الأم من وجهة نظر عقائدية
الكاتب الدكتور علي القائمي
لتحسين وضع المجتمع البشري وإصلاح شؤون حياة البشر اعتبر الإسلام المرأة الصالحة أساس المدنيّة, من أجل أن يكون للمجتمع البشري أبناء صلحاء يقع على عاتقهم بناء الغد القريب والمستقبل المشرق, وجه الإسلام الأنظار إلى الأم الطيبة واعتبرها هي المسؤولة عن هذا البناء الإنساني العظيم الشامخ والطيب وأوصى كثيراً بانتخابها {وقد قال رسول الله (ص) : من رزقه الله امرأة صالحة, فقد أعانه على شطر دينه, فليتق الله في الشطر الباقي}[1].
لقد أولى الإسلام للمرأة مرتبة عالية وسامية, في حين أن منزلتها كانت قبل ظهور الإسلام باهتة الألوان, فالرجل يسودّ وجهه حين يرزق ببنت, فالمنزلة التي أولاها الإسلام للمرأة كبيرة وعظيمة إلى درجة أنها ليست بحاجة إلى الظهور في الأزقة والشوارع لتكسب قلوب الناس, وإننا إذا وقفنا على الوصايا التي أوصاها الإسلام بالمرأة لاتضحت لنا معالم هذه المنزلة. وقد أوصى الرسول الأكرم (ص) بها في أخبار وروايات عديدة, حتى في آخر لحظات حياته الشريفة وهو يودع الدنيا الفانية, ونجدها في القرآن الكريم متمثلة في حواء, مريم, وأم موسى...
وإذا ما أردنا مقايسة منزلة الرجل والمرأة, لرأينا أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة, بل رجح كفتها في أحيان كثيرة, حيث قال الرسول الأكرم (ص): "ساووا بين أولادكم في العطية, فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء[2], وتتضح صورة المساواة بين الرجل والمرأة في الواجبات العبادية, فما على الرجل من صلاة وصوم وما شابه ذلك فهو على المرأة أيضاً. فتستطيع المرأة الطيبة الطاهرة كالرجل الطيب الطاهر أن تكون عزيزة كريمة عند ربها, وأجرها لا يقل عن أجر الرجل وإن المرأة الصالحة الطاهرة ترجح على ألف رجل غير صالح, وإن المرأة التي تعتني بزوجها وتدير بيتها وعائلتها, فإن الله عز وجل وفي يوم الجزاء يغلق سبعة أبواب من أبواب النار في وجهها ويفتح لها ثمانية أبواب من أبواب الجنة. بالإضافة إلى كلما جاء, فالمرأة في الإسلام هي سيدة بيتها, فقد جاء في الحديث الشريف:"كل نفس من بني آدم سيد, فالرجل سيد أهله والمرأة سيدة بيتها"[3].
شروط احترام المرأة
إن احترام المرأة في الإسلام,لا من أجل جنسها وكونها امرأة, بل من أجل أمومتها, والمرأة لا تعني تلك التي تحمل ابنها بين أحشائها قرابة تسعة أشهر وتنجب, بل إنها تلك التي تعمل ضمن واجباتها التي حددها لها الشرع والعقل في تربية أولادها تربية إسلامية والاعتناء بهم, ضمن وجهة نظر الإسلام. إن الأم المنجبة والطائشة والشريرة والتي لا تعتني بتربية أولادها لا يليق بها تسمية الأمومة والاحترام, مثلها مثل الرجل, فالرجل الشرير والذي لا يهتم بأولاده لا يليق به تسمية الأبوة.
يتضح مقام المرأة في الإسلام في ظل احترامها القانون الطبيعي والشعري والذي يؤكد على تقبلها مسؤولية تربية أولادها. فهي مسؤولة على زرع القواعد الإيمانية والأخلاقية عند طفلها شرعاً وأمام الله, وليس من الشك فهي الأخرى مسؤولة أن تتعلم وسائل التربية الإسلامية الصحيحة, كي تستطيع بالتالي إدارة دفة تربية أولادها. وإذا ما استطاعت المرأة, الأم, من الوصول إلى كافة المواصفات التي ذكرناها في الأم الطيبة فهي أشبه بالملاك..
الأم الطيبة
تستطيع الأم الطيبة والطاهرة, أن تبني مجتمعاً مثالياً, ذلك لأنها في الحقيقة هي المسؤولة عن بناء جيل المستقبل, وقد أوصى الرسول الأكرم كثيراً في انتخابها وأكد على المرأة الصالحة, فقد قال (ص) : " من سعادة المرأة الزوجة الصالحة"[4]. كما نقل عن الرسول (ص): " أتى رجل للنبي (ص) يستأمره في النكاح. فقال الرسول (ص) : انكح وعليك بذات الدين تربت يداك" وفي الإسلام تأكيدات كثيرة على الزواج من المرأة الطيبة, يكفي أن نشير إلى زواج عبد الله, أبي الرسول الأكرم (ص) . فأكد عبد المطلب جد الرسول (ص) على وصايا الرسل السابقين في انتخاب المرأة, وأن زواج علي بن أبي طالب (ع) من فاطمة الزهراء جاء لطيبتها ومكانتها..
اطمئنان المرأة..
أكد الإسلام على أن المرأة سيدة بيتها, وأن عملها الأمومة وتربية الأولاد ورعايتها, ولكي تتمكن من إدارة بيتها وأولادها, يجب أن تكون مرتاحة البال من الناحية المالية, فأكد الإسلام أن المسؤولية المالية تقع على عاتق الأب, في حين تكون المسؤولية عن تربية الأطفال وصناعة رجال المستقبل, وأكد الإسلام أن المرأة إذا أرادت أجراً على رضاعة أبنائها فإن هذا هو أمر طبيعي ومن حقها وعلى الزوج أن يدفع لقاء ذلك...
(وقد نقل عن أبي عبد الله (ع) في رجل مات وترك إمرأة ومعها منه ولد فألقته على خادم لها فأرضعته ثم جاءت تطلب رضاع الغلام من الوصي فقال: لها أجر مثلها, وليس للوصي أن يخرجه من حجرها حتى يدرك ويدفع إليها ماله)[5].
أثر وجود الأم:
الأم الطيبة الطاهرة هي أساس الخير والهدوء والوقار, فهي التي توجد القلوب الرؤوفة المحبة الصادقة, إنها هي التي تنقل خصائصها الإنسانية السامية لطفلها وبالتالي للمجتمع, فالجنة تحت أقدامها. ذلك لأنها السبب في سعادة البشرية وبالتالي تليق بها الجنة.
الأجر الدنيوي للأم..
رسم الإسلام بأفكاره لوحة زاهية, جميلة للأم. لوحة تجد فيها ألواناً تزهر بالحب والحنان, لوحة تجد فيها الجميع يحيطون الأم ويعظمونها باحترام بالغ, فهي سيدة المنزل, لا تفكر في أمر معاشرها ومعاش بيتها وأطفالها, ولا تفكر بالأمور التي تحدث خارج المنزل ولا تقلق نفسها من أجل ذلك, وهي لصيقة بثمرة كبدها وعزيزها, والزوج مكلف باحترامها والوقوف إلى جانبها, ولا يطالبها بشيء, سوى المشاركة الجنسية وهي أيضاً لها شروطها وقواعدها. كما لا يستطيع أن يجبرها على القيام بشيء ترفضه, حتى أنه لا يستطيع إجبارها على رضاعة طفلها. فلها احترامها الخاص أمام أولادها وقد أكد الإسلام العزيز على ذلك ونزلت آيات كثيرة بحقها, منها:{وبالوالدين إحساناً}, (سئل أبو عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل:{وبالوالدين إحساناً}, ما هذا الإحسان؟ فقال: الإحسان أن تحسن صحبتهما, وأن لا تكلفهما أن يسألك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنين )[6].
فالأم احترامها مقابل أبنائها, وهذا الاحترام تؤكد عليه العقيدة الإسلامية, وإن احترامها أرفع من احترام الأب. جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله من أبرّ؟ قال: أمّك, قال ثمّ من ؟ قال: أمّك, قال : ثم من ؟ قال: أمّك, قال: ثم من ؟ قال : أباك..
الأجر الأخروي للأم..
إن الأجر الأخروي للأم كبير وعظيم وقد ملئت صفحات كتب الأخلاق والعقائد بذلك وقد جاء في الأحاديث والروايات أن أجر المرأة الحامل كأجر الشهيد فيما إذا توفيت أثناء الولادة عن الرسول الأعظم (ص) "حاملاتٌ والداتٌ مرضعاتٌ رحيماتٌ بأولادهنّ لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهنّ الجنة"[7].
وسئل الرسول الأكرم (ص) عن جهاد المرأة, فأجاب (ص) :" الحج جهاد كل ضعيف وجهاد المرأة حسن التبعّل"[8]. كما أن المرأة الصابرة في بيت زوجها كالمجاهدة في سبيل الله.
[1] - نهج الفصاحة – {المترجم}.
[2] - نهج الفصاحة- {المترجم}.
[3] - نهج الفصاحة- {المترجم}.
[4] - وسائل الشيعة- الصفحة 33 الجزء 14.
[5] - وسائل الشيعة- الصفحة 15- الجزء 179{المترجم}.
[6] - وسائل الشيعة- الصفحة 304- الجزء 15.
[7] - نهج الفصاحة- الصفحة 283. أبو القاسم بانيدة {المترجم}.
[8] - نهج الفصاحة- الصفحة 295. أبو القاسم بانيدة {المترجم}.