الاب والبالغ

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

ظاهرة البلوغ:

البلوغ هو من علامات النمو. فالذكور والاناث يبلغون متى ما وصلوا إلى سنّ معينة, فيقال أنهم انضمّوا إلى عالم الرجال أو النساء, ويتم تحديد السن للإناث بـ(14) سنة وللذكور بـ(16) سنة . وحتى يكتمل البلوغ ويصل الشخص إلى مرحلة الكمال فإن ذلك يتم للذكور في سنة 18 سنة وللإناث في سن 16سنة.

ويصاحب البلوغ عند الاناث والذكور علائم معينة يعرفها الوالدان جيداً, لكنّ هذه العلائم تبدأ في الظهور تدريجياً قبل السن الذي ذكرناه بعامين, وتحصل بسبب البلوغ تغيرات في الجسم ثم في النفس.

والنموّ بحدّ ذاته يجعل الاولاد يشعرون أنهم أصبحوا كباراً على شاكلة الاب أو الام فيحق لهم الامر والنهي والتصرف بحرية وغير ذلك.

إنّ الهرمونات التي تدخل في الدورة الدموية تؤدي إلى ظهور بعض التغييرات عند الاشخاص مما يرتبط بغير الجسم كالنفس والعاطفة مثلاً مما يحدث ثورة في الاخلاق والسلوك واتخاذ المواقف.

مرحلة القلق:

إن سن البلوغ هو سن القلق وإيجاد المشاكل لذات الشخص والمربي في نفس الوقت. لذا نرى أن أغلب الاسر تشتكي أولادها في هذه المرحلة وتدّعي بأنّهم أصبحوا لاإباليين أو نراها تئنّ من عصيانهم وتمردهم وعدم انصياعهم لأوامر الاب والام.

وصف بعض علماء النفس هذه المرحلة بأنّها من أكثر مراحل الحياة تأزماً لأنها تمثل مرحلة انتقالية, لذا ينبغي تجاوز هذه المرحلة بسلام وحري بالاب أن يتصرف بحكمة وحذر.

وقد نظر الاسلام إلى ظاهرة البلوغ على أنها ظاهرة غير مجهولة رغم شمولها على بعض الاسرار المقلقة. أما سبب انحراف البالغين فيعود إلى عدم توفير المناخ الملائم لهم أو التسامح المفرط بهذا الشأن.

فالاسلام يؤكد على أهمية هذه المرحلة حتى أن بعض العلماء الكبار(كالسيد ابن طاووس رحمه الله) أكّدوا على ضرورة إقامة الاحتفالات للبالغين وتعريفهم بالموازين الشرعية والاخلاقية. ويعني ذلك- في الحقيقة- تمهيد الاجواء لهم لدخولهم عالم الكبار والترحيب والاحتفاء بهم.

 

التغييرات والثورة:

تحصل تغييرات عديدة في مرحلة البلوغ يمكن أن نسميها ثورة في الجسم والمزاج والنفس والعاطفة والاخلاق. إذ يتغيّر كل شيء حتى الذكاء والاستدلال والتعلم والموقف مما يكون من الصعب أحياناً على المراهق نفسه تحمل ذلك.

يقول بعض علماء البيئة أن السبب في فقدان هذا التعادل يعود إلى إفرازات بعض الغدد التي تؤدي فيما بعد إلى حدوث تغييرات في الاخلاق والسلوك وتأثير على الاهداف والابداعات في القول والعمل, وحدوث اضطرابات وانفعالات مختلفة.

فالوالدان يتصوران بأن أولادهم البالغين قد كبروا عندما يشاهدون قاماتهم الطويلة وأجسادهم النامية فيغفلان أحياناً عن المسائل العاطفية, في حين إنهم لا يزالون أطفالا بحاجة إلى عاطفة الاب مثلاً. وتتفاعل في أعماقهم أفكار مختلفة تؤدي إلى حدوث تغييرات في علاقاتهم مع الاخرين ومن يحيط بهم .

وبشكل عام يمكن القول بأن تكامل الشخصية وبناء العواطف والشعور والاخلاق, وجميع السمات الانسانية الاخرى تخضع إلى التغييرات والثورة التي تشهدها مرحلة البلوغ حتى أن الحياة الظاهرية والباطنية سينالها التغيير أيضاً.

كما ستظهر بعض المشاكل في الاخلاق والسلوك بسبب أعراض البلوغ. وتطغى على المراهقين ظاهرة المثالية فتبعدهم عن الحقائق. ويبرز صراع داخلي خفي وآخر خارجي جليّ مع الاخرين فيبدو للمشاهد أنهم قد ابتعدوا عن مسيرة الحياة .

 

الصداقة وكتمان السر:

يمكننا أن نسمي هذه المرحلة بمرحلة كسب الاصدقاء وقد يتفاعل المراهق مع هذا الامر كثيراً بحيث ينسى أحياناً أن له أبوين لا بدّ أن يستمع لرأيهما, بل نراه يقدّم أصدقاءه على أبويه فيندفع الاباء مثلاً إلى إصدار أحكام متسرّعة على أولادهم, بأنّهم لا يطيعونهم. وثمّة آباء أمكنهم النفوذ إلى أولادهم فجعلوهم يقدسونهم, لكن هذا ليس صحيحاً أيضاً فينبغي على الاباء أن يحذروا ذلك.

فالصديق مهم جداً في هذه المرحلة ولا بدّ من الحذر حتى لا تؤدي بعض العلاقات إلى فساد الاولاد وانتمائهم إلى جماعات منحرفة واللجوء إلى السرقة وممارسة الجريمة. فالولد يأنس إلى صديقه ويأتمنه على جميع أسراره ويضحّي من أجله.

ثم إن للصداقة نتائج إيجابية عديدة, ولها نتائج سلبية عديدة أيضاً مما يؤكد ضرورة الاهتمام والحذر.

إن ما يطلق عليه من سرٍّ بين أبناء هذه المرحلة لا يعتبر سرّاً في حقيقته, وإنما حصل اتفاق بين الطرفين على ذلك. فالبالغون يحاولون إخفاء جميع المسائل حتى عن الوالدين ولا يطرحونها الا على أصدقائهم.

 

خطر الانحراف والعصيان:

ثمة مخاوف تهدد البالغين, منها: الانحراف الجنسي الذي يتضح بصور مختلفة فتدفعه ضغوط الغريزة لسلوك منحرف.

إن حب الاستطلاع الجنسي والعبث بالاعضاء التناسلية يوفران الاجواء للعديد من الانحرافات مما يستوجب على الوالدين وخاصة الاباء الاهتمام بهذا الموضوع . كما يؤدي الخجل والحياء ووجود الحجب في هذه المرحلة, أو الجرأة الغريزية في أحيان أخرى إلى فساد البالغ وجرّ الاخرين إلى هذا المستنقع أيضا.

ويؤدي الجدال والنقاش والصراع والبحث عن المكانة إلى إيجاد بعض المشاكل. فالبالغ غير مؤهل عقلياً للتصرف بحكمة في مثل هذه الحالات فيشتد عنده الميل للجدال والنزاع فلا يقدر على ممارسة حياته العادية.

ويصبح جريئاً في بعض الاحيان بسبب رغبته في اكتشاف أسرار مرحلة البلوغ مما يشكّل خطراً عليه .

 

مرحلة معرفة النفس والحساسية:

إنّ مرحلة البلوغ هي مرحلة معرفة النفس, وحب الذات, والسعي من أجل اكتشاف نفسه والتعرّف على أبعادها الوجودية. فالبالغ يسلك طرقاً علمية ويفكر مع نفسه بشأن خلقه ووجوده وقوته واستعداده الفكري مما تطرأ بعض التغييرات عليه.

إن سن البلوغ هو سن الحساسية, وسرعة التأثر, فنراه يضطرب ويصرخ لأدنى قلق, ويميل بشدة لإبراز ذاته, ويقف بوجه أية إهانة يسمعها ويلجأ إلى الرفض والمقاومة.

وفي مجال العواطف فإن البالغ يكون حساساً جداً وتصل شدة حساسيته إلى حدّ أنه يهلك نفسه أحياناً بسبب انفعالاته. ولا تستقر العاطفة على حال واحد, بل نراه مثلاً يذرف الدموع أحياناً لسبب تافه ويكون قاسياً في أحيان أخرى لدرجة أنه لا يبالي حتى بقتل إنسان آخر ولا يشعر بالاضطراب أبداً.

وتشمل حساسيته أسرته أيضاً, فقد تثور ثائرته ويشعر بالاضطراب عندما يشاهد حدوث مشكلة بين والديه, لكنه مضطر لتحمّل ذلك والسكوت عليه على مضض أو إظهار غضبه بطريقة أخرى.

 

اهتماماته الضرورية:

ينبغي على الاب أن يهتم كثيراً بولده في هذه المرحلة. وأن يرعاه في جميع الامور الحياتية كطعامه ونومه واستراحته وزياراته ومعاشرته. فمثلاً يحتاج البالغ في هذه المرحلة إلى طعام أكثر بسبب نموّه السريع مما يستوجب توفير ذلك خاصة وأنه يبذل جهداً كبيراً ويحتاج إلى استراحة مضاعفة.

وعليه يجب مراقبة البالغ في خلوته والتعرف على القضايا الممنوعة التي يلجأ إليها. فقد يسلّي نفسه بالبكاء أو ممارسة العادة السرية أو التدخين أو قراءة الروايات أو أشياء ممنوعة أخرى حيث تؤدي إلى نتائج مأساوية فيما لو غفل الوالدان عن ذلك.

ولا نقصد من الاهتمام أو الرعاية أن تكون ثقيلة على البالغ فتؤثّر عليه سلباً وتدفعه إلى ممارسة تلك الامور بعيداً عن أنظار الوالدين وفي خفية عنهما.

ويتمكن الاب من خلال ذرائع مختلفة أن يحيط علماً يفعله ولده البالغ فيكون على بيّنة من أمره باستمرار.

 

حدود التوقعات:

لا تنتظروا من أولادكم في هذه السنين أموراً كثيراً والا لواجهتكم مشاكل عديدة. ويجب أن لا تخضع توقعاتكم لرغباتكم العاطفية والنفسية, بل لا بدّ أن تقوم على أسس صحيحة وواقعية.

فمثلاً لا تتوقعوا منه أن يشارككم في همومكم وغمّكم أو أن يتحمل جانباً من أعبائكم. ولا تنتظروا منه أن ينفذ جميع رغباتكم ويمتثل لجميع أوامركم ونواهيكم. بل ولا تتوقعوا منه أن يدرك منزلتكم ومكانتكم كما هي فيحترمكم كما هو شأنكم.

إنّه في عالم مختلف, يتصوّر أنه لا يقل عنكم فيما إذا لم يساويكم في الشأن . ويرى في نفسه أنه يملك فكراً ورأياً وحتى إنّه يشعر أحياناً بأفضلية عليكم بسبب تعلمه لبعض المعادلات التي يعتقد إنكم لا تعرفونها. فينبغي الحذر على كل حال ورعايته والاهتمام به حتى لا يتجاوز حدّه, أو أن يؤدي به تكبّره إلى الفساد والفضيحة.

 

التسلية المفيدة:

إن مرحلة البلوغ منذ بدايتها وحتى نهايتها عبارة عن سنتين, حيث ستستقر حالة الولد بعد ذلك فيسير في طريق محدد, لذا ينبغي مساعدته حتى يصل إلى مرحلة الاستقرار. وضعوا له برنامجاً حتى يتغير شيئاً فشيئاً وتهدئ انفعالاته واضطراباته.

وفرّوا له قضايا التسلية واطلبوا منه القيام بعمل معين, واصطحبوه أحياناً معكم للتجوّل, ابعثوه في أوقات مناسبة للمشاركة في الاجتماعات الدينية والثقافية وغيرها, وحاولوا أن تملئوا أوقات فراغه, بل واطلبوا منه المشاركة في الاجتماعات الدينية والثقافية وغيرها, وحاولوا أن تملئوا أوقات فراغه, بل واطلبوا منه المشاركة في البرامج الرياضية والمشي, ولو كان في القربة اطلبوا منه العمل في الارض وفي الزراعة.

وينبغي بشكل عام أن يعمل بصورةٍ يشعر معها بالتعب فينام براحة.

ومن الامور الاخرى التي تنفعه كثيراً هي المشاركة في مختلف البرامج الدينية وقراءة الكتب الاسلامية التي تعرّفه على وظائفه ومسؤولياته, وتكون خير جليس له في خلوته ووحدته, وعندما يمكن الاعتماد عليه والثقة به والتقدم إلى الامام بجرأة وشجاعة.