الاب والشاب

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

سنوات الشباب:

تتميز مرحلة الشباب بحساسية خاصة وهي من أهم مراحل الحياة الانسانية. وقد حددت بالفترة منذ نهايات مرحلة البلوغ وحتى السن السادسة والعشرين. وثمة اختلاف بين المفكرين في هذا المجال حيث اعتبر بعضهم أن مرحلة البلوغ تدخل ضمن سني الشباب .

لكننا سنعتبر في هذا الموضوع أن بداياتها تتزامن مع أواخر مرحلة البلوغ.

إنها مرحلة مهمة في الحياة وقد وصف الاسلام الشباب بأنّه من النعم الالهية الكبرى وطالب باغتنام هذه المرحلة واستثمارها بأفضل وجه. وقد لا يحصل ذلك الا بواسطة إشراف الوالدين ومساعدتهما وتوجيهاتهما والاستفادة من تجاربهما.

كما أكّد الاسلام على ضرورة قيام الاب باستشارة ابنه واصطحابه معه دائماً ومجالسته, ومجالسة الام لابنتها.

وبعبارة أخرى فإن الاصل في التربية هو مجالستهم واصطحابهم ومساعدتهم وتوفير النموذج العملي في الحياة اليومية لتربيتهم .

 

خصائص هذه المرحلة:

لا يمكننا أن نذكر جميع خصائص هذه المرحلة لحاجة ذلك إلى فصول مطوّلة. لكنه يمكن القول باختصار أن هذه المرحلة هي مرحلة السعي وبذل الجهد والاندفاع نحو القوة والتظاهر بها. إنّها مرحلة البحث عن الاستقلال الكامل.. مرحلة تختلف عن المراحل التي تسبقها أو تلحقها.. مرحلة الاحساس والعاطفة.. مرحلة تشتدّ فيها الحساسية... مرحلة تغيير فيها القدوة .. مرحلة البحث عن الحرية.. مرحلة مليئة بالانفعالات والاضطرابات.. مرحلة العصيان والتمرّد..مرحلة كتم السر والعمل السري.. مرحلة الدفاع عن الجماعة والانخراط فيها.. مرحلة تتغير فيها المواقف والافكار.

صحيح إنكم تعيشون مع أولادكم لسنوات طويلة, لكنكم لا تعرفونهم حق المعرفة, ولم تكتشفوا جميع أسرارهم وخفاياهم.. فثمة مجاهيل عديدة لا تزال بحاجة إلى الكشف عنها من خلال بذل الجهد والسعي الحثيث. ويمثل هذا بحدّ ذاته صعوبة بالغة بالنسبة لكم ولأولادكم.

ومن الطبيعي أن تتعقد المسؤولية كلما كبر الولد, فلا يمكنكم أن تفرضوا عليه أمراً معيناً أو تقنعوه بأفكاركم. فهو في مرحلة يقدر فيها على اتخاذ القرارات التي تزيد من قلقكم.

 

مشكلة العلاقة:

إن أهم مشكلة بين الاباء والاولاد هي تمرّدهم ورفضهم لإقامة العلاقة مما يستوجب الحذر والاهتمام, ويبدي الشاب لدى مواجهته لوالده ردود فعل معينة مستلهمة من الاصدقاء أحياناً فيكون من الصعب على الاباء تحمّلها.

قد تؤدي المواجهة بين الاب والابن أو الام والبنت إلى إثارة القلق أحياناً واللجوء إلى العنف لدى بعض الافراد.

إن للنزاعات والصراعات جذوراً لا بدّ أن نبحث عنها في مراحل الحياة الاولى حيث ستظهر تأثيراتها في الحياة المستقبلية. وتعتبر الرغبة في إثارة المشاكل والبحث عنها من الامور المشوّقة والمشجّعة في هذا المجال. ويدفع حب الاستقلال عند الولد إلى أن يقف بوجه بعض المفردات والتمرّد عليها. وقد تكون الصراعات والاختلافات شديدة بحيث يبدو للمراقب وكأن حرباً شعواء تجري بين الشباب وولي أمره. في حين أن الحقيقة ليست كذلك, وأنه يحب والده حقاً ويحترمه.

 

المخاطر والاعراض:

على الاباء أن يحذروا بشدة من مخاطر هذه المرحلة, إذ توجد انحرافات عديدة تنتظر أبناء هذه المرحلة عادةً, مما ستنعكس نتائجها على شرف أفراد الاسرة وكرامتهم فيما لو تسامح الاباء في ذلك.

وتعود بعض المخاطر إلى ضغوطات الغريزة التي تؤدي بالشاب أحياناً إلى بعض الانحرافات. وتشير الاحصائيات (الخاصة بالمجتمعات الغربية) إلى أن 70% من الانحرافات الجنسية والفحشاء تختص بالاعمار 16-18 سنة. وقد تبتلى العوائل أيضاً بتلك المفاسد.

ومن المخاطر الاخرى ما يرتبط ببعض العادات المختلفة كالسرقة والجريمة وحياة الرذيلة وممارسة الاعتداء وغير ذلك مما يؤدي إلى إيجاد مشاكل جمّة للفرد والاسرة والمجتمع.

وترتبط بعض المخاطر بتغيّر الافكار والعقائد والوقوع في فخ الكفر والشرك والالحاد حيث يعتمد كل ذلك على من يقوم بالتربية والمعاشرة ومدى نفوذه وتأثيره. ويلجأ الشاب أحياناً إلى مختلف المفاسد والفضائح من أجل الانضمام إلى مجموعة معينة, ويعد هذا خطراً كبيراً بحد ذاته.

 

قابلية التغيير:

يملك الشاب قابلية التغيير, فلا يزال قلبه ليناً في هذه المرحلة, ويمكن بناؤه من جديد وإعادته إلى جادة الصواب. ويوصف الشاب علمياً وإسلامياً بأنّه كالخميرة, إذ تؤثر فيه الظروف الخارجية ويكتسب العادات والاخلاق المختلفة. ويكون قادراً على تغيير طريقه وبناء نفسه من جديد.

وخلافاً لبعض التصورات فإن هؤلاء- أي الشباب- يلتزمون بالاوامر والنواهي رغم أنهم يبدون ظاهراً معارضين لها.

فهم قد لا يقبلون بالنصائح كما يبدو للعيان, لكنهم سيلتزمون بها ويعملون بموجبها فيما لو تحدثتم معهم برفق ولين. ولو تأثّروا بكلماتكم لضحّوا أحياناً بأنفسهم ونزلوا إلى معترك الصراع برغبة واندفاع ذاتيين من أجل تحقيق الهدف الذي وضعتموه لهم. فالافكار والكلمات مؤثّرة فيهم حتماً . فقد جاء في الحديث الشريف " من تعلّم في شبابه كان بمنزلة الرسم في الحجر".

لذا ينبغي الاهتمام بهذه الميزة واستغلال قابلية التغير عند الشباب وتوجيههم نحو الاهداف المنشودة من خلال دعوتهم وتعليمهم. ولا تنسوا أنهم سيعودون إلى صوابهم فيما لو نصحهم آخرون يحبّونهم فيسمعون كلامهم.

 

مجالسة الاب :

ينبغي للأب أن يصاحب ولده ويجالسه في كل حالاته حيث ان هناك أساليب معينة تؤثر في الولد عادة.

فقد يجالس الاب ولده ويكون إلى جانبه باستمرار دون أن يؤثر فيه ذلك أبداً, وهنا يجب على الاب أن يحذر هذه الحالة تماماً.
حري بالاب أن يؤثر في ولده وينفذ إليه من خلال حديث معه وإبداء وجهات نظره وإظهار عواطفه وأحاسيسه ومشاعره, وأن يخطو في سبيل إصلاحه وإرشاده, فوظائف الاب عديدة في هذه المرحلة أهمها امتلاكه لقابلية إيجاد تغيير في أفكار الولد وسلوكه.

إذ أن من الخطأ الكبير أن يعامل الاب ولده كالند والخصم فيضطره للتمرّد عليه وعصيانه. وعليه عوضاً عن ذلك أن يقدم له الافكار الجيدة ويخطو من أجل ترسيخ عقيدته وبناء عواطفه وأحاسيسه لأن تجاهلها يؤدي بلا شك إلى ظهور مشاكل عديدة.

على الاب أن يبدي استعداداً كبيراً للتعامل مع ولده وأن يستخدم أفضل الاساليب وأحسنها لتحقيق هذا الغرض . فقد ورد عن رسول الله (ص) قوله:" أوصيكم بالشبان خيراً" فالتعامل السليم والكلام الجميل يؤديان إلى بناء الفكر والنفس وتحقيق الحيوية والنشاط عند الشباب.

 

الشباب والمسؤولية:

من الضروري أن يكلّف الاولاد ببعض المسؤوليات الحياتية وذلك من أجل بنائهم وزيادة خبراتهم وتجاربهم في هذا المجال ولا بدّ أن تبذل الجهود من أجل أن يشعروا بالفخر والاعتزاز جرّاء تحمّلهم لهذه المسؤوليات.

أما إذا فشلوا في أداء تلك الوظائف, فإياكم- والحال هذه- أن تجرحوا كرامتهم أو أن تسيئوا إلى شخصياتهم, بل حاولوا تعزيز معنوياتهم وخلق الوازع عندهم لإعادة العمل من جديد .

ولو كان للشباب وجهة نظر معينة إزاء تلك المسؤولية فلا تستبدوا برأيكم لتأثير ذلك سلباً, وبالتالي يؤدي إلى شعوره باليأس من الحياة. إذ ينبغي للشباب أن يكون واعياً في سلوكه كي ينتخب طريقة بشكل صحيح ويمارس مسؤولية بدقة. وهذا يرتبط بطبيعة تعاملكم معه.

كما يجب على الاباء أن يهتمّوا بالجوانب الاخلاقية عند الشباب وهم يؤدون وظائفهم . فلا توجهوا اللوم للولد الشاب أبداً, ولا تقولوا له بأنكم كنتم كذا وكذا في شبابكم, فليس مطلوباً من الانسان أن ينجح دائماً في عمله, وعليكم أن تقيّموه من خلال ظرفه ووضعه الخاص, وتوفّروا له الاجواء الملائمة للنمو والتكامل وإظهار استعداداته المختلفة.

 

البرنامج لوقت الفراغ:

فكّروا لأوقات فراغ أولادكم, وخططوا لملأها حتى لا يجدوا الفرصة فيلجئوا إلى الفساد والضياع وتعاطي المخدرات. فالفراغ من أعظم البلايا خاصة للشباب لأنّهم يمتازون بحب الاستطلاع ويحملون أذهاناً نابهة.

كما تؤدي بهم البطالة إلى وضع الخطط والبرامج الفاسدة بسبب قصورهم ذهنياً عن البناء واشتياقهم في الوقت للقضايا المثيرة فتؤدي هذه الامور بمجموعها إلى جلب المشاكل لأنفسهم وللآخرين والوقوف موقف المتفرّج إزاءها.

لذا فإن البرنامج السليم يقيهم من التورط والاخرين بمختلف المشاكل والصعوبات.

 

ما هو المطلوب من الشاب:

لا تنتظروا من ولدكم الشاب أن يؤدي جميع الامور كما تطمحون. صحيح أن الشباب يمتازون بطول القامة ويبدون- ظاهراً كباراً, لكنهم قليلو الخبرة والمراس, ويجب عليكم أن تشرفوا على جميع البرامج وتراقبوا تطبيقها حتى تتم عملية الهداية والتوجيه تدريجياً.

فقد لا يحترمكم الشاب كما تطمحون, وعليكم أن لا تنتظروا منه أن يحسب لكم ألف حساب. فمثلاً قد يتطاول عليكم لكنه لا يستهدف ذلك متعمداً. ويعود السبب إلى شعور الشاب عادة بالاستقلال والحرية. وينبغي عليكم أن تعاملوهم باحترام لكي يتعلموا معنى الاحترام .

تحدثوا معهم, وازرعوا عندهم الثقة بأنفسهم وافتحوا أمامهم أبواب الخير وتيقنوا أنهم سيسلكون هذا الطريق.

جاء عن أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب(ع) قوله:"عليكم بالاحداث فإنهم أسرع إلى كلّ خير".