عبادة الأم

الكاتب الدكتور علي القائمي

تعتبر الأمومة مهمة خطيرة ومحفوفة بالصعاب ولها مشاكلها الخاصة، تحتاج الأم إلى الشجاعة والصبر لتقاوم المشاكل التي سوف تواجهها في مراحل تربية الطفل المتعددة. فلا يمكن لها على هذا الأساس وبدون الارتباط الدائم بالله ذلك القادر المتعال أن تقوم بواجبها على أحسن وجه ولا يستطيع أن تنهي هذه المهمة الصعبة بسلام ونجاح. فالعباد عن ربط علاقة مع الله وتوفر للأم فرصة لاستعادة الأنفاس والاستمرار بقدرة وسعي جديرين بمهمتها الصعبة.

الأم وضرورة العبادة:

ألمحنا سابقاً أن العبادة ضرورية جداً للأم وبدونها فإن عملها يعتبر ناقصاً. ومن جانب آخر يجب أن تكون خيراً مطلقاً وأن لا تنتظر الأجر والثواب من الطفل على عملها في المستقبل. وتخلص في أعمالها لوجه الله تعالى ولا تطلب الأجر والثواب إلا منه تعالى ولا تفعل إلا الخير. والجانب الثالث فإن الأم هي القدوة والنموذج للطفل فليس لها إلا أن تؤمن بالله وتعود نفسها على العبادة دائماً إن أرادت أن تمنح المجتمع جيلاً صالحاً مسلماً. وأن تبتعد عن الحرص والطمع والعداوة والبغضاء والغرور ولا تزلّ لها قدم ولا تنحرف عن الصراط السوي وتكون خيراً وسعادة مطلقة لأطفالها. وعندما تكون علاقة الأم بخالقها وثيقة فستجسّم الجمال والطهر وستبعث على النشاط والحيوية في الحياة، والابتعاد عن الكسل وحب الذات وسحق المنافع الذاتية وتقديم مصالح الطفل على مصالحها. وعلى أية حال إذا أمعنت الأم بعلاقاتها مع الله فستصطبغ الحياة بلون آخر وتتجه اتجاهاً سليماً وبالتالي سينشأ طفلها نشأةً أخرى.

أهداف العبادة:

نقصد من عبادة الأم الاتصال الوثيق بالله بشكل ترى ما دونه هباءً وفراغاً وأن تجعله نصب عينيها في عملية التربية وتوجيه الطفل وفي أعمالها وأفعالها اليومية ويكون إيمانها بالخالق المطلق أساس القيام بواجباتها ومساعيها، تطلب منه الأجر والثواب والمهم في هذا النوع من العبادة هو الإتصال الوثيق والمستمر وحب الله وذكره بالقلب بصورة تتجلى في أعمالها وحياتها للعيان.

أسرار العبادة:

يكمن سر العبادة في منح القدرة للعابد، لإحساسه بالاتصال الوثيق وتعلقه بقدرة أزلية لا متناهية وخالق لكل القدرات. يتعلق الإنسان عن طريق العبادة بعزّة الله ويطلب التوفيق منه، يلجأ إليه هرباً من الذنوب، ويوجه وجهه شطره ليوصل كيانه بوجوده عند ذلك يشعر بالقوة والاقتدار ولهذا سيبتعد عن الهوى والهوس.

طريقة العبادة:

ليس المهم في عبادة الأم إحياء الليالي والسهر بذكر الأوراد والدعاء والتسبيحات أو قراءة القرآن والصلاة والصوم (ولو أنها عبادة) بل المهم هو الجانب العملي في العبادة وإعطاؤها بعداً حياتياً في جميع شؤونها. وبعبارة أبسط فالمقصود من العبادة هو العيش في أجواء القرآن، فيجب أن تتلخص عبادتها في مجال معرفة الله وتطبيق أوامره بشكل يجعل كل جوانب حياتها تحت ظل الله، أعمالها، أفكارها، سلوكها تتلون بلونه ويكون قلبها كالمرآة صافية تتلى فيه الحقيقة الكبرى. فالعمل والسلوك مهمان في العبادة فلا تؤثر في الطفل مئة كلمة حول العبادة بمقدار ذرة من عمل لا يستغرق إلا لحظات. ولا تعادل مئات البحوث عن الصلاة صلاةً واحدة, فيجب غرس الروح الدينية في الطفل عن طريق العمل لا القول، فلا مناص للأم إن أردت أن تربي جيلاً خاضعاً وخاشعاً لله إلا أن تكون هي النموذج العملي للخضوع والخشوع في الحضرة الإلهية ويكون سلوكها وسيرتها قرآنياً وتراعي كافة الشؤون الإسلامية.

تأثير العبادة في التربية:

يترك روح الأخلاق والخضوع للأم حين العبادة وتضرعها، سهرها وإحياؤها الليالي وبالتالي عملها وسلوكها الإسلامي آثاره الإيجابية على الطفل. وتحصل في ظل عبادتها على شخصية قوية ثابتة لا تتزلزل وإيمان لا يتزعزع وتبتعد عن الرذيلة والسقوط. تؤثر كل هذه الخصائص في الطفل وتنشئه عليها. فعندما تسقي طفلها اللبن ممزوجاً بذكر الله ولا تغفل عن ذكره مدة حملها، ويكون ورد لسانها في حياتها اليومية وتلقنه طفلها فسوف لا ينشأ وليدها منحرفاً منحطاً ولا يبيع القيم الإنسانية لمنفعة خاصة.

تأثير العبادة في نمو الروح المعنوية:

نعلم أن الطفل محاكٍ جيداً فكل شيء يراه من الأم يقوم بمحاكاته، يسجد محاكاةً لها، يحاكي أباه في الآذان، ويؤدي حركات الصلاة، فيجب الاستفادة من هذه الغريزة عنده ونستغلها لتقوية الروح الدينية لديه فكم سيكون مؤثراً ترنم الأم بالأناشيد الدينية والآيات القرآنية وذكر آلاء الرحمن وثنائه عندما تنوّم طفلها. تبقى آثار النشاطات العبادية للأم في ذهن الطفل أبداً وحتى بعد موتها، يقول الإمام الحسن السبط في حق أمّه" إنها كانت تحيي الليل كله في محراب عبادتها مشغولة بالدعاء وأول من تدعو له هم الجيران".

وخلاصة البحث يؤدّي ترنم الأم الديني إلى نشأة الطفل متديناً. كما تؤدي سائر الترنمات إلى نشأة أخرى. وما أجمل أن تندمج العبادة مع كل مراحل تربية الطفل منذ انعقاد نطفته وحتى آخر مراحلها في البيت، في طور النطفة والعلقة وفي أيام رضاعه وبقية مراحل تربيته تكون كلها بذكر الله ولذلك لا يمكن تصنع العبادة بصورة مؤقتة بل يجب على الأم أن تكون عبادةٌ في كل شؤون حياتها ولا تقتصر على لحظات خلوتها مع الله في الصلاة أو الصوم بل تمزجها بحياتها اليومية بشكل لا تغفل فيه عن ذكر الله حتى لحظة واحدة.

علامات العبادة:

يجب على الأم طبقاً للأسس التي رسمناها سابقاً أن تكون طاهرة نقية في خلوتها وحضورها تراقب سلوكها وأقوالها، وتسعى لتهذيب نفسها من الرذائل الأخلاقية والبخل، تقاوم إغراء القيم المزيفة، وتبحث عن القيم الأصيلة تسلك طريق الله، لا تخلط القيم المزيفة بقيم الله، وتصبغ فكرها وعملها بالفضيلة والصبغة الإلهية وبالتالي يجب أن تختلف طريقة حياتها ومفاهيمها عن الغاوين ومفاهيمهم عن الحياة.