الأمهات اللاهيات

الكاتب الدكتور علي القائمي

تؤثر الراحة النفسية والجسمية إيجابياً في تربية الطفل ويعتبر استفادة الأم من اللذائذ المشروعة والترفيه عن النفس والقيام بمهمة التربية بأعصاب هادئة ونفس مطمئنة من الأمور الضرورية جداً لها. وهذا مما يأمر به الإسلام ويؤيده العقل، ولكن يجب عدم الإفراط والمبالغة في ذلك لأنه لا يلحق الضرر بالأم فقط بل سيكلف غالياً ويؤدي إلى مشاكل ومصاعب معقّدة في مسألة تربية الطفل.

مشكلة العصر:

حدثت تحولات كبيرة في جوانب حرية المرأة في السنين الأخيرة ولذا أصبح الاهتمام بظواهر الأمور والابتعاد عن حقائق الأشياء وجوهرها أمراً عادياً ومميزاً لها. فكم من الأمهات اللواتي خدعتهن مظاهر المدنية المزيفة وليس لهن هدف في الحياة سوى الانغماس بالشهوات والانشغال بالتفاهات عن تربية الطفل، وظهرت نساء تدعى بالمثقفات؟! ولكن خاليات من العواطف والعلاقات الأسرية ومفككات العرى، هروباً من مسؤولية التربية، وحب الانطلاق والتحرر من الالتزامات.

فقدت الأمومة قيمتها واحترامها لديهن وأصبحن عرضة لأنظار المنهومين ووضعن أنفسهن في موضع التهمة، وأضعنا بالرذيلة فكان من نتائجها أن فقد الطفل معنى الأمومة الواقعية وتزلزلت قواعد التربية في الأسرة وأعطت المجتمع جيلاً متحللاً ومغروراً.

قيمة الأمومة ولذتها:

ليست الأمومة وقيمتها أن تذوق المرأة في كل لحظة نفسها وتزيينها وتعرضها في الحفلات والمجالس كدمية أو عارضة أزياء بل تحصل الأم على الراحة النفسية والشعور بالرضى عندما تمنح وقتها وعاطفتها لبناء شخصية الطفل وتحقق معنى الأمومة وتمنحها قيمتها بالإيثار والتضحية والرغبة الصادقة لتربية الجيل الجديد. وتشعر الأم الواقعية بالسعادة لأنها ستبني مجتمع الغد وستمنحه رجالاً مفكرين ومثقفين يشعرون بالمسؤولية وإن ذبحت أهواءها قرباناً لذلك. تكمن لذة الأمومة في قيام المرأة بواجباتها الفطرية التي أودعها الله فيها. وتسعى إلى وضع كافة قدراتها وإمكاناتها بشكل يجعل أطفالها يرفلون بالسعادة والهناء وعندها ستشعر بالرضى يملأ كل خلجات نفسها.

 

 

الأم المتصابية:

ليس مناسباً للمرأة أن تصبح أماً ولا تزال تتصرف كالأطفال وتفكر بطريقتهم. فتعتبر طفلة المرأة التي تفكر دائماً بإظهار جمالها بالرتوش وتقضي وقتها بالاهتمام بآخر موضات الملابس ولا يشغل ذهنها إلا الحفلات وكيفية قتل الوقت بالتفاهات وإن صارت أمّاً لعدة أطفال وتكون مراهقة في أفكارها وإن تزوجت وبلغت نضجها الجسمي والفكري على الظاهر. فيجب أن تتعدل مطالبها ويتّزن سلوكها وتصرفاتها عندما تتزوج وبالأخص عندما تصبح أمّاً. وتنتبه إلى بواطن الأمور وتتعمق فيها وتقلل من الاهتمام بظاهرها فليس من شأن الأمهات أن يكنّ دائماً في حالة من اللهو والغفلة وتضييع الأوقات وصرفها بالتوافه السخيفة.

آثارها التربوية:

تفقد الأم التي تغرق في عالم من عدم الإحساس بالمسؤولية وإتباع هوى النفس فرصة إسداء العاطفة لطفلها فتقضي عمرها باللهو والطرب ولا تستطيع التأثير إيجابياً عليه في إصلاح ميوله ونزعاته، وفي سلامته الروحية والنفسية في المستقبل. فكيف تكون أماً وكيف ستربي طفلها تلك التي تقضي أوقاتها في ارتياد السينمات، والمسارح، ومجالس اللهو والطرب وتنشغل دائماً بالحفلات التافهة والسهرات؟

وكيف تشعر بالمسؤولية التي تحطم ملجأ الطفل وتمحوه من الوجود لتتركه وحيداً تحت رحمة الآخرين؟ فعندما يخرج الأب والأم لقضاء أوقاتهما باللهو والسهرات ويتركان طفلهما بيد من ليس له أهلية ذلك فإنه سيشعر بالضيق النفسي ويثر غضبه، ويحرك عنده الإحساس بأنه مسجون بيد الخادمة أو المربية، ولكونه لا يستطيع أن يعكس غضبه ويبرز ردود فعله فسيصبح مضطرباً آيساً وتتولد عنده أمراض نفسيه يصعب علاجها.

تقوم بعض الأمهات للحصول على فرصة أكبر بإيداع أطفالهن في رياض الأطفال وأسوأ من ذلك توكيل المؤسسات الخافرة والمعاهد ذات الأقسام الداخلية برعايتهم. نؤكد أن رياض الأطفال لا تروّي ظمأ الطفل إلى العاطفة والمحبة لأن المربي ومهما كان حاذقاً ومجرباً في التربية لا يمكن له أن يحل محل الأم ويروّح عن نفس الطفل ويشرح صدره. ولذلك ييأس الطفل من الحياة عندما يفقد أحضان أمّه أو لا يحصل عليها إلا نادراً ويأكل في نفسه دائماً وسيصاب بداء الكآبة والقلق.

 

مسؤولية الأم:

تتأكد مسؤولية الأم عن سلامة الطفل روحياً وبدنياً في منعه من الانحراف والاعوجاج وسوقه إلى الأهداف السامية وتوجيهه نحو القيم العالية والفاضلة.

لذا فعليها أن تكون ذات منطق وهدفية في الحياة، تفهم الفضيلة والأخلاق. والأهم منه تطبيقها عملياً في منهاج الحياة، فلا يمكن لها أن تعلم الطفل عكس ذلك إذا كانت غير مبالية وتقضي أوقاتها بالمبالغة والإفراط باللهو والتفاهات وليس لها منطق وهدف في الحياة. وستعطي المجتمع في هذه الحالة أفراداً لا مسؤولين يصبحون عبئاً ثقيلاً على كاهله.

حدود اللهو:

يكون اللهو والمرح إيجابياً بشرط أن لا يأخذ وقت الأم كله ولا يشغلها عن أداء واجباتها لأنها وقبل كل شيء مسؤولة عن طفلها وحياته. ولا شك فإنها ستحتاج إلى وقت تقضيه في مجالسة الأقرباء والصديقات وما أشبه ذلك بشرط أن يكون الطفل بصحبتها، وإلا فاللهو المتفسّخ في المسارح والملاهي ليس في شأن الأمهات. ولا ضير بل وضرورياً القيام بالنزهات العائلية والسياحية للتعرف على جمال الطبيعة وبصورة متناوبة أو التجوال في الحدائق والمتنزهات والبساتين وتكوين العلاقات الاجتماعية والقيام بالزيارات المتبادلة.

خطر إتباع الهوى:

يشكل إتباع الهوى، اللهو الماجن، وعبادة آخر الموضات خطراً على الأم والطفل معاً. فالاستسلام لهوى النفس يجعل من الأم منبعاً للفساد ولا يلد منها إلا الأمراض والجراثيم وليس أطفال سالمون مثقفون. وستكون أقرب للجنون عندما تركب عقلها وتتبع أهواءها الشيطانية وستصبح شخصاً فاقداً لتوازنه وهدوئه النفسي ولا يمكنها حلّ مشاكلها والتغلب على المصاعب التي تواجهها.

يجب على الأم أن تتجاوز أهواءها وتسحق المبالغة والإفراط في أمنياتها عندما تريد أطفالاً يحسون المسؤولية وتقوم بواجباتها وتبرمج وتخطط لمسؤوليتها الجسمية.

النظرة إلى المستقبل:

سوف لا يمكن للأم أن تتجاهل مسؤولياتها تجاه الطفل وتلقيها عن كاهلها وعندما تجسم صورة المستقبل له وترسم في ذهنها وضعه القادم، يفقد الأطفال المهملون في صغرهم الالتزام والتعادل في مرحلة الشباب وقد تستمر عندهم حتى الشيخوخة. ويشكل أطفال الأمس الذين أعطتهم أمهاتهم بأعمالهنّ دروساً سيئة في التربية أو كنّ لهم قدوة شاذة اليوم غالبية الذين يلهثون وراء الموضات والترف، وأكثر طفيلي المجتمع.

يلوث محيط الأسرة روح الطفل وانشغال الأمهات بالسهرات الماجنة، والمجلات الخليعة والقضايا الجنسية ويمكن أن تؤدي إلى عوارض جانبية مثل بلوغ الأطفال المبكّر وفي غير حينه، فتمتنع الأم عن ذلك إذا تصورت اللذائذ الآنية في مخيلتها وإلى جانبها العوارض التي تنشأ منها مثل الأمراض النفسية والشقاء والتعاسة.

كبح جماح النفس:

لا نفرض على الأم ترك الأفراح واجتناب المسرّات وإنما نقول إن عليها كبح نفسها ومرديات الهوى ولا تفكر إلا نادراً بما عند الأخريات، وتقلل من المنافسة مع الأخريات بمجالس اللهو والحفلات، وعبادة الموضة. ويمكن لها تحقيق ذلك بشرط أن تكون لها الإرادة الصلبة وتمارسها وتتمرّن عليها للوصول إلى الهدف المنشود. وتستطيع أن تضرب بعقل الشباب والهوى المراهق عرض الجدار وتهتم بمستقبل الطفل وتربيته وفقاً لمنهج مرسوم.