التربية العاطفية

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

إن المقصود بالعواطف هي الأحاسيس التي يكون مركزها القلب, وترتبط بها كل الأمور المتعلقة بالحب أو البغض. إن الحالات العاطفية لدى الإنسان تمثل العطف والحنان, الفرح والحزن, الشجاعة والخوف, الغضب والانزعاج, الحسد والحقد, البغض والحزن, اليأس والأمل. كل هذه الأمور لها مظهر وحالات طارئة.

إن العواطف تلعب دوراً مهماً ومؤثراً في حياة الإنسان, فهي التي تجير الإنسان على القيام بنوع من السلوك الخاص, ويترتب الأثر في داخل الإنسان نتيجة هذه العواطف.

فأما أن يكون مسرورا أو أن يكون ضجراً وغضباناً. متفاوتة في نوعها من حيث ردود الفعل التي تحدثها لدى الإنسان. فالإنسان في بعض الأحيان ونتيجة لبعض الاضطرابات الروحية يظهر ما في داخله على أساس العواطف, فيظهر حالة خاصة تعبر عن تلك العاطفة.

إن العواطف تنشأ عند الإنسان من أول سنين الطفولة, فعندما يبلغ الطفل سنة من العمر تبرز عنده بعض العواطف كالمحبة والفرح, والحسد والبغض, الخوف والغضب الانزعاج والرغبة وهذه العواطف تبرز كل منها بشكل وحالة خاصة.

 

 

أهمية العواطف في الحياة

إن العواطف تلعب دوراً مهماً وحساساً في حياة الإنسان, وأهم دور لها هو التوجيه والحركة التي تخلقه لدى الفرد, المحبة والخوف, الغضب والحقد, الفرح والحزن, كل هذه الأمور لها أثر في الإنسان بحيث تؤثر على حركته ومقصده, فبدون العاطفة تصبح الحياة مشلولة ولا معنى لها. فالبنت التي يكون لها أب لا يعبأ بالحياة ينام إلى منتصف النهار دون الاكتراث بما يجري حوله, هذه البنت لو قدّر لها وتزوجت وأصبحت مسئولة عن إدارة عائلة, فإنها سوف تبدأ العمل وهي تحمل شعوراً خاصّاً تجاه أولادها وبيتها بحيث أنها لا تستلذ بالنوم ما لم تؤمن كل متطلبات البيت والأولاد, وإذا ما مرض طفلها فإنها مستعدة لتقف بالقرب من السرير الذي يرقد فيه طفلها المريض حتى الصباح بدون أن تفكر بالنوم ولو للحظة واحدة وذلك لتؤمن لطفلها احتياجاته. إن كل هذه الممارسات تمليها عليها عواطفها تجاه طفلها وبيتها وأسرتها.

إن العواطف لها الأثر في تأمين سبل العيش واستقرارها في المجالات الاجتماعية, والسياسية, والاقتصادية والثقافية.

إن المواقف التي يتخذها الأفراد تجاه التعاليم الدينية أو حفظ الحدود والثغور كلها نابعة من وجود نوع من العواطف, وكذلك فإن حفظ الفرد لنفسه من الخطر والحوادث والابتعاد والوقاية من العوامل التي تسبب موته وفناءه كل ذلك له ارتباط بالعواطف.

 

الجوانب السلبية والإيجابية في العواطف

تعدّ العواطف لدى الإنسان بأشكالها المختلفة من النعم الإلهية, والإنسان إذا ما استفاد منها بشكل مناسب فإنها سوف تكون منشأ لسعادته في حياته, فكما يكون الإنسان محتاجاً للمحبة والحنان, فهو محتاج للغضب, لأنه بدون وجود قوة الغضب لا يستطيع الدفاع عن نفسه وماله وحياته.

وعندما نتحدث عن العواطف فإننا يجب أن نتذكر الجوانب الإيجابية فيها مثل الشفقة والرحم, المحبة, إرادة الخير, التعاون والتكافل الاجتماعي وما إلى ذلك من العواطف التي تسبب التجاذب والتودد بين الأفراد.

أما العواطف التي لها جنبة سلبية مثل الخوف, الغضب العداوة, وما أشبه, فإن لبعضها- في بعض الأحيان- فوائد جمة للإنسان.

والعواطف- بكل نوعها الإيجابية والسلبية- إذا ما تحركت طبق ضابطة وتمكن الإنسان من السيطرة عليها متجنباً الإفراط والتفريط, فإن لها فوائد مهمة في حياة الإنسان, وإذا ما أفرط الإنسان في الجوانب الإيجابية من العواطف فإن هناك عوارض غير مناسبة ستطرأ على حياته, وإذا ما أفرط في العواطف السلبية فإن ذلك يسبب له مشاكل اجتماعية وأوضاعاً غير مطلوبة.

إن المهم أن نربي البنت بحيث نبعد حياتها عن الركود والخمول, ونجعلها دائماً في حالة حركة وعمل, وكذلك نجعلها ذات ردود فعل عاقلة تجاه ما يحدث, بحيث يتساوى هذا الأمر مع الشرع والعرف.

 

أهمية تربية العواطف

من هنا نستنتج أن تربية العواطف أمر ضروري ولازم, والغرض من تربية العواطف هو أن نجعلها تأتمر بأمر العقل والشرع, لكي يقوم الإنسان بدوره كعنصر مفيد في المجتمع, إننا بحاجة إلى العواطف الإنسانية, ولكن ليس بالصورة العادية غير المرتكزة على أساس, بعيداً عن الاأبالية واللاهدفية. فالبنت إذا ما أحبت شخصاً فإن هذا الحب يجب أن يرتكز على ضوابط شرعية وأخلاقية. وثانياً: يجب أن يكون الأمر بمقدار, بعيداً عن الإفراط والتفريط, وثالثاً: يجب أن يكون على أسس حسابات خاصة ومدروسة.

كما يجب ملاحظة الضوابط المذكورة عند الغضب.

إن الحياة الإنسانية مبنية على الأنس والمحبة والألفة, أما السؤال الذي يطرح نفسه هو: مع من نأنس؟ وما هي شروط ذلك؟ وفي أي جو؟ وتحت أية ضابطة؟ وعلى أي حساب وميزان؟

إن حب الخير وعمله أمر مهم وضروري, ولكن يجب أن تطرح الأولويات في ذلك, ويجب أن تراعى الحدود والموازين في عمل الخير.

وإن اللطافة في الحديث والمعاملة أمر مندوب, ولكن بشرط مراعاة الأمور المتعلقة بالشرف . وفي تهذيب العواطف نكون بأمسّ الحاجة إلى ما ذكرناه.

 

كيفية السيطرة على العواطف

إننا في بعض الحالات نضطر إلى الوقوف أمام بعض العواطف, ومن أجل تربية البنت نشعر بحاجة إلى الوقوف أمام بعض تصرفاتها النابعة من عواطفها وذلك لحفظ السلامة الجسمية والنفسية للبنت, لأن العواطف تستمد قوتها من الأعصاب وإنه من غير المناسب إطلاق العنان لها.

فالطفل له متطلبات منذ بدء دور الطفولة, ولكن يجب أن لا تؤمن متطالبته بواسطة إثارة الضجة والضوضاء والبكاء, بحيث يصبح الوالدان مضطرين للاستجابة إلى تلبية ما يريد. فالطفل الأول يحسد الطفل الثاني لأنه يرى عطف وحنان والديه إلى الطفل الثاني, ولكن يجب أن لا يكون الحسد بشكل يسبب ضربة للطفل في حياته.

وفي مقابل مسألة كالخوف قد يفشل الإنسان, أو يفر, أو يتخذ قراراً آخراً, ولكننا وبدون أي عناء وفرار من هذه المسألة نفكر ونتخذ القرار الثالث.

فعلى الأم- مثلاً- أن تتخذ قراراً كاملاً أمام حالة عرضت لها بأن سقط طفلها في الحوض, فتمدّ يديها بعقل وبدون ارتباك وتخرجه من الحوض, لا أن تأخذ بالصراخ وتطلب العون من الآخرين إلى أن يصل من يساعدها على محنتها يكون الطفل قد قضى غرقاً, فالعمل والسلوك الأوّل يأتي من التربية أما السلوك الثاني فيجب أن نعمل على محاربته والقضاء عليه لأنه يأتي من سوء التربية أو عدمها.

 

الاهتمام بعواطف البنات

تقدم في الفصول السابقة بأنّ الإسلام يولي أهمية لعواطف البنت, وهناك وصايا بهذا الشأن, ففي تربية عواطف البنت هناك أمور يسعى الإسلام إلى الاهتمام بها وإعطائها الأولوية بالنسبة للبنت أكثر منها بالنسبة للولد, فمثلاً بالنسبة للولد. فمثلاً يسعى الإسلام ويحثّ على عدم جرح عواطف البنت, وأن تمارس تجاهها تصرفات تنمّ عن العطف والمحبة بحيث لا ينكسر قلبها. وإذا ما فكرنا بمعاقبتها وردعها فيجب أن نتخذ الأساليب الملائمة بحيث لا تحس بالضعف والضعة.

في الإسلام بالرغم من كون المرأة طرف الإيجاب في الزواج, والرجل طرف القبول, إلا أن الرجل وحسب السائد هو الذي يجب أن يتقدم لطلب يد البنت, بحيث أنه لو أعطي جواباً بعدم الموافقة فإن الجواب والنتيجة لا تسبب جرح عواطفه, فالخطبة لو كانت معكوسة حيث يجب أن تتقدم المرأة لطلب يد الرجل وتسمع من الرجل جواباً بعدم الموافقة لكان هذا الأمر يؤدي إلى جرح عواطفها, باعتبارها رقيقة الحواس, وربما سيؤثر هذا الأمر على مسيرة حياتها وعلى تربية أولادها. لذلك يوصي لعدم اشتراك البنت في المسابقات خوفاً من أن تلحق بها الخسارة وبذلك تجرح عواطفها وأحاسيسها وتصاب بالخجل وأكثر شيء تشترك به وهو التنافس, ويجب أن تبتعد عما يوجب تكدير إحساساتها وعواطفها.

 

بذل العطف والحنان للبنت

يجب أن نسعى إلى إشباع البنت بالمحبة والحنان في الوسط العائلي, ويجب أن يعلم الأب والأم أن وجود خلل في محبة البنت ربما يسبب انحرافها بحيث لا تشعر بوجود من يحبها في البيت, وهذا يؤدي إلى إيجاد خلل في التفكير, بل قد يصل أحياناً إلى الانتحار. وقد ثبت من خلال البحوث إن الانحرافات في أوساط البنات سببها, وبشكل مسلّم نقصان العطف والمحبة من قبل الآباء والأمهات. ونحن لا نريد أن نقول هنا إن الآباء والأمهات لا يحبون أولادهم . بل قد يكون حبهم بصورة لا يشعر بها الأبناء. ومن الضروري أن تحس البنت بأن أفراد العائلة يثقون بها, وتطمئن بأن أمها وأباها يحسبان لها الحساب, ويشعران بوجودها في الجو العائلي المناسب , يجب أن يدافعوا عنها وعن شخصيتها ومكانتها.

 

أسلوب تربية البنت

أولا: التربية العاطفية للبنت تحتاج إلى مسائل يجب أن تحظى بأهمية خاصة وهي: الوضع المزاجي, الرغبة, الطموح, كما أن سلامة البدن وصحته دوراً مهماً في التربية العاطفية للبنت فمثلاً البنت التي تتمتع ببنية قوية وسلامة بدنية فإن الخوف لا يؤثر عليها كثيراً.

ثانياً: يجب ملاحظة العوامل الموجبة لنمو العواطف السلبية فعلينا أن نبعدها عن التعب, الغضب, الأمراض, سوء التغذية والهضم, العيوب الجسمية واليأس, حيث تعتبر من العوامل التي تقف في طرق نمو العواطف الإيجابية ولا تدع الطفل يشعر بطعم المحبة والفرح.

ثالثاً: يجب أن نخلق روح الثقة بالنفس لدى الأبناء ونجعلهم يفكرون بأوضاعهم العاطفية, بحيث يستطيعون تقييم سلوك الآخرين ويميزون الأعمال المطلوبة من الأعمال غير المطلوبة.

رابعاً: يجب أن يكون للتربية العاطفية الصحيحة ارتباط بمواقف الوالدين والمربين الصحيحة. فكل رد فعل تجاه أي عمل يصدر من الأب يكون رد الفعل هذا ذا تأثير على وضع الطفل التربوي في المستقبل.

 

 

دور التقليد:

يجب أن نعلم بأن القسم الأكبر من سلوك الوالدين يطبع أثراً على سلوك الأبناء فهم يقتبسون من والديهم فالتسلط والسيطرة على النفس مثلاً, والارتباط النفسي, والصمود أو الاستسلام أمام المصاعب, والغضب بدون سبب والعفو كذلك كل ذلك له تأثير على أوضاع الأبناء وهنا يصدق القول القائل بأن الأبناء يعتبرون أحسن المقلدين لآبائهم, حيث أن اللبنات الأولى لسلوك الطفل تبدأ على أساس التقليد لوالديه. فمثلاً لو عرضت لك حادثة أخافتك ففقدت توازنك وأخذت تصرخ وتولول, فإن ابنتك البالغة من العمر ثلاثة سنوات والتي وقفت في زاوية من البيت قلقة تشاهد حالك فإنها ربما اشتركت معك في نفس السلوك فتأخذ بالعويل والصراخ, ولو انعكس السلوك وامتلكت زمام السيطرة على النفس وتصرفت بعقل وحكمة مع الحدث فإن ذلك يعتبر درساً لتلك البنت في المستقبل.

إن الأطفال يتعلمون منا كيف نواجه الحوادث المختلفة وأي موقف نتخذ تجاه ما يحدث, يتعلمون منا كيف نتصرف في حال حدوث ما يدعو إلى الغضب والانزعاج وكيف نتمكن من السيطرة على أنفسنا؟

هناك نقطة يجب أن نذكرها هنا, وهي أن الأبناء لا يتعلمون فقط من الآباء, فهناك أشخاص آخرون يؤثرون على الأطفال وهم أعضاء الأسرة الآخرون المتواجدون ضمن محيط الأسرة كالأخوة والأخوات الكبار, والعم والعمة, والخال والخالة وغيرهم من الأقرباء, وكذلك فعن برامج وسائل الإعلام لها دور في التأثير على الأطفال فتعلمهم التحسس والسيطرة, والهدوء وعدم الاستقرار, ومن هنا يجب أن يكون الآباء حذرين ويقظين إزاء ذلك.

 

أهم الهفوات في هذا المجال

يرتكب الوالدان والمربون أخطاء وهفوات أثناء تربية الأبناء تربية عاطفية, وأهم هذه الهفوات:

1-  في بعض الأحيان يحدث نزاع بين الوالدين في حضور الأبناء الصغار, وهذا الأمر يسبب الأذى للأولاد, ويعتبر درساً سيئاً بالنسبة لحياة البنت في المستقبل.

2-  في بعض الأحيان يحدث نزاع بين الوالدين في حضور الأبناء الصغار, وهذا الأمر يسبب الأذى للأولاد, ويعتبر درساً سيئاً بالنسبة لحياة البنات في المستقبل.

3-  في بعض الأحيان يقوم الوالدان ولغرض المزاح والالتذاذ والضحك بتحريك البنت كي يصدر منها رد فعل بالصراخ مما يفقدها هدوء أعصابها وإنهاك قواها.

4-  عدم تمتع الأبناء بحب الوالدين أو عدم الإحساس بهذا الحب وبالأخص بالنسبة للبنات مما له آثار خطرة حيث يسبب الارتباك في حياة البنت.

5-  يجب على الوالدين مراقبة المحيط الذي يتواجد فيه ابنهما خارج البيت كما هو في داخل البيت, علما أن المحيط خارج البيت يؤثر تأثيراً كبيراً على عواطفه.

6-  في مقابل رضا الأبناء أو عدم رضاهم, يجب أن يسعى الأب إلى إرضائهم بواسطة مخاطبتهم بلسان الأطفال في الحالات التي لا يستطيع فيها الأب توفير ما يريد طفله.

7-  يجب أن لا يستسلم الوالدان أمام صراخ وصياح طفلهما, ولا يكون الصراخ سلاح الطفل لنيل ما يريد.

8-  يجب إبعاد الأطفال عن العوامل التي تمنع نموهم وتربية عاطفتهم, ويجب الحذر من التفرقة بين الأبناء , وكذلك يجب أن لا يغيب الوالدان أو احدهما كثيراً عن البيت, ولا يفرط في العقوبة أو المكافأة , وأن لا يكرر عيوب أطفاله ولا يعيرهم بها.

وينبغي أن تكون الحريات مقيدة بحدود الشرع لأنها إذا لم تكن كذلك فإنها ستقف حائلاً أمام الحريات المشروعة, وأخيرا يجب اجتناب الإفراط والتفريط في إرضاء رغبات الأبناء.