العلاقة مع الولد (الذكر)

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

سمات الابناء وسلوكهم:

يتشابه الذكور والاناث في بعض الحالات والسمات لكنّ الابناء أكثر خشونة وصلابة من البنات ويمتازون بقلّة العاطفة. وتلجأ البنت عادة إلى تحبيب نفسها ولفت أنظار الاخرين إليها من خلال حلاوة لسانها, والتدلل كثيراً بحيث أنها تبحث عمن يدللها, في حين أن الذكور لا تتجسّد فيهم هذه الصفات أو قلما يمكن مشاهدتها.

إن لهذين السلوكين جذوراً حياتية...جسمية, ونفسية, إذ تعود سمات الذكور إلى التربية الاجتماعية للأسرة. وتؤثر الام بالطبع على تربية ابنها لكنه أشدّ ما يتأثر بوالده. فالطفل يبذل جهده لكي يحاكي والده في سلوكه ويماثله في صفاته, ويحاول أن يقيم علاقته مع أكبر عدد ممكن من أبناء المجتمع- كما يحصل ذلك في مجتمعاتنا- ويشعر بحرية أوسع في هذا المضمار. أما البنات فيشعرن بحياء مفرط ويختلفن عن الابناء في ذلك.

 

الاب وبناء ابنه:

إنّ للأب دوراً كبيراً في تربية ابنه تربية ً خاصة, وجعله رجلاً, حيث يدرك الطفل منذ السنة الثالثة تقريباً- كما تشير إلى ذلك الابحاث أنه ذكر وعليه أن يكون رجلاً على شاكلة أبيه لذا نراه يسعى لمحاكاة والده في سلوكه وعمله.

فيجب على الاب أن يبدي حبّه وتفهمه لابنه ويقيم معه تلك العلاقة المتبادلة التي تمكّنه من تنمية إحساسه الرجولي باعتدال والسير على خطى والده وهديه.

فالاباء يربون أبنائهم على الرجولة, ويؤهلونهم لدخول معترك الحياة من خلال ما يؤمنون به من آداب أو تقاليد اجتماعية خاصة, وبموجب أساليبهم في العمل أو طبقاً لميل الولد ورغبته وتفكيره الخاص.

ولا يمكن لهم أن يكونوا رجالا منذ عهد الطفولة, بل لا بدّ من الانتظار لعدة سنوات حتى تؤثر فيهم الاسس التي يطرحها الاباء.

لذا يجب على الاب أن يشارك ولده في شؤون حياته ويدفعه لممارسة مختلف النشاطات المفيدة ويطالبه بالقيام بدورٍ بنّاء في الحياة. وعليه أن يكون أيضاً مستودع أسراره خاصة في مرحلة البلوغ حتى لا يتعرض لصدمات في حياته المستقبلية.

 

التعامل والمراحل المختلفة:

ولكي يصل الطفل إلى مرحلة النمو والتكامل ويكون قادراً على الوقوف على قدميه, لا بدّ أن يطوي مراحل حياتية ونفسية وعاطفية مهمة, حيث تمتلك كل مرحلة خصوصياتها, فحريّ بالاب أن يلتفت إليها.

ففي مرحلة الطفولة ومن خلال ارتباطه بالطفل واللعب معه يجب على الاب أن يلفت نظر ولده إلى عالم الرجل والمرأة لكي يتعلم الطفل تلك المواقف التي لا بدّ أن يتخذها إزاء مختلف الامور.

وتستمر هذه العملية حتى السن السابعة لتختص بالعموميات, وإنها تمثل في الحقيقة دورة تعليمية كاملة ولكنها بسيطة يقدّمها الاب .

وفي السنوات (7-12) والتي لا يزال فيها الابناء ضمن مرحلة الطفولة, لا بدّ أن تتخصص التوجيهات وتكون دقيقة ويجب على الاب أن يسعى لتعريف ولده بالشعائر الدينية خاصة, والالتزام بضوابطها وقوانينها, وأن يكلفه في البيت بأداء بعض الوظائف وتنفيذها.

أمّا في السنوات (13و14) والتي هي مقدمة لمرحلة النشوء والبلوغ, ستحدث ظاهرة اليقظة عند الطفل, فينبغي للأب في هذه الحالة أن يستثمرها من أجل القيام بهداية الطفل وتربيته.

وأما في السنوات التي تعقب السن الرابعة عشر فحري بالاب أن يكون في إشرافه كالوزير والمستشار, فيقف إلى جانب ابنه دائماً, وأن يقيم معه العلاقة القائمة على التفاهم والالفة, وأن يتعامل معه كالكبار, ومن الضروري أن يلتفت إلى شخصية الولد ويكلفه ببعض المسؤوليات ويمنحه الصلاحيات المطلوبة, وأن يكون على حذرٍ بأن لا تضطرب علاقته مع ابنه بل يجب أن تكون تصرفاته منطقية وقراراته مدروسة.

 

ضرورة التعليم:

ما أكثر المشاكل والصعوبات التي تعترض الانسان بسبب جهله وعدم إلمامه بكل جوانب موضوع معين مما تؤثر أحياناً على الاخرين فتورطهم أيضاً. ولذا فإنّ من وظائف الاباء والامهات أن يقوموا بتعليم أولادهم.

فولدكم يولد جاهلاً, وعليكم أن تقوموا بتعليمه وتعريفه بأسرار الحياة وشؤونها المختلفة. وينبغي عليكم أن تعرفوه بوظائفه الذاتية ومسؤولياته إزاء الاخرين وما يشتمل عليه هذا الكون من ظواهر ذاتية مختلفة. وهذه المسؤولية مشتركة بين الاسرة والمدرسة.

ومن الضروري أن يزداد وعي الولد منذ أن يكون حدثاً وبالغاً وبشكل يتناسب ومستوى إدراكه وفهمه. فمن جانب يمكن وصف هذه المرحلة بأنّها مرحلة معرفة الذات وحدوث اليقظة الدينية والجنسية.

ومن جانب آخر فإنها تمثّل مرحلة الشعور بالمسؤولية والرغبة لنيل الاستقلال والحرية. وحري بالاب أن يكون إلى جنب ولده في هذه المرحلة الحساسة ويقدّم له ما يحتاجه من الوعي في مختلف المجالات. وإنّ الغفلة- مهما كانت- تؤدي إلى الانحراف بكل أنواعه أو توقف عملية النمو والتكامل .

 

التربية والتوجيه:

ينبغي للأب أن يهتمّ بتربية أبناءه وتوجيههم, لأن بناء الجسم وزيادة كفاءة الاعضاء تمثل واحدة من هذه الوظائف, ولكنّ الاهم من ذلك هو بناء النفس والعاطفة والفكر والعقل, إذ أن هذه الامور تضمن حياة شريفة للإنسان.

لا بدّ من التربية والتوجيه لكي تسهل عملية استخدام المفردات التي تعلمها, وتتفتق الابداعات حتى تسير في طريق هادف.

وهذه هي من مسؤولية الاب الذي يجب عليه أن يوفّر المناخ الملائم لولده ليسلك طريقاً صحيحاً في علاقته معه والاخرين وتنتظم أفكاره إزاء مختلف الظواهر والاحداث.

ومثل ذلك الاب في مجال تربية ولده وتوجيهه كمثل ذلك المزارع الذي يراقب نمو النبتة وحركتها حتى لا تنحرف. فنراه مثلاً يبعد عنها الادغال ويزيل منها الاغصان الزائدة واليابسة لكي تنمو باستقامة.

ومن جانب آخر فإنّ الاب يقوم بدور المشجّع والمشوّق لولده فنراه يدفعه إلى الامام من خلال توجيهاته الصحيحة والمنطقية, وعليه يجب أن يمتلك- في كل الاحوال- أسلوباً هادئاً وبنّاءً رغم أنّه قد يكون عنيفاً في بعض الاحيان, الا أن الهداية تحتاج إلى كظم الغيظ.

 

لا تدفعوه نحو التمرّد :

ينبغي للأب أن يمتنع عن دفع ولده نحو التمرّد والعصيان, إذ يعتبر هذا بحدّ ذاته سبباً لانحرافه وابتعاده عن والده وزوال فرصة البناء. وقد يتساءل البعض: هل يوجد في الاباء من يقدم على هذا العمل فيدفع ولده نحو التمرّد والعصيان؟

نقول ومع الاسف الشديد نعم, فثمة آباء يجبرون أولادهم بشكل غير مباشر على العصيان والتمرد والانحراف, وهذا ما يمكن أن يحدث بصور مختلفة وذرائع متعددة. فمثلاً يجبرونهم على القيام بعمل لا يملكون القدرة على أدائه, أو أنهم يطالبونهم بأمور لا يتمكنون من إنجازها, أو يتصرفون معهم بصورة تثير الدهشة فلا يناسب ذلك شأنهم وشخصياتهم.

وفي هذه الحالات نرى أن الولد يلجأ إلى العصيان ويسلك طريق التمرد. ويصدق بشأن هؤلاء الاباء هذا الاعتراض وهو لماذا دفعوا أبناءهم إلى هذا العمل؟ فقد ورد عن الرسول الاكرم (ص) إنّه لعن مثل هؤلاء الوالدين.

ينبغي على الاب أن يسلك مع ولده سلوكاً يشوّقهم لطاعة أوامره, بل أن يشعروا بالفائدة المشتركة مع الاب فيما لو طبّقوا تعليماته.

ولا بدّ أن تكون الاوامر والنواهي بصورة لا يضطر الطفل معها إلى العناد فيقف بوجهها.

 

الاب والقدوة:

إن الاب هو القدوة لجميع أفراد أسرته وخاصة الابناء, ويرغب الاولاد كثيرا بمحاكاة سلوكه البطولي والانساني, ويخجلون عادة من رفض قوله وأوامره بسبب إنسانيته وخلقه. وإن أكبر أمنية للأولاد (الذكور) هي أن يكونوا كأبيهم في السلوك والكلام, ويمكن مشاهدة هذه الظاهرة منذ انتهاء السنة الثالثة تقريباً حتى أن بعض الاطفال يرغبون بلبس النظارة كما يلبسها ويمشون كما يمشي, ويصدرون الاوامر والنواهي كما يفعل بل إنهم قد يشغلون مكانه فيما لو غاب من البيت في يومٍ ما.

يقول فرويد إنّ سبب محاكاة الابناء لأبيهم في سلوكه هو الخوف, ويزيد على ذلك قائلا, انه الخوف من عقاب الاب الذي يكون هجومياً وشرساً, وهو يختلف في طرحه هذا عن أصحاب مدرسة التعلم الاجتماعي الذي يعتبرون محاكاة الطفل تقوم على حبّه لأبيه ورغبته به . فكلما زادت عاطفة الاب ومحبته للطفل كلما اشتدّت محاكاة الطفل له, ويمكن للمعنى الثاني أن يكون أكثر قبولاً من الاول.

فإذا سلمنا بعد كل ذلك أنه يمكن للأب أن يكون قدوة صالحة لتوجب عليه أن يسلك في البيت وخارجه ذلك السلوك الذي يحبه ويرتضيه لأولاده, وأن يتحدث معهم كما يريدهم أن يتحدّثوا, ويتصرّف كما يرغب أن يكونوا, وأن يؤمن بهذه الحقيقة التي تقول إنّ الولد على شاكلة أبيه.

 

القيام بالتربية:

رغم ما نبذله من جهود لتربية أولادنا, ومع كل ذلك الاهتمام الكبير, لا بدّ لنا أن تكون توقعاتنا من أولادنا معقولة. فلكل سن ومرحلة مستوى معين من الطموح, وان القابليات مختلفة ولا يتساوى الذكاء عند جميع الاولاد وكذلك الادراك والاستعداد البدني والنفسي, ويؤدي هذا الاختلاف إلى التباين في السلوك بحيث لا يمكننا أن ننتظر نفس الشيء من جميع أولاد الاسرة الواحدة.

ويحاول بعض الاباء بسبب حبهم الشديد لاولادهم ان يزرعوا عندهم الخلق الحسن والادب الجميل باسرع مايمكن ؛ويرغبوا ان يسلكوا طريق الكمال بفترة زمنية قياسية غافلين بان ممارسة الضغط واللجوء الى العنف يدفعان الطفل الى استخدام الحيلة واللجوء الى العصيان ووقوع هوة بين الطفل والمربي ؛فتفشل _والحال هذه _عملية البناءوالاصلاح والتوجيه .

فلايوجد اي مبرر لطموحنا هذا ولاداعي لطي هذه المراحل المتعددة بزمن قصير .وان من الخطأ أن يلجأ الآباء الى استخدام العنف والقوة مع الولد لتحقيق هذه الرغبة،بل من غير الصحيح اللجوء الى التشجيع المفرط ايضا .وسوف يضطر الطفل بسبب تلك الممارسات الخاطئة الى سلوك طريق العصيان والعناد ،والمشاكسة احيانا ،فتنعدم فرصة البناء والكمال ويصبح انسانا ضالا ومنحرفا.