الأمهات الشاغلات
الكاتب الدكتور علي القائمي
تكمن شخصية الإنسان وقيمته بالقيام بواجباته في إطار النظم والمقررات الطبيعية والفطرية والاجتماعية. وتبرز قيمة الأم أكثر عندما تقوم بمسؤوليات المنزل وتربية الطفل على أحسن وجه. ولا يضيف إليها قيمة تعلمها أعمال الرجال واحتلال مناصبهم، فأكثر ما تكسبه هو أن ينظر إليها كرجل أو مدير عام أو وزير ولكن لنرى ما الذي ستفقده في المقابل؟!
لا شك أن الرجل لا يمكن أن يقوم بتربية الطفل، فليس تقمص المناصب بأهم من تربية الطفل. وتعتبر وظيفة التربية أهم بكثير من سائر المسؤوليات. وليست قيمة المرأة في كونها مديراً عاماً أو رئيساً لإدارة بل تتجلى قيمتها في الأمومة. فحرام على الأم أن تستقيل من الأمومة لأجل الرئاسة وكسب المال. ولماذا تريد الحصول على المال؟! أليس من الأفضل لها أن تصنع الإنسان بدلاً من أن تضرب النقود المسكوكة وتكتب الأصالة ومفاهيم الأخلاق في مخ الطفل وعقله بدلاً من أن تطبع الكلمات على الورق؟!
حرمان الأمومة:
يحرم كثير من الأطفال أحضان وحنان الأمومة لأنهن يعملن في الوظائف العامة. ويعتبر نوعاً من اليتم ابتعاده عن الأم وحنانها وحبّها الذي لا تشوبه شائبة، فإنه محتاج إلى ذلك. فلا يملأ الفراغ الحاصل بسبب عملها ما تكسبه من المال واستخدام الخادمة والألعاب التي تقتنيها له ولا يحل مكان الحضن الدافئ لها. ولقد أثبتت التحقيقات أن 90% من الأطفال الذين تعمل أمهاتهم يعانون من اختلالات نفسية أو على الأقل ليسوا أسوياء. فلا تدري ما الأمومة من وجهة نظر علم التربية تلك التي تغفل وتهمل طفلها من أجل العمل خارج المنزل وهي غير مضطرة إليه، ولا تدري معنى الحب والرأفة.
عمل المرأة:
يمكن أن يكون عمل المرأة خدمة للمجتمع بشرط أن لا يستفاد من ذلك الملاك الطاهر المليء بالحنان كوسيلةٍ للدعاية والإعلام وكسب الزبائن، وآلة في خدمة المال. صحيح أن عمل المرأة خدمة للمجتمع ولكن متى كانت مثل خدمة الأمومة وتربية الأطفال؟ وهل من المعقول أن تترك طفلها يتعذب لفقدانه حنان الأمومة من أجل العمل؟! ولماذا تعرّضه لصدمات روحية وجسمية؟ فسيلحق عمل الأم في الدوائر والمجتمع ومهما كانت أسبابه أضراراً نتناول بعضها في ما يلي:
1- الأضرار على الحياة الأسرية:
تضطر الأم التي خارج المنزل إلى إهمال شؤون البيت بشكل يفقده دفأه ويظهر فيه الخراب، الضجر، الملل والشجار في الحياة اليومية، وتشعر الأم نتيجة لكسبها المادي من العمل خارج المنزل بالاستقلالية والتحرر فلا تنصاع للقيام بسمؤولياتها وواجباتها المنزلية. ولهذا يبدأ التناقض والشجار بين الزوجين مما لا يعود بنفع على الأسرة فحسب بل يخلق من محيطها جهنماً لا يطاق، وستصبح الزوجة نداً لزوجها بسبب ما تكسبه من المال وشعورها بالاستقلال وتخرج عن كونها شريكاً موافقاً لحياته لأنها ستكون ردفه وزميلة لا سكناً وطمأنينة له[1].
يبعث شغل الأم وعدم وجود فرصة للاهتمام بشؤون الأطفال على أن ينشأ أكثرهم بلا هدف وكالأعشاب الضارة لا يبالون بأيّ قيمة في الحياة. وتفقد الأم دورها كمربية حنون يستأنس الطفل بها ويركن إليها، ولا تتحكم بالجوانب الانضباطية له.
تخرج الأم من المنزل مكرهةً للدوام الرسمي في الوقت الذي لا يشعر الطفل بهذا الاضطرار وسوف يتعلق بأذيال ثيابها كي يمنعها من الخروج مما يضطرها لكي تسحب يديه ليس من أذيال ثيابها فحسب بل ومن رأفتها وعاطفتها وعنايتها وتوجه إليه طعنة نفسية بليغة الأثر.
ومن جانب آخر فإن شعورها بالتقصير لعدم تواجدها ساعات من اليوم في المنزل ولكي تتلافى ذلك تقتني اللعب الكثيرة وتقدمها للطفل عند عودتها من العمل وتتجاوز الحدود في إبراز حبها وتبالغ في الاهتمام به مما يؤدي إلى تهيئة الأجواء المناسبة لنشأته مدللاً كثير التوقعات وفي نفس الوقت بروح يشوبها عدم الشعور بالرضى. فلا يمكن للأم العمل خارج المنزل في سنين الطفل الأولى لأن غذاءه الطبيعي والسالم يرتبط بوجودها وحاجته إلى حمايتها وقيمومتها ماسة.
2- الإضرار بشخصية المرأة:
يؤدي محيط عمل المرأة إلى تحريف أفكارها وتصرفاتها ويقضي على التقوى وروح التضحية والعصامية فيها، نلمس ذلك أكثر في الأعمال الحرّة والمراكز التجارية والأسواق. ولنا أن نتساءل لماذا ترغب المؤسسات الخاصة في استخدام المرأة؟!
من هنا نقول أنّ المرأة وفي نفس الوقت الذي تتدعي الحريّة تصبح أمّه تعمل في المراكز التجارية من أجل أن تملأ جيوب الآخرين ووسيلةً مبتذلة للدعاية والإعلام. وما يدّعيه الغرب تحت عناوين الإنسانية والاستقلال الاقتصادي للمرأة ليس في حقيقته إلا نوعاً من الاستثمار لا نشراً للعدالة الاجتماعية. ومن جانب آخر نذكّر بأن تأثير عمل المرأة في المجتمع لا يمكن له أن يوازي عمل الرجل وتأثيره مما سيؤدي إلى صدمة أخرى لنفسيتها وتنعكس آثاره السيئة مباشرة على الطفل والأسرة.
نفقة المرأة في الإسلام:
جعل الإسلام النفقة حقاً للمرأة لكي تستطيع أن تتفرغ إلى واجباتها التربية وتضفي على البيت بهجة ودفأً. ويرى الإسلام أنّ توقع العمل من المرأة ظلماً لها لأنه يكفيها ثقل مسؤولية تربية الطفل وشؤون المنزل وعلى الزوج أن يقوم بمهمة العمل خارجه. فلا يبقى لذلك دليل يجبر المرأة على إههمال واجبات الأمومة والانشغال في الأعمال الإدارية.
المغالطة في عنوان الخدمة:
تغالط بعض الأمهات عندما تدّعي أنها تريد أن تقوم بالخدمة بتركها مسؤوليات الأمومة والعمل في المعامل أو في الدوائر الرسمية, يجب أن نسألهن أليست تربية الطفل خدمة؟ وهل أنّ إدارة البيت والعائلة لا تسمى خدمة؟
يتفق على أن نتائج تربية الطفل إن أحسنت تربيته أكبر من النتائج المتوخاة من عمل المرأة الإداري. وبغض النظر عن القيام بأعباء المجتمع فإن الأبناء السالمين والاجتماعين سيقومون بأعمال كثيرة تبعث على تطوّر المجتمع ورقّية وفخره.
الحاجة المادّية لعمل المرأة:
يستوجب الوضع المادي أحياناً أن تقبل المرأة العمل خارج المنزل كي تؤمّن مورداً آخراً لدخل الأسرة. ومن الطبيعي فإن عمل المرأة في هذه الحالة سيكون نتيجة لاضطرارها ولكن عليها أن لا تغفل عن الجوانب العاطفية والقيمومة للأسرة والطفل ويكون أكبر همها أن تمنح الطفل أكبر قدرٍ ممكن من وقتها وتقتنع بالقليل من الداخل.