المشاكل السياسية – الاقتصادية

الكاتب الدكتور علي القائمي

يدخل الفرد الى المجتمع منذ بداية مرحلة الفتوة ويبدأ مرحلة جديدة من التحصيل ببرنامج خاص ويتعرف على قضايا جديدة ، ويحصل على معرفة بالتدريج بالخطوط والتيارت السياسية – التي تذكر في الصف او البيت او وسائل الاعلام – ويدرك ماذا يجري في المجتمع .

ولعله من المبكر بالنسبة له ان يتعرف على الخطوط السياسية ويقوم بالتحليل ودراسة بعض القضايا . ويكون ادراكه للقضايا ساذج جداً وسطحي وتحليله ورأيه أكثر سطحية . ومنذ حوالي النصف الثاني لمرحلة الفتوة تتسع دائرة وعيه السياسي ويدفع الى ساحة المشاركة السياسية .

ان الصعوبة والخطر الذي يواجهه الناشيء يتمثل في ان بعض الافراد النفعيين يستفيدون من قابلياتهم لصالحهم ويصلون الى اهدافهم من خلال الاجتماعات وتجمع الناشئين – وهم اشخاص مخلصون وبسطاء ويصدقون سريعاً – ويصل هذا الضغط الى درجة بحيث يحطم الناشيء احياناً ويعطل وجوده .

 

حب الحرية من قبل الناشيء

ان الناشيء واع ازاء نفسه . ولديه معرفة بقوة بدنه وقابليته في الادراك والفهم الاسمى للماضي . وتحركه الرغبات الجديدة من كل صوب وتحيط به من كل جهة السوابق المريرة ويتذكر انه كان يعيش في الماضي تحت سيطرة الآخرين تماماً ، ولكنه الآن يفكر مع نفسه في انه لا مبرر ان يظل تحت الاوامر والنواهي ، لانه له هيكل شبيه بالكبار ويرى نفسه كبيراً . لديه قوة بدنية جيدة ويجد نفسه في حالة اكتفاء ذاتي في هذا الصدد . ولهذا السبب يتساءل مع نفسه لماذا لا استفيد بصورة تامة من الحرية . وهكذا تصبح لدى الناشيء رغبة في الحرية بصورة جادة وقوية ولايلتزم بجميع ضوابط ومقررات الكبار اعتماداً عليها . وما ينشده من الحرية هو امر غير معقول . انه في هذه الطريقة يريد الغاء الضوابط من حياته بصورة مطلقة والجميع يعلم ان هذا الامر ليس فيه صلاح خاصة وانه ليس لديه علم وتجربة كافية في الحياة.

وهناك خطر في ان يستفيد من حريته واستقلاله في طريق يهدد مستقبله ، ويسعى الناشيء احياناً الى التعاون مع شبكة او جماعة وتارة في مجال الاشباع الغريزي واحياناً في مجال عرض القوة . وقليل من يستفيد من خاصية الحرية وطلب الاستقلال في مسير الرشد والزهد والنقاء .

 

الشوق السياسي

يحصل لدى الناشيء شوق سياسي في مرحلة الفتوة وخاصة في نصفها الثاني ، بالشكل الذي يريد ان يرى نفسه عضواً في جماعة ويعمل في ساحة المشاركة السياسية . ويصبح من اهل النشاط واطلاق الشعارات ويتدخل في كل قضية . وهو طاقة نشطة قد يقوم احياناً بالدعاية لصالح شخص وتارة يقوم باعمال عنف لقمع الجماعة المعرضة.

وعلى اي حال فان هناك خطر دائم في ان يقضي على نفسه في التناقضات والمواجهات الكثيرة التي تحصل على الصعيد السياسي . وتكون حالته النفسية بالشكل الذي يكون على استعداد للقبول باي ثورة . وقد لا يهتم بالامور الضرورية للوالدين ولكنه على استعداد للسهر حتى الصباح خدمة لجماعة سياسية يحبها ويقوم بالخدمة والنشاط . وتؤيد هذا الكلام تجربة ثورتنا حيث اصبح كثير من الناشئين فريسة الافكار النفعية للاخرين وابتعدوا عن الدراسة .

 

المصاعب السياسية للناشئين

ان كثيراً من المشاكل السياسية لهذا الجيل ناجمة عن الجهل والابهامات الكبيرة التي كانت موجودة دائماً في مجال السياسة انهم بسبب الجهل بالعواقب السيئة لنشاط ما قد يصبحوا العوبة لدى الآخرين . وكثير من الناشئين دخلوا في نزعة انحرافية من دون معرفة باسرار واقعة ما واضاعوا اعمارهم وحياتهم.

ويؤثر في نفس الناشيء الاعجاب بالشخصيات من جهة ويسبب ضعف الجهاز التربوي في ايصال المعلومات والتوجيهات اللازمة اضراراً كثيرة من جهة اخرى . وتدعوهم جاذبية العمل التنظيمي والجماعي في المنظمات والجماعات وخاصة اعطاء منصب ومسؤولية في الجماعة الى النزعة الجماعية والفئوية.

ويعاني الذكور من مصاعب في هذا الصدد ولكن المصاعب التي تعاني منها الاناث اكثر لانه لديهن تواجد كاف في النواحي الاجتماعية والسياسية . وتمنع الاناث من المشاركة والتواجد في الساحة السياسية على اساس اعتقادات كثير من العوائل ويتحملن مخاطرات واضرار هذا الجيل.

 

المصاعب الاقتصادية للناشئين

ان المشكلات الاقتصادية الكبيرة التي يعاني منها الناشؤون هي :

-         عدم الاستقلال المالي في الحياة ، الشعور بالخجل من طلب المساعدة المالية من الابوين ، الحيرة في اختيار الحرفة ، الخوف من تقبل المسؤولية ، الرعب من عدم النجاح في العمل والدراسة ، الخوف من الاتهام بالبطالة والخلود الى الراحة والانزعاج من الوضع الاقتصادي السيء للاسرة .

-         وتؤثر حالة الفقر او الغنى التي تمر بها الاسرة في الحالة الروحية للناشيء . وتترك كيفية اعطاء المال من قبل الوالدين اثراً سلبياً احياناً في نفسية الناشيء . وتارة قد تكون لدى الوالد شكوى من الاوضاع الاقتصادية السيئة والفقر يطرحها على زوجته واولاده . وفي هكذا وضع يشعر الناشيء بالالم لعدم تمكنه من اعانة ابيه وفي بعض الموارد قد يشعر بالحياء والخجل من انه يشكل عبئاً عليهم .

 

الانشغال الفكري للناشئين

يوجد لدى كثير من الناشئين انشغال فكري لشأن ممارسة عمل وحرفة ونيل استقلالهم المالي ، ولعله تخطر على اذهان كثير من الناشئين فكرة الحصول على دخل كثير ورفع عناء العمل عن آبائهم ا وان يكونوا على الاقل في وضع لا يشكلون عبئاً على اقتصاد العوائل .

وكان الناشؤون يستطيعون تحقيق هذه الرغبة في الماضي حين يصلون الى حوالي سن الرابعة عشر . كانوا يذهبون الى المكتب في مرحلة الطفولة وبعد انتهاء المرحلة التمهيدية كانوا يدخلون الى عالم العمل من دون حاجة الى انهاء المرحلة الانتقالية ولكن حياة الناشئين اليوم ليس لها هكذا وضع.

وترك كثير من الناشئين الدراسة بسبب دخولهم الى عالم العمل والنشاط وممارسة حرف خاصة وهي قضية تقع احياناً لدى العوائل ولكن لايكون لدى آبائهم ادراك واقعي لهم ويظنون ان الناشئين سئموا من الدراسة والمدرسة .

 

مصاعب الآباء في هذا الصدد

يواجه الآباء مصاعب متعددة ذات صلة بالناشئين ومن هذه المصاعب يمكن الاشارة الى مشكلة ادراك قيمة المال بمعنى ان الناشئ لايعلم مقدار الجهد الذي بذل للحصول على هذا المال . ومن هذه المشاكل مشكلة الاستهلاك غير الصحيح وعدم الاقتصاد في الاستهلاك وانفاق المال بصورة غير صحيحة من قبل الناشئ على الاصدقاء وعدم ممارسة عمل وحرفة في ايام العطلة المدرسية والالحاح على اختيار اعمال ذات صيت ولكنها فارغة ( يمكنها ان تقنع نفسية الناشئ ) .

وبالطبع هناك شكاوى لدى الناشئ في هذا المجال منها : الشعور بعدم ادراك الوالدين لرغباته وامنياته ، عدم التمتع بمكانة اقتصادية خاصة في البيت وخارجه ، الشعور بفرض عمل من قبل الوالدين ، محاسبة الوالدين له على النقود التي يعطونها اليه وعدم تهيئة الارضية لعمله وسعيه واستقلاله الاقتصادي .

 

 

القيود المفروضة على الاناث

ان المصاعب والمشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الاناث هي اكثر بكثير من تلك التي يعاني منها الذكور . ومن اسباب هذا الامر يمكن الاشارة الى الموارد التالية : قيود العمل الخاص بالنسبة لهن ، عدم القابلية والامكانية الكافية للمارسة الحرفية ، القيود الناجمة عن نمط الافكار في السيطرة ومراقبة الاناث في مجال الخروج من البيت ، عدم مناسبة المحيط للاناث ، وجود حالات المنع في الاختلاط والمعاشرة بالنسبة للاناث في اماكن العمل وغير ذلك .

ولاتوجد عادة اماكن عمل مناسبة للاناث في مختلف المجتمعات خاصة اذا اردن مراعاة ضوابط الشرع والاخلاق . ويشعرن في بعض الموارد بفرض الاعمال عليهن من قبل الآخرين ولابد لهن من اختيار عمل . وتلعب المحدودية البدنية للاناث دوراً مهماً واستثنائياً في الاوضاع الاقتصادية لهن خاصة وان هذه المحدودية تقترن احياناً مع عدم المعرفة بنوع وقيمة العمل والسعي .

 

 

 

مواقف ومبادئ التربية

نقدم الباب الاخير من الكتاب بصورة مختصرة في ستة فصول :

يحمل فصل عنوان ( الخطوط العامة لتربية الناشئ ) وبعد ذكر مقدمة نشير الى اساس التربية ونطرح بعض المواضيع اهمها : الضرورات الاولية ، الفات النظر ، التنبيهات وتهيئة الارضيات واعما ل السيطرة والامتناع ومبادئ اساليب التربية .

وندرس في الفصل اللاحق الذي يدور حول ( التربية على الصعيد الفردي ) الابعاد الحياتية البدنية ، الغريزة الجنسية ، البعد الذهني والعاطفي واخيراً ما يتعلق بالبعد النفسي ونقدم في هذا القسم المبادئ العامة للتربية.

ونتحدث في الفصل الذي يليه بشأن التربية في الحياة ( الحياة الاجتماعية للناشيء ) ونذكر مقدمة ثم نتطرق الى التحرك المتزامن للناشيء مع والديه ، نشاط الوالدين في هذا الصدد ، الاهتمام بالاخلاق والمعاشرة ، تعليم تحمل المسؤولية وبقية المجالات .

ويدور الفصل اللاحق حول ( الحياة الثقافية للناشيء ) وفيه نتناول تثقيف الناشئ علميه وتعليمه ، سعة التعليمات ، التوعية بفلسفة الحياة ومراعاة الآداب والقيم ونذكر مبادئ التربية في هذا الصدد .

ونتحدث في الفصل الذي يليه والذي يحمل عنوان ( في بقية ابعاد حياة الناشئ ) عن الاستقلال المالي للناشيء ، التعليم الاقتصادي ، التربية الاقتصادية والسياسية والدينية للناشيء واساس التربية الدينية وكذلك تنفيذ التعاليم الدينية .

ونتحدث في آخر فصل بشأن ( استعداد الناشئ ) لتقبل التربية وندرس الاستعداد الفطري ، الحياتي – البدني ، الذهني ، النفسي ، العاطفي ، الغريزي ، الضميري ، الاجتماعي ، الاخلاقي ، السياسي ، الثقافي ، الديني ، الاقتصادي لدى الناشئ ونقدم ايضاحات في مجال الاستفادة من هذا الاستعداد .