مفهوم الفتوة
الكاتب الدكتور علي القائمي
إن البلوغ والفتوة يعتبران مصطلحان مترادفان في لغة العرف ويتم استخدام أحدهما بدل الآخر، في حين أنهما يختلفان عن أحدهما الآخر؛ لأن البلوغ هو الحالة والوصفية التي تظهر في مرحلة الفتوة. وبعبارة أخرى يُطلق على التغيير في مرحلة الفتوة والفتوة هي مرحلة خاصة من العمر. وفي اللغة الإنجليزية تُستخدم كلمة puberty للبلوغ وكلمة Adolescpmec للفتوة. ويبين المصطلح الأخير من ناحية الجذر ومن ناحية الاستخدام الصفات والخصائص الفيزيولوجية وخصائص علم النفس التي تسود الأفراد منذ بداية البلوغ حتى البلوغ الكامل والوصول إلى شأن ومرتبة كبار السن. وذكرت لسنين البلوغ خصائص سنتحدث عنها خلال البحوث والفصول المقبلة.
الدخول إلى عالم آخر
إن الفتوة تعرّف تغييراً عميقاً يظهر لدى الأفراد ويخرج بسببها الطفل من أجوائه ويدخل عالم أفراد أكبر منه سناً. والفتوة مرحلة من النمو يعتبر فيها التغيير أمر جاد ومؤكد. ومنذ بداية الفتوة وخاصة منذ بداية البلوغ يتعرض الفرد إلى تغيير مستمر ويواجه في هذا الصدد الفرد والآخرون صعاب ومشكلات تستمر حتى تمر سنتان أو ثلاث سنوات على الفرد في مرحلة ازدهار بلوغه وفتوته ويصل إلى حالة من التوازن.
وتستمر هذه العوامل والظروف حتى الأعوام الأخيرة من السنين العشرة الثانية حيث يكمل النمو البدني إلى حد ما وتستمر بعد ذلك إلى حد ما ، ويكون توهجه قليل وعلائمه غير محسوسة وفي أواخر هذه المرحلة تحصل للفتى أحياناً قضية ودافعاً يمكن على ضوئه إدراك أنه لم يصل بعد إلى مرحلة النضج.
وهو حدث في جميع مرحلة الفتوة، أي، جديد وفي أول الخط وهذا الوصف لا يعتبر ذم للحدث ونحن لا نريد أن نعتبره مقصراً في هذا الوضع والظروف، بل نريد القول أن الحدث ليس لديه عمراً وتجربة كافية حتى نتوقع منه الكثير. وشخصيته لم تتبلور بالعلم والعمل حتى يتصرف مثل كبار السن ولكن هناك أمل في أن يصل إلى هكذا وضع في المستقبل القريب.
علم نفس الفتى
قال المرحوم الشيخ البهائي، وهو من مفاخر علماء الشيعة في تفسير الآية القرآنية: (الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)[1].
عن الكلمات والعبارات الآنفة تبين في الحقيقة سنين العمر المختلفة: - تشير كلمة (لعب) إلى أن الطفل ما دام طفلاً فإنه من أهل اللعب وينشغل به.
- تبين كلمة (لهو) أن الناشيء حين يصل سن البلوغ وتشتد عظامه يصبح محباً للهو.
- وتعبر كلمة (زينة) عن أن بلوغ الناشيء حينما يصل إلى منتهى النمو والأزدهار فإنه يهتم بتزيين وترتيب نفسه.
- وتشير كلمة (تفاخر) أن الإنسان عندما يبلغ سن الشباب والكبر يهتم باللباس الفاخر وواسطة النقل المثيرة للإلفات والمنزل الجميل وغيرها.
- وتعبر كلمة (تكاثر) عن أن الإنسان في مرحلة الشيخوخة يسعى لزيادة المال والأولاد وغيرهما[2].
أجل إن الدخول في مرحلة الفتوة وخاصة الدخول في عالم البلوغ ونضج الغدد، مدعاة لظهور تغييرات في المطالب والأفكار والطرق والأساليب والتصرفات، وكافة هذه الأمور تبين مرحلة مرور. وفي هذه المرحلة تتغير الحياة الرتيبة للفرد وتحصل له أجواء مختلفة. وفي هذه السنين يصدر عن الفرد أحياناً سلوك شبيه بنظر الكثير بحالة السكر وفي مؤلفات بعض أصحاب النظر نلاحظ هكذا تعبيرات.
وعلى صعيد علم النفس في هذه المرحلة، يجب أن نقول أن توقع ملاحظة سلوك عادي من الفتى وفقاً للتعريف المتوفر لسلوك الناس المتزنين هو توقع خاطيء؛ لأنه في هذه المرحلة ليس طفلاً حتى يتصرف مثل الأطفال وليس فتىً حتى يصدر عنه سلوك شبيه بسلوك كبار السن. بل يصدر عنه دوماً سلوك لا يمكن تعريفه ولذلك يُسمى (مراهق).
الفتى في الثقافات المختلفة
يختلف مفهوم الفتوة في مختلف الثقافات، ومن هنا تكون الآمال المعقودة على الشباب متباينة. ففي مجتمعنا وفي عصور غير بعيدة؛ أي في الفترة التي سبقت تأسيس المدارس الجديدة، كانوا يدخلون الناشيء إلى سوق العمل منذ منتصفات بداية العمر وكانوا يأملون فيه القيام بالمعاملات والبيع والشراء. وكانوا يوفدون الأطفال إلى المكاتب ويعلمونهم القراءة والكتابة والحساب والأخلاق والأمور الشرعية والتاريخ والآداب أحياناً وشيئاً من اللغة العربية وهكذا كان الأحداث في الأعمار التي تتراوح بين 14-16 سنة يدخلون إلى الحياة الاجتماعية والعمل بالتدريج. وكانوا يهيئون مستلزمات زواجهم وهم في أعمار تتراوح بين 16 و 17 عاماً وكانوا يلقون على عاتقه مسؤولية المعيشة. وعلى هذا الأساس فإن ما كان ينتظر من الناشيء في ذلك العصر يختلف تماماً عن الوقت الراهن.
ويختلف شكل التفكير في المجتمعات المختلفة فيما يتعلق بالمستويات الثقافية والاقتصادية والسياسية ويؤثر هذا الاختلاف في كيفية التعامل مع الناشيء واستقلاله أو تبعيته. ومعنى الفتوة في عصرنا هي السنين التي تتراوح بين 12-18 سنة. ولا يُنتظر في هذه المرحلة أن تكون تصرفات وسلوك الناشيء عقلانية إلى حد ما.
إن هذه المرحلة هي فترة قصيرة يحصل فيها نمو سريع، وهي مرحلة صعبة وخاصة ترافقها نفي وطرد. ويختلف قصر أو طول هذه المرحلة بما يتناسب والظروف المختلفة للثقافات وخاصة العوائل. ومن هنا يواجه الناشئون ظروفاً مختلفة في المجتمعات والعوائل المختلفة.
مرحلة البحث عن الهوية
يحصل تغيير في الخط الذهني وتفكير الفتى منذ سن 12 يدفعه إلى البحث لأكتشاف هويته وتهيء العوام التالية الأرضية للوصول إلى هذا الهدف :
- ارتفاع الطول وحصول تغييره ظاهرة وجديدة في البدن تثير يقظة الناشيء إزاء نفسه.
- ظهور رغبات جديدة ناجمة عن نشاط الغدد لدى الناشئين والتي تؤدي إلى يقظتهم.
- الدوافع الهجومية (لدى الذكور) والتقبلية والإنفعالية (لدى الأناث) والناجمة عن نشاط الغدد لديهم.
- عدم ثقة الفتى بالأفراد البالغين بشكل بحيث تظهر لديه شكوك فيما يتعلق بأقوالهم واستنتاجاتهم.
- السعي للحصول على مزيد من الحرية والاستقلال والرغبة في إدارة نفسه وقابليته.
- السعي لجعل نفسه مقبولاً لدى الآخرين خاصة لدى الجنس الآخر حيث يحركه دافع غريزي.
- إدراك وتمييز الحسن من السيء والقبيح من الجميل والحق من الباطل والذي يؤدي إلى اتخاذه موقفاً خاصاً.
- يقظة الفطرة والضمير الذي يظهر لديه منذ بداية الفتوة ويتجه نحو الإزدهار إلى درجة بحيث يحاكمه في حالة ارتكاب شر وعمل قبيح.
- وأخيراً ظهور حالات ووضع جديد مثل حالة الجنابة لدى الذكور والحيض لدى الأناث، وظهور حساسيات عاطفية، وتنبيهات متكررة من قبل الآباء والمربين توضح له أنهم أصبحوا كباراً وغير ذلك وحصول تطلعات جديدة من قبلهم، وجميع هذه الموارد تهيء الأرضية لدى الفتى في مجال البحث عن الهوية.
ماهية الفتوة
إن الفتوة هي مرحلة من مراحل العمر، ولها ماهية الانتقال والتغيير ويسعى الفتى دوماً للإنسجام معها. إن الفتوة هي مرحلة خروج من عالم الطفولة والدخول إلى عالم الكبار وتقبل مسؤولية الزوجية والأبوة والأمومة.
وحاول بعض أصحاب الرأي وصف ماهية الفتوة بأنها ماهية بيولوجية صرفة بينما اعتبرها آخرون ماهية اجتماعية صرفة. ولكن باعتقادنا أن ظاهرة بهذه الأهمية لا يمكن تلخيصها في نظام بيولوجي أو سوسيولوجي صرف لأن تصرفات وسلوك الناشيء وإدراكه واستدلاله وأمنياته ونشده الكمال وطلبه النمو وأهم منها طلبه الجانب المعنوي يعبر عن وجود ماهيات أخرى يمكن الإشارة من بينها إلى عوامل ما وراء المادة. ولا نشك أن قضايا هذه المرحلة لم يتم التعرف عليها حتى الآن جيداً وبصورة كاملة خاصة وأن لها أنواع مختلفة ولا تزال كثير من جوانبها وأبعادها مجهولة. نأمل أن نصل في الفصول القادمة خلال بيان الموضوعات إلى خلاصات قيمة في هذا الصدد.