تربية الذهن والفكر والعقل

الكاتب : الدكتور علي القائمي

 

لا بد أن يستند الاعتقاد إلى المعرفة والوعي والتفكير. ومن وجهة نظر الإسلام فإن التقليد في العقائد غير جائز, وعلى هذا الأساس فإن مسألة الإدراك وتربيته عند البنين أو البنات من الأمور المهمة جداً.

من جهة نظر البعض : أن التربية هي التي تعني بتهذيب وصقل الذهن والفكر وإيجاد الأرضية الصالحة لنموه, فالآباء والمربون يفكرون ويسعون إلى الحصول على العوامل المساعدة على نمو وتربية الفكر والعقل, لكي يربوا شخصاً ذا فكر وأخلاق وسيرة حسنة. وفي تربية البنات تعتبر هذه المسألة من المسائل المهمة في نظرنا, لأننا لا نريد لهذا الجنس أن يكون جاهلاً, أو بعيداً عن الإدراك فقد أثبتت الأبحاث والتجارب أن البنات إذا لم يحزن على قدر كافٍ من الفهم والإدراك, فسوف يصبحن مجرد خدم ووصيفات محرومات من الحياة الإنسانية, فلا يمثلن إلا أداة وسلعة لا حول ولا قوة لها بيد الرجل, ولا يتمتعن بأبسط حقوق الحياة الزوجية. نحن نريد أن نربي البنات على التفكير الصالح, لتكون المرأة واعية بما يحيط بها, تتمتع بقسط وافر من الاستقلال الذي أراده لها الدين الإسلامي.

 

دور التربية

تلعب التربية دوراً مهماً في تفتح الأفكار لدى الإنسان, وتقوم بتنظيم أفكاره, وعلى العكس تستطيع أن تجعل من الأفراد غير قادرين على التفكير تفكيراً صحيحاً , يلقهم الجمود والركود, ليس لهم القدرة على اتخاذ القرار, ولا يستطيعون معرفة طريقهم, أو في حال معرفته لا يستطيعون تشخيص الحق من الباطل.

إن التربية تعتبر بمثابة الضوء الذي ينير الطريق والذي يميز الإنسان فيه الطريق بإنسانيته فيدرك هناك ما هو أهم من البطن, وإن الفكر الصحيح ذا قيمة عالية. والتربية تترك آثاراً على أعمال وسلوك الإنسان, وتهيئ له العوامل المساعدة على التكامل الجسمي وتساعده على بناء مستقبله.

 

فوائد التربية

إن للتربية دوراً في صياغة شخصية الإنسان حيث توفّر له عناصر تجعله شخصية لديها استعدادات كثيرة في مجالات شتى, يأتي الإنسان إلى هذه الدنيا يحمل خزيناً من الاستعدادات الأولية, وبسبب تساهل الآباء والمربين فإن الكثير من هذه القابليات تضمحل لدى الأفراد وتصبح غير قابلة للاستفادة وتدفن مع صاحبها عند موته, ففي مجال الذهن هناك استعدادات واسعة النطاق إذا ما تم استثمارها بالصورة الصحيحة وتهيأت الأرضية المناسبة لنموها, أصبح الإنسان قادراً على أحداث تغيير في المجتمع.

إن وظيفة التربية هي إعداد الذهن وإيجاد الدوافع التي تساعد على التفكير لدى الإنسان, فتعمل على أقلمة الذهن, وتجعله يفكر تفكيراً سليماً, لتكرس نتيجة هذا التفكير في البناء والإصلاح.

والتربية ضرورية للجميع, وهي أكثر ضرورة للبنات, لأن البنات أمهات الغد والمسئولات عن تربية العقول ونشأتها, حيث أن المجتمع بحاجة إلى الفكر والعقل أكثر من كل شيء, والمرأة وبحكم بنيتها الجسمية قادرة على ممارسة الأعمال المتعلقة بالتربية.

 

ضرورة تربية الذهن والفكر

المسألة التي نريد بحثها هنا ما هي الصورة التي نحملها عن أمهات المستقبل؟ هل نريدها امرأة جاهلة, أم واعية تتمتع بموقع في نواحي الحياة المختلفة.

في الحالة الثانية يجب أن نهتم بتربية فكر المرأة وذهنها.

إن التربية الفكرية وتنشيط العقل لدى الفتاة من المسائل الضرورية حيث أن البنت بحاجة إلى العقل لمعرفة السنن والقوانين الإلهية, ولكي يساعدها في التغلب على مشاكل الحياة, ولكي تؤمّن الأجواء المناسبة لأفراد العائلة وتضمن لهم مقاومة الصعاب ومواجهة مشاقّ الحياة. وتربية الفكر والعقل لدى البنت تربية صالحة يجعلها تهتدي إلى طريقها ويضمن لها عدم الضياع في المتاهات, ويساعدها على تلاقي الزلات التي تسببها لها عاطفتها القوية التي أودعت في خلقتها لتساعدها على تربية أبناؤها.

وحتى لا يستطيع البعض أن يستغل هذه الجنبة العاطفية التي تتمتّع بها البنت لأغراضه السيئة, لا بد أن تكون على أعلى درجات الاستعداد الذهني والذكاء, وذلك لكي تستطيع وضع الأسس المهمة التي تؤمن سعادتها وسعادة أبناءها, ولتضمن تربيتهم طبق القواعد الفنيّة لتربية الأطفال. كذلك فإنه من الضروري  أن يكون لدى البنت ملكة التمييز والفصل في المسائل, لكي تستطيع وضع الحلول المناسبة لما يحدث لها بفكر صحيح وعقيدة راسخة.

 

فوائد تربية الذهن والفكر

إن تربية الذهن والعقل لدى البنت يجعلها تستفيد من الاستعدادات التي منحها الله إياها, وكذلك لغرض تنمية وتربية الجوانب المختلفة في شخصيتها لكي يحدث تناسقاً بين هذه الجوانب أولا.

ثانياً: إذا ما نضج عقل البنت فإنها لا تستسلم لهذا أو ذلك, وسوف تقف شامخة أمام العواصف والطوارئ.

ثالثاً: إن سعة الذهن ورقي التفكير لدى البنت له تأثير على تقدم المجتمع وتطوره, لأن الأمهات ينقلن ما يجول في أفكارهن - سواءً كان صالحاً أم طالحاً- إلى أولادهن, فيكون تكامل المجتمع أو انحطاطه مرتبطاً- إلى حد ما- بالأمهات.  رابعاً: أن التسلط على العقل والفكر يجعل الإنسان قادراً على التسلط على شهواته وأهوائه ورغباته, والنجاة من أخطار الوقوع في الزلل.

إن الكثير من الحجب المظلمة يمزقها ويبردها العقل والفكر الصحيح والمتنوّر. وكم من المظاهر الجميلة في الطبيعة استطاع الإنسان أن يكشفها بعقله وفكره. إن قوّة الخيال والتصور لدى الإنسان قوية لدرجة أنها تسبب له المصائب أحياناً ان لم تمتزج بالعقل والتفكير الصحيح.

أجل إن الفكر والعقل لدى الإنسان مضافاً إليهما الذكاء والقابليات والاستعدادات تمثل ثروات عظيمة تأخذ بيد الإنسان نحو طرق الخير والتقدم والازدهار, فالإنسان في ظل العقل والتفكير يستطيع أن يحافظ على كل ما يتعلق برقيه وتطوره ومصلحته.

ويعتبر العقل والفكر من موجبات السعادة المادية والمعنوية للفرد والمجتمع.

أبعاد التربية

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : أي جانب من جوانب شخصية البنت يجب أن نهتم بتربيته, والذي يكون ضرورياً في حياتها وحياة المجتمع؟ هل نربي فيها قوة التفكير؟ أم التصور والتخيل؟ أم التعقل والإدراك والشعور؟ أم الإرادة والتصميم؟ إن كل ما ذكرنا يمثل الأبعاد الوجودية للإنسان, فهي لا تعتبر أشياء ملموسة بل أن لها آثاراً وظواهر في الخارج . في اعتقادنا يجب تربية قوة الاستنباط لدى البنات وذلك ليستطعن تشخيص الطريق السوي, وكذلك التمييز بين الجميل والقبيح, ولكي يحسبن حساب الغد من القرائن التي يحصلن عليها اليوم, ولكي يعرفن العواقب التي تنتظر الإنسان إذا ما انحرف عن الطريق المستقيم.

إن تربية القابلية به ملكة الحكم على الحوادث عند وقوعها أمر ضروري لدى الفتاة, حيث تحتاج مثل هذه الأمور إلى التعقل والتأني وعدم التسرع في اتخاذ القرار وإصدار الحكم بدون معرفة ما يحيط بالحادث, وأن لا نضحي بالمصلحة الكبرى من أجل مصالح جزئية أو خيراً كبيراً في المستقبل من أجل منافع آنية لا قيمة لها.

 

طرق التربية

نستطيع الاستفادة في تربية الذهن والفكر والعقل من التجربة وممارسة التمارين العملية, فإذا أردنا أن نربي النمو الفكري لدى الإنسان فيجب أن لا نعتمد على أسلوب التلقين الذي يشابه الأسلوب المتّبع مع الببغاء, بل يجب الاعتماد على تربية جوانب البحث والتحلل لدى الشخص, وذلك لتقوية فكره وعقله. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف يجب أن ننمي قابلية الأعضاء والحواس لدى الإنسان ونجعلها تملك القدرة على المناورة والتعمق في المسائل الحادثة. بحيث يستفيد من القرائن والمؤشرات الموجودة لاستنباط وكشف الحقائق. كما أن السيد في الآفاق, والتحقيق, والتفكر في شؤون الخلق له تأثير كبير على بناء وتربية الشخصية. وقد أوصى بذلك القرآن الكريم بقوله تعالى(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم...) .

وكذلك قال ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)

إن الكثير من الدروس التي يتعلمها الإنسان في المدرسة وبسبب كونها غير عملية, فإنها لا فائدة لها إلا في ترويض الفكر والمخ, مثل حل المسائل الرياضية.

إن التجربة والممارسات العملية من شأنها تقوية الفكر, وإيجاد سعة في أفق التفكير والنظر, وتربية ملكة التمييز والتشخيص والحكم على الأشياء ودرك القوانين الحاكمة في عالم الخلق والكون.

والتربية الإسلامية تسعى إلى جعل الإنسان حراً في التفكير, حيث توسع أفق الذهن والفكر وتعطيه أبعاداً شمولية, فيمتد الفكر ليشمل النقاط القريبة والبعيدة.

لا يستطيع الإنسان أن يفكر بكل مشروع أو قضية بحيث يجعل فكره سابحاً في فضاء لامتناه من القضايا والمشاريع, بل إن عملية التفكير والتعقل عملية تدريجية, يمارسها الإنسان حتى تصبح عادة وملكة في نفسه, عندها تحدث الرغبة في الممارسة لتأخذ- الصفة العملية في التطبيق.

 

الابتعاد عن الأوهام والمزاعم الواهية

الأصل في تربية الفكر والذهن هو التوقف أمام أية ظاهرة تحدث, حتى نستطيع كشف ما يحيط بها وكشف الغموض الذي يكتنف حقيقتها, فالمرور- مرّ الكرام- على الحوادث, والتعلق بالأوهام والخرافات, وترك الأصول والضوابط والعلل والمعلولات يؤدي إلى سقوط الإنسان في المتاهات. إن الإنسان لا يستطيع أن يكتشف الأسباب والمسببات لما يقع له من حوادث خلال حياته, ولكن هذه المقدرة تحصل له بمساعدة التربية, فإنه يستطيع أن يعرف علل ومعلولات بعض الحوادث, وهذا الموضوع لا بد أن يستقطب اهتمام الأولياء والمربين الذين يأخذون على عاتقهم مسؤولية تربية البنات.

المسألة الأخرى في هذا المجال هي أن الفكر الصالح والعقل الذي يستفيد منه الإنسان, بحاجة إلى رأس مال- ولو قليل- من العلم والمعرفة, ففي كل تخصص هناك معلومات أكثر, وأن سعة العلم والمعرفة توسع الفكر, ويستطيع الإنسان في- ظل سعة المعلومات- النجاة من الأوهام والمزاعم والخرافات.

إن الإيمان الصحيح, والمواقف الصحيحة تجاه الحوادث والأمور, والابتعاد عن الشبهات والأوهام, بحاجة إلى علم نافع ينير الفكر والذهن.

ويجب أن يشمل هذا البنات أيضا, لأن البنت بحاجة إلى التعمق والابتعاد عن السطحية, كما يجب أن ننمي قابلياتها الفكرية من الطفولة كي تصبح قادرة على إدارة شؤونها في المستقبل.

 

التنسيق في التربية

إن المدرسة التربوية الإسلامية لم تدع بعداً من أبعاد الشخصية الإنسانية لم تهتم به, أو أن تفضل بعداً على بعدٍ آخر أو تنمّي أحد الأبعاد وتترك الآخر, فالتربية الإسلامية مثلما تهتم بتربة البدن فإنها تهتم بتربية الروح وبناء الفكر وتوسعة الذهن, لأننا لا نريد أولاداً يملكون تفوقاً جسمياً وانحطاطاً فكرياً وعقلياً وروحية مهزوزة.

إن الاهتمام بالظاهر- عند الزواج- من القضايا التي لا رواج لها في الإسلام, لأن الذي يقوّم حياة الإنسان ليس المظهر الخارجي, وإنما الكمالات الباطنية, فعلى الشباب الاهتمام بهذه القضية أثناء اختيار شريك الحياة. إننا بحاجة إلى الانسجام والتغلب على الصعاب, واتخاذ المواقف المناسبة عند الحوادث, ونحن في انتخابنا للزوجة الصالحة يجب أن نبحث عن هذه الصفات في الزوجة التي نختارها. فإذا كان مظهرها جميلاً فيجب أن تكون ذات جمال باطني أيضاً, وتتمتع بمعنويات عالية. وبكرامة نفس وتقوى وفكر سليم.

والنظام التربوي الصحيح هو الذي يهتم بتنمية هذه الصفات والخصوصيات لدى الأفراد, وبالأخص لدى النساء .

 

نقاط مهمة

في الختام نلفت أنظار الأولياء والمربين المحترمين إلى النقاط التالية:

1-  في تربية القوى والاستعدادات العقلية يجب أن تراعى التجربة والقدرة على التفرس والتأمل.

2-  توجد لدى الإنسان قابليات واستعدادات يجب الاهتمام بها وتربيتها بصورة نسبية ومتناسقة.

3-  يجب مراعاة التدرج في التربية والتنسيق في الاستعدادات.

4-  يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار حرية الفكر والعقيدة طبق الشريعة الإسلامية.

5-  يجب المحافظة على غضاضة وطراوة الفكر لدى البنت, وإبعادها عن التعب الفكري والضجر.

6-  يجب أن يكون التفكير لدى البنت عميقاً وليس تفكيراً سطحياً.

7-  يجب المحافظة على العفة والتقوى من خلال تقوية الجوانب الاعتقادية لدى البنت وإبعادها عن الأفكار الشيطانية.

8-  يجب مراعاة التفكير والتعقل في الأمور ورعاية الاعتدال وتهذيب الغرائز.