الأم ومعرفة الذات وصناعة النفس
الكاتب الدكتور علي القائمي
يتصور الكثير من الناس تصوراً مغايراً عن ذواتهم وشخصياتهم، لا نجده مطابقاً مع الواقع، يعتقد أغلب الناس، بأنه أقل مستوى وأصغر حجماً مما هو عليه ولا يعرف شيئاً عن قدراته وإمكانياته ويقضي سنوات عمره دون فائدة تذكر والعكس صحيح تماماً. فيعتقد البعض بأنه أعلى مستوى وأكبر حجماً ويغرقون بالنهاية في بحر من الجهل، ويقضون أعمارهم وهم يحملون أحلاماً ذهبية. إن نظرة الإنسان لنفسه وكيانه في أغلب الأوقات غير حقيقية يلفها سحاب من الغلو، وان ما نعاني منه اليوم، ناتج عن عدم معرفتنا لذواتنا.
وجوب معرفة الذات (النفس):
يجب أن يسعى الإنسان لمعرفة ذاته، وهذا أمرٌ ضروري ومهم. الإنسان بالحقيقة بعيد من ذاته ولا يعرف نفسه معرفة جيدة، وإن التصور الذي رسمناه في أذهاننا عن شخصيتنا أغلبه غير صحيح، فهو مليء بالغو، ومن الممكن أن يعمر الإنسان(100) عام وهو جاهل تماماً نفسه وذاته ويموت وهو لا يزال لا يعرف عن وجوده شيئاً..
فمن عرف نفسه عرف ربه، ومن عرف نفسه، يستطيع أن يحقق أهدافه بسهولة، فيعرف كوامنه الداخلية ويراعي في نفس الوقت الجوانب الإنسانية والتقوى والشرف، وهذا أمر غير ممكن ما لم يكتشف الإنسان نفسه ويعرف نقاط القوة والقدرة والضعف.
البحث عن الأجوبة الضائعة:
من يريد معرفة نفسه ووجوده، يجب أن يجيب على مئات الأسئلة عن نفسه، ويجد الأسئلة اللازمة، من هو؟ ومن يكون؟ لم يجب أن يغادر هذا الوجود؟ وما هو غرض مجيئه إلى هذه الحياة؟ ولم يجب أن يذهب؟ وما هو فرقه عن الحيوان؟ وما هو هدفه في الحياة؟ وما هو مقدار استطاعته لتحقيق أهدافه؟ وما هي نقاط الضعف التي يعاني منها للوصول إلى أهدافه؟ ماذا يريد؟ وما هي أحلامه؟ أين تكمن سعادته؟ وتعاسته من أي شيء؟ فلمعرفة نفسه يجب أن يبحث عن كل هذه الأجوبة الضائعة ويجيب عليها.
فائدة معرفة الذات (النفس):
إننا لو عرفنا ذواتنا وأنفسنا، استطعنا كشف نقاط الضعف والقوة المدفونة تحت بحر من الأوهام, كالجزر المدفونة تحت مياه البحار، إذا ما ظهرت عرفنا وجودنا وأنفسنا.
وسنعرف عيوب أخلاقنا، ضعفنا النفسي والجسدي، نكتشف بأننا أتينا، ولم أتينا لهذا الوجود، وأي طريق يجب أن نسلك، وما هي مدى قدراتنا على جزيرة مدفونة يجب أن نرفع عنها المياه لنعيد إليها الحياة ثانية. إننا لو عرفنا أنفسنا لعرفنا أشياء كثيرة, لفكرنا في مستقبلنا وخططنا للمستقبل وماذا يجب أن نصنع في الغد القريب والبعيد، وماذا يجب أن نفعل في حياتنا، لذا عندما نقضي ساعات من حياتنا في المطالعة والتحقيق بشأن وجودنا، لذا عندما نقضي ساعات من حياتنا العزيزة في المطالعة والتحقيق بشأن وجودنا، فإنها من أحسن ساعات عمرنا، نستطيع من خلالها بناء شخصيتنا.
نتائج معرفة النفس:
إن الإنسان لو استطاع معرفة نفسه وذاته، استطاع أن يحقق ما يريد ويخلع عن نفسه رداء الفقر المادي والضعف، نجد أن إنساناً فقيراً من الناحية المادية، متأخراً من الناحية الاجتماعية، وحساسا ورقيقاً مقابل مشاكل الحياة إلا أن لديه أرضية مناسبة وعجيبة للنمو والتكامل والتقدم، فيكتشف قدراته وحدودها، عندها يستطيع بناء نفسه، البناء هنا يعني سعي الإنسان للتغلب على نقاط الضعف، وتقوية نقاط القوة والقدرة وانهيار الشهوة وتعديل الغرائز، والابتعاد عن الأماني الكاذبة، وعدم التسليم للقلب والشهوات، البناء يعني قيام الإنسان بدوره الحقيقي في معترك الحياة، المعركة التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالموت والفاصل بينهما هو الحياة..
الهدف من البناء هو إطلاق سراح الأفكار من الشوارع المغلقة والجسم من التلوث والقذارة، وأن نتصل بالأرض والسماء في وقت واحد..
أهمية البناء:
يجب أن يتم في وجودنا تولد جديد، وحياة جديدة مع معايير إنسانية جديدة، ذلك لأننا نولد في مكان ملوث وقذر، مكان مليء بالرياء والخداع. المجاملات، الحقد، مكان لا حركة فيه ولا حياة وأحياناً نتحرك في مكاننا، والإنسان بالطبع لم يخلق ليتحرك في مكانه. يجب أن يكون البناء بأعلى مستوى لمحو الفساد من بيننا والوصول إلى الصفات الإنسانية والملكوتية.
البناء ضروري جداً للأم، فهي وبالإضافة إلى مسؤولياتها تجاه نفسها، فهي مسؤولة عن بناء الآخرين. بناء جيل جديد، فساد الأم يعني فساد المجتمع، وسلامة وصلاح الأم يعني سلامة وصلاح المجتمع إنها بحاجة أكثر من غيرها للبناء، يجب أن تقاوم أمام مصاعب الحياة ولا تستسلم بسهولة لمشاكل الحياة.
في طريق البناء:
يجب أن يعلم الإنسان، أن الحركة مظهر من مظاهر الكمال وحياة الأحياء، أنه يجب أن يخطو خطوات نحو هدف وطريق معين. يخطو نحو الخير وفي طريق الحق، كالذي يمشي على الصراط المستقيم. لذا يجب أن يحمل معه متاع البناء.. يعني الفكر والعقل، أداء وتقاليد مدروسة وأصيلة، وبالتالي إن كل متاعه مبني على العقيدة الراسخة..
مقومات البناء:
البناء ليس عمل يوم واحد أو شهر واحد.. إنه أمر متواصل ومستمر، ذلك لأن الإنسان يجد باستمرار في طريقه المصاعب، ويقع أمام اختيارات جديدة، تلون حياته بلونها وينتج عنها الحلو والمر، لذا إننا لا يمكن أن نضع أمامنا مقومات ثابتة للبناء، إلا أن المهم أن يدرك الإنسان الحق ويعشقه، ويقدر الحق، لا يربط الماديات بالمعنويات، ويجعل المفاهيم الأصلية للحياة هي المسيطرة على أفكاره، وينزع عن قلبه التقاليد القديمة البالية. وللوصول إلى أهدافه الإنسانية يكون على أهبة الاستعداد للموت، معتقداً أن الموت هو الحياة.