الخصائص النفسية

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

يختص هذا الباب بدراسة القضايا الست التالية :

يتضمن فصل يحمل عنوان ( الابعاد النفسية للناشيء ) مقدمة وطرح مسائل في اطار جنبة ادراك الناشيء وارادته وقراراته وحريته واستقلاله والجوانب الانسانية السامية وتشمل        ( البحث عن الحقيقة ، حب الجمال ، حب الكمال ، الشهية الوافرة للطعام وعدم الشبع ، الدفاع عن النفس وغيرها ) . ونتحدث في فصل لاحق بشأن ( النمو النفسي ) للناشيء ونبحث بعد مقدمة في النظام النفسي للناشيء والمعرفة الفطرية والنمو المعرفي والنزعة المثالية والصفاء النفسي لديه .

ويتضمن فصل تحت عنوان ( شخصية الناشيء ) مقدمة وكلام حول النزعة الذاتية والبحث عن الهوية وتقييم النفس وخصائص شخصية الناشيء ويختتم هذا الفصل بتلخيص البحوث المذكورة.

 

ويحمل فصل بعنوان ( الحالات النفسية للناشيء ) ونتطرق فيه الى الحالة العاصفية لنفس الناشئ وحالة زهوه والوضع النفسي للناشيء وبقية حالاته مثل النقد وعدم ثقة وفرض الاراء وحالة الهاء نفسه.

ونتحدث في فصل لاحق يحمل عنوان ( البعد الديني ومعناه ) حول ظهور الحالة الدينية والحماسة العرفانية والصحوة الدينية واهتمام الناشئ بما وراء المادة وانشغالاته الذهنية وندرس حالة الشك لديه وكذلك عمله الديني .

ونتناول في الفصل الاخير موضوع ( حالات الخلل والامراض النفسية ) للناشئين وندرس فيه النزعة الباطنية للناشيء وحالة انزوائه وكآبته وانواع الامراض التي يعاني منها وكذلك اسبابها الرئيسية.

 

 

الفصل الاول

الابعاد النفسية للناشيء

 

ان البعد النفسي والذي يعتبر من اهم الابعاد الوجودية للانسان والذي له ظهور في الانسان منذ مرحلة الطفولة ، ينمو في مرحلة الفتوة بصورة مثيرة للعجب ، بالشكل الذي يثير حيرة الناشيء  والآخرين.

وتتطلب دراسة جميع الجوانب النفسية لهذه السنين التي يلاحظ فيها تغيير واضح عملاً واسعاً ونتناول في هذا الكتاب اجزاء منها وهي :

 

الادراك

ذكرنا سابقاً ان الناشيء يصل في هذه المرحلة من العمر الى حالة التفكير الانتزاعي او حسب قول بياجه فأنه ( الناشيء ) في مرحلة العمليات الانتزاعية يتمكن من القيام بافتراضات ويتمكن ان يفكر بشكل انتزاعي . وهكذا يدرك الجوانب المختلفة للحياة باسلوب ذهني ويمتزج هذا الادراك مع مشاعره الشخصية ويقترن غالباً بالقبول او الرفض الشديد.

ومن الخصائص الادراكية للناشيء هي ان كثيراً من ابعاده الادراكية تقوم على علاقات العلة والمعلول ويؤدي هذا الى تأصل في الادراك.

ويتمتع بحالة نفسية بشكل بحيث يستطيع معرفة كنه بعض الأمور وادراك اسرار كثير من القضايا والعلاقات ويقوم بتحليل الأمور والقضايا والحكم بشأنها ، فمثلاً كان في الماضي لاأبالياً أو قلقاً فيما يتعلق بنزاع الوالدين ولكنه ، الا انه من يسعى في حالة وقوع نزاع بينهما الى ادراك سبب ذلك ويحكم على المقصر في عالم ذهنه وتفكيره على الاقل ، وهذا الادراك يعتبر نقطة بداية جيدة وقيمة للناشيء .

 

 

 

الارادة واتخاذ القرار

تسير ارادة الناشيء نحو القوة ولكنها تكون في السنين الأخيرة تشبه طائراً يحط كل ساعة على غصن شجرة ، ولكن يتحقق في السنين الأخيرة من الفتوة الانسجام بين ارادته وادراكه.

وتفتقد ارادة الناشيء في السنين الاولى للفتوة الى الثبات ويفشل امام الحالات العاطفية ، وتؤثر عاطفة الهوس في ارادته ولايستطيع ان يتخذ قراراً للوصول الى هدفه وتطبيق ذلك القرار .

ويمر الناشيء بوضع تكون فيه ارادته في ظل قوة التمييز وارتكازاً على قرار عقلاني وفي ظل بعد نظر ناجم عن اختبار واخطاء ظاهرة وخفية في مرحلة الفتوة ناضجة الى حد ما او تكون قد رسخت بتلك النسبة.

واثبتت التجارب العلمية ان اتخاذ القرار له صلة بعوامل متعددة مناه : النمو السريع للبدن ، التغييرات في الوضع الفيزيولوجي ، التغيير في الجهاز التناسلي ، التغيير في نفوذ الأسرة والتغيير في التطلعات ذات الصلة بوظائف الناشيء والمسؤولية والقرارات الحادة وتغيير ظروف معيشته وغيرها .

 

الحرية والاستقلال

يكرر الناشيء استخدام كلمة ( انا ) ويردي ان يقول بذلك أنه حر ومستقل وأنه منزعج من تدخل الآخرين في شؤونه أو من قيامهم بأمره ونهيه ، ويعيش الناشيء في بداية الفتوة في وضع طفولي ولكنه يريد تقليد كبر السن وتحرير نفسه من سيطرة الآخرين وخاصة الوالدين والمعلمين ، ولهذا الغرض يسعى في بعض الموارد وحتى دون سبب مقنع الى مخالفة اوامرهم ويحاول التصرف معهم بشكل بحيث يندمون على قيامهم مرة أخرى بأمره ونهيه .

ويطالب الناشيء بالحرية ولكن ليست الحرية المعقولة والمنطقية ، بل الحرية غير المحدودة ومن دون قيد وشرط . ويثبت علمياً أم مرحلة التبعية انتهت ويريد ان يكون مستقلاً ويخطط لنفسه بنفسه.لايحب التبعية ، خاصة اذا شعر أنه استغل في الماضي ن وينزعج من تدخل الأخرين في شؤونه ويريد أن يكون لديه حق الاختيار ونحن نعلم مدى الضرر الذي يلحق به بسبب هذا التكافؤ خاصة في السنين الأولى للفتوة .

 

الابعاد الانسانية السامية

تزامناً مع النمو الفيزيولوجي والدخول الى عالم الفتوة وخاصة البلوغ تتفتح بعض الابعاد الانسانية السامية لدى الناشيء وتصل الى الذروة تدريجياً .

وفي هذا الصدد يمكن أن نذكر بعض الموارد فيما يلي :

-         البحث عن الحقيقة : تنشط الفطرة من جديد لدى الناشيء وبالنتيجة يصبح مطالباً بالحقيقة ويريد الحق ، ويلاحظ لدى الناشئين ابتداء من الثانية عشر وما بعده حب الحقيقة.

-         حب الجمال : وتأخذ هذه الصفة في بعض الموارد طابعاً افراطياً وتنجر الى عبادة الجمال . أن حب الجمال هو سبب وعامل للنمو والكمال بشرط أم يحمل طابعاً انسانياً ويدفعه الى مشاهدة الجمال في الصنع الألهي ، يهتم الناشئون بالجمال على الصعيد المادي وحتى انهم يعتبرون الورود أجمل من الآخرين ولكن المهم هو أن يلفت العلم انتباهم الى الجمال المطلق ، أي الجمال الالهي وهو مصدر جميع انواع الجمال.

-         طلب الكمال : يقوم الناشيء بسعي افراطي للوصول الى الكمال ويستخدم كل الوسائل المتاحة في هذا الطريق . ومشكلة الناشيء هو أنه لايعلم طريق الوصول الى الكمال واسوء من ذلك هو أنه لايعرف مصداق الكمال ولهذا السبب يستخدم وسائل وادوات ليست ذات بعد وقيمة كمالية , ومن المثير للعجب ان يتصور الناشيء احياناً أن التهريج والسلوك غير الموزون كمالاًَ ويقبل عليه.

-         عدم الشبع : ان الناشيء يشبه انساناً عطشاناً عانى من العطش عدة ايام في منطقة حارة وجافة ويتحرك الآن نحو الماء , وحين يصل الى الماء يفقد السيطرة على نفسه بشكل بحيث يشرب منه من دون حساب ، وحالة عدم الشبع موجودة في الجانب المادي وكذلك في الجانب غير المادي ، ونفس الناشيء تنزع الى المطلق وهذه النزعة الى اللانهاية لديه لها جذور وأرضية فطرية.

-         الدفاع عن النفس : أن روح الناشيء هي روح الدفاع عن نفسه ، الدفاع عن بدنه وفكره والقم المقبولة وعن أصدقائه واسرته وأن كان غير راض عنهم  ، كما أن هذا الدفاع يتجه فيما بعد الى الأيمان والعقيدة والبلد وهكذا يمكن تبرير قضية الجندية في أواخر الفتوة.

 

بقية الجوانب

هناك مواضيع اخرى في مجال نفس الناشيء ونموه سنذكرها في الفصول اللاحقة ، ومن بين هذه المواضيع يمكن الأشارة الى الموارد التالية :

الخروج تدريجياً من البعد الانفعالي للنفس ، الاتساع السريع للأفق الفكري عن طريق الرغبات الادراكية ، الحالة الباطنية للحياة النفسية والتي كانت سابقاً مشتتة في الافعال والاعمال ، الحالة الفردية للسلوك والتي تحصل بسرعة وغيرها.

ان مرحلة الفتوة بشكل عام هي مرحلة تكوين الحالات الانسانية وتتكون الحالات السلوكية لدى الناشيء وفقاً للادراك ، وتجد الادراكات والرغبات لديه شكلها الخاص وينبغي ان نشير الى أن الناشئين في اوائل مرحلة الفتوة تحدوهم رغبة اكثر في الحقائق الملموسة مقارنة بالقضايا الذهنية وبشكل عام تتمركز مشاهدتهم على القضايا المادية لما يحيط لهم بهم.