غياب الاب
الكاتب:الدكتور علي القائمي
ضرورة حضور الاب في الاسرة:
تحدثنا في فصول سابقة وقلنا بأن تقويم الاسرة وانسجامها يقوم على ركنين أساسيين هما تواجد الاب والام وحضورهما في محيط الاسرة لأنهما يمثلان كفتي الميزان فلا يمكن تحقيق التوازن الا بهما.
ولو انعدم التوازن في محيط الاسرة لأثّر ذلك سلباً على تربية الطفل ونشأته. لذا لا بدّ من تواجدهما معاً في البيت.
إن للأم حضوراً دائماً في البيت وينبغي أن يشعر الطفل بأن الاب يمكنه الحضور متى يشاء أو إنّه موجود في البيت بشكل فعلي في الصباح أو المساء أو بعد الظهر, ويقوم بالمراقبة المطلوبة وينفذ القوانين والضوابط.
فمن الخطأ أن يفكر الاب بأن الام تتمكن لوحدها من الاشراف على الاولاد ورعايتهم بسبب تواجدها في البيت وحضورها الدائم فيها, ولا توجد أية ضرورة لحضوره شخصياً.
إنّ وظيفة الام تختلف عن وظيفة الاب, وإن حضوره أو غيابه مؤثران حتماً. ويسعى الاباء الملتزمون للحضور في البيت والتواجد فيه رغم تأثير ذلك على عملهم والتقليل من أرباحهم, وذلك من أجل توفير أكبر اهتمام بالاولاد وتربيتهم وبناء أخلاقهم وعقائدهم.
تأثيرات الحضور:
ثمة تأثيرات عديدة لحضور الاب وعدم غيابه عن البيت. ولكي نلم بها لا بدّ أن نعلم كيف ينظر الطفل إلى ولده. إنه يعتبره مسئولا عن البيت وتحقيق الامن والنظم فيه ومنفذاً للقانون وهو الذي يقوم بتوفير الامور المعيشية.
فالاب يمثل سر بقاء الاسرة والنور الذي تهتدي به, ولولاه لعمّت الظلمات كل أرجاء البيت.
كما أنّ حضوره بين أعضاء أسرته يعتبر عاملاً لتكاملها وسبباً لدوران عجلة الاقتصاد وفق نظام معين. وبحضوره تتوزع الوظائف والمسؤوليات, ويقوم كل فرد بأداء واجباته.ولا يحق لأي شخص أن يتجاوز الحدود المرسومة له, بل يسير الجميع ضمن الاطار المخصص لهم.
والاب هو الرفيق لأطفاله والذي يشاركهم في لعبهم فيستأنسون به. ويغتنم الطفل فرصة تواجد الاب فيشعر بالفخر والاعتزاز إلى جانبه, ويبتسم له عندما يتحدث ويكتسب منه الاعراف والتقاليد ويتعلم منه نمط العيش في الحياة بفضل تعامله مع زوجته. وتتقوّم شخصية الطفل بسبب حضور الاب وتزول جميع اضطراباته السلوكية. ويسلك الطريق المستقيم في الحياة من خلال توجيهات الاب, ويبني نفسه ويتكامل, ويشعر بالامن والامل في الحياة.
يقول أحد خبراء الجرائم أن حضور الاب في أسرته يعتبر من أفضل عوامل الوقاية من الانحرافات, ويذكر بأنه ينبغي جمع الاباء من الشوارع والمراكز العامة وإعادتهم إلى منازلهم وذلك من أجل منع انحرافات الاحداث وفسادهم.
الاب واجتماع الاسرة:
يؤدي حضور الاب إلى اجتماع الاسرة وطرحها لمواضيع تخصّ شؤونها المختلفة. فمثلاً تقع على الاب مسؤولية تقديم دروس مباشرة أو غير مباشرة في العقيدة والاخلاق إلى أولاده, ويجب أن يتم هذا ضمن محيط البيت بحيث يختلف عن برنامج المدرسة.
ينبغي أن يجمع الاب أولاده حوله في ساعة معينة فيطرح عليهم المواضيع الاخلاقية ويعظهم ويعلمهم قضايا الدين والحياة.
عليه أن يجتمع بهم, ويتحدّث إليهم ليألفونه ويتعلمون منه. كما ينبغي أن يفسح لهم الطريق من أجل المشاركة في شؤون الاسرة واتخاذ القرارات. فمثلاً عليه أن يطالبهم برأيهم في تلك الامور التي يتمكنون منها كتنظيم برامج لأوقات فراغهم والتجول والسفر, وشراء بعض الاطعمة والفواكه في الفصول المختلفة, وإيجاد تغييرات في ديكور البيت وغرفه وغير ذلك من الامور الاخرى. وبشكل عام نقول إنه لا بأس من استشارتهم لأنّها مفيدة ونافعة.
الطفل في غياب الاب :
ثمة آباء- مع الاسف- لا يهتمون بموضوع الحضور المنظّم في الاسرة فيمهدون الاجواء بعدم اهتمامهم هذا لإصابة الاولاد وباقي أفراد الاسرة بالاضطراب خلال فترة غيابهم. ولا يملك الطفل وضعاً جيداً إزاء غياب الاب, فيشعر بأنّه فقد سلوته ومستودع أسراره وحرم من الجليس والانيس.
وقد يكون قاسياً جداً على الطفل أن يتحمل غياب الاب في البداية, لكنه سرعان ما يعتاد على هذا الوضع الجديد, وعندها سيفقد الاب قابلية التأثير على الولد والنفوذ إليه, وسوف يعمل الولد بما يرتئيه حتى انه لا يكترث أحياناً بأمّه ونفوذها.
ويمكن للطفل أن يكتسب من غياب الاب تلك الدروس السيئة والمؤلمة. إذ سيحاول أن يكون حرّاً طليقاً دون أية قيود، ويلجأ إلى ممارسات لا يتوقعها الوالدان أبداً مما سيكون لهذا السلوك نتائج سيئة على الاسرة والمجتمع.
كما إن الاب الذي يترك أسرته بانتظاره حتى منتصف الليل إنما يقدّم درساً سيئاً لطفله, وسوف يوجهه بشكلٍ لاشعوري نحو الاباحية والتحلل من صحيح أن الطفل بحاجة إلى حبّكم وعطفكم, وانه سيفرح كثيراً فيما لو اشتريتم له حاجة معينة لكنه بحاجة ماسة إلى حضوركم في البيت ووقوفكم إلى جانبه حتى يتحدث معكم ويناقشكم ويتعلم منكم,وإنّ غيابكم من أكبر المصائب التي تواجهه, فالطفل لا يصبر على هذا الحرمان الا بصعوبة بالغة, ولو أنّه افتقد حضوركم المنظم في البيت لأدى به ذلك- في بعض الاحيان- إلى الاستهانة بقدسية الاسرة والهروب من البيت.
الغياب والتقليل النفوذ:
قلنا أن غياب الاب عن أسرته يقلل من نفوذه مما يخلق شعوراً عند الاولاد بأنّه لا داعي للالتزام بقوانين الاسرة أو إطاعة الاوامر والنواهي. إذ ستنخفض تأثيرات الاب الاخلاقية على الطفل, ويتعرّض بناؤه الاخلاقي والاجتماعي إلى صدمة.
ولو كان الاب في غياب دائم عن البيت لغفل عن مراقبة أولاده ولما تمكن من تربيتهم تلك التربية الصحيحة بسبب انخفاض مستوى نفوذه. وسوف يلجأ الطفل- والحال هذه- إلى التحلل من الضوابط الاخلاقية ويشتد ميله إلى نظراته في السن فينعدم الاتزان في عملية البناء.
توجد حالات أخرى نرى فيها آباء لا يحضرون بشكل كافٍ ومطلوب في البيت بسبب مشاغل الحياة والمشاكل التي تواجههم, فيكون السقوط هو مصير أبناءهم بل وحتى بناتهم.
أسباب الغياب:
ثمة أسباب عديدة لغياب بعض الاباء عن البيت وسوف نشير فيما يلي إلى أهمها وهي:
1- كثرة المشاغل واللهو, بل وحتى تقديم خدمات واسعة للناس فتكون النتيجة غفلة عن الحياة الاسرية والاولاد.
2- عدم الرغبة في الحياة الزوجية بسبب الاختلاف مع الزوجة وظهور مشاكل عديدة في هذا الاطار.
3- التسامح بشأن الاولاد وعدم إدراك النتائج الخطيرة لهذا التساهل.
4- معاشرة أهل السوء والاستئناس بهم والمشاركة في محافلهم.
5- الانشغال بأمور المطالعة والدراسة والبحوث. حيث يمكن لهذه الامور أحياناً أن تورّط الاسرة في مشاكل أخرى.
6- نوع العمل الذي يمارسه الاب فيكون مضطراً أحياناً لقضاء بعض الوقت في مدينة أخرى أو العيش فيها أو تركه باستمرار لبلدته بسبب مهمات وظيفية وإدارية.
7- وأخيراً فإن من أسباب غياب الاب هي اللاإبالية والتي تكشف عن ضيق أفقه وتفكيره.
ومهما يكن من أمر فإن غياب الاب يمهد الاجواء لظهور مشاكل واضطرابات عديدة, وفقدان السيطرة على زمام أمور الاطفال مما سيدفعهم نحو مستقبل مجهول.
أعراض الغياب الطويل:
لو كان الغياب قصيراً فإن له أعراضاً محدودة, أما لو تكرر الغياب أو كان لفترة طويلة فإن له نتائج سلبية مضاعفة.
ولا فرق في بعض الاحيان بين الغياب الطويل للأب وموته لأنهما يؤديان في النهاية إلى نتيجة واحدة وهي انحلال الاسرة وتبعثرها.
ومهما كانت أسباب الغياب الطويل الا أنها ستدفع الطفل إلى الشعور بالحرمان من دعم الاب ورعايته, وأن يكون في النهاية قاسياً وفوضوياً وفاقداً للأدب.
ومن نتائج الغياب الطويل أيضا لجوء الطفل إلى ممارسة السرقة والتشرد والبحث عن الاصدقاء والقيام بجنح وانحرافات مختلفة. ويؤثر غياب الاب على خلق الطفل ودراسته وسلوكه وإنّه مقدمة للقضاء على الاجيال.
كما إنه السبب في ظهور بعض المشاكل السلوكية وامتناع الطفل عن القيام بممارسات شريفة. ويتوقف عن محاكاة والده ويبحث عن قدرات أخرى وأشخاص آخرين يسببون له المتاعب أحياناً.
ذكر أحد المفكرين أنّ غياب الاب عن أولاده يشبه غياب الزوج عن زوجته مما يؤثر في العاطفة والنفسية. وقد كشفت التجارب أن هؤلاء الاطفال قلّما يشعرون بالاتزان النفسي, وتخفت في الابناء صفات الرجولة وفي البنات صفات الانوثة بل ويتظاهرون بالقوة والعنف في حين إنهم جبناء.
ويخرج الطفل أحياناً عن حالة الاعتدال بسبب غياب الاب فنراه يناديه في منامه أو يصاب بالخوف والاضطراب دون مبرر أو يتعلّق بأمّه تعلقاً شديداً. ويحاكي النساء في سلوكهن رغم أنه من الذكور.
ويرتبط كل هذا بسنّ الطفل ومستوى ذكائه والتزامه الخلقي.
ضرورة الحل:
لو لم يتمكن الاب من متابعة شؤون أولاده وكان في غياب دائم تقريباً لتوجب عليه أن يكون جذّاباً في تلك الاوقات التي يتواجد فيها في بيته, وخاصة عندما يعود من سفره مثلاً حتى يعوّض عن النقص والحرمان.
خصصوا الفترات القصيرة من تواجدكم في البيت لأطفالكم واتركوا كل شيء حتى قراءة الصحف.
ينبغي أن يبذل الاب, الذي يعود لبيته بعد سفر وغيبا طويل, جهده وسعيه كي ينسى الطفل فترة الغياب ويستثمر حضور والده.
كما يجب على الاب أن يواسي طفله ويؤمله في الحياة, فيما لو اشتكى من حياته السابقة أو من مشكلة واجهته, وأن يصبّره على المشاكل ويزيل عنه القلق والاضطراب ويجعله مستأنساً به ويشبعه حبّاً وعطفاً.
وحريّ بالاب المضطر لغياب طويل عن البيت أن يدعم مكانة الام ويقوّي موقعها ويحث الاطفال على طاعتها, وذلك للتقليل من أعراض الغيبة, أو أن يساهم في حل المشكلة التي قد تعترض لها الام ويلزم ولده بإطاعة أوامرها والانتهاء عن نواهيها.