تربية الروح
الكاتب : الدكتور علي القائمي
أن الغرض من التربية هو السير بالإنسان لكي يصل إلى درجة من الكمالات التي أرادها الله سبحانه وتعالى له. ولا شك في أن الآباء ومن بعدتهم أمور التربية تقع على عاتقهم مسؤولية إرشاد الجيل إلى الطريق السوي. وهؤلاء يتحكمون مسؤولية تهيئة الإمكانات, والوسيلة الكفيلة بتحقّق هذا الأمر, بغية إيجاد التغيير والصياغة الجديدة للإنسان .
إن التغييرات والتحولات التي يجب أن تحدث نتيجة التربية تشمل تهذيب الغرائز لدى الفرد من جهة, ومن جهة أخرى خلق التوازن بين الجوانب المتعددة في شخصية الإنسان, وثالثا إيجاد تغيير في الإنسان بحيث يستطيع السمو والصعود وصولاً إلى الدرجات التي أرادها الله سبحانه وتعالى له.
أجل- إننا في الوقت الذي نهتم بالتربية البدنية للإنسان نسعى إلى بناء روحه, وإحياء قلبه حتى يصل إلى مرحلة عليا من البناء الروحي. فبدلاً من أن يكون فرداً حريصاً وبخيلاً قد أخلد على الأرض ولاهمّ له سوى شهواته وملاذه المادية, نصوغ منه شخصية مرتبطة بالقيم التي توصله إلى درجات الارتباط بالحق اللامتناهي. ولهذا فإننا نعتبر التربية خلقاً آخر بحيث تخلق من الإنسان إنسانا متكاملاً.
الفضائل الإنسانية
إن الإنسان وبحكم فطرته يرغب في القيام بعمل الخير, ولكن تأثير بعض الغرائز والأهواء النفسية تجعله يعرض عن الجوانب الفطرية والاستعدادات الخيرة المودعة فيه. فالإنسان مولود على الفطرة ويحمل بعض الصفات الإلهية, ولكن مع الأسف, فإن التربية المغلوطة والبيئة المحدودة والموبوءة علاوة على الدعايات الجوفاء تصنع الإنسان تحت هالات من غبار الأنانية والكبر والذاتية.
أن الفضائل الأساسية والأصلية عند الإنسان هي الأمانة, والشجاعة, والإيثار والتضحية, والعفو,وإرادة الخير, والتعاون في عمل الخير, والصدق, والطهارة, والتقوى, وسعة الأفق, والحرية, والصبر والحلم, والعطف على أبناء جنسه, والتوحيد, والغيرة والحمية, ومن هذا القبيل, لكن مع الأسف فإننا لا نهتم بهذه الصفات عندما نقوم بتربية الإنسان.
أن التربية الإسلامية تعتمد على هذه الصفات وتعتبر قيمة الإنسان في وجود مثل هذه الصفات في شخصيته, لذا فإن التربية الإسلامية تهتم بترسيخ هذه الصفات لدى الإنسان وبالرغم من أننا نهتم بالغرائز الإنسانية ولكننا نسعى أيضاً إلى تهذيبها بحيث تصون الإنسان من السقوط في مهاوي الرذيلة والابتذال.
البنت والفضائل الأخلاقية والإنسانية
أن وجود الفضائل الإنسانية أمر ضروري لجميع الناس, وفي نظرنا فإنه يحظى بدرجة من الأهمية أكبر, بالنسبة للبنات, وذلك لأن البنات يمثلن الثروة الحقيقية للمجتمع في المستقبل, والينبوع الأساسي للحياة, حيث أن الجيل يستمدّ المقومات الأساسية لحياته من ذلك الينبوع, فإذا ما تربى الأطفال تربية صالحة في أحضان الأمهات فإن احتمال انحدارهم في مهاوي الانحراف يكون قليلاً جداً.
يجب أن تتمتع البنت اليوم بروح سامية وتربية عالية, وذلك لكي تحافظ على كيانها من الانحراف والانزلاق في كل زمان وفي أي مجتمع, يجب أن تكون شجاعة لكي تواجه الانحرافات وتدافع عن نفسها بكل حزم أمام من يحاولون سلب عفتها وشرفها.
إن دور الأمهات في المجتمعات الحرة هو الصمود في ميادين الحق ضد الباطل بمعنويات عالية, لكي يستلهم أولادهن منهن دروساً في الجهاد ضد الباطل ولكي يعطين لأولادهن مناعة تحفظهم من الطوارئ وتؤمن لهم اليقظة أمام حيل ومكر الظالمين المضلين, ولكي يعرفوا قدر أنفسهم حتى لا يخسروا في هذه الحياة.
إن تربية البنت يجب أن تكون مبينة على أسس من التفاهم والعفو والإيثار والتضحية فتكون صبورة أمام الصعاب, تتحمل المصائب في كل زمان ومكان, وأن تكون بأقصى درجات التحمل في حياتها حتى ولو عرض لها عارض افقدها أحد أولادها- مثلاً- عليها أن لا تجزع وتترك مواصلة مسيرة الحياة.
تزكية النفس
إن التربية الإسلامية تهتم بتزكية النفوس كثيراً, وذلك لتربي أنساناً متخلقاً بالخلق الإلهي, ولكي تنمّي في نفسه الفضائل الإنسانية وتوصلها إلى أعلى المستويات, فمما لا شك فيه أننا بحاجة إلى علماء, عمال, موظفين, ربات بيوت, آباء وأمهات يتمتعون بدرجات من الفضيلة والوجدان.
فالعالم إذا لم يكن من أهل الفضيلة, والمسئول والحاكم إذا لم يتمتع بالفضائل الإنسانية, فسوف يكون عالة على الإنسانية والمجتمع, وسوف يجرّ المجتمع إلى النكبات والويلات, والأم إذا أصبح عملها مقتصراً على الولادة والإرضاع دون أن تملك نسبة من الفضائل الإنسانية, فإن مولودها سيأخذ طريقة إلى الفساد والضياع.
إن التزكية تعصم الإنسان من التلوث وتضمن له النمو في المحيط الاجتماعي بشكل سليم, قد تنجيه من الركون إلى غرائزه وتربى فيه روح الميل إلى الفضيلة وتجعله يعرف طريقه فيسلكه وتنمي قابلياته الروحية والمعنوية فيسير سيراً صالحاً مقروناً بالعقل والمنطق.
إن الذين يهتمون بتغذية وملابس وسكن أولادهم فقط, ويرغبون أن تخرج بناتهم بلباس جميل شأنهن شأن الدمى هؤلاء- علموا أم لم يعلموا- سيوجهون للجيل القادم ضربة قاضية. ويعتبر عملهم هذا خيانة للأجيال القادمة, لأنهم يقضون بعملهم هذا على الجوانب الروحية لدى أولادهم, وبالتالي ستقع المأساة ويحلّ الفساد.
الروح الشجاعة عند البنت
يجب أن نسعى في تربية البنت إلى أن تكون ذات روح شجاعة, وأن تكون جريئة بشرف وتعقل, فالأمهات الشجاعات يستطعن تربية أولاد شجعان يقاومون الحوادث والوقائع التي تقع لهم أثناء حياتهم ويقفون صامدين في الصعاب.
ويجب أن تنمى روح الشجاعة لدى البنت في مقابل الإغواء والاحتيال والمكر الذي تتعرض له, بحيث تستطيع النجاة من حبائل وشباك الضالين والمضلين, يجب أن تكون البنت شجاعة تبحث دائماً عن الحقيقة, وتتبع الحق حتى ولو كان في ذلك مشقّة وعناء ويجب أن نخلق لدى البنت روح المقاومة لنتمكن من خلق التوازن العاطفي في شخصيتها, ولكي تكون صبورة تتحمل آلام ومصاعب الحياة وإدارة الأسرة وتربية الجيل.
حرية البنت
من الأمور المسلّمة أن البنت وبحكم الإنسانية يجب أن تتمتع بحريات كاملة, لكن يجب أن لا ننسى بأن هذه الحريات يجب أن تكون مقيدة ومشروطة, إننا لا نريد أن نربي البنات تربية نجعلها مكتوفة الأيدي ولا تستطيع القيام بأية حركة, فهذا الأمر لا ينسجم مع الإنسانية إلا إذا كان الإنسان مستحقاً لعقوبة أو جزاء, لكن الأمر المهم أيضاً هو أن حرية البنت يجب أن تكون بحدود حفظ شرفها ومسيرتها من التلوث, بحيث لا تسبب أذى لنفسها وللآخرين, إضافة على ذلك فإننا يجب أن نربي أولادنا بحرية من الأنانيات والمحوريات, وإلا فإن الحرية المصحوبة بالفساد والنكبات والأذى لا تعتبر حرية لأنها لا تستطيع تحرير الأجيال من العبودية والقيود. نحن نريد حرية تحرر الإنسان من عبودية الإنسان وتجعله عبداً خالصاً مخلصاً لله سبحانه وتعالى, وتخرجه من مرحلة الشك والوسواس إلى مرحلة القطع واليقين.
الجوانب الإنسانية
البنت- ويحكم الفطرة والطبع- ذات عاطفة وحنان شديدين, ويتجلى هذا الأمر أكثر في أيام الحمل, ويصل إلى أعلى مراحله في تلك الفترة, واليد الإلهية لها دور في ذلك, لأنها ستتولى رعاية الطفل الذي يأتي إلى الدنيا ضعيفاً عاجزاً لا يستطيع أن يدافع عن نفسه أمام ذبابة صغيرة.
إن وجود العاطفة لدى النساء والبنات هي إحدى علامات كمال الخلقة, والذي ينكر هذا الأمر أما أن يكون غير جادّة في إنكاره, أو أن يكون فيه نقص, أو لا يريد أن يكشف حقيقة حاله, أنه مما لا شك فيه أننا نستطيع إضعاف هذه العواطف ببعض الممارسات, ولكن لا نستطيع اجتثاثها من جذورها من بناء الإنسان وخلقته.
من جهة أخرى, فإن هذه العاطفة يجب أن تمتزج بالعقل والروح الإنسانية السامية, وذلك لكي نقف أمام العوارض التي تعترض مسيرة الحياة.
إن الأم التي تحمل عالماً من العواطف تجاه ولدها, لا تمتنع عن إرسال ولدها إلى جبهات القتال ضد الأعداء, وهنا يبرز السمو الروحي فيسعفها ويجعلها لا تستجيب لهذه الصراعات العاطفية.
لقد رأينا الكثير من الأمهات أرسلن أولادهن للدفاع عن حمى الدين, فضحّين بفلذات أكبادهن دون أن يذرفن دمعة أو تنطلق من صدورهن آهة تدلّ على الندم, وكم نعرف من الزوجات الشابات وقد أخذن على عاتقهن رعاية أزواجهن المعلولين, أو القيام مقام الأزواج بسبب انشغالهم بوظائف إسلامية تجبرهم على الغياب عن البيت, فتتولى الزوجة مسؤولية إدارة شؤون العائلة لتسد الفراغ الناشئ من انشغال زوجها في بعض المسؤوليات المهمة.
دور الوالدين القدوة
إن لدور الوالدين تأثيراً بالغاً على تربية روحية. إن الأم والأب يستطيعان أن يركزا الجوانب الإنسانية السامية لدى ولدهما في مرحلة الطفولة, فيصبح حاملاً للفضائل الإنسانية والأخلاقية. فالأب يستطيع أن يعلم أبناءه دروساً في مختلف جوانب الحياة كأن يتخلى عن بعض حصته من الطعام لولده ليخلق فيه روح الإيثار . والأم إذا صبرت على أخلاق زوجها فإنها تعلّم الأطفال درساً في التسامح والعفو. وإذا ما كظم غيظهما أصبحا مصداقاً للكاظمين الغيظ في نظر أولادهما. وكذلك بإمكانهما أن يكونا مصداقاً للعافين عن الناس عندما يجسّدان دروساً في العفو والتسامح.
وعندما يعرضان عن اللغو والمفاسد فإنهما يصبحان مصداقاً للآية الكريمة (وإذا مرّوا باللغو مروا كراماً).
وهنا يصبح الوالدان قدوة لأبنائهما وسبباً في هدايتهما وبنائهما ودليلاً لعمل الخير والإحسان. وأفضل مثال على ذلك أئمتنا عليهم السلام فقد كانوا قدوة في العائلة وقدوة في المجتمع لجميع الناس.
البناء والتوجيه
في هذا الموضوع سؤال يطرح نفسه وهو: أي أسلوب يتبع الوالدان في تربية أبناؤهما؟ ومن أي الوسائل يستفيدان؟
الجواب: يجب الاستفادة من الوسائل والأساليب التي لها علاقة بأمر التربية, مثلا:
أولاً: يمكن الاستفادة من الإرشاد والوعظ والتوجيه, وهذا يكون مؤثرا إذا ما صدر من شخص مخلص ومحب للخير. فالذين يأمرون بالخير ويحبون هداية الناس إلى الصراط المستقيم يجب أن تكون نيّاتهم خالصة لله, خالية من أي شائبة.
ثانياً: أن تكون مسيرة حياتهم خالية من أي شكل من أشكال الانحراف, مصحوبة بالصدق والصفاء وعمل الخير والتقوى, فيكون كلامهم مؤثراً في الآخرين, فالذي يحب البطولة يحب أن يحذو حذو الأبطال ويتقمص شخصية وأسلوب الأبطال ويسعى أن يكون منهم.
ثالثاً: التربية- روح التفكير والتأمل- والفصل في المواقف والأعمال لكي يصبح مهيّأ ومعدّاً للقيام بأعماله, طبعاً هذا الأمر لا يصدق على مرحلة الطفولة, ولكن الآباء في هذه المرحلة بإمكانهم إعداد أطفالهم باستخدام الأساليب غير المباشرة سيما وإنّ الطفل يمثل صفحة بيضاء, فيكون عمل الأب والمربي بمثابة توجيه لهم, ويكون مؤثّراً, لأن الطفل يحمل فطرة خالية من الشوائب, تحب الخير, وتميل إلى معرفة الله وفعل الخير.
ورابعاً : أن للسلوك العملي وأسلوب تصرفهما الممزوج بالنصائح والدعاء والتضرع الخالص لله, الأثر على أوضاع الأطفال ويجب أن لا ننسى بأن الأنبياء عليهم السلام بالرغم من كونهم القدوة في أممهم, إلا أنهم كانوا يدعون لأولادهم وذريتهم بالخير.
نقاط مهمة حول التربية الروحية
لغرض تربية الروح إلهية, يجب إتباع النقاط التالية وذلك من أجل تزكية الروح وتخليتها, وهي:
1- أن التربية وتطوير الأبعاد الوجودية يرتكز على عاملين:
الأول: الوالدين والمربين والمجتمع, فإن لهم الدور المهم والأساس في تربية الطفل قبل أن يصل إلى سن التمييز.
الثاني: الإنسان نفسه, بعد أن يصل إلى مرحلة التمييز, يجب أن يكون مؤهلاً من قبل والديه, للسير في طريق بناء نفسه وإصلاحها.
2- إن للنمو العقلي والتربية الأثر في رفع الاستعداد لدى الإنسان, لكي يفكّر في تربية روحه ونمو وعيه.
3- يجب أن يكون هناك توازن بين تربية الروح وتربية البدن.
4- يجب أن نهتم بخلق روح سامية لدى البنت, كي تسيطر على رغباتها البسيطة والعادية.
5- يجب أن يهتم الوالدان بتربية روح الأصالة والمهارة والطهارة لدى البنت لتستطيع مواجهة الحوادث والطوارئ وهنا يجب أن نلحظ التباين بين البنات والبنين في هذا المجال.
6- يجب أن تكون البنت على استعداد كامل لمواجهة المصائب والمشكلات, وأن تتحلى بروح المقاومة في سبيل القيام بمسؤولياتها.