النمو النفسي

الكاتب الدكتور علي القائمي

تبدء مقدمات النمو النفسي منذ بداية مرحلة الفتوة وتمهد لادراك وفهم اكثر وتخلص من حالة التبعية والوصول الى اتخاذ القرار والاستقلال ويتطور هذا الوضع الى درجة ان الناشيء يستطيع من ادارة شؤونه.

ولايكون النمو النفسي منسجماً دائماً مع النمو البدني مما يؤدي الى تعرض التكيف الاجتماعي للناشيء الى الخطر احياناً . ويكون نموه البدني سريع الى درجة بحيث يمكن القول انه يدخل الى عالم الكبار دفعة واحدة ولكن نموه النفسي ليس بهذه السرعة ، لأنه ينبغي أن يحصل على علم وتجارب وهذا الأمر تدريجي . ولكن يظل هناك أمل في ان يتحرك بالتزامن مع النمو البدني مع قليل من التاخير وتتسع تدريجياً آفاقه الفكرية والنفسية . تجدر الاشارة الى أن هذا النمو والتوسعة يكون ملفتاً للنظر خاصة اذا دخل مرحلة البلوغ .

 

النظام النفسي للناشيء

 

ان النمو النفسي لناشئ ليس منظماً وتلقائياً ، بل يكون غير منظم ويمر بمنعطفات بحيث نلاحظ فيه تارة حالة تقدم وحالة عودة احياناً . ولايمكن الأخذ بنظر الاعتبار سناً خاصاً لمرحلة الفتوة ، لأنها ترتبط بظروف مختلفة لدى مختلف الأفراد وينبغي انتظار مرور الزمن كي يصبح هذا الأمر على شكل منظم والتمكن من العثور على استمارة واضحة له.

وفي مرحلة البلوغ ، يبدء النمو الباطني هجمته ويلقي بظلاله على حياة وطريق واسلوب الناشيء على شكل عامل قوي ويؤدي الى حصول تغييرات لديه تكون موضع دراسة اكثر من بقية التغييرات.

ويرى بياجه ان هناك لابد من دورات عظيمة في النظام النفسي للافراد هي : الدورة البدنية – الحركية ، دوره اعداد واستقرار العمليات ودورة العمليات المنطقية بصورة منطقية – عينية وتوجد حالات وأزمنة مختلفة لكل منها.

 

المعرفة الفطرية

تنشط الفطرة من جديد في مرحلة الفتوة وتحصل لدى الأفراد المعرفة الفطرية وبعد ان كانت لدى الأفراد قضية مغطاة بسحب مختلفة من التلقينات والاعلام والضغوط البيئية فانها تظهر الآن وتهيء الارضية لدى الناشيء للنمو والتحرك نحو الكمال .

ان نشاط الفطرة هو في الحقيقة نشاط نوع من انواع المعرفة ونشاط المعرفة هو بدوره عامل لنشاط الرغبة الفطرية التي تدعو الناشيء الى الطهر والفضيلة ، وتكون هذه الحالة قوية لدى الناشيء الى درجة بحيث يتأثر على النواقص والرذائل التي لدى الآخرين وكذلك على الأحاييل والخدع .

ونلاحظ في هذه المرحلة تجلياً للفطرة في ضمائر الافراد والضمير هو المواقف ، ووفقاً لهذا النشاط الفطري وطلب وحكم الضمير هذا يريد الناشئون أن تسود العالم الاخلاق والسجايا المساعدة في النمو ، وهذه الحالة تلاحظ بالطبع في كافة مراحل العمر ولن يكون لها ظهور اكثر في مرحلة الفتوة , ومن خلال قوة الضمير والفطرة تكون امهات الرذائل والفضائل تحت تصرف الناشيء.

 

النمو المعرفي

وفي ظل النمو والتقدم في السن يحصل الناشيء على تجلي آخر للوضع الباطني نعبر عنه بالنمو المعرفي . يقول اريكيون ، ان الناشئين يمرون في ازمة تعرف ويريدون ان يعلموا ماهي الشخصية التي سيحملونها وماهي الطريقة التي سيتبعونها في الحياة.

ويستمر نمو القابليات المعرفية من حيث الكم والنوعية ويقول أحد العلماء ، ان اكثر الناشئين يتحركون نحو آخر مرحلة النمو المعرفي في خلال السنوات الأولية لمرحلة الفتوة وتظهر لدى الأفراد قابلية تعميم وتجريد جديدة . وتفتح ابواب حقائق كثيرة بوجه الناشيء في ظل ذلك وتدخله الى عالم جديد من المعرفة .

ويلقي التغيير الانقلابي في داخل الفتى ، بظلاله على جميع معارفه التي اكتسبها سابقاً ويضع أمامها علامة استفهام . وكأن القابليات تحولت الى فعل وتدفعه نحو تجربة جديدة من المعلومات . ويقترن هذا التوع من النمو بتبلور النضج الاجتماعي والحصول على الاستعداد لاداء دور الشباب والكهولة .

واشرنا في فصول ماضية الى حديث للامام علي ( ع) قال فيه : ( لايزال العقل والحمق يتغالبان على الرجل الى ثماني عشر سنة فاذا بلغها غلب عليه اكثر مما فيه ).

 

 

النزعة الهدفية

ينمو الناشيء تدريجياً وتزداد معرفته وعلمه بشكل بحيث يحصل لديه اعتقاد أن عليه أن يسير نحو هدف في الحياة وان يتخذ طريقة مدروسة ، يطالب بحياة هادفة ويختار نزعة هادفة ويدفع هذا العمل امره الى مرحلة يصبح فيها مثالي.

ولايعد الناشيء وخاصة في المرحلة التي تلي تفتح البلوغ مثل طفل يلهيه التحرك او التلقينات.

ولايكون النضج العقلاني للناشيء كافياً ولكنه يحاول ان يكون له هدف ونتيجة واضحة في الحياة ويقبل مايراه جيداً وكاملاً .

وتصبح قابليته في متابعة الهدف غير محدودة تقريباً وفي اواخر مرحلة الفتوة لايعد يئل جهداً للمحافظة على أهدافه ولهذا السبب يعتبر بعض علماء النفس ان سن الفتوة هو سن التعلقات العظيمة والتفكير بشأنها ولو ظن شيئاً ما عظيماً فأنه يصبح متعلقاً به.

ويتغير نوع النظرة الكونية بسبب تلك الهدفية ويصبح للحياة لون عظمة وجمال خاص ويضحى مسير الناشيء يختلف تماماً مع ما كان لديه في الماضي ، بشكل بحيث تختلف بداية ونهاية مرحلة الفتوة من هذه الناحية. ويهتم الناشيء بوجهات نظر عظيمة ويكون نشطاً في هذا الطريق.

 

صفاء الباطن

 

العلامة المهمة لنفس الناشيء هي الصفاء والطهر ، ويعتبر نشاط الفطرة عاملاً مهماً في ظهور هذا الصفاء والطهر ويعتبر نشاط الضمير في هذا الصدد عاملاً مساعداً للناشيء في حفظ هذا الوضع ، ويود الناشئون في استمرار هذا الطهر والصفاء لديهم ولكن الظروف البيئية في بعض الموارد تخرجهم من هذا الطريق .

وقد يبدي الناشئون تصرفات لاتحظى بقبول وتأييد كبار السن أو يسلكوا طريقاً خاطئاً يكون بنظر اوليائهم خطأ حاداً ، بيد ان الحقيقة هي ان كثيراً من الناشئين لايحملون تفكير الكبار ، ويحمل كثير منهم نوايا سليمة ، ويقل الغل والغش في بواطنهم ، ولديهم نفوس صافية هي     ( مقبل العمر ومقتبل الدهر ) وتكون المحبة بلا تزيين والحياة من دون تزوير والمبادئ الاخلاقية القائمة على الفطرة حية لديهم وهذه نقطة ارتكاز في الاهتمام التربوي للآباء بالناشئين ينبغي ان يحافظوا عليها حية .