تصرف ومصرف الناشيء

الكاتب الدكتور علي القائمي

في بداية الدخول الى هذه المرحلة يكون الناشيء في وضع ينبغي القول أنه لازال يطوي تتمة مرحلة طفولته وعلى هذا الاساس لايمكن ان ينتظر منه ان يكون صاحب رأي في حقل الشؤون المالية او أن يعمل كما يعمل الافراد الكبار في التصرف بالاموال ومصرفها . ولهذا السبب يقوم الابوان بتنظيم شؤونه الاقتصادية ويشعر هو ايضاً بالارتباط بينهما . والاساس في الاسلام هو أن يكون الناشيء تحت ولاية الآخرين وان يجري التصرف في الاموال ومصرفها وفق ضابطة وسيطرة الابوين .

ان عالم الناشيء هو عالم طلب الاستقلال ، عالم اظهار النفس وعالم لفت الاهتمام ولهذا السبب لايمكن الاطمئنان الى أنهم يفكرون بصورة جيدة في مجال شؤونهم خاصة وأنهم دخلوا لتوهم ساحة الحياة الاجتماعية او الاقتصادية.

 

الرغبة في الاستقلال

يرغب الناشؤون في الاستقلال المالي منذ بداية الفتوة ويتمنون ان يصبحوا في وضع لا يمدون فيه ايديهم الى الآخرين طالبين منهم شيئاً . وقد يعطيهم الآباء مبالغ ليصرفوها ويمارسون الاشراف والسيطرة على صرف تلك المبالغ ولكن الحقيقة هي ان الناشئين لا يرون ذلك امراً سلبياً ويحبون ان تكون ايديهم مفتوحة في هذا الطريق .

وهناك ناشئون كثيرون يدخلون من كل طريق وحتى قد يشكلون شبكة للسرقة برئاسة شخص خائن بسبب الحصول على الاستقلال المالي وتصرفهم بحرية في انفاق المال . ونلاحظ امثلة لهذه القضية في كثير من المجتمعات وتشهد على هذا الامر السجون في انحاء العالم.

وحتى انه لوحظ ان بعض الناشئين المنحدرين من عوائل محترمة دخلوا في هذه الشبكات بينما ذكر آباؤهم انهم لم يقصروا في اعطاء مبالغ يومية لاولادهم وحتى انهم حالوا تهيئة ظروف افضل وانسب ( مقارنة بالافراد الذين لديهم وضع مشابه من الناحية الاقتصادية ) .

ومع هذا فان الطبع المتمرد والمشاكس للناشئين وعدم اقناعهم في مجال  الرغبة وارتفاع مستوى التطلعات ووساوس الاصدقاء الذين يقولون الى متى نكون تبعاً للاسرة ؟ يدفعهم الى ارتكاب السرقات في المنازل وخارجها والانتماء الى الشبكات الاجرامية . وبالطبع فان امثلة هذا النوع من الافراد ليست قليلة.

 

قضية التصرف

ان قضية الاقتصاد والمال والثروة ليست قضية بسيطة . اجل ان الاقتصاد وفقاً لأسسنا الفكرية والعقائدية لا نعتبره اساساً ولكن نعتقد انه ليس بالامر غير المهم وقد عرف المال والثروة في لغة القرآن أنه وسيلة لقيام وقوام المجتمع ولهذا السبب يجب ان لا يوضع تحت تصرف السفهاء .

﴿ لا تؤتوا السفهاء اموالكم التي جعل الله لكم قياماً 

والمقصود من السفيه في هذه الآية هو الشخص الذي لا يشخص مصالحه والحسن و السيء من الامور ولا يتمكن ان يكون ضاماً لمصالحه ودافعاً لمضاره في المجال الاقتصادي .

اجل ان المال والثروة المكدسة لدى الافراد هي لهم من جهة وتعتبر من جهة اخرى هدية من المجتمع يجب ان تصرف بصورة معقولة وتجري فيشريان المجتمع كالدم وتضمن دوامه وقيامه . وحين يتم التأكد من سفاهة الشخص فان الاسلام يمنعه من التصرف في امواله وهذا حكم اسلامي .

وفيما يتعلق بالناشيء فان اطلاق السفاهة قد لايكون صحيحاً ولكنه قليل الخبرة وبالنتيجة قليل العقل بسبب انه يعيش في سنين النمو . ولهذا السبب فان التصرف بالاموال من قبل الناشيء مشروط بالتأكد من شروط رشده العقلاني وشروط وكمال بلوغه الاقتصادي . وفي هذا الصدد هناك نصوص وروايات كثيرة يمكن الاشارة الى بعضها فيما يلي : ( قلت لابي عبد الله حتى يُدفع الى الغلام ماله ؟ قال : اذا بلغ وانس فيه رشداً ولم يكن سفيهاً او ضعيفاً ) .

 

 

 

قضية الاستهلاك

ان قضية الاستهلاك هي قضية مهمة وضع لها الاسلام ضوابط ومن هذه الضوابط يمكن الاشارة الى الموارد التالية :

*       عدم الاسراف ، اي لا يكون الاستهلاك اكثر من الحاجة الاعتيادية والطبيعية للفرد .

*       عدم التبذير ، اي لايقوم الناشيء او شخص آخر بالتبذير.

*       عدم التقتير ، اي لايصعب الانسان المعيشة على نفسه وهو متمكن مالياً ويعيش وفقاً لضابطة قوت لايموت .

*       عدم الاتراف .

*       مراعاة الاقتصاد ، اي الاعتدال ومراعاة ضابطة الحد الوسط وحتى مراعاة الضوابط العامة في المعيشة.

ان مراعاة هذه الموارد يرتبط بالتربية العائلية وخاصة طي مرحلة الحياة في مرحلة طفولته وما هو الاساس الذي تمت تربيته عليه وخاصة كيف عملت الامهات ازاء اولادهن وماهو الطريق والاسلوب الذي اتبعنه . ومن جهة اخرى فان الحياة في البيئات الخاصة مع مختلف الاصدقاء قد تترك تأثيرات حسنة وسيئة . ولكن على أي حال فهذه قضية يمكن تعلمها وتتكون وفقاً للعادة . ولا يمكن ترك الناشيء وشأنه في هذا المسير ، لأنه جاهل بفنون الاستهلاك وكذلك ينفق من اتعابه حتى يعلم قيمة ذلك .

 

الافراطية والتفريط

من طبع الناشيء الافراط والتفريط فهو لديه حالة افراط وتفريط في جميع القضايا وفي جميع الامور ، وعلى هذا الاساس يكون غضبه ورأفته ايضاً ، ويتكون على هذا الاساس تكلمه وتحدثه عن واقعة وموقعه ازاء الآخرين وحتى نومه.

 وحين يرى ان الظرف ظرف صداقة يضحي بنفسه وحينما يغضب على شخص فانه لا يقتنع حتى بموته وحالة الصفاء لديه قوية كما أن الكراهية والتنفيس عن العقدة لدية قوية جداً بالشكل الذي لا يقبل بسهولة ان يتنازل للشخص الذي يغضبه .

وهكذا الحال بالنسبة للاستهلاك فانه قد يقنع بالحد الادنى تارة وتارة يقوم بالتبذير . ويتصرف بعض الناشئين وخاصة المنحدرين من عوائل فقيرة بحنان مع آبائهم الى درجة بحيث انهم يمتنعون حتى عن استهلاك عود الشخاط عبثاً وتارة حين يكونوا في ذروة الاستياء من الآباء فانهم قد يسببون لهم اضراراً عالية جسيمة وهذا الامر ناجم عن طبيعة الناشيء حيث لم تحصل لديه حتى الآن حالة توازن في هذا الصدد.

 

البذل والخدمة

ان الفتى بصورة فطرية هو من اهل السخاء ومحب للتعاون وفعل الخير ، انه يريد الاخذ بيد انسان عاجز واعانته ، يجب ان ينقذ فقيراً ويبدي في هذا الطريق رغبة كبيرة ، وتزداد هذه الرغبة والمبادرة الى عمل الخير حيث يدرك ان الآخرين علموا باعماله وراحوا يشيدون به .

وعندما يكون الظرف ظرف بذل وعطاء فان الناشيء لايعد يفكر بمستقبله وغده ، وحتى أنه قد يخلع ثوبه ويقدمه للآخرين هدية اذا طلبوه فيه او يصرف كل ما لديه وذخيرته الشهرية على شخص وهذه الحرمة هي مظهر لحالة الافراط والتفريط لديه .

ان الفتى هو من اهل تقديم الخدمات ن وعندما يرى شخصاً ضعيفاً فانه قد يقلل من اكله ويعينه . وروح تقديم الخدمة والتعاون لدى الناشيء قوية جداً ، وفي الحوادث والوقائع التي تحصل من قبيل الهزات الارضية والفيضانات وبقية الكوارث الطبيعية يعتبر الناشؤون قوى جيدة وكقيمة للاعانة والحق انهم يبذلون جهوداً بكل كيانهم .

 

ما وراء تقديم الإعانات

يقوم الناشؤون بتقديم الاعانات تلبية لنداء الضمير تارة وبسبب ما يتحلون به من نقاء وصفاء واخلاص تارة اخرى ، لان حب الناس والاهتمام بخلق الله يسكن قلوبهم ويقنع نفوسهم المؤمنة بالله .

ولا ننسى ان تقديم الاعانات تأخذ احياناً طابع الرياء والتظاهر وتارة تحصل من اجل الاقناع الروحي او بسبب حب السلطة لدى الناشيء . وهو يحاول اظهار نفسه من خلال هذا الطريق كما يريد ان يجعل الافراد مدانين اليه عمراً وبالطبع فان الموارد الاخيرة يمكن اصلاحها عن طريق التربية .