في التجمل والاستهلاك
الكاتب : الدكتور علي القائمي
التربية من وجهة نظر البعض نوع من الهداية, لأنها تكون السبب في توفير التسهيلات التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يجد السبيل لتزكية نفسه, فقد عبر القرآن عن الرسول بالهادي, المذكر, البشير والنذير, يبين للبشر طريق الخير من الشر, الفوائد والأضرار, البركات والبليات كل ذلك يبينها لبني البشر ويترك لهم الخيار في الانتخاب.
يجب أن نهتم بهذه النقطة في التربية وهي أن تكون تربية كل شخص لازمة وضرورية لحياته لكي تبعده عن الأخطار التي يتعرض لها- ومن الضروري أن يعلم المربي أحوال وأوضاع من يقوم بتربيته, الطفل في أي المجالات يخطأ والصبي في أي المجالات يخطأ؟ الولد في أي الموارد يخطأ والبنت في أيها؟ ومن خلال معرفته يسعى إلى الحيلولة دون سقوط من يتولى تربيته.
إن الكثير من المسائل التي تختص بطبقة أو جيل أو سن لا تجدها في موارد أخرى, والفن في التربية يقتضي أن نجعل هذه المسائل تحت المراقبة ونجعل لها ضوابط ومقررات خاصة. وفي التربية الإسلامية يتم تشخيص المسائل الخاصة ونسعى لتعميقها في نفوس الأفراد.
التربية والثقافة:
إننا نقوم بنقل التراث الثقافي أثناء التربية بشكل خام أو بعد تقييمه إلى الآخرين, وآثار هذا الانتقال ممكن أن تكون خيرا أم شراً, فالمتعارف أن الثقافات لا تكون نقية, وكل أبعاد وأجزاء الثقافات غير قابلة للانتقال إلى الآخرين.
والمسؤولية الشرعية من وجهة نظر الإسلام تقتضي نبذ الأجزاء الهدامة وقبول وتقوية الأجزاء التي تقودنا إلى الكمال فنعلمها لأبنائنا.
يجب أن نربي الإنسان بحيث ننقذه من الغرق في الشهوات وحب أدوات التجميل والحلي, حيث أن هذه المسائل ومع الأسف لها رواج كبير عند البنات, فنعلمهن الفضيلة والخلق ليستطيع في ظل ذلك التفكير في مسائل اخرى ولكي يستطعن تكميل أنفسهن وليصبحن بعنوان مظهراً للقيم المقبولة وقدوة محبوبة في المجتمع.
التربية والتجمل:
إن ميل البنت للتجميل والحلي ووسائل الزينة سببه الطبع اللطيف لها. طبعاً أن للثقافة المنحرفة المتضمنة المظاهر البراقة والغرور والعجب وحب الظهور والعلو بعنوان ملاك لاختيار الزوجة. كل ذلك يكون مؤثراً في الميل إلى التجميل وحب الزينة وأدواتها.
لا خلاف في أن الحياة يجب أن تكون جميلة ومنظمة, ولكن هذا التنظيم والترتيب يجب أن يكون مقرونا بالبساطة بعيدة عن التجملات والتشريفات لكي لا تهدر أموال الأفراد في هذا المجال فيقع الإنسان في وادي الزلل والخطأ.
من جانب آخر فإن حب التجمل فيه مخاطر من بينها أنه بدلا من أن الإحساسات والعواطف الإنسانية يجب أن تتوجه إلى الخير والسعادة والأهداف السامية للخلق, فإنها تتوجه إلى عدم الالتزام ومقارفة الذنب والرياء والإدعاءات الواهية وتحقير الآخرين والشعور بالعلو بسبب الحلي ووسائل التجميل. وفي نظر ديننا يجب أن نستفيد من التغذية المتوازنة, واللباس المناسب وأن تكون مظاهر حياتنا بالمقياس المتعارف, أن نستفيد من الزينة بمفهومها العام في الحياة, أن نستفيد من المزايا التي وهبتها لنا الحياة بشكل يجب أن يراعى فيه عدم الإفراط والتفريط, أن لا يجعل العمر والحياة بعيدة عن الاستقرار, ولا نلوث نفوسنا, وهذه المسائل يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار في تربية البنات.
التربية والاستهلاك:
من الصفات والمميزات اللائقة التي يجب أن تتميز بها البنت في حياتها هي الاقتصاد, فالبنت يجب أن تربى تربية تكون مقتصدة في الشراء والاستهلاك, وحتى بإمكانها أن تقف أمام إسراف وترف وإفراط زوجها, أجل أن البخل بالنسبة للزوجة مسألة غير مرغوبة, في حين أن الدقة في الإنفاق تعتبر صفة ومزية حسنة للمرأة, ونحن لا نريد أن نجعل من المرأة مغلولة اليد مقترة تعيش حياة مملوء بالفاقه وبالقول المعروف قوت ولا تموت إنما الغرض هو الدقة والمراقبة في الإنفاق.
يجب أن تعلم البنت بأن الإسراف لا يعتبر علامة على التحضر, فالإنسان لا يصبح شخصية مهمة عندما ينفق الأموال في شراء البضائع والوسائل الخاصة بالزينة والتجميل وكذلك الغيرة والحسد للآخرين والرغبة بأن يكون مثلهم أو أحسن منهم كل ذلك لا يعطي الإنسان أهمية في الحياة.
إن الإسراف والتبذير الزائد عن الحد يؤدي إلى زوال ونفاذ الثروات من دون أن يجلب النفع والخير للآخرين علاوة على ذلك فإن التبذير يقضي على الفضيلة والرفعة.
إن تحريض وتشجيع البنت على انتهاج أسلوب متوازن في الاستهلاك يعتبر خطوة في طريق إنعاش اقتصاد العائلة ويجب أن تخطو البنت خطوات في هذا الطريق.
الشوق إلى الحياة
نحن نعلم بأن أبنائنا ومن المراحل الأولى للرشد والتمييز تعتمل في أفكارهم أسئلة واستفسارات عن الحياة وكيفيتها, يريدون أن يروا ما هي الحياة ولماذا نحيا؟ وما هي اللذائذ التي بإمكانهم الحصول عليها غير لذات الأكل والشرب. وبواسطة هذه المقدمات نستطيع أن نوضح لهم بأن لذائذ الحياة لا تقتصر على الغذاء واللباس والبطن, فالكثير من الناس يأكلون أفضل الأغذية ويأكلون حتى التخمة ولكنهم لا يتمتعون بأدنى قسط من الراحة والاستقرار والهدوء, والكثير منهم تتوفر لديهم متطلبات عيشهم وفي بيوتهم الكثير من الوسائل التجمل من فرش ومعدات وتحفيات ولكنهم لا يتمتعون بذرة من الإنسانية .
إن لذة العيش تكمن في السكون النفسي والروحي والذي يتم الحصول عليه في ظل الالتزام بالدين والإيمان بإنجاز وتحمل المسؤوليات.
إننا نستطيع أن نعيش بتناول أغذية بسيطة وعادية ولبس الألبسة المتواضعة لكن بشرط أن نحافظ على اطمئنان نفوسنا وسكينة قلوبنا, والأصل في أن يكون وجود الوسائل والتحفيات كمسألة ثانوية. والغرض أن تفهم البنت بأن القلادة الثمينة والأقراط الجميلة والأساور ذات القيمة العالية, والأفرشة الزاهية الألوان والحلي والتحفيات لا تستطيع أن تجلب السعادة لها, وبشرط المحافظة على الإيمان وعدم الارتباط بهذه الوسائل مهما كثرت أو أصبحت نادرة, وإذا انحسرت فيجب أن تكون الحياة عادية.
التجمل وحب الذات:
هناك نقطة مهمة أخرى وهي أن تفهم الأفراد ذوي الأفكار الجوفاء بأنهم لا يملكون اللياقة والفن في هذه الحياة, ليس لديهم الاستعداد لإثراء الحياة وتقديم العطاءات اللازمة لها. ولا يتمتعون بشخصية يحسب لها الآخرين الحسب, ولا هم لهم إلا التجملات والاستهلاك, وهم على استعداد للتضحية بشرفهم من أجل ذلك, وهذه قمة الذلة أن يبيع الإنسان حيثيته وشرفه من أجل بعض الفلزات الثمينة والأفرشة ذات القيم والألوان العالية وأدوات الزينة والحلي والتجملات, وعن هذا الطريق يستطيعون جلب نظر الآخرين إليهم, وعبادة شهواتهم المتأججة.
إن أنس الإنسان بالحلي والتجملات ووسائل الزينة صار سبباً في اعتياد بعضهم فأصبح مجبولاً على هذه الصفة بحيث نستطيع القول بأن هذا الأمر يجره إلى الأسر والسقوط, بالشكل الذي نرى أن بعض الأفراد يعتادون على التجمل أسوء من الاعتياد على الأفيون والمواد المخدرة, ومع الأسف فإن هذا الأمر ملحوظ جداً عند البنات. ففي الوقت الذي يجب أن تتجه فيه عواطف وإحساسات البنت إلى الفضائل الإنسانية والأخلاقية العالية كالأخلاق, والطهارة والصدق وعبادة الله والتقوى وحفظ شرفه وعائلته, فإنها تتجه إلى الزينة والحلي وأدوات ووسائل التجمل وحب الزينة وعبادة الموديلات وعن هذا الطريق تسعى إلى الظهور وإبراز شخصيتها, تتظاهر بثرائها, وتحب أن تتظاهر بأنها صاحبة منزلة وكمال, وكل ذلك يعتبر شكلاً من أشكال الابتلاء, فيكون الأمر مبغوضاً بالنسبة للرجال وأكثر بغضا بالنسبة للنساء.
التجمل وعبادة الأصنام:
إن القرآن لا يحرم الاستفادة من وسائل الزينة, لذلك يستطيع بني البشر الاستفادة وبشكل متوازن من زينة الحياة الدنيا, من الأغذية الجيدة والألبسة الجميلة والروايات أكدت ضرورة الانتباه والتوجه حتى لا يسقط الإنسان في هذا الخضم المتلاطم وتندره من التعرض إلى الخطأ في هذا الطريق الذي يعد في بعض الأحيان امتحانا في هذا المسيّر.
إن حب المال والحلي واللباس والغذاء كوسائل للحياة والكمالات من الأمور التي لا إشكال فيها, والتحذير يرد في مجال أن لا يكون هذا الحب بمثابة تعلق وعشق شديد بشكل يصبح أشبه بعبادة الأصنام.
أجل: إذا أصبح التجمل وحب الحلي ووسائل الزينة بشكل يشبه عبادة الأصنام ويبعد عن ذكر الله فإن ذلك يعد نوعا من الدنائة والحماقة, حيث ينصرف قلب وروح الإنسان عن عبادة الله إلى عبادة الذهب والفضة والجواهر والفرش الغالية الثمن, وعلى الأقل فإنه يوجد في قلبه شريكاً لله سبحانه وتعالى.
التجمل والرق:
يعتبر القلب مركز العبادة والعشق, وفي نظام العبادة والتعبد فإن الفؤاد هو مكان عشق وعبادة الخالق جل وعلا وهنا فإن الدنيا وزخارفها لا تجد مكانا في مثل هذا القلب فإن العشق الإلهي لا ينسجم مع حب الدنيا والتجملات.
نحن نريد من بناتنا بأن يكنّ عابدات وفي الوقت نفسه يرفلن بنعيم الحياة الدنيا, ويكون جل اهتمامهن منصبا على المحافظة على شرفهن وتقواهن, تكون علاقتهن مع الله سبحانه وتعالى قوية ومتينة ويستمدن العون منه في طريق الكمال والسعادة, تكون الحياة بالنسبة لهن مهمة, أما الارتباط بالمسائل المادية فلا يمثل شيئاً في نظرهن, وذلك لكي يستطعن التفكير بالمسائل المهمة التي تتعلق بالخلق والخلقة وذلك للحصول على الكمال المطلوب المقرون بالعلاقة والحب للدنيا.
أن من الذل أن يتحكم الذهب والمال والحلي بمصير الإنسان والإنسان بهذه العظمة والكرامة يكون أسير الماديات, ومثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يدعي الكمالات المعنوية, حيث أنه لا يستطيع التحرر من قيود هوى النفس الغريزة, فيكبر هذا الأمر وينمو معه.
إننا نعرف الكثير من الذين انحرفوا بسبب الثروة والغنى, ولم يستطيعوا الثبات والصمود على الحق في مجتمعهم, فبدلا من عبادة الله أصبحوا يعبدون المادة والبضاعة والمقام بدلا من عبادة الله حيث أصبحت قلوبهم فارغة من العشق الإلهي بسبب حلول حب الماديات والتعلق بالدنيا محل ذلك.
إن الحلي والمجوهرات والتجملات تصنع من الإنسان عبداً رقاً داخراً, وهذا الأمر يكون سبباً في مصادرة شخصية الفرد, فيجب أن يتحرر الإنسان من هذه القيود, فالقلب عرش الرحمن ويجب أن يخلو مما سواه من الماديات وعبادة الأصنام المتمثلة بالذهب والفضة والمجوهرات لكي يحصل الإنسان على الكمالات المعنوية.
طرق التطور:
إننا نسعى ومن بدء حياة البنت أن نهيئ لها عوامل الكمال والتطور ونبعدها عن ما يسبب لها الحرمان والشقاء, فتكون متنعمة في حياتها تحث الخطوات في سبيل التقدم والرفعة والسير في سبيل الوصول إلى هدفها, يجب أن تعرف هدفها الأصلي وتكون عندها الرغبة والميل اللامتناهي في سبيل الوصول إليه وتحقيقه, ويجب أن نحيي في نفسها روح التعلق بالقيم الإنسانية العالية.
يجب أن تعلم البنت ومنذ البدء أن الكمال طريقة لا ينسجم مع عبادة المجوهرات والألبسة, ومن الضروري أن تكون البنت مفتخرة بنفسها لكي لا تعطي المجال للمستهترين والغير ملتزمين بالعلو والتكبر عليها, وهذا الفخر يجب أن يكون بسبب وجود الكرامة الإنسانية.والاستعدادات الفنية والثقافية الموجودة لدى الإنسان لا الحلي والتجمل.
يجب أن تعرف البنت طريق تطورها وكمالها, وذلك عن طريق الاعتماد على نفسها وحبها للحق والحقيقة ومعرفتها لمسؤوليتها وأن تدرك الخصال الإنسانية والصفات الحسنة, يجب أن يكون لها إيمان باستعداداتها المعنوية والوجدانية وعفتها ووقارها لا أن يكون كل تعلقها بالحلي والزينة والملكية.
إن هذا الأمر يحتاج تفكير وتعقل وكذلك يحتاج إلى تمرين وممارسة, التفكير في نفسها ومسؤوليتها, ماذا يحدث في العالم وما حوله, السعي إلى معرفة مسؤوليتها ودورها في هذا العالم ويجب أن تملك روحية وإرادة تعطيها القدرة على القيام بمسؤولياتها, والتمرين يبدأ من المراحل الأولى للطفولة وبشكل تدريجي وفي عين الوقت تستفيد من مواهبها التي وهبتها إياها الحياة.
يجب أن تعيش بشكل تحس معه بحلاوة ولذة الحياة, وفي الوقت نفسه يجب أن يحصل لديها تناسب بين النمو والسن وكل هذه الظواهر والعوارض تمثل أمر وعمق وجوهر المسألة يمثل أمراً آخر.
مواقف الوالدين:
كما قلنا مراراً فإن الوالدين والمربين يجب أن يقوموا بدور القدوة في عملية تربية البنت. ومن الخطأ أن تكون هناك سيطرة للمال والحلي والتجمل والأشياء الثمينة على البنت بحيث تخاطر بشرفها وكرامتها, ولذا فمن المفروض أن نعطي لأبنائنا درساً في الزهد والاقتصاد. فإذا كان الأب والأم أحرارا من قيود وأغلال التجمل والحلي فيجب عليهما أن يبرزا هذه الحرية للأولاد, وأن لا يكونا ضعيفان أمام التجملات.
أجل نستطيع أن نجعل من روح البنت روحاً حرة عفيفة بشرط أن يكون المربي مربياً لائقاً, أن يكون قلب المربي خاليا من الأدران, وأفكاره متوجهة نحو عبادة الله بفكر سام يملأ كل وجودها. فالاقتصاد وترك التجمل عملاً يكون الطريق الأفضل للاشتراك في حل مشكلات المحرومين, وفي هذه الصورة نستطيع أن نبني الآمال على مسألة بناء بناتنا.