى الاستفادة من تجارب الآخرين وغيرها . كما ان من الضروري في تربية الناشيء الاهتمام بالموارد التالية : الامتناع عن فرض الرأي ، تجنب المواعظ المتكررة ، افادة الناشيء من اللذائذ المشروعة ، توعيته بطريقة الاستفادة من العلم ، التعليم السياسي والعسكري والاجتماعي ، اثارة الاهتمام بالفن ، توعيته باسلوب العيش ، مداراة الناشيء ، اصلاح العلاقات في حالات عدم الانسجام ، ممارسة السلطة في الموارد اللازمة ، النقد في بعض الاحيان والتجاهل في بعض التصرفات . ويتم التاكيد في تربية الفتيات على تنمية وتوجيه العواطف واشغالهن بالامور الفنية مثل كتابة القصص ، الرسم ، الشعر ، النشاطات الأدبية وكذلك مراعاة النواحي ذات الصلة بالعفاف ومراعاة النجابة والتقوى , ومن المبادئ الأخرى في هذا الصدد هو الاهتمام بالعلم واصلاح التفكير والتعرف على الحقائق العلمية وتوسعة الروح العلمية .
الابعاد الاخرى لحياة الناشيء
في مرحلة الفتوة ينبغي ان يكون محور النشاطات ف ياطار التعريف بالحرف والعناوين الحرفية واسواق العمل والمعلومات المختلفة في مجال الانتفاع بالاعمال . والهدف من هذا العمل هو تهيئة الناشيء للعمل والانتاج الذي يكون في خدمة الاخلاق والانسانية وكذلك لغرض الدخول الى سوق العمل .
وتؤثر في الصحة النفسية للناشئين عوامل متعددة من الزواج والشعور بالفائدة والقدرة على القيام بعمل منتج . ولهذا السبب فان تقوية التفكير في الحقول العلمية والثقافية وكذلك الفنية والاقتصادية هي من القضايا الاساسية لحياتهم .
الاستقلال المالي
ان الناشيء لو كان لديه رشد كاف يمكن ان يصبح مالكا ً لماله ودخله .
يقول في تفسير علي بن ابراهيم للآية (( وابتلوا اليتامى )).
- من كان في يده مال بعض اليتامى .
- فلايجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم .
- فاذا احتلم ووجب عليه الحدود واقامة الفرائض .
- ولايكون مضيفاً و لا شارب خمر ولا زانياً .
- فاذا انس منه الرشد دُفع اليه المال واُشهد عليه .
- ... ولايجوز ان يُحبس ماله .
التعليم الاقتصادي
ان الوالدين والمعلمين مكلفون بتعليم الناشيء حرفة وصنعة وتعليمه كيفية الانتاج وتفهيمه كيف ينبغي ان يستهلك وبأي شكل يبعد نفسه عن الاسراف والتبذير والاتلاف والاقتار ويتحرك في مسير الاقتصاد والقناعة . وتصل امنية امتلاك حرفة الى ذروتها في هذا السن ويصبح الناشيء مستعادً لتقبل العمل .
ووظيفة المعلمين هي مساعدة الناشيء في اختيار العمل المناسب لقابليته ورغبته ويمكن ان يبدء هذا الامر منذ مرحلة الدراسة الاعدادية .
وينبغي ان يكون نمط الدراسة بالشكل الذي يستعد الناشيء منذ حوالي سن 16 بالتدريج الى الدخول الى سوق العمل وحتى انه من الصلاح ان يخصص جزء من اوقاته اليومية للدراسة وجزء آخر للانتاج.
ومنذ اوائل مرحلة الفتوة ينبغي تعريفه الى حد ما على الاعمال والحرف وحتى السماح له بالتدخل في بعض الاشياء والادوات ، ومن حقه ان يصنع ويخرب علبة او التعرف على عمل وحرفة الابوين على الاقل .
التربية الاقتصادية
ان اهم المبادئ التي ينبغي اخذها بنظر الاعتبار هي :
اقران التعليم بعمل مفيد ، تنمية روح المسؤولية لتقبل العمل والحرفة ، الدخول الى فرع دراسي علمي وتطبيقي ، ترديد هذه المسألة وهو أن ينبغي ان يتعرف على الحياة الواقعية عاجلاً أم آجلاً ويتحمل بنفسه عبء الحياة .
وخلال العمل والنشاط ينبغي احترام حريته ولا يوضع في خط وطريق يشعر فيه بالتعب ويحافظ على سلامة مكان عمله من التلوث والانحراف وتؤخذ العناية الصحية في مكان العمل بنظر الاعتبار دائماً .
وفي التربية الاقتصادية ينبغي اهتمام الوالدين والمعلمين بالموارد التالية : تعليم الخدمات والانفاق ، الاهتمام بالصدقات ، التأكيد على الاعمال اليدوية والفنية وزرع العادات اللازمة في العمل والتمهيد للمهارة والرغبة في مراعاة الضوابط الشرعية في العمل واكتساب الدخل عن الطريق الحلال وادراك قيمة المال وفهم قدسية العمل وغيرها وكذلك التمهيد للاستقلال الحرفي وكسب الدخل .
البعد السياسي
ان وصول الناشيء الى مرحلة يصبح فيها عضواً مفيداً للمجتمع مرهون بتربيته سياسياً . وينبغي ان يكون الناشيء قادراً على تحليل الاوضاع خلال امتلاكه العمل والحرفة ويكون عارفاً بحقائق المجتمع . ينبغي ان يبدء حياته السياسية من الاعمال التعبوية وتتهيأ الارضية بالتدريج لاستقلاله السياسي.
وهناك ضرورة للقيام بهكذا امر خاصة وان هؤلاء هم رجال ونساء المجتمع في المستقبل ويعتبرون امل الشعب في التقدم والادارة وتحقيق اهداف المجتمع . ومن شروط الرشد السياسي معرفة اجواء الحكم والظروف السائدة ومعرفة القواعد والمقررات والرغبة في اقامة الحق في المجتمع .
ان اساس التربية يقوم على لعب دور سياسي بالشكل المشروع ووفقاً للضوابط الاسلامية وهذا يوجب ان نبادر الى الارشاد والتوجيه السياسي للناشيء على ضوء التعاليم الاسلامية في مجالات الحكم والفكر السياسي للاسلام ، الحرية ، القانون وغيرها وكذلك من خلال التاكيد على النظرة الاجتماعية القائمة على المصلحة .
التربية السياسية للناشيء
ينبغي التاكيد على الرشد السياسي ورقي الناشيء في التربية السياسية وفي هذا المجال فان الاساس هو الادراك السياسي للانتماء السياسي .
وينبغي ان تكون لدى الناشيء معرفة واضحة للحكم واسسه ومبناه ويكون محباً للحكم وفي خط قبوله . وينبغي ان يكون على رأس اموره الاهتمام بالوطن الاسلامي بوصفه بيت آمن وملاذاً للناس.
وينبغي تفيهم الناشيء عملياً منح الحرية والاستقلال ، التربية على عدم استغلال السلطة في البيت ، التاكيد على العدالة والقسط ، السعي في القيام بتحركات وتصرفات تدعو للفخر والابتعاد عن العنف والتجاوز.
وتقع التربية الدينية والاخلاقية على رأس سلم البرامج السياسية . واضافة الى ذلك ينبغي النظر الى الفكر الاساسي للسيطرة على الانحراف ، اصلاح حالات الشوق والتحرك في خط الاعتدال ومراعاة الموازنات بوصفها ضرورة .
وتقوم التربية السياسية على اساس الانضباط ويطرح الاعداد العسكري في ظل ذلك الانضباط . ويقوم اساس الاعداد العسكري على حرية الانسان وكرامته ويقظة الوازع الديني والممارسة العلمية لمراعاة النظم والاهتمام بطاعة المافوق .
ويتمكن الناشيء من المشاركة في الحرب حين يكون بالغا ً الا ان تكون لديه مهارة في احد الفنون القتالية مثل الرماية . وفي معركة احد اذن رسول الله لناشئين غير بالغين كانت لديهما مهارة قتالية بالمشاركة في المعركة وبعد ادائهما لمهمتهما قدم لهما مكافأة .
التربية الدينية للناشيء
تقع على عاتق الوالدين مسؤولية التربية الدينية للناشيء في هذه المرحلة وتعليمه المسائل الدينية والاحكام والقضاء وتعاليمه .
ويشبع التعليم الديني للناشيء شعوره الديني ويسيطر على رغباته الطبيعية وغرائزه ويحفظ سلوكه من الاخطار في المسير الحاد لرياح الحياة .
ان الايمان بالله يضمن اجراء اوامر ( الضمير الاخلاقي ) وملاذ الناشيء وعامل في اطمئنان روحه وسكون نفسه . والايمان بمبدأ الوجود يؤدي الى اعتدال حال الفوران ويحول دون الاثارات الخطيرة ولهذا اعتبر شرطة باطنية . وقال الامام الصادق في حديث ما مضمونه ان الايمان بالله هو عامل للطاعة وتجنب العصيان . وكذلك عامل يحول دون حصول افكار ومشاعر افراطية . وهذا الامر اكثر ضرورة في عصرنا بسبب ان عوامل الفساد والاثارة تقبل على الناشيء من كل جهة وتحيط به .
اساس التربية الدينية
تقوم التربية الدينية للناشيء على اساس الموارد التالية : زرع الايمان لبناء نفس الناشيء ، اقامة توازن باطني ، الاعتماد على سلامة النفس ، التسليم لرضا الله ، التدرب على الصبر على البلاء ، الشكر على المصائب والمصاعب ، السعي في ذكر الله ، الاستفادة من نهج واسلوب القدوات الدينية ، مراعاة مبدأ الرقابة الاجتماعية ، رفع مستوى الوعي الديني ، الاهتمام بسيرة الانبياء والاوصياء واقامة الشعائر .
وفي هذا السم تنتقل العبادات من مرحلة المعرفة الى مرحلة العمل بالشكل الذي يكون الناشيء عاملاً بالتعاليم الدينية ويتحرك لحل مسائله ومشكلاته الدينية . وتزرع فسيلة العقيدة السليمة في قلبه بالشكل الذي يتمكن من الدفاع عن عقائده ، يصلي ، يصوم ، يجاهد ويقوم بمراعاة التقوى الشخصية .
اجراء التعاليم الدينية
ان الصلاة تجب على الفتى في سن 13 واذا احتلم قبل ذلك وجبت عليه الصلاة منذ ذلك السن ويجري عليه الحكم الاسلامي .
وعلى هذا الاساس تكتب له الحسنة والسيئة . الا ان يكون سفيهاً او مريضاً . وفي بعض النصوص الاسلامية اعتبر سن 14 اساساً الا ان يبلغ قبل ذلك .
ان توسعة وتعميق معرفة المعارف الدينية ، الصورة العملية والتنفيذية للدين ، التدرب لغرض حسن اجراء التعاليم الدينية لها اهمية في التربية الدينية وذروة اجراء هذه الفكرة ترتبط بسن 13-19 . وتؤثر في هذا الامر اقامة الجلسات الدينية في البيت والمدرسة وفي كل الاحوال ينبغي تزويد الناشيء بالفكر الديني قبل ان ينحرف عن الطريق بسبب العوامل الضالة . ( بادروا احداثكم بالحديث قبل ان يسبقكم اليهم المرحبة ) .