تربية وإصلاح البنت
الكاتب : الدكتور علي القائمي
إن الكثير من الأسر- سابقاً- وبسبب الغفلة أو عدم العلم أو الجهل أو قلة الإمكانات كانت مقصرة بحق أبناءها, وبعد مرور مدة وانتصار الثورة الإسلامية المباركة عمّ الوعي وتوفّرت الإمكانيات لتربية الأبناء تربية إسلامية خاضعة للمتابعة والرقابة الخاصة, ولكن المشكلة التي برزت هنا هي الأساليب الملتوية التي اعتاد عليها الأبناء طوال مدة حياتهم الماضية وكيف يقدرون على نسيان ما اكتسبوا والاستجابة لمتطلبات البناء الجديد والسير طبق الحياة الإسلامية الجديدة؟
إن الذي سنتابعه هنا هو الإجابة على هذا السؤال, أولاً: فمما لا شك فيه أن المحيط والمعاشر وكذلك عدم الالتزام بالمقررات والتعاليم له الدور الكبير في التأثير على البنى التربوية والأخلاقية. وهناك الكثير من الآباء كانوا يرغبون أن يتحلى أبناؤهم بالأخلاق الإسلامية, ويرغبون أن تلبس بناتهم الحجاب الإسلامي, ولكن المحيط الفاسد كان يمنع تحقق رغباتهم, وبعضهم كان يشعر بالخجل من ظهور أبنائه بالمظهر الإسلامي عند ذهابهم إلى المدرسة, من جانب آخر فإن البنات اعتدن على هذا القبيل من العادات وكان يصعب عليهن ترك الآداب والرسوم السابقة.
والسؤال الذي يطرح نفسه, هو كيف نواجه ونحارب هذه الانحرافات وكيف نستطيع إرجاع هؤلاء إلى طريقهم الأصلي؟
القابلية والقدرة على الإصلاح:
قبل كل شيء يجب أن نرى بأنه هل يمكن أن نقوم بالتربية والإصلاح من جديد أم لا؟
من حسن الحظ إن الأدلة العلمية والعقلية والتجريبية أثبتت أن بالإمكان القيام بالبناء والتربية والإصلاح حتى بالنسبة لكبار السن. مع أخذ فارق السن بنظر الاعتبار, فالشخص كلما كان متقدماً بالسن كان التأثير عليه قليلاً, إلا أن يكون عقله وإدراكه دائماً معه.
في نظر الإسلام مدرستنا الفكرية الإسلامية- ومن نعم الله- فإن هناك إمكانات مختلفة تساعد على تغيير وتحوّل بني آدم حيث تتوفر الوسائل اللازمة للإنسان من أجل الحصول على السعادة, والمربي يمكنه وبالاستفادة من هذه الإمكانات ان يهدي من يربيه إلى الهدف الذي ينشده, ونتائج عمل الأنبياء والأولياء تؤيد هذا الإدعاء. من جانب آخر فإن الله سبحانه وتعالى أعطى للبشر عقلاً يميز فيه الخير من الشر وفهماً وشعوراً ليفرّق بين الجوانب الإيجابية من الجوانب السلبية, فالكثير من الأفراد ونتيجة الحصول على الوعي والإدراك ندموا على أخطائهم وسلكوا طريق الهدى فحصلوا على العزة والقرب والجاه الإلهي.
إن وجود هذه الإمكانات الإلهية والأوامر والنواهي التي جاء بها الأنبياء تعتبر أحسن شاهداً على استعداد الفرد للتربية وقابليته على الصلاح. طبعاً يجب أن لا ننسى بأن إعادة التربية تكون فيها صعوبات أكثر من البناء, ويقع على عاتق الأبوين جزء من هذه الصعوبات عندما يريدون البدء في إصلاح بناتهم.
التعرف على العلل والأسباب قبل البدء بالتربية
في طريق إصلاح البنات هناك مسألة رئيسية تعترض طريقنا وهي معرفة أسباب ودوافع الانحراف والخلاف وارتكاب الأخطاء, وعادة يكون عمل المربي مشابهاً لعمل الطبيب حيث أن الطبيب سعى دائماً إلى معرفة العلل والدوافع وبعدها يعطي الدواء على ضوء تشخيصه لأسباب المرض. وعادة فإن علل ودوافع انحراف ووقوع الأبناء- صبياناً وشباباً- في الأخطاء وفي مهاوي الرذيلة, مردّة إلى أن أكثر هؤلاء الأفراد كانوا مغفلين في مرحلة طفولتهم وكانوا في حالة اضطراب فلم ينالوا قسطاً من التربية الصحيحة, أو كانوا محرومين من حنان وملاطفة آبائهم ويعيشون في أحضان عوائل مضطربة وغير مستقرة.
كذلك فإن أوامر ونواهي من يتولّون التربية, والتأثير السيئ الذي تركته العناصر غير الملتزمة وغير المستقيمة, ومعاشرته مع أشخاصا لا يتمتعون بقسط وافر من الأخلاق والسلوك والصفات الحسنة, وفي بعض الأحيان النقص والقصور الناشئ من الإصابة ببعض الأمراض الذي يسبب عوارضاً.. كلها عوامل لظهور الانحراف والخلاف, وكذلك فإن لعدم الوعي وضعف الاعتقاد, والعيش في محيط سيء التربية وغير ملتزمة, وعدم وجود الرقابة على التصرفات والرواح والمجيء, ومطالعة الكتب والتأليفات المنحرفة, وعدم وجود النمو الفكري والعاطفي الكافي, ووجود المظاهر البراقة وتأثيرها في جذب الأفراد, العيش في محيط يتسابق أفراده في سبيل إثبات شخصياتهم وإشباع غريزة حب الظهور لديهم, كل هذه العوامل بالإمكان عدها من العوامل المؤثرة في انحراف الأفراد.
في كيفية العلاج
في طريق إصلاح وعلاج الانحراف التي تبتلي به البنات, بالإمكان الاستفادة من الطرق والأساليب التي اشرنا إلى قسم منها في موضوع البناء, أما الأساليب فهي:
1- الوعي: لقد ذكرنا مرارا أن أساس منشأ الكثير من المفاسد والأخطاء نابع من عدم الوعي أو عدم التفكير بالمستقبل, وأول مسألة في الإصلاح والتربية هي توعية الفرد لكي يعلم ماذا يفعل؟ وماذا يجب أن يفعل؟ ولماذا يفعل هذا؟
ونحن لا نقول بأن الوعي شرط أساسي وكامل وجامع للتربية, لكن نقول انه من الشروط اللازمة لهذا الأمر.
أن الوعي لا يجلب الإيمان والعقيدة, ولكنه مؤثر لمن عنده إيمان, حيث إننا نحتاج إلى وعي, وعلى هذا الأساس فمن الضروري أن نجلس مع أبنائنا وبشكل متناوب وساعات متعددة لكي نبحث المسائل والمواضيع التي هي محل ابتلاء, ولكي نفهمهم بأنهم في وضع غير مرغوب فيه وأن استمرار وضعهم هذا سيؤدي إلى عواقب وأضرار فادحة, ونفهمهم لماذا يجب أن يغيروا هذا الوضع وكيف؟ وهذا الوعي يمكن أن نعطيه للأطفال الصغار ولكن بشرط أن يكون حديثنا بلسانهم ومنطقهم.
2- الإيمان والعقيدة: وهذا هو الشرط الثاني من شروط السعي من اجل الإصلاح فأبناؤنا ومن أجل أداء مسؤوليتهم وإتباعهم لفكر رسمي ويجب أن يؤمنوا بذلك الفكر أولاً, وهذا الإيمان ليأتي عن طريق اعتقادهم بإرادة آبائهم للخير, وصدق قولهم, وتفكيرهم وتأملهم في الأمور, اعتقادهم بصحة التعاليم الواردة في ذلك المذهب, السير في الآفاق والأنفس, ومع تناسب الأمر والعمر والدرك والفهم نستطيع الاستفادة من أحد هذه الأساليب, أن مسألة البناء مستحيلة ما دام الشخص لا يؤمن بما يلقّن من تعاليم. ففي بعض الأحيان يمكن أن يتقبل الأبناء بالإجبار من آبائهم, وفي بعض الأحيان يعملون بما تعلّموا, ولكن يبقى الأمر سطحياً وغير متجذر, فالفعل إذا ما أصبح عادة وتجذر بالتدرج واستمر العمل به فإن تركه يصبح صعباً.
3- الاستفادة من النصيحة والوصية: إن وصايا ونصائح الوعاظ وذوي النصيحة وإرشاداتهم وتذكيراتهم وكذلك النصائح اللطيفة والملائمة التي تصدر من الأب والأم حتى وإن لاقت الرفض والمقاومة من قبل الأبناء ابتداءً, لكنها في النتيجة ستأخذ طريقها إلى الأذهان.
إن أبناءنا يسمعون كلامنا, ولا يتفاعلون معه أثناء حضورنا لكنهم وعندما يخلون إلى أنفسهم ويفكروا فإنهم يعطونا الحق وقد لا يعترفون بهذه المسألة خوفاً على كبريائهم وشخصيتهم. وهذا الحديث يصدق على الصبيان والشباب, أما الأطفال الذين يضحكون عندما يضاحكهم أحد ويبكون لأسباب واهية, فإنهم يستسلمون ويتقيد بالنصيحة بشكل أسرع لكن هناك نقطة مهمة يجب أن لا تغيب عن أذهاننا وهي إمكان عودة هؤلاء إلى حالتهم السابقة وذلك بسبب كون ندمهم غير نابع عن وعي واردة.
4- الاستفادة من الأساليب الملائمة: نستطيع الاستفادة من العواطف والأساليب الظريفة في مجال البناء والإصلاح.
إن البنت التي تعيش في بيت أبويها, سوف ترتبط وتتعلق بهما, فغضب الأب, وملاطفة الأم, والإحسان والتعاون والتقبيل والمحبة والسعي من أجل الإنقاذ والتمريض كل ذلك يفتح باب المحبة والعواطف بين الوالدين والأبناء, ويمكن بواسطة هذه المسائل المذكورة أعلاه علاج وإصلاح أوضاع الأبناء. وفي بعض الأحيان يمكن الاستفادة من عواطف الأقرباء وذلك لهداية البنت وسوقها إلى الهدف المقصود مستغلين جانب الحياء الذي تتمتع به, وفي أحيان أخرى يمكن الاستفادة من الأصدقاء, المعلمين, كبار السن, الأشخاص ذوي النفوذ والذين يحظون باحترام فيمكن الاستفادة منهم للعلاج والإصلاح, وإن اختيار الأسلوب له تأثير كبير في تغيير مسير حياة الأفراد.
5- المقاطعة والتعيير: في بعض الأحيان نرى من الضروري الاستفادة من أسلوب المقاطعة أثناء التربية والإصلاح, فالابن الذي لا ينفع معه الأمر والنهي يوصى بمقاطعته بشرط أن يكون للمقاطعة تأثير في إصلاحه, وأن لا تطول مدتها, مع البنت من دقيقة إلى ساعة ويجب أن تفهم سبب المقاطعة, وفي هذه الأثناء يجب أن لا يقاطعها بقية أفراد العائلة, وإن تهيّأ الأرضية للصلح وبسرعة كذلك يمكن الاستفادة من أسلوب ذكر العيب(التعيير) ولكن بشكل يتناسب مع الموضوع الذي نريد أن نلقيه في ذهن النشأ وبشرط أن نحس بأن هذا الأسلوب يكون سبباً في الإصلاح والهداية إلى الصراط المستقيم.
6- التهديد والإنذار: في بعض الأحيان يمكن الاستفادة من أسلوب التهديد, فنقول إذا لم تقم بهذا العمل أو هذا السلوك فسوف أعاقبك بالعقوبة الفلانية, طبعاً يجب أن يكون تهديدً بقصد التنفيذ, وأن لا تكون التهديدات جوفاء لا أصل لها. وإذا كان الأب لا ينوي تنفيذ تهديداته فيجب أن لا يهدّد لأن كلامه سيكون فاقداًَ لقيمته في نظر الابن, وفي بعض الأحيان يمكن إنذاره إذا ما قام بخطأ ولم يصحح خطأه بالرغم من التنبيهات المتكررة وأصرّ على سلوكه ولم يقلع عنه, فسوف يعاقب بالعقوبة الفلانية.
7- العقوبة: في بعض الأحيان نرى أن هذه الأساليب لا يكون لها أي تأثير, عندها نستطيع الاستفادة من العقيدة والردع, وهنا نقاط نودّ طرحها وهي:
أولاً: أن العقوبة تكون صحيحة في حالة عدم تأثير الأساليب المذكورة.
ثانياً: أن تكون العقوبة كالدواء, حيث يجب أن تكون بمحلها, بدقة وبحجم معين.
ثالثاً: الضرب يجب أن يكون على ظهر اليد والكتف وبشكل لا يوجب الدية.
رابعاً: بالنسبة للبنات يجب مراعاة عواطفهن وظرافتهن وأن تناسب العقوبة مع ذلك.
8- طرق أخرى: نستطيع في هذا المجال ذكر أساليب متعددة منها إظهار عدم الاكتراث عند مشاهدة المخالفة, تغيير الشكل والنظرات المصحوبة بالاشمئزاز والانكسار, تفهيم الطفل بشكل عملي بأنه على خطأ ولكننا لا نريد إراقة ماء وجهه أو إننا اطلعنا على أسراره ولكن لا نريد فضحها, إظهار عدم الرضا من عمله, التذكير والملاطفة المستمرة, تبيان عواقب عمله وأخطار الاستمرار عليه, الاستفادة من الفكر, المراقبة والمتابعة المستمرة, التعليم والتلقين, تبيان نتائج السلوك عن طرق ذكر القصص و... وكل واحدة من هذه الأساليب يجب أن تتم بصبر وتحمل.
الاستمرار في الإصلاح
أن مسألة إصلاح الأبناء حتى ولو كانت مثمرة ومفيدة إلا أنها يجب أن تستمر, بحيث يكون الطفل دائماً في محل اختبارات وامتحانات مختلفة مقرونة برقابة ومتابعة حتى يحصل اليقين بأنه عاد إلى رشده وترك عاداته وسلوكه المنحرف. ويجب أن يذكر المربي أضرار ومخاطر وعدم صوابية أعماله, ويجب أن تستمر هذه التذكرات, وليس الهدف من هذا العمل أن نقوم بفضحه ولكن لإبعاده وبشكل واقعي وحقيقي عن أعماله الخاطئة أما فائدة التكرار فإن الأدلة والتجارب تفيد بأن التكرار في التذكير والتنبيه له دور مهم في احتمال رجوع الفرد عن أعماله غير الصائبة, فالفرد الذي اعتاد الذنب فعن رجوعه إلى رشده وصوابه يكون مصحوباً بالمصاعب.
ومع استمرار التذكير, من الضروري إبعاده عن الأجواء الفاسدة وذات التربية السيئة والتي تسبب له الانزلاق والوقوع في الذنب, فيجب أن نبعده عنها بحيث ينسى هذه الأجواء ونمحو من ذهنه خاطراتها, لأن مراجعة مثل هذه المحيطات تعيد إلى ذاكرته تلك الذكريات, فتدفعه مرة أخرى إلى العودة إلى ممارساته السابقة. ومن هنا فإن مسألة توضيح قبح وحسن الأخلاق في الإصلاح أمر ضروري ومهم.
تنبيهات
في طريق إصلاح الانحرافات يجب ملاحظة النقاط التالية:
1- يجب أن لا نقوم بفضح الشخص الذي نريد إصلاحه على رؤوس الأشهاد.
2- في الضغوط التي نمارسها خلال عملية الإصلاح يجب أن لا يحس الفرد بأنه غير قابل للإصلاح.
3- يجب أن نسعى في مسيرتنا الإصلاحية بالمحافظة على حجب العواطف وطرق المسامحة بحيث لا تخرق هذه الحجب ولا يكسر هذا الطوق.
4- يجب أن لا تتم العقوبة في حالات الغضب الشديدة فينتج عنها ما لا يحمد عقباه.
5- المتابعة المستمرة أمر ضروري ولكن يجب أن لا تكون شديدة لأن الطفل يحس بالضياع وعدم الأمن في هذه الحالة.
6- يجب أن لا تكون العقوبة غير عادلة أو انتقامية حيث تترك آثارها إلى آخر عمر الفرد.
7- إذا ما أقلع الابن عن عمله غير الصائب, فيجب أن لا نذكر له هذا العمل في المستقبل.
8- يجب أن نخلو به عند النصيحة لا أن ننصحه بشكل علني بحضور الآخرين.