جانب المعرفة

 

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

خلقت الحيوانات وهي تعرف غريزيا طريقة وأصول تربية صغارها. كما إنها على معرفة تامة بقوانين الطبيعة، إلا أنه من المؤسف أن الإنسان يجب أن يتعلم هذه القوانين ليقوم بتربية أولاده بالاتكاء على الفكر والتجارب والعادات والتقاليد.

ضرورة تربية المرأة لتكون أمّاً:

إذا كنا حريصين على تربية أولادنا تربية صحيحة وسالمة ووفق العقيدة الإسلامية، يجب أن نبدأ أولاً بالأم، وإلا ستعم المجتمع البشري كوارث ومشاكل يصعب الخروج منها بسهولة، يجب على الأم أن تتعلم في الأمومة، كي تستطيع وتتمكن من تربية أولاد صالحين، لا ينتظر من أم جاهلة تربية جيل عالم، نجد في كثير من المجتمعات الإنسانية والدول الغربية كتباً لحل مشاكل الشباب والأمهات، وهنا سؤال يطرح نفسه بقوة:

هل تستطيع هذه الكتب والمؤلفات حل مشاكل الشباب والأمهات؟

يعتمد فكرنا على أن التربية لا تتم إلا بالطريقة العملية والتجريبية، ولا نستطيع الاعتماد في التربية على ما نسمعه من هنا وهناك، إن الأم التي تحمل في رأسها فكراً سالماً وعقائد صحيحة، تستطيع أن تحفظ نفسها من الضياع والانزلاق في طريق الشيطان، كما تصون أطفالنا من التلف، فالذي يريد مجتمعاً سالماً وخالياً من الأمراض الاجتماعية، يحتاج قبل كل شيء إلى أمهات حقيقيات، يعرّفن واجبات الأمومة، وإذا ما أردنا بناء مجتمع سالم في المستقبل، علينا تطهير أمهات المستقبل (بناتنا) من التلوث والخرافات، ونبين لهن طريق الحق والحقيقة.

المعرفة اللازمة للأم:

الحياة مليئة بالمسائل والمشاكل التي لم نفكر بها ولم تخطر على بال أحد، لذا لا نستطيع طرحها والبحث عن حلولها، ولهذا فإننا نقول إن الأم يجب أن تكون إنسانة متعلمة تحمل في رأسها فكراً نيراً، وعلى علم تام بمشاكل عصرها، وإذا لم تكن كذلك، فإن طفلها الأول سيكون نتيجة الإهمال طفلاً غير طبيعي، غير مسؤول، توقعاتها أكثرها تتكئ على الآخرين، وإن عدم معرفة الأم بواجبات الأمومة قد يؤدي إلى موت أطفالها أو حدوث أضرار في أجسامهم أو في حالتهم النفسية، وإن أغلب هذه المشاكل لن نجد لها حلاً، لذا على الأمهات أن يتدخلن شخصياً في تربية أولادهن، خاصة بالمسائل التخصصية، وهي التي من واجب الأم كإدارة المنزل وتربية الأولاد، فإنهن على علم بها أكثر من الآخرين.

الجانب الديني:

إن اعتقادات الأم المبنية على أسس صلبة ومعرفة تامة بالعقائد يجب أن تكون مؤثرة في بناء الطفل الروحي، وإذا ما كانت معلوماتها سطحية فهي لا تستطيع الدفاع عن عقائدهما بالاستناد إلى الأدلة المنطقية والمستندة إلى الأصول، لذا فالأم بحاجة ماسة للتعرف عن قرب على عقائدها، فتأخذ دروساً في أصول العقائد وفروعها وتكون على بينة تامة بالمسائل الدينية الأساسية وفروعها والمسائل الحقوقية والقضائية والاجتماعية والاقتصادية.

الجانب الأخلاقي:

تقوم الأم بوضع أغلب أسس أخلاق الطفل، فإذا كانت أسس أخلاق الأم رخوة، فكيف تستطيع تربية طفلها تربية صحيحة، لذا من الضروري أن تكون معايير الأم الأخلاقية ثابتة وقوية وأن تكون مبنية وفق القواعد الاجتماعية، وإلا فإن تلك القواعد لا تستطيع أن تكون دليل الأم التربوي، أما إذا كانت القواعد قلقة وغير مستقرة تتغير من آن لآخر، فإنها لا تستطيع بناء مجتمع سالم، فالأخلاق يجب أن تكون أصولها وأفكارها مبنية على العقيدة الإسلامية، وعلى هذا الأساس تسعى الأم إلى تقوية البنية الأخلاقية، التقوى، القداسة في الطفل.

 

جانب الآداب والتقاليد:

يجب أن تكون الأم على بيّنة تامة وعلم الاجتماع، وأصول وآداب الحياة، والمعاملة، وآداب الجلوس والوقوف، وآداب الحديث والسكوت، وآداب السلام، وآداب معاملة الآخرين، يجب أن تكون مبنية على أسس فكرية.

جانب اللغة والمعلومات العامة:

تضع الأم الكلمات الأولى على لسان طفلها، فتجعله ينطق، والملاحظ أن الكثير من الأخطاء التي تلقن للطفل في بداية حياته تظل ملتصقة به حتى الكبر، لذا يقع على عاتق الأم وهي معلم الطفل الأول أن يكون لها إلماماً واسعاً باللغة والتلفظ الصحيح والمعلومات العامة واستعمال الكلمات في موضعها، حتى تستطيع بالتالي أن تقدم جيل سالم إلى المجتمع البشري.

 

 

الجانب العلمي:

ليس من اللازم أن تكون عالمة أو مخترعة وتحمل شهادات جامعية عالية، إلا أنها يجب أن يكون لها إلمامٌ علميّ, ولو على مستوى قليل، لتحافظ على رأس المال الوطني وصيانة المجتمع من التلف، وتعم نعمة الصحة على العائلة، إننا نلاحظ أن الطفل في مراحل دراسته الابتدائية، يقارن بين أمه ومعلمته، ومن المؤسف أن الطفل في هذه الفترة يرسم في ذهنه صورة سيئة لأمه، وإن سبب ابتعاد الأولاد عن أمهاتهم في مرحلة النمو والشباب، تعود جذورها إلى معاملة الأمهات الخاطئة لأطفالهن، لذا من اللازم أن تحمل الأم في رأسها فكراً واستعداداً وافران حتى تتمكن من إدارة أولادها والعائلة.

جانب المعلومات الصحيحة:

نشهد سنوياً موت عدد كبير من الأطفال المتولدين حديثاً، والسبب يعود إلى جهل الأم الصحي، وعدم رعاية القواعد الصحية وجهلهنّ بها، فالأم يجب أن تكون على بينة بالأمور الصحية، وإنه أمر ضروري ومهم في حياة الأم، وإن جهل الأمهات بالمعلومات الصحية يسبب كوارث ومشاكل جمة، إنها يجب أن تعرف على سبيل المثال طرق العلاج الأولية، كتضميد الجروح والبحث عن الحلول البسيطة في العلاج، فهي لا تستطيع أن تأخذ صغيرها للطبيب بمجرد أن يتألم من شيء بسيط.

في التربية ورعاية الأطفال:

من الأرجح أن تجد المرأة في قدرتها تربية ورعاية الأطفال قبل أن نفكر بالزواج وإذا لم تجد تلك القدرة عليها أن تتعلم، وتبحث عن زوج له وضع مشابه لوضعها، ومن الخطأ أن نقول أن المرأة إذا أرادت أن تتزوج وتصبح أمّاً، فهي ليست بحاجة غلى أن تتمرن على أسلوب التربية ورعاية الأطفال قبل أن تضع طفلها الأول، وإنها ستتعلم كل شيء بمجرد الولادة، وإذا ما أردنا إصلاح أخطاء مثل هؤلاء الإمهات، لا شك أن الطفل سيتلف جسمياً ومعنوياً، ومن الخطأ أن نقول أن المرأة التي درست عدة سنوات، قد تعلمت أسرار التربية، وقادرة على تربية ورعاية أطفالها. فعلى الأم أن تتعلم إلى حد ما علم النفس، التعليم وتربية الطفل. وإن عدم معرفة الأمهات بالأمور التربوية يسبب عقداً نفسية, في حين إن معرفة الأمهات بفنون التربية لا شك سيمنع ذلك تكرار المآسي والعقد النفسية والاجتماعية.

 

 

إدارة المنزل:

يجب أن تعرف الأم إلى حد ما إدارة المنزل وفنونه، لأن سلامة الطفل يرتبط إلى حد ما بالأنظمة القائمة في البيت، إدارة المنزل، النظافة، تنظيم وترتيب قطع الأثاث، فإذا كان المنزل الذي يعيش فيه الطفل قائماً على إدارة جيدة، فإن ذلك سيكون سبباً في أن يرتاح الطفل نفسياً.

الجانب الفني:

وقوف الأم على عدد من الفنون كالخياطة مثلاً, يجعل البيت يشع جمالاً ورونقاً. فالأم الجيدة يجب أن تجد في نفسها الاستطاعة على القيام بأعمال صغيرة، فإن ذلك لا يسبب هدوء العائلة والتنوع الفكري القائم في البيت فقط، بل يكون مفيداً لاقتصاد العائلة. قال أحد العظماء بما معنا: " الخياطة بيد المرأة مثل الرمح بيد الرجل المقاتل".

جوانب أخرى:

لا يكفي أن تكون المرأة على إلمام واسع بشؤون البيت وتربية الأولاد، بل يجب أن تكون لها معلومات بالأمور الفنية إلى حد ما، خاصة ونحن نعيش عصراً صناعياً. فالأم على اتصال مباشر بالكهرباء والأجهزة الكهربائية وإسالة الماء. فهي يجب أن تضع نصب عينيها عدم التبذير في استعمال الأدوات المنزلية، وأن تعرف كيف تتصرف لتقوم بالتالي في بناء أسرة سعيدة.