الاب واهتمامه بعلاقات أولاده

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

الحاجة إلى المعاشرة:

الطفل كائن اجتماعي, وهذا إمّا أن يكون فطرياً أو مكتسباً. فبسبب الطبيعة الاجتماعية للإنسان نراه يفتح باب المعاشرة ويتوسّع في هذا المجال ويأنس لمعاشرة الاخرين ويتخوّف من الانقطاع عنهم.

وإننا نعلم بأن أشدّ ما يقلق الانسان هي الانعزالية والعيش مفرداً بسبب وجود بعض الموانع. فالسجن مثلاً, وخاصة الانفرادي يؤدي إلى ظهور آلام عديدة.

وتختلف حالات الاطفال في المعاشرة طبقاً لمراحل العمر. فنراهم في سنوات الطفولة الاولى يبحثون عن علاقات سريعة. لذا فإنّهم يألفون أطفال الجيران. ثم بعد ذلك- وخاصة في السنة السابعة من العمر وعند ذهابهم إلى المدرسة- يعاشرون ويصادقون نظراءهم في السن وأحياناً من هم أكبر منهم سناً أو أصغر, ويبقون على هذه العلاقات.

 

أهمية المعاشرة وفوائدها:

ينتفع الطفل بالمجموعة كثيراً, فيتعلم منها أسلوب المعاشرة ودروساً في الحياة والاخلاق والتربية. ومن فوائدها أيضاً إنه يتعلّم الصبر والتضحية والايثار والطّاعة والانضباط والشعور بالمسؤولية, ويسعد الطفل كثيراً لأنّه يقضي بعضاً من وقته إلى جانب أصدقائه فيجد ذلك الوسط الذي يستأنس إليه ويألفه.

ويمكن للأصدقاء أن يقوموا بدور جيد في مجال بناء وتقدم الولد إلى الامام بشرط أن يكونوا أوفياء وصادقين وشرفاء ونزيهين. وسوف يصبح اجتماعيا بشرط أن يكونوا أوفياء وصادقين وشرفاء ونزيهين. وسوف يصبح اجتماعيا بسببهم أيضاً. وتبرز هذه الظاهرة (الاجتماعية) من خلال مراقبة الطفل لسلوك أصدقائه وأخلاقهم وعملهم وكلامهم مما ستكون لها تأثيرات مفيدة وناجعة أو ضارة وخطيرة. وهذا هو سبب أهمية دور الاب ومراقبته لعلاقات أولاده والذين يعاشرونهم.

 

مخاطر المعاشرة:

يمكن اعتبار المجموعة التي يعاشرها الطفل ذات دور كبير في تعليمه والتأثير على شخصيته ولأهمية ذلك فقد ورد في الحديث الشريف عن النبي الاعظم (ص) قوله:" المرء على دين خليله" وقيل أن أفضل طريقة لمعرفة الانسان هو السؤال عن صديقه وخليله. فمجالسة الشرفاء والمتدينين تجعل الانسان شريفاً ومؤمناً, بينما مجالسة المنحرفين والفاسدين تجرّه إلى الفساد والرذيلة. ولو أقدم أولادنا على مرافقة السيئين لوصلوا إلى تلك الدرجة التي يرفضون فيها كلام آبائهم ولا يقبلون بنصائحهم وتوجيهاتهم.

علينا أن لا ننسى هذه الملاحظة المهمة وهي أن الطفل يلجأ من خلال المحاكاة إلى تعلم أمور كثيرة من الاخرين سواء كانت إيجابية أم سلبية. فما أكثر الثقافات المنحرفة وآثارها السيئة التي تنتقل في محيط الاسرة إلى الاولاد ومن ثمّ إلى أصدقائهم ومعاشريهم.

لا بدّ للمعاشرة أن تستهوي قلب الانسان ونفسه حتى تغيّر في سلوكه . وما أكثر السلوك الحسن أو السيئ, الذي تعلمه الطفل من المجموعة التي يعاشرها فأوصله إما إلى الكمال أو إلى الانحراف.

 

مجموعة القرناء:

ونقصد بالقرناء تلك المجموعة التي يصاحبها الطفل ويعاشرها ويتعلم منها الادب والاخلاص والعادات والسلوك والكلام. ونراه يأتمنهم على سرّه ويرتبط بهم بعلاقة قوية وحميمة . ويمكن للقرناء أن يكونوا نظراء للطفل في سنة أو يختلفون عنه, ولكنّ العلاقة تبقى عميقة للغاية .

وقد كشفت دراسات علماء الاجتماع أن للقرناء دوراً مهماً يفوق دور الوالدين فيما لو تركا ولدهما, وذلك في مرحلة النشوء والبلوغ, أو عندما تعتري الاسرة اضطرابات معينة, الامر الذي يعكس مسؤولية الاب الثقيلة وضرورة قيامة بوظيفته.

كما أن للقرناء دوراً مسلياً ومؤثراً في إيجاد الطبيعة الاجتماعية عند الطفل, ولكن بشرط أن لا ننسى بأن الطفل يقلد كلّ ما يشاهده في أوساطاً المجموعة التي يعاشرها ويعمل بموجبه حتى ولو كان ذلك العمل مخالفاً للعقل من وجهة نظر الاخرين.

ومن هنا فقد تؤدي تلك التأثيرات السيئة للقرناء إلى التفريط بجهود الوالدين وتضييع حياة الطفل الحالية والمستقبلية.

 

ضرورة المراقبة:

لهذا السبب فإنّه لا بدّ من المراقبة وخاصة في مراحل الطفولة الاولى, يألفونهم ويعاشرونهم؟ بل وعليكم أن تعلموا بنوع العلاقة التي يقيمونها والكلام الذي يطرحونه وكيف يمارسون حرياتهم.

ولا بدّ من الاهتمام بموضوع المعاشرة لأن الطبائع قابلة للانتقال. وما أكثر الذين ابتلوا بالحقارة والدناءة بسبب قرنائهم فابتعدوا تدريجياً عن الوالدين.

وثمة خطر يهدد الاسرة ألا وهو عودة الولد وابتعاده فيما لو تركه الوالدان بمفرده.

فيجب أن يكون الاهتمام على أشدّة بالنسبة للأحداث والبالغين لوجود أخطار عديدة تهددهم في هذه المراحل. فقد يقومون بتصرفات هوجاء فيما لو تعمّقت علاقتهم مع المنحرفين والفاسدين مما سيؤثر سلباً على حياتهم الشخصية وأسرهم أيضاً.

 

كيفية المراقبة ونوعها:

من الافضل أن تتم مراقبة غير مباشرة خاصة بالنسبة للأحداث والبالغين, أمّا الطفل فلا بأس من القيام بمراقبته بشكل مباشر لكي يكون على حذر فيحاول عدم ارتكاب أي خطأ لشعوره بهيبة الاب وخشيته منه .

أما الاحداث والبالغون فقد يلجئون إلى التمرّد فيما لو شعروا بوجود مراقبة مباشرة لهم فيلجئون إلى معارضة الاب والتكتم على نشاطاتهم وأفعالهم وهذا يضرّ الاب والولد أيضاً .

فهم في مرحلة قادرون معها على اللجوء إلى المكر والخداع والتستر, فلا يقدر الاب أن يكتشف حقيقة أفعالهم.

لذلك ينبغي أن تكون المراقبة سريّة وبعيدة عن الانظار خاصة للأصدقاء الولد لأنهم سيلجئون إلى إثارة الولد ودفعه إلى التمرد والعصيان.

والخلاصة فإنّه من الصعب جداً تحقيق المراقبة المباشرة للأحداث.

 

عند حصول الخطأ والانحراف:

قد يخطئ أولادكم لدى إقامة العلاقة مع الاخرين فلا يملكون لأنفسهم أصدقاء جيدين. وفي مثل هذه الحالات فإن من وظائف الاب تحذير الولد وتنبيهه كي يترك هذه الصداقة.

ويمكن للأب أن يستعين بأسلوب الاكراه والتهديد بالنسبة للأطفال الصغار لكنه لا ينفع مع الاحداث والبالغين, بل لا بدّ أن يكون بأسلوب جميل وبلهجة مؤثرة.

فالتوجيهات لا بدّ أن تكون متينة وقائمة على الود وتكشف عن طموحاتكم وتوقعاتكم من أولادكم, وأن تكون في نفس الوقت قوية وقاطعة لكي يشعر الولد بضرورة تنفيذها.

على الوالدين أن يحذرا كثيراً من أصدقاء السوء فلا يهملان هذا الموضوع أو يتركانه على أمل أن يشعر الولد ذاتياً بمضار ذلك فيعود إلى رشده, لأن ذلك سيؤثر على نموّه وتكامله.

ويمكن الاستعانة بالمدرسة أو بوالدي الاصدقاء المنحرفين لحل هذه المشكلة وإطلاع الاخرين على مخاطر هذه العلاقات.

ولو استطعنا أن نبني أولادنا من خلال عدم تأثرهم بالمجموعة لأمكننا إلى حدّ كبير أن نفسح المجال أمامهم ليتأثروا بالكبار.

 

المرافقة إضافة إلى المراقبة:

لا توجد أية ضرورة لأن تؤدي المراقبة إلى تعكير العلاقة بين الاب وولده, إذ يمكن للأب أن يكون مرافقاً لولده وأنيساً له, وعليه- في نفس الوقت- أن لا ينسى مسؤوليته في المراقبة.

ومن الاساليب الاخرى في مرافقة الاولاد هو اختيار أشخاص من بين الاقرباء والاصدقاء يحملون ذات الفكر والثقافة لكي يجالسوا أولادكم ويعاشروهم.

يجب على الاب أن يبذل جهده في اختيار قرناء ومعاشرين صالحين لأولاده, ولا يتجاوز في ذلك حدود الحق والاخلاق. فالمعاشرة مطلوبة تنمية الاخلاق والمبادئ والسلوك الصحيح عند الاطفال. كما يجب عدم إهمال المراقبة أيضاً من أجل أن نمنع الانحراف.