الإصلاح عن طريق المحبة والتشجيع

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

لا تمكن التربية ولا تثمر إلا بصباحة الوجه والمحبة،وإن أمكنت بغيرها فليست لصالح حياة الفرد والمجتمع لأنها ستربّي الطفل قاسياً خشناً وتؤدي إلى طغيانه وتمرّده في الكبر. بينما يهيء السلوك النشيط الإيجابي والحيوي الأرضية المناسبة للطفل ليؤدي الأعمال الإيجابية وينجح فيها. نستطيع عن طريق المحبة أن نخلق في داخل الطفل الإحساس والاهتمام بقضايا الآخرين ونحركها في ضميره.

تتعاظم أهمية الأجواء الأسرية المفعمة بالحب ودورها في إصلاح الطفل وتكامله فلا تجد مسألة لا يمكن حلّها عن هذا الطريق.

ينتخب الطفل أمه كأوّل شخص يحبه ويرتبط معه بعلاقات حسنة، فسيؤدي عطفها ورحمتها، وفي بعض الأحيان عقوبتها وعفوها أو غضّ طرفها عنه إلى صياغته وصقله بصورة أفضل.

تأثير الرحمة في التربية:

تجرّ الأحاسيس الشديدة الكامنة في المحبة والتشجيع الأشخاص نحو الطهر والصلاح، ويؤدي العطف والملاطفة من الناحية النفسية إلى إطفاء نار الغضب، أكثر من الخشونة والتسلط لأن ذلك يستوجب عناد الطفل وانحرافه ويعود به إلى ارتكاب الخطيئة ثانية.

ينشأ الانحراف عند الأطفال وحتى الكبار عن العجز في خلق علاقة ودّية وعاطفية بين الطفل وأمه ويدلّل على حرمانه من التكامل العاطفي، وإيجازاً سيدرك الطفل العالم من حوله أجمل وأطرى بالحب والحنان والتشجيع.

الأم مثال العاطفة:

تكون حياة الأم المليئة بالحب والدفء، حياةً تذوب عندها المصاعب والمشاكل، ويتحول فيها الانحراف والاعوجاج إلى استقامة وصلاح بسهولة ويسر، تلهم محبة الأم وتشجيعها النفس وتبني الروح، وتكون كالدواء يعالج الأعوجاج، ويمكن عن طريقها تحطيم مقاومة الطفل وعناده، وتبعث فيه روح الإبداع وتحيي ضميره وتبني شخصيته.

فعندما تقدم الأم نصائحها ممزوجة بالعواطف والأحاسيس الحارة والإصرار وعندما تنبهه على أخطائه بنظرة حنونة وابتسامة تطفيء جذوة الشر في نفسه فيستسلم لأوامرها ونواهيها، وستذوب كل الانحرافات بابتسامة منها له، وإبداء حبها له، بتشجيعه واحتضانه وحتى بنظرة عادية منها.

نستشعر ذلك أكثر في السنين الأولى من حياة الطفل لأن الأم في تلك الفترة تكون سلوته الوحيدة ولكن تفتر محبته وعاطفته عندما ينضج وتأخذ حالة عقلية يضعف فيها الجانب العاطفي.

نجني من المحبة والعاطفة فائدة ثانية وهي شعور الطفل بأن له دوراً في حياة أمه مقبولاً لديها، يلقى هذا في روحه الطمأنينة ويجعل حياته وكل جوانب وجوده في قبضتها ويعتبر تأثير عواطف الأم وتشجيعها كبيراً لإصلاح الطفل ولشعوره بحماية الأم ودفاعها عنه دور أكبر في ذلك.

فوائد التشجيع :

يفرّح الحب والتشجيع الطفل كما شرحنا سابقاً إلى درجة وكأن الدنيا قد منحناها له ويشعر بالرغبة على تكراره، ويعتبر في السنين الثلاثة الأولى من عمره أهم وأكثر تأثيراً. لأنها سنين انفعالية بالنسبة له وسيترك الحب والتشجيع آثاره السحرية في إصلاحه ورقّيه وحتى في طبائعه.

لغة التشجيع:

تبعث العواطف والمحبة في بعض الأحيان على سوء التربية، وكما تكون إيجابية ومفيدة قد تصبح قوة محطّمة تقتل شخصية الإنسان وتهدم فيه الثقة بالنفس. فما أكثر الأطفال الذين تغيرت أخلاقهم بعد تشجيعهم بوقت قصير وتصرفوا بصورة غير عادية وشاذة.

يدعى التشجيع الذي يؤدي إلى خروج الطفل عن طوره وشذوذ تصرفاته بالتشجيع الهدام أو السلبي ويجب الامتناع عنه.

تجب ملاحظة النقاط التالية للامتناع عن التشجيعات والعواطف الهدامة.

ملاحظات في التشجيع:

نطرح هنا عدة ملاحظات ونبحثها وأهمّها:

1-   يجب أن يكون التمجيد للعمل لا للشخص: لا تحمدوا الطفل على أعماله الجيدة بل يجب تمجيد العمل الجيد لأن ذلك سيؤدي إلى تعميمه والهدف من ذلك هو أن عمل الإنسان أهم من شكله وظاهره وعلى هذا الأساس فإن أي شخص يقوم بهذا العمل يستحق الشكر والاحترام فلو أن طفلاً انصاع إلى أوامر أمه فإن عمله يجب أن يشكر عليه.

2-   التشجيع بشرط الاستحقاق: يشكك الطفل في عقل المربّي وذكائه عندما يقوم له كثير من المكافآت التي لا يستحقها ولا يستسيغها لنفسه ولذلك يجب أن لا يشجّع الطفل أو تقدّم له مكافأة عند عدم استحقاقه لها.

3-   مقدار المكافأة: تقديم المكافأة للطفل والعطف عليه من الأمور المستحسنة بشرط أن لا يبالغ فيها وتكون بمقدار ما يقوم الطفل به من عمل، لأن المبالغة والإغراق في المدح والذم من علامات البلاهة. وعن الإمام علي (ع):" الثناء بأكثر من الاستحقاق ملقٌ والتقصير عن الاستحقاق عيّ أو حسدٌ"[1].

4-   يجب أن يكون التشجيع في محله: تؤثر هذه المسألة عميقاً في الطفل بشكل يمكن أن تغيّر مجرى حياته وتزرع في قلبه الأمل وتشجعه على الاستمرار والثبات في الطريق.

5-   لا تتحول المكافأة إلى رشوة: يعتبر إعطاء الوعود للطفل من أجل أداء واجباته من الأخطاء التربوية. مثلاً نعطيه وعداً بشراء لعبة أو منحه مبلغاً من المال في مقابل قيامه بالعمل الكذائي، تأخذ هذه الوعود بالتدريج شكل التعامل والشرط وتخرج عن طبيعتها كواجب على الطفل، ومن جانب آخر فإن الأم التي تعد طفلها بقطعة حلوى إن لم يؤذ أخاه الصغير فقد لقنته بصورة غير مباشرة بأنه محق في أذيّة أخيه إن لم تقدم له قطعة الحلوى. يسعى الأطفال عموماً لتحقيق أغراضهم إلى التوسل بالعناد والمخالفة أو التظاهر بها على الأقل وهذا بعيد عن الصواب في التربية ويستوجب التعب والمشقة اللاحقتين.

6-   المكافأة غير المباشرة: تكون المكافأة المباشرة في أكثر الأحيان صعبة وتثير عند الطفل الإحساس بالمطالبة والانتظار، لذا يجب على الأم أن تعكس رضاها عنه بواسطة حركاتها وعلامات وجهها وتحكي له القصص التي تتضمن رضاها بصورة غير مباشرة.

7-   المكافأة المعنوية: يجب أن لا تكون المكافأة دائماً بصورة نقدية، أو جنسية قدر الإمكان ويجب أن يفهم الطفل بأن مكافأة الأعمال ليس رضى الآخرين فقط بل راحة الضمير أيضاً، فتكسب الطفل وتمنحه دفئاً حتى نظرة رضى بسيطة قبل إعطائه الجائزة.

8-   ملاحظة قدر فهم الطفل للمكافأة : يجب الاستفادة من الألفاظ والكلمات التي يفهمها الطفل ويهضمها عند إسداء  المحبة والثناء والتشجيع فإن كان ممكنا ترتيب الكلمات حسب معانيها فيجب أن تكون من الدرجة التي يستطيع الطفل إدراكها وتخلق عنده تصورات عن مفاهيمها.


 

[1] - عن النواص، "من كان عنده صبي فليتصابى له" وسائل الشيعة ص203.