العلاقة مع الزوجة

الكاتب:الدكتور علي القائمي

 

 

 

الرجل في الاسرة:

إنّ للرجل في أسرته أدوار متعددة, فهو زوج لزوجته وأب لأطفاله, وملاذ ومعين لجميع أفراد أسرته, يحقق الامن لهم ويدافع عنهم . وينبغي عليه أن يتخذ المواقف المناسبة التي هي من شأن العقلاء لتحقيق تلك الادوار. فالاسرة ترغب بمشاهدة مواقفه عندما تواجههم الصعوبات والمشاكل, ومعرفة الاساليب التي يمارسها. فلو مني بالانهزام النفسي عندما تواجهه حادثة معينة أو اتخذ موقفاً خاطئاً لترك ذلك أثره على أفراد أسرته. وبعبارة أخرى فإن أفراد أسرته إنما ترتبط بمعنوياته شخصياً.

يبرز هذا الدور للأب منذ الزواج وخاصة في مرحلة الحمل, إذ تدفع مشاكل الحمل وصعوباته بالمرأة إلى البحث عن ملاذ لها وملجأ, ولا يمكن أن يحقق ذلك سوى الرجل.

ويشعر الاولاد منذ اليوم الاول الذي يدركون فيه مكانة الاب في الاسرة بدوره المهم في الاشراف على العائلة وحمايتها, ويحسبون لذلك حساباً.

 

الوحدة مع الزوجة:

يرتبط تنظيم الاسرة بالنظام الذي تتبعه, ويقف الاب على رأس هذا النظام, لأنّه رب الاسرة وموجهها, ولكن في العوائل المثالية لا يوجد رئيس ومرؤوس بل إن كان مسئول حسب دوره وقدرته.

ولكي يمارس الاب مسؤولية الابوّة عليه أن يحافظ على الوحدة مع زوجته وينسّق معها ويدفعان أولادهما معاً لأداء تلك الوظائف الاخلاقية والتربوية. وقد أظهرت بعض الدراسات أن سبب انحراف 70%- 90% من الاطفال الجانحين في المجتمعات الغربية يعود إلى عدم وجود الوحدة في الرأي والاتفاق بين الاب والام في محيط الاسرة.

فوحدة الوالدين في الفكر واتفاقهما في الممارسات الاخلاقية يؤثران بشدة على تحديد مستقبل الطفل والا فإنّه من غير الصحيح أن يحسب الطفل حساباً لأحد والديه ويعتبره مسئولا عن تحقيق الانضباط وتنظيم الاسرة.

ويجب على الاب قبل غيره أن يفكر مع زوجته بموضوع تربية ولدهما ويختارا له الطريق الصحيح. وعليهما أن يقررا على أداء الفرائض الدينية أمام أنظار الطفل وأن يمتنعا عن إبداء غضبهما والصراخ والهيجان, الاتفاق في قراراتهما.

 

مظاهر الوحدة:

يمكن القول ان للوحدة مظاهر عديدة قلة الاوامر والنواهي, والاتفاق في التوجيه, والدعم المتبادل, والتغاضي عن المشاكل والاختلافات. فلو أصدر الاب أمراً معيناً لولده لتوجب على الام أن لا تنقض ذلك. العكس صحيح أيضاً.

يجب على الاسرة أن تكون نواة للوحدة بين الزوج وزوجته. ويغير ذلك فإنها ستتفكك وتنهار ويصاب الاطفال باضطرابات سلوكية.

ولكي يتحقق هذا المعنى, حري بالزوجين- وخاصة الرجل- أن يتغلبا على أهوائهما. وهذا دليل على الشجاعة "أشجع الناس من غلب هواه"- الامام علي (ع).

ويجب على الرجل أن يبادر لتحقيق هذا الامر ويمهد, الاجواء لتحقيق الاصلاح والاحسان. فقد جاء عن رسول الله (ص) قوله:" رحم الله عبداً أحسن فيما بينه وبين زوجته... فقد أوكله الله عزّوجل ناصيتها وجعله القيم عليها".

 

احترام الزوجة:

أكد الاسلام على ضرورة أن يحترم الرجل زوجته, حيث ورد عن رسول الله (ص) قوله:" من اتخذ زوجة فليكرمها", وانه لجميل حقاً أن يتم ذلك بمرأى من الاولاد حتى يشعروا بالسعادة والانشراح ويكون ذلك درساً لهم يفهموا من خلاله أنّ عليهم الحذر بسبب وجود اتفاق في وجهات النظر بين الاب والام.

وقد ورد عن الرسول الاعظم (ص) قوله:" حق الولد على والده إذا كان ذكراً أن يستفره أمه" إذ سيشعر بالثقة بالنفس ويكتشف أنه يجب عليه أن يطيع أمه كما يطيع أباه مما يؤثر كثيراً على تحقيق انضباط الطفل والتزامه بالقرارات.

ومن جانب آخر, فقد جاء عن رسول الله (ص) قوله:" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" و" الا خيركم لنسائه, وأنا خيركم لنسائي" .

فلو قام تعامل الاب مع زوجته على مبدأ الاحترام والحب لنظر الاطفال إلى ذلك نظرة إيجابية بل لسلكوا إنسانياً مع زوجاتهم في المستقبل.

 

التعاون في شؤون البيت:

نعلم جيداً أن تقسيم العمل في البيت جعل من المرأة مسؤولية عن إدارة شؤون البيت بنفس مستوى مسؤولية الرجل خارج البيت خاصة في المجال الاقتصادي. لكنّ هذا لا يعني أن يمتنع الرجل عن المشاركة في أعمال البيت أيضاً.

يجب على الاباء- رغم مسؤولياتهم ووظائفهم خارج البيت- أن يساعدوا زوجاتهم في شؤون البيت الداخلية لإظهار سمة التعاون والالفة .

وسوف يكون ذلك سبباً لتوفير الفرصة الكافية لإنجاز أعمالها أو إنها ستبذل جهداً أكبر من أجل إبداء كفاءة أكبر.

إننا لا نريد القول إنه ينبغي للأب أن يبدّل ملابس الطفل, لكنه ليس عيباً فيما لو فعل ذلك. لأنه ولده وعليه أن يتحمّل بعضاً من مسؤوليته في هذا المجال . وأن يوفر المناخ الملائم لئلّا تشعر الزوجة بأنّها وحيدة ولا ملاذ لها, ولا معين. وكذلك الطفل أيضاً.

إنّ مساعدة الرجل زوجته في شؤون البيت تزرع الامل عند الزوجة, وتدعم موقعها ومكانتها, إذ ستشعر بالفخر والاعتزاز بكونها محترمة من قبل زوجها. وسيكون هذا درساً في الاخلاق والانسانية ينفع الاولاد كثيراً في حياتهم المستقبلية.

التعامل والعلاقات:

يؤثر تعامل الرجل مع زوجته ونوع السلوك المستخدم بشدّة على معنوياتها وعلى أخلاق الاولاد وسماتهم السلوكية, فقد يؤدي ذلك مثلاً إلى تمتين أواصر الاسرة وتشييد بنائها أو على العكس من ذلك فإنه يؤدي إلى تصدّعها وانهيارها.

ينبغي للرجل أن يقيم علاقات حسنة داخل البيت لكي تشعر الزوجة بالامل بزوجها ويطمئن الاولاد إلى والدهم.

وإنه من الخطأ الفادح أن يلجأ الرجل إلى استخدام قدرته مع زوجته والافتخار عليها. وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله:" اتقوا الله في الضعيفين المرأة والمملوك" . وجاء عنه (ص) أيضاً: " عيال الرجل أسرائه, وأحب العباد إلى الله عزّوجل أحسنهم صنيعاً إلى أسرائه".

فالتعامل مع الزوجة بإحسان وبخلق حسن يؤثر كثيراً على التربية العاطفية والاخلاقية للأولاد, بل ويقضي على جذور العنف عندهم. وان الاخلاق الحسنة للأب تهدم في كثير من الاحيان الحواجز الموجودة بينه وبين زوجته أو أولاده وتنمّي عندهم الصفات الحسنة والفضائل الحميدة.

 

الحفاوة والشكر:

يدرك الاباء جيداً أن المرأة في الاسرة المسلمة ليست كالخادمة للزوج تقوم بمهمة طبخ الطعام وغسل الملابس فهي عندما تمارس هذه الاعمال فإن ذلك تفضّلاً منها, وعليه يجب على الزوج أن يحتفي بها ويشكرها بصدق وإخلاص. كما يجب عليه أن يعلم حتى بتلك الاعمال التي تمّت في غيابه فيشكرها عليها. لأن هذا الشكر يدفع بالمرأة إلى الظن بزوجها خيراً والاطمئنان إليه والثقة به, بل وسوف يزول عنها أحياناً شعورها بالتعب والضجر والسأم.

فسعادة المرأة في الحياة هي أن تجد زوجها مهتمّاً بعملها عارفاً بجهودها وتضحياتها. وإن شكر الرجل لزوجته يضيء تلك الزوايا المظلمة في قلبها ويزرع فيه شعوراً بالامن والثقة والايثار والتضحية.

 

اهتمامات ضرورية:

إن الاساس في الحياة الاسرية هو أن لا يبرز أي تصرّف سيء بين الرجل وزوجته ولا يلجآن أبداً إلى تبادل الكلمات البذيئة لآن القلوب ستصاب في هذه الحالة بالانقباض والانكماش ولا يمكن التخلّص بسهولة من آثارها السيئة.

وقد تختفي تلك الاثار بسرعة في بعض الاحيان, لكنّ آثارها ستبقى عالقة كما يبقى لون الحبر عالقاً بالملابس.

ينبغي أن تقوم أخلاق الرجل على أسس دينية, ويدفع التذبذب في الاخلاق والممارسات للشعور بالقلق, وضعف العلاقة وإحساس الزوجة بالمظلومية في محيط الاسرة.

ويتأثر الاطفال كثيراً بهذا الامر ويعتريهم القلق والاضطراب ويسأمون حياتهم. فيجب على الاب- من خلال سلوكه الرزين مع زوجته- أن يخلق الاحساس عند الطفل بأنّ العلاقة الزوجية إنما هي علاقة مقدّسة لا يمكن التفريط بها بسهولة. لذا يجب أن تكون التصرفات مدروسة, وأن تتم المشاركة في جميع الامور كالافراح والاحزان حتى يمكن توفير أجواء البناء والتكامل لتلك الاسرة .

فالاب الذي يصرخ في وجه زوجته إنما يلقن طفله درساً سيئاً فيجعله لا أبالياً إزاء الاسس الاخلاقية والمبادئ الانسانية.

وإن الرجل الذي يعرب عن تنفره من زوجته إنما يقوم بجرح مشاعر أطفاله وعواطفهم. فالزوجة مهما كانت ستبقى أمّا لهؤلاء الاطفال الذين يحبّونها ويعتبرونها جزءً من وجودهم.

وبشكلٍ عام تقتضي المسؤولية الانسانية- وهي من لذائذ الحياة- أن يتعامل الرجل في بيته بالصفح والتسامح ويتّسم بالنصرة والاعانة والمشاركة في الافراح والاحزان حتى يكون فخراً لأعضاء أسرته يتعلمون منه الدروس التي توفّقهم في الحياة وتدفعهم نحو الامام.