المرأة كأم

الكاتب الدكتور علي القائمي

 

الأم هي أهم منشأ للراحة والمحبة في العائلة وأقوى مصدر لسعادتها, فهي التي تبعث الطمأنينة والسلام والقدرة والاستقلال في نفوس الأطفال.

إن تكوين الطفل من الناحية العلمية يتم من خلايا الأب والأم معاً, إلا أن العلوم الحياتية تشير إلى أن دور الأم في تكوين الجنين ونقل الصفات الوراثية إلى الطفل أشد من تأثير دور الأب, إضافة إلى أن الرحم يصبغ الجنين بصبغته, أثبتت تجارب العلماء أن اللقاح من الممكن أن يتم خارج الرحم وينتج عنه جنين حي, لديمومة حياة الجنين وتكوينه النهائي هو بحاجة ماسة للرحم, لذا إن دور الأم في تكوين الجنين وخلق الأرضية اللازمة لنموه داخل الرحم وتكامله أمر لا يمكن الإغفال عنه, وهو حياتي ومهم جداً.

من خصائص المرأة وتكوينها الجسدي والروحي, استعدادها لتحمل مسؤولية تربية الأطفال ورعايتهم, ومن الناحية العلمية المرأة تعني الأم وإذا حالت الظروف الطبيعية والاجتماعية دون ذلك, فإنها ولا شك ستصاب بالأمراض الجسمية والروحية, إن هدف الأمومة من الأهداف السامية والتي وضعت على عاتق المرأة, وهي بلا منازع, مظهر من مظاهر اللطف والصفاء والعناية والمحبة للطفل.

يحتاج الطفل بطبيعة تركيبه وحجمه وضعفه إلى حب وأحاسيس رقيقه, يحتاج غلى حب وتضحية إنسان عاشق ومضحي, يهدي بإخلاص كل ما عنده إلى صغيره وحبيبه, وهذا المخلوق العاشق المضحي بالغالي والثمين لا يمكن أن يكون سوى الأم, الأم تسهر الليالي لتلبي متطلبات حبيبها الصغير, وفلذة كبدها العزيز, تضمه إلى صدرها وتبعث الطمأنينة في قلبه الصغير, يبدأ حبها عندما تشعر أن هناك حملاً, ويشتد عندما يرى حبيبها القادم النوم. إنها مظهر من أعلى مظاهر الحب السامية, والإنسانة المحبوبة في البيت, بحنانها وعاطفتها تجعل من بيتها جنة وبكلماتها الجميلة تسعد أفراد أسرتها, بأعمالها وتصرفاتها تجعل من بيتها المدينة الفاضلة, فتقوم ببناء أبنائها بناءاً صحيحاً وتشع الفرحة والبهجة من البيت, وتضحك الوجوه البريئة فرحةً عندما تلتقي بوجه الأم الضاحك, فهي التي تبني زمامها بيد الأم, وإنها المسؤولة عن البناء والتغيير الضروري في هيكل أعضاء الأسرة الروحي والجسمي, خاصة إذا كانت سياساتها منسجمة مع سياسات الأب, إذا ما اعتبرنا التربية أمراً دائماً ومستمراً, يمكننا القول أن الطفل وخلال السنوات السبع الأولى من عمره يستمد تصرفاته وعاداته من تصرفات وعادات الأم, وان هذه العادات والتصرفات التي اكتسبها من الأم ستؤثر ولا شك على شخصيته عندما يكبر, وستبقى عالقة فيه, وبالنهاية إن تأثير الأم سيكون هو الغالب على الأطفال, فالأم هي التي ترسم شخصية الطفل وتصنعه, إنّ عملها حساس وظريف للغاية, بأناملها الرقيقة تلاطفه, وبقلبها المحب تزرع الثورة والوجود في كيانه, بملاطفة رقيقة تزيل الهموم عن قلبه الصغير وتسكن آلامه. وبترديد كلمات جميلة وساحرة, تهدئ طفلها وتجعله يرتاح وينام.

تصرفات الأم تشكل البناء الداخلي والخارجي للرجال, وتبعد الطفل من عالم الرياء والكذب والحقد والحسد وتزرع في قلبه الحب والصفاء والخير له ولغيره.

الأم مدرسة الأجيال, فهي التي تقوم بزرع الصفات الطيبة في الطفل وتهدي طفلها ليكون في المستقبل رجلاً مهماً في المجتمع, وإن رجال الأعمال والعلماء الكبار يرون أنهم مدينون لأمهاتهم, لولا تلك الأمهات لما توصلوا إلى ما صاروا عليه اليوم, ولنابليون بونابرت مقولة" إن ما توصلت إليه اليوم هو من عند أمي" ويقول أيضاً: "إن وراء كل رجل عظيم امرأة".

نستنتج مما جاء, إذا استطاعت الأم أن تربي أبنها وفق المعايير الإسلامية والإنسانية ووضعت نصب عينيها موازين التقوى والفضيلة, فإن عملها ولا شك, عمل كبير وعظيم وشريف, وأن ليس هناك أكبر وأعظم وأشرف من عمل الأم على وجه الكرة الأرضية, إنه أهم من عمل مئات الأساتذة والمعلمين نظراً لأهمية عملها وتأثيرها في تكوين خصائص وطباع وأخلاق والطفل, وإن ما يقال عن الطفل يرتبط ارتباطاً كلياً بالأم..{يقول الرسول الأكرم (ص) : إن الجنة تحت أقدام الأمهات, فالأمهات بأعمالهن وتصرفاتهن الصحيحة وبالجهود التي تبذل لتربية جيل من الرجال الصالحين, ستكون الجنة ولا شك تحت أقدامهن }[1] .

إذن نستطيع القول حسب ما جاء, إن الولادة عمل سهل إلا أن الصعوبة تكمن في أن تكون المرأة أمّاً. والمقصود بالأم ليست تلك التي تحمل الطفل في بطنها تسعة شهور وتحضر له الطعام, وتعتني ملابسه, فإن هناك العديد من النسوة يقمن بهذه الوظائف, إلا أن إطلاق عنوان الأم لا يليق بهنّ, فلكي تكون المرأة أماً, عليها أن تتحمل المسؤوليات التربوية والأخلاقية والروحية, فتربي طفلاً فيه فضائل الإنسان, تقي, شريف, عفيف, عطوف, عادل, صادق, أخلاق حميده, وقلبه كبير, يحب الخير للجميع, إذا ما استطاعت تحقيق هذه المواصفات في طفلها نستطيع أن نطلق عليها تسمية الأم شريطة أن تعرف كيف تهدي طفلها إلى الطريق القويم, وإن أنفاس الطفل والمجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأم.

يجب على الأم أن تربي أولاداً شرفاء, يفيدون المجتمع والوطن. يجب أن تعلم أولادها على تحمل المسؤوليات, وإنها يجب أن تكون مظهراً من مظاهر العدل والعاطفة, بعيدة عن الخوف والهلع أفكارها طاهرة وتريد الخير للجميع.

فالمرأة كالأم يجب أن ترجح وظائفها نحو أطفالها على زوجها, وتقوم ببناء الأطفال بناءاً سالماً, ولكي يكون البناء قويماً وسالماً, فهي وبلا شك بحاجة إلى أعصاب هادئة وروحية عالية.

إن أساس المشاكل العائلية اليوم, ينصب في أن الأمهات يتركن صغارهن بيد المربيات وينصرفن للأعمال خارج المنزل. لغرض كسب الأموال وصرفها على زينتهن وآخر أزياء الملابس, وإن الأم لا تستطيع أن تكون أماً ما لم تضع همها وفكرها وأحاسيسها من أجل بناء أطفالها وعليها أن تفتخر بذلك, فالطفل يحتاج إلى حماية وحب وعاطفة وأحاسيس, لا إلى أموال وتجملات, فما فائدة تصدي الأم لإدارة دائرة ولا علم لها لما يعاني أولادها, أعتقد بأنّه اتضح لنا دور الأم, ولكي تكون الصورة أشد وضوحاً, علينا زيارة دور الأيتام وسجون الأحداث وننظر بدقة متناهية إلى الوجوه المذنبة, لا شك أن هذه الوجوه الصغيرة ستشير إلى أن أمهات هؤلاء الأطفال هم السبب في كل ما وقع, فالذنب كل الذنب يقع على الأم التي تركت طفلها دون أي عناية تذكر, وإن هؤلاء النسوة لا يليق أن نطلق عليهن تسمية الأم. فإنهن تركن أولادهن وذهبن نحو أهدافهن الرخيصة. عندها يجب أن نقف موقف إجلال واحترام أمام الأمهات اللواتي عرفن واجباتهن المقدسة تجاه أولادهن, وأنجبن أولاداً شرفاء, استطاعوا أن يكونوا سبباً في سعادة العائلة والمجتمع.

 

 


 

[1] - {المترجم}.