أسلوب المداراة والصفح
الكاتب:الدكتور علي القائمي
الاسلام والصفح والمداراة:
إن الاسلام هو دين الصفح والمداراة, والعفو والتغاضي عن الاخطاء. فقد ورد عن الامام الصادق(ع) قوله:" عليكم بالعفو فإنّ العفو لا يزيد العبد الا عزّاً.... فتعافوا يعزّكم الله".
كما أكّد الاسلام كثيراً على العفو حيث جاء عن أمير المؤمنين الامام علي (ع) قوله :" قلة العفو أقبح العيوب والتسرّع إلى الانتقام أعظم الذنوب". كما ورد عن الامام الصادق (ع) قوله :" إن شئت أن تكرم فلن, وإن شئت أن تهان فأخشن", وقال رسول الله (ص) في هذا الشأن:" ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقّر كبيرنا".
الولد وصفح الاب:
ينبغي علينا أن ننتبه إلى ما نتوقعه من أولادنا وننتظره منهم, إننا نريدهم أن يكونوا صالحين وواعين وأصحاب رأي, يتعاملون بالصفح مع الاخرين, ويتمسكون بالعدل والانصاف في علاقاتهم ويتحلّون بالصفات الانسانية النبيلة.
فلو أردنا أن تكون عواطفهم إيجابية فما علينا الا أن نهتمّ بالصفات المكتسبة خاصة تلك التي يتعلمها الطفل من أسرته ووالده.
وعادة فإنّ العادات والخصال تكتسب عملياً- وهو ما أكّدته التجارب أيضاً- منذ اليوم الاول والاشهر الاولى من العيش في ظل الاسرة وتبنى العقائد على هذا الاساس.
وينبغي أن يكشف الطفل عن عقائده ووجهات نظره ويقبل في الوقت نفسه بعقائد الاخرين ويرتضيها. وأن يكون واعياً للمفردات واللغة التي يستخدمها, ويتّسم بغنى النفس, ويتحلّى بالصفح والشرف والصدق والادب. وهذه من الامور التي يجب أن يدركها من خلال أسرته ويمارسها في حياته اليومية.
أهمية الصفح:
لا يمكن للتربية أن تقوم الا مع الصفح, وذلك لأن الطفل إنما هو إنسان يحمل فكراً ورأياً يتناسب وشأنه. فلو تعامل الاباء بصلابة مع أولادهم لأدى ذلك إلى علاقات جافة وباردة ذات تأثيرات سلبية.
ويتمكن الاب من خلال الصفح والمداراة تدبير أمور ولده وكسب ودّه والنفوذ إليه وتعليمه الاداب والعادات والتقاليد وأن يكون متزناً محسناً وطالباً الخير للآخرين.
ويؤدي صفح الاب ومداراته إلى شعور الطفل بالجرأة فيطرح رأيه, ويتحدث عن مشاكله, ويكشف عن أسراره ولا يتوسل بالكذب والنفاق والحيلة. إذ أن أغلب تلك الحالات إنما هي بسبب خوف الطفل من قول الحقيقة والاذى الذي سيتعرّض له من جرّاء ذلك, فنراه يستعين بالنفاق من أجل تحقيق هدفه.
موارد الصفح:
لا بدّ من بحث تلك الموارد التي ينبغي فيها لجوء الاب إلى التعامل بالصفح مع الطفل. وعادة فإن الصفح يأتي عندما يرتكب الطفل خطأً معيناً بعد أن يحذّر وينبّه قبل ارتكابه.
وتربوياً, ليس صحيحاً أن يلجأ الاب إلى معاقبة الطفل على خطئه قبل تحذيره.. وهنا يطرح هذا السؤال, وهو هل ينبغي معاقبة الطفل بعد تحذيره؟ فالطفل كثير النسيان بطبيعته, وانه ينسى في كل يوم أو أسبوع, أو لعلّه يوجد عامل آخر يدفعه لتكرار ذلك الخطأ.
وهنا تبرز ضرورة اللجوء إلى الصفح والمداراة خاصة عندما يدرك الاب تأثيرهما الايجابي على الطفل. وإنه أصلح لنفسه وتنّبه إلى خطئه. أو أن يستعين بالصفح إلى أن يكتشف الطفل خطأه بنفسه. لأن عدم الصفح- والحال هذه- يدفعه للكذب والنفاق والحيلة.
حدّ الصفح والمداراة:
إنّ حدّ الصفح والمداراة هو موضوع مهم في التربية. وينبغي أن يكون بمقدار لئلا يلجأ الطفل إلى اللاإبالية ويفكر بأن والده سيتركه مهما صدر منه .
يجب أن يشعر الطفل بوجود حساب لكل عمل, وانه ليس حرّاً فيفعل ما يشاء. وأن الاب مسئول عن حفظ توازن العائلة
وانضباطها, لأنه العقل السليم في الاسرة. ولو تكرر ارتكاب الخطأ من الاولاد لفقد الامل في تربيتهم وتنشئتهم.
ينبغي أن يكون الصفح والمداراة بدرجة لا تدع الطفل يشعر بأنّه حرّ في إرضاء مشاعره كيفما يرغب, أو يعتقد بأن والده لا يبالي به . فالاباء الذين لا يهتمون بشؤون أولادهم لايؤدون وظائفهم أبداً. وإنّه لأمر طبيعي أن يسلك الاولاد طرقاً خاطئةً ومنحرفةً وغير إنسانية مما ستتعقد عملية الهداية والتوجيه.
إننا نؤكد على ضرورة أن يبقى الطفل طفلاً, يلعب ويقفز ويمارس نشاطه الخاص, لكننا نحذر في الوقت نفسه من تلك الممارسات التي تجعله جسوراً.
ينبغي أن تقدّم له النصائح والمحاذير بمستوى فهمه وإدراكه ومدى نضجه. وسوف تنعكس آثار هذا السلوك على حياته فينشأ إنساناً بمعنى الكلمة ويندفع نحو تحقيق تلك الاهداف أيضاً.
الاب واستعراض القوة:
ليس صحيحاً أن يطالب الاب الاخرين بطاعته بسبب موقعه, أو أن يفتخر على أولاده للسبب ذاته. حيث أنّ الطفل يشعر ذاتياً بقدرتكم ونفوذكم, ولا توجد أية حاجة لعرض العضلات أمامه, وإجباره إلى الشعور وعندما تشاهدون منه خطّاً معيناً فلا تفكّروا بأنه ينوي اتخاذ موقف معارض لكم أو يرفض طلبكم.
إذ من الممكن أن يحاكي الطفل موقفاً معيناً يراه من الاخرين, وان استعراض القوة عمل خاطئ .
لا بدّ أن تصدروا أوامركم ولكن بشرط أن لا تقطعوا أنفاس الطفل, لأنه سيفتقد إلى الاتزان المطلوب في سلوكه. وسوف يقتصر تفكيره على أفضل طريقة لممارسة قدرته فيبتعد والحال هذه عن الاهداف الواقعية للتربية ويفرط بها, لأنكم طالبتموه بالطاعة العمياء فقط. وقد رفض الاسلام ذلك. فقد جاء عن أمير المؤمنين الامام علي (ع) قوله:" وارحم من أهلك الصغير ووقّر منهم الكبير".
أعراض الشدة:
إن ممارسة القوة بهدف التشديد على الاطفال تؤدي إلى ظهور أعراض عديدة منها إصابتهم بالقلق والعديد من حالات الاضطراب. حيث يتصف أولاد الاباء القساة باللجاجة, وممارسة الانتقام والعصيان وتضخيم الامور.
وتعود أغلب حالات التمرد والعصيان إلى الشدة والقسوة خاصة في مرحلة الطفولة.
فعندما تكون التكاليف والمسؤوليات ثقيلة جداً فإن الاطفال سيقضون حياتهم بمرارة وحرمان وسوف تتوفر الارضية- تدريجياً- للشعور بالذنب الذي يؤدي في المستقبل إلى الاصابة بالعديد من العقد.
وتصل قسوة الاب- أحياناً- إلى درجة يتمنى فيها الطفل الصغير الموت بدلاً من الحياة أو إنّه يتمنّى موت الاب أو يفكر- أحياناً- بالثورة عليه مهما كانت النتائج. وهذا هو سبب العديد من حالات الصراخ الانفعالي للأطفال ووقوفهم بوجه الاوامر والنواهي.
لذا فإن الاب الذي يستشعر وظيفته ومسؤوليته لا يلجأ إلى القهر والتهديد الا في الحالات الضرورية, ولا يأمر أطفاله بالطاعة العمياء له لعلمه بأن ذلك سلباً على عملية نموّهم فلا يمكنهم أن يتحلّوا بسلوك سوي ومتزن .
كما وينبغي في الوقت نفسه أن يواجه الطفل في مرحلة الطفولة بعض الصعوبات والتعقيدات لكي يكون حليماً في كبره. فقد جاء عن الامام موسى بن جعفر (ع) قوله:" يستحب غرامة الغلام في صغره ليكون حليماً في كبره".
القضايا الجزئية:
ينظر باهتمام للقضايا الجزئية والصغيرة في موضوع التربية, لا يوجد شكل في انه ينبغي الوقوف بوجه نقاط ضعف الطفل ومنع أخطائه. غير انه من الخطأ أن يكون الاب بالمرصاد لطفله فيحاسبه على كل صغيرة وكبيرة, فقد ورد عن أمير المؤمنين الامام علي (ع) قوله:" عظّموا أقداركم بالتغافل عن الدني من الامور". فليس صحيحاً أن يستعرض الاب عضلاته أمام طفله من خلال إلحاحه على القضايا الجزئية فيضطر الطفل للاستسلام له.
وبسبب استمرار هذه الحالة فإنّ الطفل سيشعر بالحقارة أمام والده, ويظن بأنّه غير كفوء وتتوقف مسيرة نموّه وتكامله, ويستصغر نفسه دائماً ويفكر بنواقصه باستمرار.
حاولوا أحياناً أن تجمعوا عدداً من الملاحظات فتنبهوه إليها مرة واحدة, واذكروا نقاط قوته إلى جانب عيوبه لكي يشعر بالامل في الحياة.