تقوى الأم وتأثيره

الكاتب الدكتور علي القائمي

تبنى أسس المجتمع الإسلامي على مقومات الشرف، الفضيلة والتقوى، وسيكون مكمناً إذا قمنا ببرمجة التربية على تلك الأسس والمقومات، وهذا لا يمكن إلا باضطلاع أمهات نقيات لمسؤولية التربية. فالأم هي أول شخص يبذر بذور التربية الصحيحة في روح الطفل ونفسه وتسقى نبتته. ويؤثر سلوكها وأسلوب تربيتها وحتى طريقة تفكيرها كثيراً على صياغة الطفل وتنشئته النشأة الإسلامية.

جيل المستقبل:

قبل أن نبدأ عملية التربية علينا أن نحدد نوع الجيل الذي نسعى لصياغة وأيّ نوع من الأفراد نريد بناءهم؟!

لا شك أننا نريد أن نربي إنساناً يستطيع تحت ظل إيمانه بالله أن يقوّم أعماله وسلوكه وجيل طاهر يتمتع بالحياء، بعيد عن الذنوب والجرائم والشيطان، نشطٌ وفعال عند الشدة والرخاء، يكظم غيضه ويؤدي وظائفه الاجتماعية على أحسن ما يرام.

سيكون الوصول إلى تلك الغايات ممكناً إذا عمل الأولياء والمربون بما يقولون وبالأخص الأم فيجب أن يطالب عملها وسلوكها أقوالها وتراعي الإيمان والتقوى وتنتبه بدقة لا متناهية إلى ذلك.

أسس التقوى:

نتوخى من التقوى صيانة النفس من الذنوب والمحرمات والشبهات، ونريد من الأم أن تصل إلى درجة من التقوى يمكنها أن تصون نفسها وتتوقى ارتكاب المعاصي والانحراف وتجعل الله نصب عينيها في جميع أعمالها وتشعر بوجوده معها أين ما كانت، فتأخذ نصيبها من حلال الدنيا ولا تجيز لنفسها الشبهات، فإذا سلّمنا بما يقوله العلم من تأثير العامل الوراثي النفسي، علينا القبول بأن دور الأم في ذلك مهم وخطير.

 

ضرورة التقوى للأم:

إذا سلّمنا بأن ملكة التقوى والفضيلة ضرورية للمربي ومؤثرة في التربية سنتيقن بأن الأم يجب أن تكون طاهرة ومتقية تقوى حقيقياً ما مصطنعاً فسينكشف التصنع لأنه ليس متجذراً في النفس. وتحتاج الأم إلى صيانة نفسها من جميع المعاصي والانحرافات وتقوّي الحالة العصامية فيها. تبرز ضرورة بشهوات النفس وميولها وتتغلب على الجنوح إلى الباطل فتحفظ حقوق الناس وتتجنب التعدّي عليها. وإلا فإن النصائح والتوجيهات التي تقدمها للطفل سوف لا تترك آثارها عليه.

الدور الوراثي للتقوى:

تعتبر التقوى الأساس في بناء التربية الإسلامية ومن أفضل الأعمال التي يحبها الله هو أن تسير الأم على هذا الطريق وتصبغ فكرها وشخصيتها بصبغته. يمكن أن يتصور البعض بأن سعي الأم ليس مجدياً في شحن التقوى لتربية الجيل الصاعد. ولكن العلم ينفي ذلك، فلقد أثبتت التجارب أن الخيانة، المعصية، العداوات، والاعتداء... الخ وكذلك الدقة في الفكر والعمل والقول ورعاية حقوق الآخرين وفي الكل الاجتناب عن المعاصي والخوف من الله في جميع الأمور له تأثيره السلبي والإيجابي في الطفل. ففي الوقت الذي تؤثر التغذية على تكوين جسم الجنين في بطن أمه، فكيف لا تؤثر الغيبة والحسد والنميمة وسائر الرذائل الأخلاقية في الجنين؟ ويمنع التقوى الأم من جانب آخر ارتكاب المعاصي والانحراف مما سيبعث على أن تكون الأم وخاصة في مراحل الحمل والرضاع بحالة نفسية هادئة وبعيدة عن الاضطراب والقلق ومن الطبيعي سيحفظ الهدوء النفسي سلامة الطفل والجنين الروحية لأن القلق والاضطراب سيترك نتائجه السيئة في نشأة الطفل الروحية والنفسية.

يؤثر نوع غذاء الأم كما نعلم في مراحل الحمل والرضاع في تكوين الطفل المادي والنفسي لذا فعلى الأم تجنب الغذاء المشبوه والحرام وملء البطن مما تشتهي وخاصة في فترة الحمل, وبالمجموع فإن طهارة الأم وسلامة سيرتها له تأثيره في تربية الجيل الجديد وكلما كانت صالحة وحسنة السيرة فسوف يمكنها أن تمنح المجتمع أفراداً صالحين وبأقل جهد وسوف لا يذهب سعيها في نشر الفضيلة والتقوى سدى.

الآثار التربوية:

يخلق تقوى الأم الخصال الإنسانية والأخلاقية والفضائل عند الطفل، وتجعل شخصيته مستقلة وبعيدة عن جميع أنواع الفساد والانحراف والنفاق، وسوف لا يبيع الطفل شرفه وضميره لا الآن ولا في المستقبل عندما تكون أمه طاهرة ونقية، لأن تقواها يعطيها زخماً وقدرةً على تحمل المشاكل ومواجهة الصعاب، ومن الطبيعي فإن الأطفال الذي يتربون في مثل هذه البيئة سيتمتعون بقدرات نفسية خارقة ولا ينهارون أمام المشاكل.

وإذا كانت الأم هي الأنموذج والقدوة للطفل فمن الضروري أن تكون متقية بعيدة عن الحيلة، الخداع، الرياء، الكذب، العجب، الغرور، وتحس بمشاكل الآخرين، أفراحهم وأتراحهم، لا تخادع ولا تغش، لا يسمع منها السب وبذاءة اللسان، لا تستغيب ولا تحسد، ولا تلوّن حياتها وحياة الآخرين بالمجاملات المصطنعة والكاذبة، عندها ستتركز وتتجذر جميع تلك الصفات والخصال في وجدان الطفل وضميره.

ستفيد الطفل من جانب آخر القواعد والضوابط الحياتية إذا كانت ممزوجة بالخوف من الله فإنها تصون الطفل داخلياً وتهذب سلوكه.

فإن لم تخف من الله كيف سيمكنها زرع هذا الوازع الداخلي عند الطفل؟ فالمربي يوقظ وينبه الظهر والصدق واجتناب المعاصي ويوجهه الوجهة الصحيحة ويحرّك عنده إرادة الخير والصلاح.

إذا فقدت التقوى:

تشكل المعاصي والفجور سداً ومانعاً كبيراً يعرقل تطوّر المجتمعات ورقيها. وتمزق لجام المجتمع الميول الشيطانية وعدم التحكم بالشهوات وتسوقه نحو الحيوانية والهبوط والتحلل. فلا يعلم الإنسان في هذه الظروف ما هو تكليفه وما الذي عليه أن يفعل، فسوف يؤدي إلى ضياع الجيل الجديد وتخبطه باللامبالاة والانطلاق من القيود والالتزامات الدينية.

 

صور من التقوى:

تتجلى آثار التقوى في أعمال الفرد وفي حياته الشخصية والاجتماعية وتنعكس على سلوكه. تتحكم الأم بالتقوى بحيث تسيطر على لسانها، سمعها وبصرها، وتكون خطواتها محسوبة ولا تستعمل جوارحها التي منحها الله إياها ولتمضية شؤونها في أذية الآخرين، ولا ترتكب المعاصي وأن تسيطر على جوفها فلا تملأ بطنها من مأكولات الشبهة والحرام. وأن تضبط أعصابها وتكظم غيظها في مقابل أخطاء طفلها وتسعى بالتي هي أحسن إلى إصلاحه، تحافظ على نقاء روحها بالتقوى، لا تعصي ولا تخلط الفرح والسرور بالحرام والمعصية، وأن تتجنب زخرف القول، وتحفظ جسمها من لوث الشهوات، وتحفظ ضميرها حيّاً، وأن يخلو ذهنها من سوء الظن. ولا تستسيغ الأم المتقية اللقاءات والاجتماعات التي تكدّر صفو العيش والعلاقات المشبوهة التي تبعث على زلّ القدم، وتبتعد عن مجالس السوء في المجتمع. والخلاصة: يكمن سر نجاح الرجال العظام في تربيتهم في أحضان أمهات طاهرات نقيات، استطعن بنقاء روحهن أن ينشئن جيلاً صالحاً يفيد المستقبل.