الخصائص الذهنية

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

سندرس في هذا الباب من البحوث ثلاث مسائل هي :

ندرس في فصل تحت عنوان ( ذكاء وفكر الناشيء ) بعد ذكر مقدمة حالة الذكاء لدى الناشيء وحالة البحث لديه وندرس موضوع ذاكرته وتفكيره ثم نتحدث بشأن المصطلح القرآني          ( أشد ) وموضوع الفتوة في القرآن.

     ويحمل الفصل اللاحق عنوان ( عقل واستدلال الناشيء ) ونذكر فيه مقدمة بشأن النظام الذهني وندرس تغيير العقل والعوامل العقلانية وعقل الناشيء وندرس نزاع العقل والجهل وفقاً لرواية إسلامية ثم ندرس نزعة الاستفهام والاستدلال لديه وكذلك موضوع بحثه عن الهوية . ونبحث في الفصل اللاحق الذي يحمل عنوان ( القابليات الخاصة لدى الناشيء ) في مجال تخيل وتصور الناشيء وحال التخيل والتوهم ومسألة الأحلام ومشكلة التمركز لدى الناشيء ونطرح الجوانب الايجابية والسلبية لها ونقدم عدة مسائل في مجال ذهنيته.

 

الفصل الأول

ذكاء وفكر الناشيء

 

ان مرحلة الفتوة وخاصة السنوات السبع الثالثة من عمر الانسان مرحلة مهمة بنظر علماء النفس خاصة ان معدل النمو البدني يصبح اسرع ويصل نمو الذكاء الى ذروته وتتعرض تبعاً لذلك شخصية الفرد الى تغيير واسع.

  وفي هذه السنين تتحرك النشاطات الذهنية نحو النمو ولكنها غير منظمة وتكون ذات جنبة فردية بصورة افراطية . ولهذا السبب لايوجد اسلوب واحد لارشاد الناشيء والسيطرة عليه ، وان كان بالامكان الاخذ بنظر الاعتبار مبادئ عامة لذلك . ويجب التخطيط بالنسبة لكل ناشئ وفقاً لوضعه الخاص .

وبشكل عام فأن توسعت القابلية العلمية والذهنية المجردة من مؤشرات البلوغ . وهي بدورها جزء من الظروف ذات الصلة بمرحلة الفتوة وفي نهاية هذه المرحلة نواجه فرداً لايمكن مقارنته من حيث نمو البدن وتوسعة الذهن بالمراحل السابقة وحتى مع بداية هذه المرحلة .

 

الذكاء يرى علماء النفس ان نمو الذكاء يصل الى ذروته في سنين 14-16 ، وان كان البعض يرى انه يستمر حتى سن الثامنة عشر .

وترى هذه الفئة من اصحاب الرأي ان نمو الذكاء يتوقف بعد هذه المرحلة ويظل ثابتاً حتى آخر العمر .

ان الذكاء وهو علم نظري وخام يغني الناشيء عن الاهتمام بالحقائق لمعرفتها , لانه يتمكن من تقسيم الامور في ذهنه . وطبقاً لدراسات جونز وكزاد فأن شروع نمو الذكاء يكون في عامي 13-14 وتكون ذروته في الاعوام 19-21 وفي سن 22 ينخفض قليلا ً ولكن هذا الذهن يواصل التكميل.

ويمهد نمو الذكاء للتخيلات والحركات الفكرية لدى الناشيء ويكون في بعض الموارد مدعاة خير .

وتوجد لدى الناشئين الاذكياء ، قابليات مختلفة في النواحي العقلانية والرياضية والفنية ويمهد هذا الأمر لاكتشافات وابتكارات ولاننسى على اي حال ان الذكاء هو رأس مال ثمين وهبة الهية تؤثر المساعي لزيادتها الى حد ما.

 

حب الاطلاع لدى الناشيء

 

بعد الدخول لعالم الفتوة يصبح لصفة حب الاطلاع التي هي من الصفات الذاتية للافراد لوناً وحالة اخرى . بشكل بحيث تزداد سعة حب الاطلاع ويتغير معنى حب الاطلاع ووجهته . ويكون لظهور البلوغ في هذا الأمر دور مهم جداً واساسي.

لقد كان الناشيء طفلاً وكانت عينه تهتم بكل حركة وانتقال لدى الاشخاص وفي الاشياء . وعينه الآن تنظر نحو جوانب اخرى كما ان اذنه تهتم بمعرفة كلام خاص ويحمل جزء مهم من حب الاطلاع لدى الناشيء لوناً وحالة غريزية ويوجد في ذهنه تفكير في ادراك ما هو السر في علاقات الوالدين وكلامهما ومزاجهما ونومهما وغيرها . وينشط لديه حب الاطلاع بشدة وتحصل لديه رغبة في معرفة جميع الأمور والاسرار ، حتى بشأنه وبشأن غريزته ويحب ان يبني قاعدة عامة من الالتفات الى كل جزء والخروج بنتيجة . نؤيد قول فرويد في ان مرحلة النشاط تزدهر من جديد وتسيطر امواج الفتوة بالتدريج على جميع حياة الفتى.

وتكون روح المشاكسة لدى الناشيء حية بسبب شدة حالة حب الاطلاع ويرغب في هذا الحقل في اكتشاف عالم مجهول والدخول فيه عند الاستطاعة والحصول على تجربة لنفسه خاصة وأنه يتمكن من ممارسة الغريزة ويسعى في اتجاه تحديد دوره الجنسي . وطبعاً يمنعه خوفه الشديد من عواقب الأمور في بعض الموارد من بعض الحركات والنشاطات.

 

ذاكرته

قبل دخول الناشيء الى عالم البلوغ بفترة طويلة يتعرض الى اضطراب في الذاكرة . ولانقول ان ذاكرته تضعف . لان الذاكرة هي قابلية والقابليات تنمو وتزاداد في ظل النمو ، بل نريد القول ان ذاكرة الناشيء تنشغل بامور لها سنخية مع الدرس والبحث والقضايا السابقة.

وبعد البلوغ والدخول الى عالم الهدوء النسبي تصبح ذاكرات اكثر الناشئين منذ سن الخامسة عشر تقريباً جيدة نسبياً وتحصل لديهم اوضاعاً مقبولة في تمييز القضايا وكذلك في مجال عدم نسيان المسائل . ويتمكن طلاب المدارس في هذا السن من الدراسة بصورة جيدة وتذكر المسائل بصورة جيدة .

ولابأس أن نذكر ان الاناث يتفوقن على الذكور في مجال الذاكرة وخاصة تعلم اللغة مع اللالتفات الى التفاصيل الموجودة فيها ويمكنهن الحصول على نتائج مرموقة في مجال الدروس التي تحفظ مثل الآداب واللغات الاجنبية . ودلت التجرية ايضاً ان الاناث انجح من الذكور في العلوم التجريبية والآداب.

 

مجال تفكير الناشيء

 

ان الفتوة هي سن التفكير والتخمين والافتراض من جهة . وتحصل في هذه السنين تغييرات فكرية تصاحب التغييرات الفيزيائية . وتتجلى كثير من هذه التغييرات مثل الاهتمام بالجنس الآخر والرغبة بأعمال اكثر جدية ومطالعة كتب مختلفة وكثير من النشاطات الأخرى من هذا القبيل . وتظهر القدرة على التجزئة والتعميم وظلها لايقوم الناشيء بوصف الظواهر فحسب بل تصبح لديه امكانية ايضاحها.

اجل ان تفكير الناشيء يتحرر في سن 13-14 من قيد النزعة الذاتية الخاصة بالاطفال ويصل الى مرحلة الانتزاع . وبالنتيجة يتمكن الناشيء من ادراك العلاقات الموجودة بين انواع الظواهر ويدرك علاقة العلة والمعلول . اجتناب انفصال الفكر الانضمامي عن الفكر الانتزاعي والمنطقي هي تقريباً من بداية مرحلة الفتوة حيث يستطيع الفتى ادراك المسائل والقضايا الرياضية بصورة جيدة ويستفيد بصورة كافية من الامثال والتعميمات والذهنيات بشكل عام . ويصبح مستعدا ً للتحليل المنطقي ويتمكن من البحث بشأن المفاهيم المجردة بصورة انتقادية وجادة .

ان مرحلة النمو الفكري للذكر والانثى متساوية ولكن نوع الرغبات والقابليات لدى الجنسين تؤدي الى ان يفكرا تفكيرين مختلفين . وعلى اي حال فان التفكير الانتزاعي يتبلور في هذه المرحلة من العمر بشكل بحيث يتمكن الفتى في حوالي سن 13-14 من اظهار قابلياته المختلفة في حقل الرياضيات وكذلك في مجال الميكانيك والتي تتعلق بالمهارة الفنية.

 

سن أشدّ

 

استخدمت كلمة ( أشدّ ) في القرآن الكريم في عدة موارد والذي يعبر عن حمل معنى هذه الكلمة فيما يتعلق بالنمو ونذكر فيما يلي امثلة لها :

-         آيات تتكلم عن الطفولة والوصول الى أشدّ بعدها (ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدّكم).

-         آيات تؤكد على عدم الاقتراب من مال اليتيم الا بالتي هي احسن حتى يصل مرحلة الرشد.    ( ولاتقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه )

-         آيات تتعلق بقصة يوسف ( عليه السلام ) وعبوره من مرحلة الطفولة الى الفتوة حيث نقرء : ( ولما بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلما ) .

ان ما يفهم من كلمة ( أشد ) هي الوصول الى سن الرشد والكمال وهي في الحقيقة اجتماع القدرة البدنية والفكرية وقوة التمييز لدى الفرد . ويعتبر البعض هذه الكلمة مرادفة للرشد ويمكن ان يكون لذلك تبرير . وبالنتيجة الوصول الى مرحلة أشد بوصفها مرحلة من حياة الانسان ويصل الانسان في تلك المرحلة الى البلوغ البدني والرشد وهي بالتأكيد مرحلة تلي الطفولة.