معرفة البنات
الكاتب الدكتور علي القائمي
إن مسألة البلوغ تعتبر من المسائل المهمة في حياة الإنسان وإن اجتياز هذه المرحلة شبيه مرحلة الولادة وآلامها. أن الدخول في هذه المرحلة بمثابة ولادة جديدة لأنها تحمل في طياتها مسائل ومشكلات جديدة ووجهات نظر ونقاط مهمة, ففي بعض المجتمعات تتبع أساليب من أجل بناء الشباب في مرحلة البلوغ يتحمل فيها الشباب صعوبات وآلام وذلك لإعدادهم الإعداد اللائق للعيش في مجتمعهم- طبعاً لا يوجد من هذا القبيل في الإسلام, حيث أن الاصول جرت على أن يكون الصبيان والشبان في سن السبعة الثالثة من عمرهم بعنوان وزراء ومشاورين للوالدين حيث يستفيدون من تجارب وعقل آبائهم.
إن البحث حول هؤلاء وفي عالم التربية يتضمن محورين, الأول: هو معرفة هؤلاء والإطلاع على خصوصياتهم.
الثاني: مسألة هداية وتربية هؤلاء, حيث سنقوم بطرح هذا البحث من خلال فصلين.
معرفة البنات:
أن الذي سوف نطرحه في هذا الفصل هو مسألة معرفة الشباب حيث سنطرح هذا الأمر من وجهات نظر مختلفة, ويجب على الوالدين والمربين أن يكونوا في حالة يقظة تامة تجاه هذا الأمر.
1- في الجانب الحياتي: في الجانب الحياتي فإن البنات في هذا السن يواجهن نمواً سريعاً, حيث تظهر التباينات والاختلافات البدنية بين البنت والولد, حيث يتغير توازن الجسم أثر ترشح الغدد, ظهور تغييرات في الوزن, الطول, لون الوجه, قدرة وقوة ونمو الجسم, ظهور انقلابات في السلوك والصفات.
حيث تتحرك الغريزة الجنسية لدى البنت وتبرز الصفات الجنسية الثانوية بشكل علني, وفي سن 12-14 سنة تبدأ الدورة الشهرية حيث تخاف البنت في البدء من هذه المظاهرة التي تكون فيها البنت مستعدة للزواج ومستعدة لكي تكون اماً.
في هذه السنين تظهر لدى البنات انحرافات غريزية للاتي لا يتمتعن بوعي وإيمان كافٍ مثل حالة حب أفراد جنسها, الارتباط مع بقية البنات, حب المعلمات, البحث من جو خالٍ بغية إرضاء رغباتها الجنسية و... التحريكات الناتجة من النظر والسمع واللمس تكون شديدة.
2- في المجالات الروحية: تعتبر مرحلة البلوغ مرحلة الأزمات, وتتجسد هذه الأزمات في عدم الالتزام, وافتعال الضجة والخشونة والمنافسة, والحركات والتصرفات الغير موزونة حيث تظهر على سلوك الشباب بشكل واضح, وأيضاً فإن الشاب في هذا السن يكون فريسة للخيال, فتسوقه خيالاته إلى عالم آخر وتبرز لديه حالة أخرى, حيث أن خياله يحتوي على لطافة ففي برهة من الزمان تراه يتراجع من أقصى نقاط وصلها في خياله هذا.
إن سن البلوغ يمثل سن الطغيان والثورة وظهور الحالات النفسية مثل السادوية وتظهر عنده ظاهرة حب أذى نفسه التي تختفي بالتدريج عندما تظهر عنده الرغبة في الاستقلال والكبرياء, وفي نفس الوقت يكون خجولا حيث يظهر الاحمرار على وجهه عند التحدث.
أن حيائه وخجله يكون سبباً في عدم إعطاء الجواب السلبي لما يطلب منه, وهذا الأمر يجعله عرضة لأن تتجلي عليه الخدعة والاحتيال, وبالأخص في هذا السن حيث أنه يبحث عن مسكن لاضطرابه وهلعه, فالتردد والوسوسة التي تنتابه تكون سبباً في اضطرابه ويكون هذا الاضطراب السبب عدم مقدرته على الابتكار والاختراع, ويكون اعتماده على نفسه ضعيفاً, منكوس الرأس, تبدو عليه علامات التسليم والانكسار, ميالا لاستمالة قلوب الآخرين بواسطة إضحاكهم وجلب استغرابهم وانتباههم وذلك ليجبر ضعفه وليكون مقبولا لديهم.
أن تردده في الاعتقاد وقوة وقدرة بدنه تدفعهه إلى تجربة نفسه في المجالات المعنوية والمسائل الأخرى, وفي هذه التجارب نرى غروره وكبريائه يزداد ويكبر في بعض الأحيان أو يتحطم, وفي بعض الأحيان يكون هذا الأمر أحد عوامل انحرافه.
3- في المجالات العاطفية: إن الجوانب العاطفية تعتبر أشد عند البنت وهذا الأمر له منشأ فيسيولوجي, تكون علاقاتها أرق من علاقات البنين, تستطيع الحصول على صديقه بسرعة وتضحي في سبيلها بكل وجودها. وتستطيع أن تتحرر من عواطفها وعلاقاتها القديمة بسرعة, لتنشأ علاقات وعواطف جديدة, تتحرر من عواطفها وعلاقاتها القديمة بسرعة, لتنشأ علاقات وعواطف جديدة, فمثلا حبها للأب والأخ وعواطفها تجاههم سرعان ما تتبدل فيحل محلها حب الزوج والابن, تتحرر من الأجواء العائلية التي كانت ترتبط بها قبل الزواج لتذهب إلى عائلة جديدة فتعيش معها وكأنها تألفها لسنين طوال, عاطفتها تكون سبباً في حركتها وكذلك تكون عاملا لقبولها للوضع الجديد, فهي ضمانة للمحبة وتموت من أجلها, فإذا ما شاهدت إعراض من شخص لها به علاقة فإن هذا الأمر يكون سببا في عذابها وبالإمكان أن يكون عاملاً في انحرافها وسقوطها.
تسعى البنت دائماً لإظهار نفسها بمظهر يؤمن لها جلب محبة الآخرين وفي هذا الطريق ممكن أن تكون شاعرة فتكتب الشعر أو كاتبة تكتب مقالة فيها ثورة وهيجان تبرزه في تلك المقالة. وهي تستطيع أن تصبر وتتحمل الحرمان الذي تعانيه لكنها لا تستطيع تحمل أن يقول لها أحد باني لا أحبك, حيث يعتبر من بواعث ألمها ومعاناتها.
البنت تتمتع بقابلية عاطفية مفرطة وإحساسات قوية لها جذور, عندها طموح شديد بأن تكون قائداً وإذا لم يتحقق لها هذا الأمر فإنها ستصبح مصدر خطر, من مشاكلها العاطفية مشكلة سرعة التحريك والغرور والإفراط في المحبة والغضب والحقد وحب الانتقام المفرط.
4- في المجالات الأخلاقية: كما قلنا فإن البنت تكون مغرورة في سن الشباب, وغرورها بالإمكان أن يسبب لها العذاب ويبعدها عن اتخاذ المواقف المبنية على أساس من التعقل, وغرورها يصل في بعض الأحيان إلى أن تتفوه بكلمات غير مسؤولة تمليها عليها نشوة الشباب وحتى في بعض الأحيان ممكن أن يجرها غرورها إلى الجنون. الانتظار الزائد عن الحد إحدى صفات البنت, فتشعر بأن الجميع مدين لها ويجب أن يكونوا في خدمتها بدون أن تقدم للآخرين أية خدمة, تحب تحقير الآخرين واصطناع الأجواء المتشنجة ولولا صفة الحياء الغالبة على سلوكها فان الامور ستؤول الى مالا يحمد عقباه .فهي لا ترتضي الوالدين بعنوان قدوة ونموذج للتقليد, فتنتقدهم بدون حياء لأن انتقادها قريب من التماس العيوب منه إلى الانتقاد, تغالي في إبراز نفسها وإظهار قابلياتها ومهارتها وتتحدث عن نفسها كثيراً لا تسالم إلا عن طريق الحب والخدعة, تحب الطهارة بشكل مطلق وفي حالة كونها ملوثة فإنها تحب الانحراف بشكل مطلق, وإذا ما شاهدت أن هناك هدفاً كبيراً فهي على استعداد على أن تضحي بكل ما تملك في سبيل الهدف. وفي بعض الأحيان فإنها تزهد في هذا الهدف وتتحكم بها التقوى.
5- في المجالات المذهبية: تعتبر مرحلة الشباب من المراحل المهمة التي يحتاج بها الإنسان إلى الدين, لذا فإنه يسعى في هذه المرحلة إلى معرفة دينه، لا يرغب أن يقبل شيء بدون معرفة وتفكير مثله كمثل الأعمى, يسير بدون بصيرة من أمره. وهذا الإحساس له منشأ حسب رأي الماديون, طبعاً يخجل الإنسان من ذكر رأيهم, أما الإلهيون فيعزون هذا التوجه إلى الحاجة الفطرية واليقظة الوجدانية التي تدفع الإنسان للبحث عن تعاليم الدين وأحكامه حيث أن هناك تناغم بين فطرة الإنسان وتعاليم الدين, وعلى أية حال فإن الروح الدينية والحس الديني يقوى ويشتد في هذه المرحلة.
وممكن أن يتخذ سبيل الإفراط والتفريط في هذا المجال, فيكون في بعض الأحيان من أهل العبادة وصلاة الليل, وفي بعض الأحيان من ذوي الشرك والكفر, أو في بعض الأحيان نراه متعصباً إلى دينه إلى درجة لا يقبل تدين والديه أو قيادي الدين والمذهب. يكون مقلداً في تدينه بسبب حاجته إلى ذلك, ويكون من محبي المجالس, ومن الذين يحبون إتباع الفرق المذهبية حيث يصرف أكثر أوقاته في هذا الطريق. طبعاً يجب أن لا ننسى بأن المتطرفين في تدينهم يصبحون من اللادينيين في المستقبل.
إن البعض من الذين يعبدون الله لغرض المتاجرة يطلبون من الله سبحانه وتعالى أجراً مقابل عبادته ويتصورون أن الأحياء والعبادة والصلاة والصوم تجعلهم بمكان إذا أرادوا شيئاً مقابلها من الله سبحانه وتعالى فإن هذا الشيء سيتحقق, في حين أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى مصلحة العبد في إعطائه سؤله أو عدم إعطائه. ومسألة الشك في الدين من المسائل الرائجة عند الشباب, وقصته الجنة والنار تعتبر من المسائل المهمة عندهم, وبعض المسائل مثل مسألة الجبر والتفويض من المسائل التي تشغل ذهنه لمدة طويلة. يغلب التحكم وعدم الاستدلال والمنطقية على دينه, يحتاج إلى من يحل له هذه المسائل ويقنعه بذلك بالدليل.
6- الحساسيات: أن سن البلوغ هو سن التحسس والحساسية, وبالأخص بالنسبة للبنت التي تتمتع بعاطفة رقيقة, وكذلك فإنها تتمتع بصفة الأنا فهي ترغب بأن تكون الأولى في كل شيء وكذلك فإنها تهتم بنفسها قبل كل شيء, وعلى هذا الأساس فإنها حساسة مقابل نواقصها الجسمية أو أصغر عيب ينسب إليها, فهي تقلق بسبب خروج البثور على وجهها بسبب أنها لا تريد أن يتعرض جمالها لخدشة صغيرة, علاوة على ذلك فإنها لا تستطيع تحمل الانتقادات ولا تستطيع ضبط نفسها أمام هذه الانتقادات, وتسعى لأن تكون ملابسها خالية من أي عيب أو إشكال. وهي حساسة أمام أي شكل من أشكال الاستهزاء والسخرية وكل أمر يسبب لها الحقارة, فتقف مقاومة أمام هذا الشيء, وفي حالة عدم اقتدارها على المقاومة فإنها تلجأ إلى أساليب أخرى تعرض نفسها وحياتها للخطر.
إن هذه الأزمات تبرز للبنت في الوقت الذي تكون فيه غير مهيئة عقلاً وتجربة بحيث لا تستطيع أن تكون قادرة على الصمود في مقابل كل الأمور, وعادة فإن الحساسية تكون شديدة في نوعين من البنات:
المجموعة الأولى التي تمثل البنات اللاتي واجهن الإخفاق وعدم الموفقية في حياتهن.
المجموعة الثانية: في البنات اللاتي عشن منعمات مترفات في حياتهن.
طبعاً إذا أصبحت البنت في حال تستطيع فيه السيطرة على اضطرابها وهيجانها أو على الأقل فإنها لا تخضع للتحريكات التي تسبب لها الحساسية والهيجان فإن مسائلها تكون قابلة للحل إلى حد ما .
7- الحاجات: أن البنت في هذه المرحلة عبارة عن مجموعة من الاحتياجات والمتطلبات, وأصولاً فإن البنت في مرحلة البلوغ تكون بحاجة إلى من يحقق لها ما تريد ولا ترغب بأن تعطي شيء لأحد, ومن بين احتياجاتها تحتاج إلى من يمدحها ويثني عليها ويحبها ويعرف منزلتها وأهميتها. تريد أن تصبح وبسرعة عضواً مهماً وصاحبة عائلة وتشكيلات وأولاد لا هم ولا غم لها, مستقلة, وفي هذه الناحية نراها تلجأ إلى الخيالات والأحلام.
عادة أن تكون ذات حاجات متعددة فهي تحتاج إلى المعرفة وكسب الوعي حول نفسها والخلقة, جريانات الأمور, الدين, العادات والتقاليد المعول عليها في الحياة وبحاجة إلى درك الواقعيات التي تحيط بها. تحتاج إلى إدراك وفهم القيم ودرك حقوقها وحقوق الآخرين وتحتاج إلى المحبة والهداية والإرشاد والاعتماد على النفس وعزة النفس والاستقلال المشروط, وتحتاج إلى الصحة وسلامة البدن والجمال والابتعاد عن الخطر وتأمين الاستقلال وفهم الحقوق والواجبات, والاحترام, وفهم القيم الدينية, ومعرفة نفسها وبناء شخصيتها, واللياقة والكفاية, وكيفية إنشاء العلاقات مع البنات الأخرى.
وأخيراً فهي بحاجة على الابتعاد عن الخوف والاضطرابات وأن تكون محبوبة, وتسعى دائماً وتتفانى لتأمين هذه الاحتياجات ورفع متطلبات عيشها.
المشاكل التي تعاني منها البنت:
من خلال مجموعة من البحوث التي أجريت على العديد من البنات الشابات ظهر بأن لديهن الكثير من المشاكل العالقة في أذهانهن وتعتري طريقهن, وهن في سعي لرفع هذه المشكلات وحلها ورفع الصعوبات عن طريقهن, ولديهن الرغبة للإطلاع وكسب المعلومات حول بعض الأمور كالحمل والزواج وعواقب الانحراف والخطأ وكيفية القيام بالمسؤولية تجاه المجتمع وعشرات المسائل من هذا القبيل.
أما المشكلات التي تواجه البنت فهي كثيرة منها الانحراف الخلقي, النشاطات الهدامة, الضجر والغم, عدم الرغبة في القيام بالعمل, الإحساس باليأس, وجود الأفكار المؤذية التي تعمل في ذهنها مثل الانتحار, الخوف الواهي, الهذيان والثرثرة, ظن تسوء عبادة هوى النفس, العلاقة بالأمور الواهية, الضلالة, الإغراق والغلو و... والبنت عرضة للإصابة بالأمراض المختلفة من قبيل سوء الهضم, التعب المفرط, الهيجانات الروحية, الإصابة بالأمراض السارية, ورب سائل يسأل لماذا يكون للبنت الاستعداد للإصابة بهذه الأمراض؟
والجواب: أن السبب في ذلك يعود إلى الاضطرابات الذهنية المستمرة والمتعددة ومن بينها القلق على جمالها, أو القلق من ظهور البثور على وجهها والتي تأمل أن تزول, الإحساس بوجع الرأس, الرغبة في قلة الوزن والرغبة في أن تكون ذات جسم لطيف, والسعي لأن يكون عندها استقلال في الحياة والقدرة على الورود في عالم السياسة, وسوء الظن بالآخرين.
البنت ومشاورة الوالدين:
أن المهم لدينا في التربية هو هداية البنت, تقوية قلبها لمواجهة المشكلات, إرشادها في الأمور التي تعلق بذهنها, إيجاد موانع في طريق أفكارها وذهنها بشكل تطمئن فيه بأنه لا يوجد خطر يهددها.
يجب علينا أن نقوم بدور الموجه للبنت في السبعة الثالثة من عمرها, وحتى في بعض الموارد نقوم بمشاورتها, ومع خلط قدرتها وتجاربنا في الحياة فإننا نستطيع أن نوصلها إلى هدفها ونعطيها درساً في الحياة.
إن الأم في هذه المرحلة يجب أن تكون ممن يفكرن بمصلحة البنت فتسلمها بالوعي واليقظة أمام التيارات والأمور الحادثة وأن لا تترك البنت وشأنها لأن تركها وشأنها يعد خطراً كبيراً على مستقبلها.
ويجب أن لا تقصر في حمايتها والإشراف عليها, وهناك مسائل أخرى في مجال هدايتها وتربيتها سوف نتعرض لها بإذنه تعالى في بحوثنا القادمة.