التغييرات الحياتية – الباطنية
الكاتب الدكتور علي القائمي
ذكرنا ان التغييرات ذات الصلة بمرحلة الفتوة واسعة . وصحيح ان التغييرات تبدو علة ظاهر الانسان ولكن ينبغي البحث عن مصدرها في باطنه ، ولاتدخل تلك التغييرات الى البدن من الخارج ، ويمكن مقارنة النظريات المتعلقة بالنمو مع الحركة الجوهرية لملا صدر والتي فيها تأكيد على نضج واشتعال الداخل . وتحصل حالة في الداخل بحيث يخرج الطفل نتيجة ذلك من الجهل الطفولي ويدخل عالم الكبار .
وينمو بالتدريج نشاط الغدد والغرائز الباطنية والتي تكون عواملها في ذات كيان الانسان وتظهر الى الخارج وظاهر القضية ان طول هيكل الفرد ينمو ويصبح له حجم مشخص ويحصل له تغيير في الوجه والهيكل ولكن لهذه الأمور جذور في الباطن . وكذلك الوضع المتعلق بظهور القابليات والنمو المعرفي والعقلي والتفكير الانتزاعي والتأرجح العاطفي وغيرها .
اما فيما يتعلق بالبدن فأن للنمو الطبيعي ثلاثة أشكال هي : آخر حد لنمو الطول والوزن وظهور الصفات الجنسية الأولية والثانوية ونمو الجهاز التناسلي .
الوضع الباطني :
نلاحظ وراء هذا التغيير الظاهر ، حالات اضطراب ويقضة في باطن الفرد تثير غوغاء . ولقد اسميناه اضطراباً وتعقيداً بسبب ان ماهيته غير مقبولة بنظرنا وتناول العلم حالياً وصف ظاهرة فقط وظل عاجزاً تماماً عن تحليله . أن نشاط الغدد وترشحاتها وأفراز جزء من الهرمونات في الدم ، يهئ الارضية لتغييرات كبيرة . وتؤثر ترشحات غدد هيبوفيز في نمو ونشاط بقية الغدد وتؤثر في نمو العظام والعضلات والأنسجة وتقوم بتحركيها وتسبب الغدد الجنسية الحديثة النشاط في حصول تغيير كبير في الوضع الظاهري والباطني للأفراد.
وتقوم هرمونات المبيضات بعملين مهمين : العمل الأول أنها توجد المشخصات الجنسية الثانوية وتوجب نمو الجهاز التناسلي والعمل الثانوي هي أنها تقوم بتنظيم التغييرات الشهرية للجهاز التناسلي .
وتنبع التغييرات الخارجية من الباطن وتغير وضع الناشيء بصورة تامة ولايقتصر التغير على الطول والهيكل بل تتغير الرغبات والتطلعات والتصرفات وكيفية التعامل . وفي الفصول اللاحقة سنتناول بصورة أكثر تفصيلاً هذه الموارد .
التغييرات الناجمة عن البلوغ :
يؤدي النمو البدني والتغييرات النابعة من الباطن الى البلوغ والبلوغ ارضية للدخول الى عالم الحياة الزوجية والأبوة والأمومة . ولاشك ان الناشئين يصلون في معادل النمو الى البلوغ العاطفي والاجتماعي والاخلاقي والاقتصادي والسياسي وسندرس كل من الموارد الآنفة في الفصول ذات الصلة . وتلعب الهرومونات الجنسية دوراً مهماً في تحديد نمو رغبات ونظرات ومواقف الناشئين وتغيير عالمهم . أما مسألة انتهاء مرحلة الفتوة الى الكمال أم لا فأن ذلك يرتبط بمواقف الوالدين والمربين فيما يتعلق بالناشيء.
ان ناشئاً يصبح بالغاً ويرتبط بلوغه بعوامل متعددة هي : امل الوراثة والسلامة والصحة وحالة التألم السريع أو اللاابالية والظروف الجدية الباردة او الحارة والحياة في المدينة أو القرية وكيفية التغذية والمصاحبة الحرة والمختلطة مع الجنس الآخر وعمليات اللمس والنظر والسمع وغيرها .
وتسبب العوامل الآنفة كلها الوصول المبكر أو الوصول المتأخر والتوازن أحياناً وكل منها يؤثر بشكل من الأشكال في أحوال ومواقف الناشيء وهدايته أو أنحرافه وعلى هذا الاساس يختلف سن البلوغ لدى مختلف الأفراد .
ان نشاط الغدد ينشط الناشيء وتقوم هذه الغدد بنشاطات كل على حدة وتتعاون مع سائر الغدد أيضاً . وتقوم بعضا بإفراز هرمونها في الدم وتسبب تغييراً شاملاً في بدن الفرد ومزاجه ، وتعجل في نمو أعضاء البدن وتشخص المميزات بين الجنسين المختلفين وتؤثر في حجم ووزن وقدرة البدن .
البلوغ التدريجي :
يصبح الناشيء بالغاً ولكن هذا البلوغ على عكس بلوغ الحيوانات قليلة الأهمية يحصل بصورة تدريجية وتكون بدايته قبل سنتين من ظهور العلائم الظاهرية لدى الفرد . بشكل بحيث يدخل الناشيء حين البلوغ بهدوء وبالتدريج .
اجل ان النمو الجنسي يحصل بالتدريج وخلال فترة زمنية وليس فجأة ورغم ان البلوغ هو مقدمة اعلان الاستعداد للدخول الى عالم الأزواج والآباء ولكنه أمر يحصل بصورة تدريجية . ولايحمل جميع الذين وصلوا سن البلوغ الاستعداد اللازم لأن يكونوا آباء لأن هذا المجال يحتاج الى مرور زمان .
وتنمو بالتدريج المشاعر والسلوك المتعلق بالبلوغ والرغبات والامنيات الجنسية أيضاً . ولهذا فان الحب لدى الفرد البالغ حديثاً ليس كالحب الذي لدى الفرد الذي مرت على بلوغه سنتان.
ويرى فرويد أن مبدأ النمو الجنسي هو أمر نفسي وتابع للوراثة ويلعب العمل الجيني دوراً هاماً في ذلك ويحصل بصورة مستقلة عن العوامل البيئية في حين أننا نرى أنه لايمكن تجاهل دور العوامل البيئية وتثبت تجاربنا وملاحظاتنا للسلوك الجنسي لدى هكذا أفراد هذه المسألة.
قدرة الغريزة
قيل كلام كثير فيما يتعلق بقدرة الغريزة ، وذكر أفراد مثل فرويد كلام مبالغ فيه بشأن ذلك . وقال موريس دبس قبل حوالي 70 سنة : ولو أردنا القبول بجميع آراء فرويد بشأن الأمور الجنسية لكنا قمنا بعمل مبالغ فيه . ولاشك أن من الضروري جرح وتعديل هذا النوع من الآراء . ونرى أنه بالنظر إلى ان طرق الاشباع المشروع للرغبات الجنسية مسدود بوجه الناشيء في السنوات الأولى لظهور البلوغ فأن درجة اتباع الهوى لديهم ترتفع ويؤدي هذا الأمر الى تقديم آراء مبالغ فيها في هذا المورد .
وتلاحظ في هذه المرحلة من العمر لدى الناشئين بعض الخصائص هي :
تصاعد درجة الغرائز والمشاعر وتناقض الاثارات العاطفية والغرائز ارتكاب الذنب الغريزي ( طبعاً لدى الذين ليست لديهم تربية ارادة كافية ) والشعور بالندم على الذنب الغريزي من دون ان يحول هذا الندم دون الذنب اللاحق وغير ذلك .
ان كيان الناشئين مفعم بالاهواء الغريزية التي لاتتناسب مع رغبتهم الدينية وعقائدهم وعدم التناسب هذا يكون احياناً ارضية للشعور بعدم الامن والخوف والاضطرابات وحل ذلك يكون في اشباع الغريزة بالطرق المشروعة او تلطيف واصلاح الغرائز.