شخصية الفتى
الكاتب الدكتور علي القائمي
ان مرحلة الفتوة هي من المراحل الحساسة لتكوين الشخصية ويصل الفتى من الناحية الحياتية والنفسية الى مرحلة ينبغي تسميتها مرحلة الاستقلال ، وتكون هذه المرحلة تدريجية يكمل في نهايتها تكوين الشخصية وينبغي ان يسعى الآباء لتحقيق هكذا أمر . وتتضمن سن 12 – 15 تغييرات اساسية ، وفي الوقت الذي تظهر شخصية الناشئين بوضوح اكثر فأنها تقترن بتعقيدات اكثر .
وقد اعتبر بعض علماء النفس هذه المرحلة مرحلة مستقلة عن الحياة تختلف تماماً عن المرحلة اللاحقة اي سن 19-20 ويقوم الفتى بجهود كثيرة في مجال اثبات الشخصية والاستقلال ، يريد ان يعرف نفسه ويعلم من هو وماهي نقاط ضعفه وقوته وماهو وضعه في العلاقة مع الآخرين وهل هو أقوى أم أضعف وغيرها .
النزعة الذاتية
يصبح الناشيء في هذه المرحلة من العمر ذا نزعة ذاتية بصورة تدريجية وقد يدفعه هذا الأمر الى عبادة الذات أي ( النار سيسم ) والاعجاب بالنفس ، يلتذ بجماله ويرى نفسه جميلاً حقاً ، وقد لا تتوفر فيه من حيث المعايير العرفية بعض الجوانب الجمالية ولكنه يخطئ معايير العرف بدلاً من تقييم شخصيته.
ويتحدث الفتى في كل مكان عن عظمته ويريد ان يثبت انه شخص استثنائي ولديه صفات ليست لدى الآخرين ، ان ما يذكره في اطار عظمته ليس الا عدة تصرفات جذابة من غير الواضح ان لها حقيقة وهذا ينجم عن أنه يقوم احياناً بخلط الحقيقة مع الخيال او يظن ان امنيته متحققه في بعض المجالات ويعتبر العمل غير المنجز قد انجز بصورة مؤكدة .
ويتباهى الناشيء بنفسه وشانه وعظمته امام الآخرين ويحب ان يقوم الجميع بالاشادة بها ويخاف بعض الافراد من اقرانه من عظمته وحين يشعر ان هذا الأمر لم يتحقق ينتابه شعور الالم ويشعر بالياس من الاخرين او من نفسه في بعض الموارد.
وبالطبع هناك بعض جوانب العظمة لدى الناشيء يمكن ادراكها ومن هنا يتحرر تفكيره في سن 13-14 من قيد النزعة الذاتية الخاصة بالاطفال ويصل الى مرحلة الانتزاع ويتمكن من ادراك علاقات العلة والمعلول ومعرفة بعض الاسرار التي كانت مجهولة بالنسبة له سابقاً ، ولاشك ان دروسه في المدرسة وسعيه في المختبر وملاحظة القواعد والقوانين الطبيعية تعينه في هذا الطريق .
البحث عن الهوية
من القضايا المهمة في تكوين شخصية الناشيء هي قضية اكتشاف نفسه وهويته ويرى اريكسون ان الفتوة هي مرحلة البحث عن الهوية في قبال الحيرة ويبحث الناشيء باستمرار عن اجوبة لبعض الاسئلة من قبيل : من أنا ، الى اين امضي ، اماذا خلقت ، ماهو مصيري وغير ذلك .
ويفكر باستمرار في اي الاشياء مهمة بالنسبة له وما هو الأمر القيم ويحب الاستفادة من ذلك لتكوين شخصيته ونموه ، ولاشك ان الناشيء يتعرض الى نوع من الحيرة في الهوية والبحث عن الذات بسبب محدودية العلم وقلة التجربة وفي هذا الصدد يتمكن الوالدان والمعلمون والخطباء ومن هم قدوة في الامور الدينية من مساعدته ويكونوا اعواناً له في هذه الولادة الجديدة .
ويكون البحث عن الهوية في المجتمعات التي تقل فيها القدوة والادوار وتكون محدودة ، سهل نسبياً . اما في المجتمعات الصناعية التي تكون فيها التصرفات والاعمال متنوعة ويوجد تعقيد في الاخلاق وسرعة تغيير ، فان البحث عن الهوية يكون عملاً صعباً نسبياً ولا يتحقق من دون توجيه الآباء والمعلمين ، خاصة وأن عامل التصور الذاتي يعتبر عقبة كبيرة في طريق الناشيء .
ويتعرف الناشيء على ذاته في اطار شخصية الاسرة والمدرسة ويرى لنفسه شخصية وياخذ بنظر الاعتبار خيراً وشراً لنفسه ، ولكن اذا تجاوز هذا الحد وتعرف مثلاً على افكار فلسفية ودينية مختلفة فانه يفقد كثيراً من افكاره ويحصل على طريق آخر في هذا البحث.
تقييم الذات
عندما يقوم الآباء بطرح وجهات النظر فيما يتعلق بالقضايا والامور المختلفة يكون الفتى مستمعاً جيداً لهم ويفكر خلال كلامهم بتقييم نفسه ويود التعرف على عالمه وليرى ماهي الظروف والحالة التي يمر بها .
وحينما ينظر الناشئون الى عالمهم ويقومون بتقييم انفسهم يشعرون انهم بحاجة الى اجوبة بشأن الطبيعة ومعنى وجود الانسان وحتى وجودهم ، ولاشك ان عدم اطمئنانهم بشأن احوالهم يكون ملموساً يمكن ادراكه بصورة كاملة ، والحق هو أن للناشئين وضع روحي غامض ولا يعلمون ماذا عليهم ان يفعلوا هل ان عليهم ان يواصلوا اعمالهم وبرامجهم الطفولية أم ان عليهم ان يمارسوا اعمال وبرامج كبار السن وغير ذلك .
وحين يكون الناشئون لوحدهم فأنهم يبالغوا في تقييم انفسهم . ان الاهتمام بالمقدرة الفردية من دون المقارنة مع الآخرين تدفع الناشئين الى الرضا عن انفسهم ولكنهم حين يكونوا مع الناس ويلاحظوا تجارب الآخرين يشعرون بضعفهم ويعترفون بذلك مع أنفسهم ، وهناك من لايحكم بشأنه حكماً جيداً في العزلة ويشعر انه ضعيف ويشعر بالقوة حين يكون مع الناس.
خصائص الشخصية
يحمل الناشيء في هذه المرحلة من العمر خصائص على صعيد الشخصية نشير فيما يلي الى بعضها :
- ان الفتوة هي سن حب التشخص ويريد الفتى ان يظهر نفسه شخصاً مهماً
- الفتوة هي سن التظاهر ويلح الناشيء دائماً على التباهي باعماله امام الاخرين
- الفتوة هي سن عدم الخوف والتهور ويقوم الناشيء في كثير من الموارد بالمجازفة من دون ان يفكر بشأنها
- الفتوة هي سن فعل الخير والفتى مستعد في هذا المجال احياناً لاظهار التضحية
- الفتوة هي سن فعل الشر ويقوم الفتى في هذا المورد احياناً بالحاق الضرر للآخرين
- الفتوة هي سن الزهو والتطلع الى آفاق بعيدة الى درجة بحيث ان الناشيء يحمل افكاراً عظيمة وسامية
- الفتوة هي سن مزاحم للمعلمين والحكومات بشكل بحيث أغلب المصاعب في المجتمع يثيرها الناشئون
- الفتوة هي الافراط وهذا الأمر نلاحظه في اقوال وافعال وكلام الناشئين
- الفتوة هي حب المدح ويحب الناشيء ان يمدح الجميع كافة اعماله
- الفتوة هي سن تفتت الشخصية ولهذا السبب لايشاهد انسجام في اعماله وافعاله دائماً
- الفتوة هي سن غلبة الاحساس على العقل وتحصل في هذا الصدد احياناً اعمال خطيرة
- الفتوة هي سن حب الاستقلال ويريد الفتى ان لايأمر شخص ولا ينهاه في مجال الحياة
- الفتوة هي سن الحرية ويمضي الفتى الى حد الحرية غير المقيدة
- الفتوة هي سن حب التفوق ويريد الفتى دائماً ان يكون رأسه أكثر رفعة من رؤوس الآخرين
- الفتوة هي سن حب السلطة ويريد الفتى سلطة لانهاية لها لغرض تحقيق مطالبه
- الفتوة هي سن التفاؤل واحياناً النزعة السلبية ويؤدي هذا التناقض والتعارض احياناً الى حيرته.
- الفتوة هي سن اثبات الشخصية وغير ذلك
تلخيص الموضوع
لايمكن التوقع من الفتى ان يعمل بصورة اعتيادية وطبيعية ، يختل التوازن بين القوى الثلاث لشخصيته ( الأنا ، فوق الأنا ) يريد أن يحبه الآخرون ويتغير هذا الامر في سنين البلوغ الى نوع من الاحساس الجنسي.
ويريد الفتى ان يبتكر الجمال وان يشعر مرفوع الرأس وزاهياً وان يثبت للغير شخصيته المهمة . يقول عالم النفس المشهور ، (رانك) قد يقوم بهجمات عصبية في هذا الطريق . يحب ان يكون بطلاً ويضع وسام البطولة على صدره . منظاره محدودو وينظر الى اتجاه واحد وتتكون شخصيته من صفات الآخرين وهو بشكل عام متشتت وغير متوازن ومتغير .