|
الحمد لله بجميع محامده كلها ، على جميع نعمه كلها ،
وصلواته المباركة
الدائمة على سيد الدعاة ، وأفضل المخلوقات محمد وآله المطهرين.
((رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي
أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ، وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً
تَرْضَاهُ ، وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ، إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ
، وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ))
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأزهار المتطلعة إلى النور ، العابقة بالشذا .
إلى الأذهان المتفتحة بالوعي ، المعتصمة بالرشد ،
الشاعرة بالمسؤولية ، الجديرة بحمل الأعباء .
إلى الطليعة المؤمنة من شباب الجيل .
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وجميل رعايته ،
وروافد توفيقه.
هذه آثار متفرقة شاء الأدب أن يقارب ما بينها في لون ،
وشاء الإسلام أن يجمع ما بينها في غاية ، وشاء واجب التربية أن يشدها
في إطار ، وأن يضمها في منهج .
وتآزرت هذه العوامل فكان منها هذا المجهود الذي أضعه
بأيديكم اليوم .
آثار متفرقة حررت أجوبة خاصة لبعض الأعزاء من شباب
الجيل، ثم حذفت منها المخصصات والمعيّنات ، لتقدم بحوثاً عامة إلى
الشباب المؤمنين برسالتهم ، المستمسكين بدينهم ، لعلها تؤدي أمانة ،
وتفي بحق وتسهم في بناء ، فهي منكم واليكم -أيها الميامين-، ومن الله
لي ولكم هداية السبيل وبلوغ الغاية .
والأحاديث محاولة عملية في التربية قبل أن تكون أجوبة ،
وحلولاً لبعض المشكلات .
محاولة عملية في التربية على ضوء مناهج الإسلام ، وفي
إشعاع نظرته ، والى بعض آماده .
والتربية في الإسلام عميقة الجذور ، بعيدة الأطراف ،
بحيث تشمل في سلطانها جميع آفاق النفس ومشاعرها ، وعواطفها وأحاسيسها
وغرائزها .
عميقة الجذور ، بعيدة الأطراف ، عمق الإسلام ، وبعد
أطرافه.
وللتربية في الإسلام منهج حافل شامل ، لا يترك ناحية من
نواحي النفس الإنسانية لا يوليها عنايته ، ولا يتناولها رشده ، ولا
يعمها توجيهه ، وهذه إحدى مميزات الإسلام لا يشاركه ولا يدانيه فيها
سواه.
إن الإسلام يريد من كل أحد يدين به ، ويؤمن بدعوته ، أن
يكون مسلم الفكر ، مسلم النفس ، مسلم القلب ، مسلم الضمير ، مسلم الحب
والبغض ، مسلم الخوف والأمل ، مسلم العواطف والمشاعر .
يريد منه أن يستقبل الإيمان يقظاً واعياً بكل مشاعره ،
وبكل أحاسيسه ، حتى يشع الإيمان على جميع الآفاق من عقله وروحه ونفسه،
وحتى تقبس كل ناحية منه – على انفرادها- نصيبها من الإيمان، وتستجيب له
في سلوكها ، وتخضع لموجبه في اتجاهاتها ، وفي ميادين عملها .
وينتقص حظ الفرد من الإيمان الكامل إذا شذ بعض نواحيه
النفسية عن مجرى الإيمان ، فلم تنل من إشعاعه ، ولم تصب من رشده ، أو
انحرفت فلم تستوف من عطاء الإيمان نصيبها الذي تبلغ به الغاية، وتدرك
المقصود .
كثير من مؤمني الفكر يعيشون في مشاعر كافرة ، أو هي
أقرب الأشياء إلى الكفر ..
وكثير من الناس لهم عقول نيرة بالعقيدة ، عامرة
بالإيمان والبرهان، ولكنهم يعيشون في ظلمات نفسية مطبقة ، دونها ظلمة
الجحود .
والإيمان كالنور لا ينفذ من وراء حجاب ، وموضع العجب أن
أكثر هؤلاء لا يجدون تعارضاً بين هذا النشاز النفسي وبين الإيمان .
إن الإسلام يريد من كل فرد من أتباعه أن يتلقى الإيمان
بجميع مشاعره وأحاسيسه ، حتى يعم الإيمان جميع جهاته ، ويضيء جميع
آفاقه.
والإسلام يعد العدة لهذه الغاية ، ويضع لها المناهج ،
ويتخذ الوسائل .
وعلى هذه الركيزة من الإيمان الشامل ، المشرق البنّاء
يقيم الإسلام شخصية الفرد المسلم ، ويصوغ الخلق المسلم ، ويؤسس بناء
المجتمع المسلم .
على هذه الركيزة يقيم الإسلام شخصية الفرد المسلم ،
ويعين مقوماتها ، ويحدد أبعادها وسماتها .
وعلى هذه الركيزة يبدأ ويتم صياغة الخلق المسلم ، يشتق
منها موازين الخلق الكريم ، ويضع عليها أسسه ، ويربط بها حدوده وغايته.
وعلى هذه الركيزة يؤسس بناء المجتمع المسلم ، وينشئ
صلاته، ويشد علاقاته ، ولتفصيل هذا الإجمال بحوث وكتب أخرى .
وأكثر الناس حاجة إلى هذا الرصيد من الإيمان هم الدعاة
، الذين يبنون العقائد ، ويشعون الإيمان في قلوب الآخرين ، فإن بناء
العقيدة التي تضيء النفس ، وتعمر الحياة ، لا يكون بحشد البراهين
المجردة عليها، وإن أوجبت اليقين أو الاقتناع بها .
وما أكثر النتائج الفكرية التي يثبتها البرهان ، حتى لا
يشك العقل في ثبوتها ولا يرتاب ، ثم هي لا تبلغ بذلك مبلغ العقائد ولا
تدانيها !.
إن بناء العقيدة لا يكون بحشد البراهين المجردة عليها
وإن أوجبت اليقين ، أو الاقتناع بثبوتها ، ولا بد للفكر وللنفس من
عملية أخرى -وراء الاقتناع- بها تكون الفكرة عقيدة .
لا بد من ركون نفسي ثابت لا يتزلزل ، واستمساك فكري
واثق لا يضعف ، هذا هو العمل الذي يقوم به العقل والنفس بعد الاقتناع
بالفكرة فتكون عقيدة .
وضروري إن إيمان الداعي وإخلاصه في الدعوة ، وصدقه في
النصيحة ، وصدقه في العاطفة ، لها الأثر الأعظم في توجيه عقل المدعو
ونفسه لذلك .
وأكثر الدعاة حاجة إلى هذا الرصيد الكامل من الإيمان هم
المربون..
.. هم الذين يصوغون الضمائر ، وينشئون الأخلاق ،
ويوجهون العواطف والمشاعر .
إن هذه المهمة دقيقة عميقة ، فلابد فيها من مناغاة
العواطف، ولابد فيها من مناجاة الضمائر والمشاعر ، ولابد وأن تكون
المناجاة في ظلال الإيمان ، وتحت رعايته ، ليسري الإيمان والتهذيب من
طريق الحب ، ويسري من طريق القدوة ، ويسري من طريق الإشعاع .
وأنجح المربين في مهمته ، وأمكنهم من بلوغ غايته ، من
استطاع أن يتحدث إلى العاطفة بلسان العاطفة ، كما يتحدث إلى الفكر
بلسان الفكر ، والى الوجدان بلسان الوجدان ..
.. من استطاع أن يتغلغل إلى هذه الأعماق ، فيوجه بالعمل
كما يوجه بالقول .
وعدّته في الوصول إلى هذا المدى هو الإيمان الشامل ،
الذي يطبق أرجاء النفس ، ويضيء أطرافها .
هو الفكر المؤمن ، والنفس المؤمنة ، والضمير المؤمن ،
والعاطفة المؤمنة ، والمشاعر المؤمنة ، والخلق المؤمن .
وبهذه العدة أحرز العظماء من قادة الإسلام ورعاته
أشواطهم في مهمتهم التربوية .
نعم ؛ وبهذه العدة بلغوا آمادهم في مهمتهم القيادية .
هذه هي طريقة الإسلام في التربية ..
انه يتصل بالفكر من طريق الفكر ، ويتصل بالقلب من طريق
القلب ، ويتصل بالوجدان من طريق الوجدان ، ويتصل بالعاطفة من طريق
العاطفة ، وبالمشاعر من طريق المشاعر ، ثم يلقن مبادئه وتعاليمه
بالحديث ، ويلقنها بالعمل ، ويلقنها بالإيحاء ، ويلقنها بالواقع المجسد
المحسوس .
وإن الكلمة في ظل هذا الإيمان المشع يكون لها أكثر من
مدلول، وإن الإيماءة يكون لها أكثر من أثر .
والشرط الأول والمهم في نجاح هذه الطريقة ، وتركيز
أثرها : أن يقدّر الشاب ، أو الناشئ ، هذا الجهد من مربيه ، فيبادله
حباً بحب، ويكافئه قلباً بقلب ، وشعوراًً بشعور .
أن ينتهز هذه الفرصة المواتية ، فيصل به عاطفته ومشاعره
، ليسري الأثر ، ويمتد الإشعاع .
وقد تحدثت إلى أحد الشباب النجباء، فقلت له -في جواب
كتابه-:
(ورسائلي إليكم -أيها الأعزاء- محاولات في التربية
العلمية الإسلامية ، فلا يستغني قارئها عن تكرارها أكثر من مرة ، ولا
يستغني عن أن ينفعل بأحاسيس كاتبها ، ويصطبغ بمشاعره ، ويتكيف مع
أساليبه ، ويكون رهن إشارته -مادام قارئاً له- .
(وكلما تعددت الفرص ، وامتدت به في تملّي هذه الدروس
واستبطانها ، كان أقرب إلى النجاح ….) .
وأضيف هنا : ان استقرار الإيمان ، ومد نفوذه ، وعطاءه
العطاء الكامل ، يفتقر إلى طول تعهّد ومران ، والى مزيد يقظة ، ومحاذرة
من خداع الوهم ، وخداع العاطفة ، والتواءات الغريزة .
هذه طريقة الإسلام في التربية العملية ، أشير إليها هنا
بقدر ما يوضح للقراء خطتي التي اتبعتها في هذه الرسائل .
أما تفصيل المنهج ، وتبيين حدوده وخطوطه ، فموعده يوم
يسعدني التوفيق -إن شاء الله- فأضع الحلقة الخاصة بالتربية من كتاب
(الإسلام) .
ومعذرة مضاعفة إلى الأعزاء الذين حررت إليهم الرسائل ،
أن تستدعي الرسالة التربوية العامة أن أحذف منها الأسماء والمخصصات
والمعينات ، معذرة مضاعفة إليهم ، فهذا هو حكم الواجب الذي لابد أن
يؤدى .
وأوقن أنهم سيكونون أشد غبطة بها حين يرونها بهذه
الصبغة فتتاح الفرصة فيها –مجتمعة– لهم ولإخوانهم على السواء .
وتحياتي ، وطيب أماني لكم جميعاً ، في مطلع الحديث وفي
ختامه.
النجف الأشرف – 26/جماد الثاني /سنة : 1387
محمد أمين زين الدين
بسم الله وله الحمد
ولدي الحبيب ضياء الدين
زين الدين ..
أضع على ناظرتيك بعض طبعات الأبوة ، وأبثك أشواق
العاطفة البرة ، ومن الله أسأل أن يقر عين أبيك بشفائك ، ويجدد له
هبتك، ويبوئك المقام الذي يرجوه لك في صفوف الداعين إلى الله ،
المجاهدين في سبيله .
بني : هذه إضمامة من أحاديث العاطفة المؤمنة ، ومن
بلاغ الفكر المؤمن ، كنت أنت السبب في لمها ، يوم بدأت ترد علي رسائل
إخوانك، يطلبون فيها أجوبة لبعض المسائل ، وحلولاً لبعض المشاكل ، فكنت
تطلب مني أن أحتفظ بصورة من كل جواب ، لتدون في مجموعة ثم تنشر في كتاب
.
من أحاديث العاطفة المؤمنة ، ومن بلاغ الفكر المؤمن ،
ومن أقباس الحق الذي شعت به العاطفة ، وضاء به الفكر ، واستنار به
السبيل .
ومن هدى القرآن العظيم ، ينبوع الحق ، ومصدر إشعاعه ،
ومبعث قوته وانطلاقه
)وَبِالْحَقِّ
أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ..(
.
.. من أحاديث العاطفة المؤمنة ، وستعجب من قولي هذا،
وستتساءل عن صلة العاطفة بالإيمان ، وعن صلتها بالدعوة إلى الله ، ففي
سبيل الدعوة إلى الله حررت هذه الرسائل .
والواقع ان العاطفة من أشد المؤثرات على الحق إذا هي
تدخلت أو انفردت في الحكم به ، والإيمان الصحيح أحوج الأشياء إلى
الابتعاد عن العاطفة قدر المستطاع عند النظر في أدلته وحججه ، والإسلام
أكثر الأديان تأكيداً على لزوم التجرد عن أي مؤثر على التفكير السليم
عند النظر في أدلته ومثبتاته .
نعم ؛ والحكم في هذه المرحلة حق خالص للفكر المجرد ،
والموازنة الدقيقة ، ولا مساغ فيه لعاطفة ، ولا لأي شعور نفسي آخر سوى
الشعور بالحق ، ووجوب الانقياد له .
وبعد أن يتم هذا الدور الفكري الخالص ، وبعد أن ينظر
الفكر المجرد فيما يقدمه الإسلام من أدلة ومثبتات ، ويقتنع اقتناعاً
كاملاً بأن النتائج التي دلت عليها تلك الأدلة حق لا ريب فيه .
أقول : وبعد أن يتم هذا الدور الذي لا حكم فيه إلا
للفكر المجرد ، ولا أثر إلا للبرهان المنير ، يأتي دور الإيمان ، دور
الإيمان بهذه النتائج، وهو عملية يشترك فيها العقل والنفس .
والإسلام في هذا الدور يحرص -أشد الحرص- على أن يستقبل
الإنسان دفعة الإيمان بجميع نواحي شعوره ، وبجميع جهات نفسه .
يحرص على ذلك أشد الحرص ، ويؤكد عليه أبلغ التأكيد ،
ليعم الإيمان جميع آفاق النفس ، وتعمق ركائزه فيها ، وتمتد أنواره
وآثاره، وسيأتي لهذا تكرار وتوضيح .
وتؤمن العاطفة ، وتؤمن المشاعر , كما يؤمن الفكر
والقلب.
ومعنى إيمان العاطفة : أن تخضع لقيادة الإيمان ورقابته
، فلا تنبسط لأحد من الناس ولا تنقبض عنه إلا وفق مقاييس الإيمان ، وفي
ضمن حدوده .
أن يكون الحب الإنساني قبساً من حب الله العظيم ، فلا
ينطلق به المؤمن إلا حيث يرضى الله ، وحيث تحدد شريعته .
وكذلك إيمان سائر العواطف والمشاعر والأحاسيس : أن
تصطبغ بصبغة الإيمان ، وتقف عند حدوده .
ونواحي النفس هذه -التي قلت عنها : إن الإسلام يحرص أشد
الحرص على أن يستقبل الإنسان بها دفعة الإيمان- هي النواحي التي تخضع
للاختيار ، أو يخضع له بعض آثارها ، أما النواحي التي لا تخضع هي ولا
آثارها للإرادة ، فلا يتسنى ذلك فيها .
بلى ؛ قد يعم إشعاع الإيمان حتى هذه النواحي غير
الاختيارية، ويشملها هداه حين يطول مران النفس على الإيمان ، وتعمق
آثاره، وتقوى فعاليته فيها ، حتى تنفذ إلى منطقة اللاشعور .
ان العاطفة –كما قلت- من أشد الأخطار على الحق إذا هي
تدخلت أو انفردت في الحكم به ، وما في ذلك من شك ، ولكنها –بعد أن
تنساق مع الإيمان الصحيح ، وتصطبغ بصبغته ، وتقف عند حدوده، وتتزود
بمنهاجه–، تعود من العناصر المهمة في الشخصية الإسلامية المتكاملة ،
ومن أكثر العوامل جدوى في ميادين التربية العملية على ضوء مناهج
الإسلام ، وما في هذا من شك كذلك .
*
* *
.. من أحاديث العاطفة المؤمنة ، ومن بلاغ الفكر المؤمن
، وليس أدنى إلى القلب ، ولا أنفذ في أعماقه ، ولا أقدر على توجيهه ،
من بلاغ الفكر ، تمده أقباس الإيمان ، وأنوار القرآن ، وتنديه نجوى
الحب في الله، والولاء في دينه .
هذا ما رجوت حينما كتبت هذه الرسائل ، وهذا ما رجوت
حينما جمعتها في هذا الديوان ، وهذا ما ارجوه حين تنشر -ان شاء الله-،
والله هو المسؤول المأمول لتحقيق الرجاء .
ولدي ضياء : أما الثقة الغالية التي أولاني إياها
إخوانك الأعزاء، فأرجو ان يوفقني الله –سبحانه- لدفع ثمنها كاملاً غير
منقوص ، يؤدي الأمانة ، ويفي بالأمنية لي ولهم على السواء ، ولله الذي
كلفني وإياهم بالتواصي بالحق ، والصبر عليه ، والتآزر على حمل أعبائه .
ووصيتي الأولى التي أقدمها في مطلع الحديث لك ، ولكل
قارئ معك من الطليعة المؤمنة : أن تعيش أسلوب الرسالة التي تقرؤها،
وتصغي إلى همساتها وهتافاتها ، وأن تستشعر -في أعماق نفسك، وأعماق
قلبك- انك أنت المقصود بها .
أجل ؛ أنت المقصود بها -أيها القارئ العزيز-، وما دونت
هذه الآثار المتفرقة ، وما استبدلت عن طابعها الخاص بهذا الطابع العام
إلا لتؤدي رسالتها إليك .
أنت المقصود بالحديث ، والإيمان الذي وصلني بك ، وشدك
إليّ هو الذي جعل مستقبلك أحد مسؤولياتي التي يجب علي أن أفكر فيها،
وأن أعمل لها ، والله –سبحانه- هو الذي حمّلني لك هذه الأمانة ، فهل
تعدني أنت بقبولها ؟ ..
إن المسؤولية مشتركة ومقسمة -أيها الحبيب- .
أن تعيش أسلوب الرسالة ، وتصغي إلى همساتها وهتافاتها،
ولست أعني أن تنفرد إلى أسلوبها الأدبي ، تختبر طواياه ومزاياه ، ولكن
إلى أسلوبها في التوجيه ، أما الأسلوب الأدبي فأفضل مزاياه أن يؤدي دور
الرائد الأمين .
وسيجد القارئ تكراراً لبعض المعاني ، ولبعض التوجيهات
في غضون هذه الرسائل ، وسبب ذلك : أن الرسائل – كما تعلم – كتبت متفرقة
لآحاد متفرقين ، وقد تتفق الحال أو تتشابه في أكثر من واحد ممن كنت
أراسلهم ، وذلك يستدعي وحدة المعنى ، ووحدة التوجيه ، ولما جمعت
الرسائل أصبح ذلك تكراراً ، على أنه -في الأكثر- لمعانٍ مهمة تستوجب
التكرار والتأكيد .
وقد فاتني أن أحتفظ بتأريخ أكثر هذه الرسائل ، ومن أجل
ذلك أوردته مهملاً بغير تأريخ .
وفاتني كثير من الرسائل التي تنتظم في هذا السلك ، فلم
أحتفظ منه بصورة ، وبعض هذه مهم أسفت لفوته ، ووفرة الأعمال وتوزع
البال هما المسؤولان عن ذلك .
ولدي ضياء الدين ..
وختاماً أزجي شكري إلى إخوانك الأحباء ، الذين أتاحوا
لي بمراسلاتهم هذه الفرصة ، وفتحوا أمامي هذا الباب ، فهيؤوا لي أن
أسوق إليهم -والى الطليعة المؤمنة من ورائهم- بعض نصائح الأبوة .
ولك ولهم وافر تحياتي ، وطيّب أمنياتي ، ومن الله أسأل
أن يريني نتاج الغرس ثمراً شهياً ، وعملاً رضياً .
وأجدد دعوتي إلى الله –سبحانه- بشفائك العاجل ، وصحتك
الكاملة ، وسلمت .
25/جماد الثاني/سنة : 1387 .
لأبيك
محمد أمين زين الدين
(1)
الإسلام
دين الثبات والصدق ولكن المنتسبين إليه هم المتزلزلون. الإسلام لا
ينتفع من أتباعه شيئاً . والناس هم الذين ينتفعون به . ضعفاء العقيدة
والنفوس.
البحرين
تحية كريمة ، وثناء جميلاً ، وشوقاً كبيراُ .
حيى الله روحك المسلمة ، ومشاعرك المؤمنة ، ووفقك لبلوغ
أمانيك ، وبارك في غر مساعيك .
تلقيت رسالتك ، ورأيت ما أودعته إياها من ألم مبرح ،
وقرأت ما كتبته فيها من شكوى مريرة ..
ولا عجب ، فالمسلم الصحيح يأسى حقاً إذا رأى انهيار
الأخلاق والدين في أبناء أمته الزكية ، كأنما هم ينحدرون من صبب .
والإسلام أشجع من أن يتزلزل في موقف ، أو تضطرب له قدم
، أو يتأخر عن غاية ، وهو دين الثبات ، ودين الصدق ، منذ أول يوم من
أيامه ، إلى أن تنطوي آخر ساعة من ساعات الحياة.
الثبات على الحق ، والصدق في الدعوة ، والصدق في
العقيدة، والصدق في القول ، والصدق في العمل ، والصدق في المعاملة ،
والصدق في النية ، والصدق في الخلق ، والصدق في كل مجال يمدح فيه الصدق
، والثبات الجازم الحاسم في كل أولئك :
)إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ
يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ .(
.(الحجرات:
15)
نعم ، الإسلام أقوى من أن يتزلزل ، أو تضطرب له قدم ،
ولكن المنتسبين إليه ، الذين لم يتطبعوا بجوهره ، ولم يتشرّبوا روحه ،
ولم يتعرفوا حقيقته ..
وبالأحرى ؛ الذين لم يعرفوا منه غير ألفاظ تردد وطقوس
تجدد ، هؤلاء هم الذين لا يعرفون الثبات ، ولا يعرفون الصدق ، ولو أنهم
فقهوا من دينهم شيئاً لما تزلزلت لواحد منهم في موقف قدم ، ولما رغب أن
يخلع عقله كما يخلع نعله ، ولما اضطربت بهم الأهواء كالورقة الجافة في
ملاعب الرياح .
ان الشجرة العظيمة ، الثابتة أصولها ، السامقة فروعها ،
لن تزلزلها الأعاصير مهما كانت عادية عاتية ، ولن تستطيع أن تقتلعها من
جذورها ، وهي تمد كل غصن من غصونها ، وكل ورقة من أوراقها، وكل زهرة
وكل ثمرة فيها ، بالغذاء الكافي الذي يضمن لها الحياة، ويبلغها الغاية
، وبالقوة الشديدة التي تصمد أمام الحوادث ، وتكافح الطوارئ .
ولكن الورقة المسكينة التي تنخرها الجراثيم ، هي وحدها
التي تصفر ، ويهي موضع اتصالها في الغصن ، وتسقط ضعيفة حقيرة غير مأسوف
عليها ، ثم تتلاقفها الرياح حتى تمزقها شر ممزق ، وتسقط في التراب تداس
بالأنعل ، والبقية الصالحة منها تكون علفاً للحيوانات .
هذا مثل قريب للإسلام ، ولمن ينفصل عنه من أبنائه ،
واقرأ معي -إذا شئت- قوله (سبحانه) :
)أَلَمْ
تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ
طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء . تُؤْتِي
أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ
الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ .(
.(إبراهيم : 24 - 25)
إن الإسلام لن ينتفع من أحد شيئاً أبداً ، وإن توهم ذلك
القاصرون في التفكير ، الجاهلون بالغايات والمرامي ، ولكن الناس
هم الذين ينتفعون بدينهم حق الانتفاع ، ويحيون باتّباعه حق الحياة ،
إذا هم فهموا حقائقه حق الفهم ، وطبقوها على واقعهم حق التطبيق ، دون
نقص ودون التواء :
)يَمُنُّونَ
عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن
كُنتُمْ صَادِقِينَ .(
.(الحجرات : 17)
الإسلام دين الحياة ، والقرآن كتاب الحياة ، ومحمد بن
عبد الله رسول الحياة ، يقول هذا ، ويعترف به منصفون من علماء الغرب ..
من علماء الطبيعة .. من العلماء الذين يفخر هؤلاء (المثقفون) الذين
يقولون لك : إن القرآن أسطورة تاريخية ، لا تتمشى في عصر الذرة، وعصر
الصواريخ !! .
يفخر هؤلاء المهرّجون أن يكونوا من تلاميذ تلاميذهم في
الدرجة العاشرة ، أو العشرين .
مساكين هؤلاء -يا عزيزي-، أنهم يستحقون الرثاء ولا
يستحقون النقد ، لأنهم لم يعرفوا القرآن حين قالوا فيه هذا القول ، ولم
يعرفوا الذرة ولا الصواريخ ولا النور حين مدحوها هذا المدح ، ولو أنهم
عرفوا شيئاً من هذا وذاك لما قالوا هذا الذي قالوه .
ولا أطيل ، ولا أدلل ، لأنني لا أكتب كتاباً ، ولكنني
أحرر رسالة، وليس لي من الوقت ما يسمح لي بأن أتحدث عن هذه المنحدرات
والمباءات .
مساكين هؤلاء ؛ إنهم يستحقون الرثاء ولا يستوجبون النقد
، ولو أنهم عرضوا شكوكهم –إن كانت حقاً لديهم شكوك- على من يستطيع
معالجتها وتبديدها لكانوا أدنى إلى الصواب ، وأعذر لدى العقل ، بل
وأعذر عند الله كذلك .
ولو أنهم حلقوا في معارفهم بمعاني القرآن ، ومعارفهم في
علوم الكون وشؤون الحياة ، لكانوا حكام أنفسهم ، ولم تخلق لديهم شكوك
ولا أوهام .
ولكن موطن الضعف أن ينظر جاهل فيشك ، وبالأحرى أن يشك
جاهل من غير نظر ، ثم يجعل شكه بذاته هو الحكم .
وأخيراً ؛ تقبل تحياتي الكثيرة لك ، ولمن يعز عليك من
إخوانك، وأسأل الله لي ولكم تسديد الخطى في الدين والدنيا .
(2)
قالوا : الإسلام لم يأت بأخلاق زكية .
جواب سريع عن هذه الفرية . هل قرؤوا هذه الآيات ؟
ليسوا من غراس الإسلام . لنسر مجدّين .
البحرين
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته ، وعلى من يعز عليكم من
الإخوان والأحباء ، وسؤالي عنكم ، وشوقي إليكم ، وابتهل إلى الله
–سبحانه- أن يحقق لك ما تأمل، ويكفيك ما تحذر ، وأن يوفقك لما يحب،
وللقيام بما يجب .
وأحييك تحية المسلم الحق ، الذي يستخلص أخلاقه من
عقيدته، ويبني أعماله على أخلاقه .
وصلتني رسالتك الثانية قبل أيام ، وانشغالي بوضع (…)
أبطأ بي عن الجواب ، ولقد أبطأ بي عن كثير من الواجبات ، ومن الله أرجو
التوفيق لإنجازه ، انه هو الموفق المعين ، ومن إخواني أستمد الدعاء
لبلوغ الآمال ، فدعاء الإخوان المؤمنين عدة المرء في جميع مهماته .
عزيزي : تحدثت في رسالتك عن المسلمين الذين انزلقوا عن
تعاليم الإسلام ، وولوا وجوههم شطر أبنية أخرى غير كعبته ، واتجهوا
بقلوبهم وعقولهم وأسماعهم وأبصارهم غير وجهته ، وقالوا : إن الإسلام لم
يأت بأخلاق زكية ..
وقالوا : انه لا يصلح أن يقوّم اعوجاج المجتمع .
الإسلام ؛ الذي بعث رسوله ليتمم مكارم الأخلاق ، لم يأت
بأخلاق زكية ؟ .
الإسلام ؛ الذي قوّم الجفاة القلوب ، الغلاظ الأكباد ،
فأقام منهم أمة تتفانى في سبيل الحق ، وتتفادى في ميادين الأخوة
الإسلامية ، لا يقوم اعوجاج المجتمع ؟ .
لقد قلت لك في رسالتي السابقة : ان هؤلاء لم يعرفوا
القرآن حين نقدوه هذا النقد ، وهذا الذي تقوله عنهم شاهد صدق على ذلك .
فهل قرؤوا هذا المقطع وحده من سورة الإسراء :
)وَقَضَى
رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ
إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ
كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل
لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً .
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ
فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً .
وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ
كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ
كَفُوراً .
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن
رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً .
وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ
وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً .
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ
كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً .
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ
نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً
كَبِيراً .
وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
وَسَاء سَبِيلاً .
وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ
إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا
لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ
مَنْصُوراً .
وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ
إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً .
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ
بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً .
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً .
وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن
تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً . كُلُّ ذَلِكَ
كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً .(
. (الإسراء : 23 - 38)
*
* *
وهل قرؤوا هذه الآيات من سورة الفرقان ؟ :
)وَعِبَادُ
الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً .....
)وَالَّذِينَ
إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ
ذَلِكَ قَوَاماً . وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً
آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً .
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ
مُهَاناً ..
)وَالَّذِينَ
لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا
كِرَاماً . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ
يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً.(.(الفرقان
: 63 - 73)
هل قرؤوا هذه المقاطع وحدها من آيات الكتاب ؟ ، وهل
تدبروا معانيها إذا كانوا ممن يهمهم أمر القرآن .. إذا كانوا ممن يهمهم
أمر القرآن ولو لينقدوه ؟ .
ولماذا أقول سورة الإسراء ، أو سورة الفرقان ، ولماذا
أخصصٍ هذه الآيات الكريمة أو تلك ، فدروس الأخلاق منتشرة مبثوثة في طول
القرآن وعرضه .
هكذا ، نعم هكذا أسوق الشواهد سوقاً ، دون شرح ودون
تعليق، فإن وضوح معاني الآيات الكريمة التي ذكرتها يغنيني عن التفسير .
عزيزي : قف على كل مقطع ، وعلى كل جملة من هذه الآيات
الكريمة وأمثالها ، وقلّب بصرك في آفاقها المترامية ، ثم اعجب –إن شئت
العجب– من أقوال الذين يهرفون بما لا يعرفون .
أما قولتهم التي نقلتها عنهم : (تعرف الشجرة بثمرتها) ،
فهي قولة صحيحة ولا نقاش في صوابها ، ولكن لنتساءل جادين :
هل المسلمون في واقعهم الراهن غرس من غراس الإسلام ،
لتكون أخلاقهم وأعمالهم الموجودة من ثمار الإسلام ، ويستدل على فساد
الشجرة بفساد الثمرة ؟ .
إنها نتيجة لن يقولها منصف أبداً .
لن يقولها منصف عرف واقع المسلمين اليوم ، وبعده عن
تعاليم الإسلام ، بل ومناقضته لهذه التعاليم .
قل لهم : إن الإسلام كل لا يتبعض ولا يتجزأ ، ولا يبيح
للأهواء أن تتدخل في أمره فتقبل منه وترفض حسب ما تشتهي :
)أَفَتُؤْمِنُونَ
بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ
ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ .(
.(البقرة : 85 )
إن مسلماً لا يولي وجهه شطر قبلة الإسلام ليس غرساً من
غراس الإسلام .
وإن مسلماً يتسامح في فرائض الله وواجباته ليس غرساً من
غراس الإسلام .
وإن مسلماً يتغاضى عن قوانين الله فلا يطبقها على
مأتياته ومتروكاته ليس غرساً من غراس الإسلام .
وإن مسلماً يكذب ، ويخادع ، ويغش ، ويخون ، ويرتكب ما
يخالف الأخلاق التي أمر بها الإسلام في كتابه وسنته ، ليس غرساً من
غراس الإسلام .
نعم ليس هؤلاء جميعاً ولا نظراؤهم من غراس الإسلام ،
ولا كرامة .
دعوا الإسلام ينقّي التربة ، ويضع البذرة ، ويتعهدها
بالسقاية، ويرعاها في النمو ، ويكافح دونها الجراثيم والطفيليات ، ثم
انظروا كيف يكون الثمر ، إن كنتم تريدون أن تعرفوا ثمار الإسلام .
وبعد ، فما لنا -أيها العزيز- وللحديث عن هؤلاء
وأهوائهم ؟ ..
لنسر جادين مجدين إلى الغاية التي نبتغيها نحن ، والتي
خلقنا الله من أجلها ، ومن أجل تحقيقها .
لنضطلع بالأعباء العظمى التي رآنا الله أهلاً لها حين
قال لنا :
)وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ .(
.(آل عمران : 104 )
لندع إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونجادل
الغاوين بالتي هي أحسن .
لنفهم هؤلاء السادرين الحائرين قولة الله صريحة ،
ولنعرفهم بينة الله صحيحة ، فلن يضرنا ، ولن يضر كلمة الله خذلان خاذل
، ولا هزل هازل :
)وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .(
.(الحج : 40)
إنهم إخواننا -يا عزيزي- وذوونا ، فلنبادرهم بالعلاج ،
فطب محمد كفيل ببرء النفوس ، وشفاء الصدور .
وسلمت ، وسلم لك أعزاؤك الذين تشدهم إليك صلة الإيمان،
وأخوة القرآن ، وتحياتي وأشواقي إليكم جميعاً .
(3)
يقول
: إن الإسلام لا يناقض المبادئ الوافدة .
من ضعفنا أنا نصدق ما يوحي القوي إلينا . قال القوي وقلنا : نعم .
مبادئ تقوم على إنكار الإله بعض واجبات المرشد .
البحرين
تحية الإسلام ، وتكريم الإيمان .
أخي : حدثتني في رسالتك عن رفقائك الشباب الذين صحبوك
إلى مطار …. لتوديع بعض أرحامك ، والذين فارقتهم أنت لتؤدي فريضة الوقت
.. فريضة الصلاة ، وفارقوك هم ليقضوا فرصتهم في بعض المقاهي، ثم اجتمعت
بهم لتسألهم : هل أدوا فريضة الإسلام؟، وليجيبوك عن سؤالك هذا بابتسامة
هازئة ساخرة ! .
حدثتني عن رفقائك هؤلاء ، فذكرتني حديثاً لي مع زميل
صحبني قبل أشهر في غرفة القطار بين البصرة وبغداد .
كان زميلي هذا من الشباب الواعي الصاعد كذلك ، وكان
مغتبطاً بلقائي -على ما أتذكر من قوله- .
كنت أنتظر أن يقف القطار لأصلي ، فقد حل وقت الصلاة منذ
ساعة .
ووقف القطار ، وعلمت أن مدة وقوفه تسمح لي بالنزول ،
وبأداء الفريضة كما أريد ، وتم لي بحمد الله ذلك ، وأديت الفريضة ،
وعدت إلى موضعي من المقصورة ، ووجدت رفيقي كما فارقته مكباً على قراءة
بعض الصحف اليومية ، ولم أشأ ان أفاتحه الحديث في أمر الصلاة ، فقد كنت
أعرف قيمة الصلاة عند هذا الفريق من الشباب المخدوعين .. لم أشأ أن
أتطرق معه إلى هذا الحديث لو لم يفتحه هو .
قال لي في أثناء سمره: انه لا يجد تناقضاً أبداً بين
دين الإسلام وبين هذه المبادئ الوافدة من اليمين أو من اليسار ،
فالإسلام –على ما يرى– دين روحي يتعهد صلة الإنسان بربه ، وهو يتمثل
بصلاته وصومه وعباداته ، فإذا أداها المسلم فليس عليه من حرج في أن
يعتنق أي مبدأ من مبادئ الاقتصاد ، أو أي مذهب من مذاهب الاجتماع،
تطوراً مع الحياة ، وتقدماً مع الحضارة ، قال ذلك بإصرار .
فابتسمت له ابتسامة عريضة ، ثم قلت : والذي لا يصلي ولا
يصوم ألا تعده مسلماً يا رفيقي؟ .
فانتبه لسقطته ، وتلعثم من الخجل ، وضحك ضحكة باردة هي
إلى الارتباك أقرب منها إلى أي معنى آخر .
ثم قلت له : يبدو أنك لا تجد تناقضاً بين قولتك هذه
وبين فعلك، كما لا ترى تناقضاً بين الإسلام واعتناق هذه المبادئ
الوافدة من هنا وهناك .
فتمتم ثم أطرق .
فقلت : إن من مواطن الضعف فينا -يا سميري- إننا نصدق ما
يوحي القوي إلينا دون موازنة ودون تمحيص ..
قال لنا القوي : إن الإسلام موضعه المسجد والمحراب ،
ومجال الإسلام إنما هو تربية الروح .. إنما هي صلة الإنسان بربه فقط ،
فقلنا نحن : نعم .
قال هو ذلك ليكفّ دين الله عن مجالات الحياة ، وليكفي
المبادئ -التي يريدها هو- أشد مناوئ لها في الميادين ، وأقواها عزيمة
في الصراع ، وأعظمها سهماً في الحكمة ، وأرسخها قدماً في العدل، ولكنه
أبخسها نصيباً من الدعاية ، وأضعفها قلوباً -بل وإيماناً- في الأتباع .
قال القوي قولته تلك ليكتسب هذا الكسب ، وينال هذا
الربح .
وقلنا نحن : نعم ، لأننا مولعون بالتقليد .. بتقليد
الأقوياء حتى فيما يضرنا .
لقد تعودنا -يا سميري- أن ننصهر ونذوب إذا لمحنا القوي،
ونرتهن بإشارته ، ونخضع لإرادته ، فلا كيان لنا معه ولا إرادة ، ولا
رأي ولا موازنة ، وإلا فأي دليل يقوم لدينا على فصل الدين عن مجالات
الحياة ، واختصاصه بناحية الروح ؟ ..
أتحداك –وأنت مثقف على ما أتوسم– أن تقيم لي شاهداً
واحداً على صدق هذه الدعوى ، وأتحدى غيرك ممن يتبنى هذه الفكرة وفيهم
الكتاب والمفكرون ، شريطة أن يكون الدين المبحوث عنه هو دين الإسلام …
دين القرآن … دين الإسلام بالخصوص !! .
قال لنا القوي وصدقنا قولته لنعزل دين الله في الصوامع
والجوامع ، ولنقصر نشاطه على العبادة والقربة ، ثم لتجيء الأهواء -بعد
ذلك- فتصرفنا عن الصلاة والعبادة ، فنخرج -كما قدّر لنا عدونا اليقظ-
(مهلسين) مفلسين ، لا رصيد لنا من دين ، ولا ملجأ من عقيدة ، ولا سند
من إيمان ، ولا حصيلة من عمل ، ولا نأبه للتناقض ، ولا نبالي بالخسيسة
.
ثم ماذا غير ذلك -يا سميري- ؟ .
ليس في الإسلام –كما قلت– مناهج خاصة تنظم الحياة ،
وتوجه الإنسان فيها ، وتأخذ بيده في مجالاتها ، لا في الاقتصاد ، ولا
في الاجتماع ، ولا في الحكم ، ولا في السياسة ..
ليس فيه مناهج خاصة لتناقض هذه المبادئ الوافدة من
اليمين أو من اليسار .
أفتقول -أيضاً-: ليس في دين الإسلام عقيدة يقوم عليها
بناؤه، وتتشعب عنها فروعه .. عقيدة بإله خالق للكون ، متفرد في تدبيره
؟.
فكيف لا يعدّ الإسلام –إذن- مناقضاً للمبادئ التي تقوم
على إنكار الإله ، والتي تقول -بملء أفواهها- وتهتف -ملء حناجرها-:
(إن العالم هو واحد ، لم يخلقه إله ولا إنسان ..) .
فضحك صاحبي ثم قال : ويقولون –أيضاً-:
(إن العالم المادي الذي تدركه حواسنا هو الواقع الوحيد
…إن المادة ليست من نتاج العقل بل إن العقل نفسه نتاج المادة الأعلى) .
فقلت : وأظنك تعرف جيداً معنى قولهم هذا .
إنهم يعنون ان المادة أزلية ، لم يسبقها عقل لتكون هي
من نتاجه، ومعنى ذلك : أنها لم يخلقها إله ، لأن الإله إنما يخلق
الأشياء عن قصد وتدبير وحكمة ، فهم يعبرون عنه بأنه عقل .
المادة أزلية ؛ وكل ما هنا من شيء فهو من نتاج المادة ،
وتطورها تحت نفوذ القوانين الطبيعية التي تحكمها ، والعقل نفسه من نتاج
المادة أيضاً ، والآراء والمعتقدات والفلسفات والمذاهب كلها انعكاسات
للواقع المادي الموجود ، هذا ما يعنون بقولهم .
وأنا لا يهمني الآن ما يقولون هم ، ولكن يهمني ما تقوله
أنت، فقد عرضت لهذا القول في الحلقة الأولى والثانية من كتاب (الإسلام)
وفي مواضع أخرى متفرقة ، وعرض لهذا كتاب آخرون مسلمون وغير مسلمين ،
وعرض لهذا العلم التجريبي أيضاً ، وأثبت ان كون المادة أزلية قول لا
يبتني على أساس .
أنا لا يهمني الآن ما يقولون هم ، ولكن الذي يهمني ما
تقوله أنت ، فهل تؤمن بذلك ؟ ، وسواء آمنت بصحته أم لم تؤمن فكيف لا
تعده مناقضاً للإسلام ؟ .
ثم انصرف بنا الحديث إلى التوحيد ، ثم إلى الصلاة ،
وانقضى السمر، وانفضّ السامر ، ولم أعرف حال صاحبي بعد مجلسنا ذلك،
وأسأل الله له الهداية .
أما الفاضل الوجيه خطيب المنبر الحسيني الذي وجّهت إليه
رسالتك ، ودعوته فيها إلى القيام بقسطه من التوجيه والنهوض بواجبه من
الإرشاد ، وذكرت له المزالق والعوائق التي تعترض الشبان المسلمين في
هذه الأزمان ، وفي هذه الأصقاع ، وقلت له : ان المرشد الديني الصالح
يجب أن يعدّ لكل داء علاجه ، ولكل شبهة حلها ، وأن المنبر الحسيني يجب
أن يكون في القمة من هذه المهمة ..
أما هذا الفاضل ؛ فمن الحق أن تحمله على الخير -ما دام
مظنة للخير-، وإن تأخر عن جوابك .
وعلى أي حال ؛ فقد صنعت أنت ما يجب عليك ، أما هو فإنه
أعرف بعذره إذا كان لديه عذر ، والله هو وليّ الجزاء ، وهو العليم بذات
الصدور .
والمظنة التي يظنها فريق من أصحاب المنابر ورجال الدين
ببعض الشباب فيبعدون عنهم ، وينفرون من قربهم ..
هذه المظنة السيئة هي مصدر البلاء الذي حاق بنا -يا
عزيزي- والذي جنينا ثماره وحملنا آصاره .
وما ضر رجل الدين ، أو خطيب المنبر ، أن يبسط خلقه
وعلمه للناقد من الشباب ، أو غير الشباب ، حتى يحيله مادحاً ، وللجاهل
حتى يصيره عالماً ، وللغاوي حتى يجعله رشيداً .
وهذا الشاب الناقد أو الغاوي ليس بأحط نفساً ، ولا أسوأ
قصداً، ولا أقل قيمة من ذلك البدوي الغليظ الجافي ، الذي كان الرسول
7
يستقبله بابتسامة العطف واللطف ، ثم يفترش معه الحصى، ويكب عليه بفحص
أدواءه داءً داءً ، ويعالجها واحداً واحداً ، ولا يفارقه إلا وهو أحب
الناس إليه ، وأشدهم انقياداً لقوله .
إنها دروس رفيعة رفيعة -يا عزيزي-، لو أننا اتبعناها في
مجالاتنا من الدعوة إلى الله لأفدنا منها خيراً كثيراً ، وكفينا شراً
كثيراً .
ومنبر الدعوة لم يؤسس -حين تأسس- لتعليم العالم ،
وإرشاد الرشيد ، ولو كانت هذه مهمته لفقد جدواه ، وبطلت حكمته .
ومن الله أسأل أن يمنّ علينا وعلى المؤمنين بتسديد
الخطوات وإقالة العثرات .
(4)
الإيمان المشع الصناع ، هذا هو الذي أراده لنا القرآن . الإيمان
القاصر المنطوي بعيد عن روح الإسلام .
إلى الحلة : 14/ رمضان / سنة : 1383هـ
الأستاذ القدير …… المحترم .
سلام الله عليك ، وتحيته المباركة ، ورحمته الدائمة ،
وعون الله ظهيرك في دعوتك ، وتوفيق الله حليفك في سعيك، مع شوقي
الكثير، وإعجابي الكبير .
وصلتني رسالتك الكريمة ، وتعرفت بها على روحك المشبعة
بالإسلام ، المشعة بالإيمان ، وقرأت فيها طرفاً من جهادك في الله،
ودعوتك إلى سبيله ، فأكبرت ، ودعوت ، وتمنيت أن يكثر في أبنائنا
الأنجاب من أمثالك في كل صقع ، وفي كل بلد ، وفي كل ناحية ، ممن يأخذون
بيد النشء إلى وجهته الصحيحة ، ويعرّفونه دينه الكامل، ونهجه الشامل ،
إذن لظهر أمر الله ، ولعلت كلمته ، وإذن لخط للأمة مستقبل كريم يزخر
بالسعادة ، وينطف بالهناء .
والإيمان المضيء المشع هو الطاقة العظيمة التي أراد
القرآن أن يزود بها كل نفس مسلمة ، وأن يفعم بها كل قلب مسلم .
.. الإيمان الذي ينير جميع جوانب النفس ، ويضيء منها
حتى عواطفها ومشاعرها وآمالها ، فلا تلفي في آفاقها المترامية إلا
نوراً ، ولا تجد إلا هدىً ، ولا تحس إلا خيراً وجمالاً ، والذي يعكس
النور في قلوب الآخرين ، ويملأ به نفوسهم ، ويبني إيمانهم ، ويخلق
شخصياتهم.
الإيمان القوي المكين الصناع ، الذي يدخل مع ابتسامة
الحب إلى القلوب الغلف ، ومع نصح الأخوة إلى الأسماع الصم ، ومع نظرة
العطف واللطف إلى المشاعر المغلقة ، والصدور الحرجة ..
الإيمان الذي يخلق الإيمان ويلده ، كالكهرباء يمتد إلى
الأجسام التي توصل به ، ويعكس الأضواء على الأخرى التي تقابله .
أقول : وهذا النوع من الإيمان هو الطاقة التي أراد
القرآن أن يزود بها كل نفس مسلمة ، وأن يملأ بها كل قلب مسلم . نعم ؛
ومن أجل ذلك وجدنا الآيات الكريمة التي تصوغ الإيمان ، وتضع أسه ،
وتقيم بناءه ، وتحكم قواعده ..
.. وجدنا هذه الآيات الكريمة من الكتاب الكريم تعنى
-أشد العناية- بإيقاظ الإنسان ، وتوجيه فكره ، ولفت مشاعره ، وتنبيه
مختلف أحاسيسه وغرائزه وعواطفه وانفعالاته.
فتغري عقله بالنظر ، وتحرضه على حب الاستطلاع ، وتلهب
مختلف نوازعه بالعتاب ، وتثير فيه كامن الخوف من ربه ، وتحرك في قلبه
وتر الحب الغريزي لمنعمه وراحمه ، وتأخذه بالرغبة إليه ، والرهبة منه ،
وبالوعد بثوابه ، والوعيد بعقابه ، ليتنبه هذا الإنسان من كل جهاته ،
ويتلقى ركائز الإيمان بمختلف نواحي شعوره ، ويكون مؤمن الفكر ، مؤمن
القلب ، مؤمن الروح ، مؤمن النفس ، مؤمن العاطفة، مؤمن النزعات ، مؤمن
الأحاسيس والهوى والآمال والآلام ، ويكون مؤمن الحب والبغض، مؤمن الرضا
والغضب، مؤمن السر والعلانية، مؤمن القول والفعل .
أجل : هذا هو الإيمان المضيء المشع الذي أراده لنا
الإسلام، وأراده لنا القرآن ، ولست هنا أستطيع أن أذكر شواهد ذلك من
الكتاب الكريم ، وأشرح أبعاده من النفس ، وآثاره في الدعوة وفي صلاح
المجتمع ، فإني إنما أحرر لك رسالة ولست أؤلف كتاباً ، وقد ذكرت بعض
ذلك في الحلقة الثانية من كتاب (الإسلام) ، ومن الله أرجو التوفيق
لإتمامه ، ثم العون على نشره .
أما الإيمان القاصر المنطوي ؛ فإنه بعيد عن روح الإسلام
الهادية المتفائلة ، التي تريد أن تفتح الدنيا ، وتنير أقطار المعمورة
، وتعمر آفاق الناس وقلوبهم وضمائرهم .
إي –وعينيك- إن هذا اللون الحائل من الإيمان أبعد
الأشياء عن روح الإسلام .
وأسمّيه قاصراً منطوياً ، لأنه قد يملأ جانباً واحداً
من جوانب النفس الكثيرة ، ولكنه لا ينفذ إلى جوانبها الأخرى .
فقد يتلقى الإنسان عقيدة الإسلام بفكره المجرد ، فينظر
فيها نظراً ثاقباً ، ويؤمن بها إيماناً شديداً ، ولكن النواحي الأخرى
من نفسه، ولكن حبه وآماله وعواطفه ومشاعره ، تكون بعزلة كاملة عن ذلك،
فلا تؤثر في إيمانه شيئاً ، ولا تتأثر به ، كأن الأمر لا يعنيها بشيء
أبداً .
ومعنى ذلك : أن هذا الإنسان آمن إيماناً جافاً صلداً ،
ليس فيه طراوة الحب ، ولا نبضة العاطفة ، ولا تجدد المشاعر ، ولا
ابتسامة الأمل .
ومعنى ذلك : أنه آمن إيماناً يائساً متشائماً قاسياً ،
يظن فيما حوله الظنون ، وينظر إليه بريبة، يحكم بالضلال على من خالفه
لأقل بادرة، وييأس من صلاحهم لأدنى تهمة .
وهو -من أجل هذه الأزمة التي تأخذ عليه آفاق نفسه- لا
يجهد بإبلاغ دعوة ، ولا يأمل في إقبال فتح ، ولا يرجو إشاعة صلاح ، أو
تقويم عوج .
إن هذا الإيمان المنطوي أبعد الأشياء عن روح الإسلام ،
وعن رشد القرآن ، وعن هدى الرسول ، والدعاة المسلمون هم الذين يستقبلون
أعداءهم الأشداء الألداء بابتسامة الحب ، وعطف الأخوّة، ويتلقونهم
بسماح الإسلام وأخلاق الرسالة ، فيفعلون العجائب، ويحققون المعجزات .
وقد توسمت فيك -أيها العزيز- ملامح الداعية المسلم ،
الذي تنعكس دعوته على سيرته ، ومن الله –سبحانه- أرجو أن يحقق فيك
رجائي ، ويستجيب لك دعائي .
وتحياتي لك ، ولزملائك الأطياب ، الذين يشاركونك حمل
الدعوة، ويمتون إليك بنسب الإيمان ، ويتفيئون معك ظل القرآن، وللشباب
الأنجاب الذين يرتوون بأيديكم من نمير العقيدة ، ويتبعون بدلالتكم
أنوار الهدى ، وأشواقي ودعائي لكم جميعاً .
(5)
حديث
القيامة
ليس من مجالات العلم الكوني، الحكم فيه للعقل والدين الصحيح . العلم
يقول بنهاية الكون إلى الفناء .
إلى النجف : 22/ رمضان / سنة : 1383هـ
ولدي المهذب ……..
سلام عليك ملء عاطفتي ، وكفاء شوقي ، وتحيات زكية طيبة
لك ولمن يعز عليك من الشباب النجيب ، الأزهار الفواحة بالهدى، والوجوه
المشرقة بالإيمان ، والنفوس المفعمة بحب الله وحب رسوله، والدعوة إلى
سبيله ، والضمائر المطهرة بأخلاق الإسلام ، الدائبة في حمل رسالته ،
ودعائي لكم جميعاً أن يجعلكم من حملة الإصلاح ، وأدلاء الفلاح .
أشرت في رسالتك إلى الآيات الكثيرة التي ذكرت يوم
القيامة، وصورت مشاهده ، ووصفت أهواله ، وسألت عن العلم الحديث: هل قال
فيه قولة ؟ ، وهل تنبأ عنه بنبأ ؟ .
ولدي : إن حديث القيامة ، ونشر الأجساد ، وعودة الناس
إلى الحياة بعد الموت ، وقيامهم للعرض والحساب ، وليلقى كل أحد منهم
جزاء ما عمل .. إن هذا الحديث غيب من الغيوب ، وليس من مجالات العلم
الحديث ليحكم فيه ، أو يتنبأ عنه .
فقد عرفت ، وعرف كل مطلع ، أن مجال العلم الحديث إنما
هي الأمور المادية التي يدركها الحس ، وتبلغها الآلة ، وتنالها التجربة
وتقع عليها الملاحظة ، وبديهي أن القيامة وشؤونها وأحوالها ليس من ذلك
في شيء ، فهي ليست من مجالات العلم المادي ليقول قولته فيها بنفي أو
بإثبات .
نعم ؛ إن العلم الحديث لا يثبت في ذلك شيئاً ولا ينفي ،
لأنه ليس من ميادينه ، وليس القول فيها من اختصاصه ، وهذا هو موقفه
المعتدل مما وراء المادة كافة ، فإن العلم لا ينكر وجود ما لا يدركه
الحس ، ولا تبلغه الآلة ، ولا تناله التجربة ، بل يترك الحكم فيه للفكر
المجرد ، لأنه يملك فيه وسائل الإثبات ، ووسيلة الفكر المجرد لتحصيل
اليقين في ذلك هو الدليل القاطع ، والبرهان المنير .
.. لا ينكر العلم وجود ما لا يدركه الحس ، ولا تبلغه
الآلة ، ولا تناله التجربة ، ولا يجحد وجود ما وراء المادة ، ولا يجحد
وجود الإله ولا يوم النشور ، لأنه لم يملك إثبات ذلك بوسائله المحدودة
، ويأفك من ينسب ذلك إلى العلم ، ويفتري أشد الفرية عليه ، وقد تحدثت
عن هذا في كتاب (الإسلام) وفي أبحاث متفرقة أخرى ، وتحدث عنها كتّاب
آخرون كثيرون ، مسلمون وغير مسلمين .
ولدي : لقد قلت لك : إن العلم التجريبي لا يملك وسيلة
الإثبات أو النفي ليوم النشور ، والعلم منصف لأنه علم ، فلا يحكم فيه
بحكم ، ولا يجحده ، لأنه لا ينكر ما يجهل ، وإنما يوكل الحكم فيه للعقل
المجرد ، وللدين الصحيح .
وكل ما توصّل العلم الحديث لإثباته بالقوانين القطعية :
أن هذا الكون سائر في طريقه إلى الفناء ، ولا بد من يوم تصل فيه
الحرارة التي تشعها الشمس إلى درجة لا تبقى معها حياة ، ولا يستقيم كون
، وقد استدل العلم على ذلك بالقانون الثاني من قوانين الديناميكا
الحرارية. وتفصيل هذا يحتاج إلى بسط طويل .
أما العقل ؛ فقد ملك البراهين القوية على إثبات هذه
العقيدة، وقد ذكرت بعضها في الحلقة الأولى من كتاب (الإسلام) ، ويمكنك
الرجوع إليها -إذا شئت- .
وأما الإسلام ؛ فقد قال قولته في ذلك صريحة لا غموض
فيها، وهي كذلك قطعية لا جدل فيها ، ولا مساغ عنها بعد أن أثبتت
الفطرة، وأثبت العقل أنه الدين الحق فلا ريب فيه ، وأن حقائقه هي
الحقائق الناصعة فلا معدل عنها .
هذه مجملات أكتفي بها في جواب رسالتك ، لأن التفصيل في
هذا الموضوع لا تسعه رسالة .
ومن الله أرجو لك دوام التوفيق ، وتمام السعادة ، وشمول
الرحمة ، وسبوغ النعمة ، وتحياتي لك وللأعزاء من أصحابك .
(6)
كتاب يبيعون
العقول والضمائر . يجردون الدين حتى من
صفاته الأصيلة . فقرات من صحيفة الحضارة حول العلمانية والجواب عنها .
إلى النجف :10/ ذي القعدة / سنة : 1383هـ
ولدي …….
أهديك وافر التحية ، وزكي التسليم ، وأبثك عظيم الوجد ،
وكبير الشوق ، وأرجو لك دوام الصحة ، ودوام المسرة .
قرأت في رسالتك فقرات نقلتها عن صحيفة (الحضارة) ،
وطلبت مني أن أجيب عنها ..
قرأت هذه الفقرات ثم فكرت في المنحدر السحيق الذي يهوي
إليه بعض الكتّاب الذين يبيعون العقول فلا فكر ، والضمائر فلا وجدان .
نعم ؛ ومن يستبدل بدين الله ديناً لم يعز عليه أي شيء
سواه .
إن هؤلاء حين يتحدثون عن الدين يجردونه من جميع صفاته،
وحتى من سماته الأصيلة التي يتميز بها ، بل ويضيفون من أمالي الهوى ،
وأمالي الضمائر الميتة ، والبصائر المدخولة ما يبرأ منه الدين، ويتنزّه
عنه كتابه ، وتترفع عنه شريعته ، ثم يبتنون الأحكام، ويستخلصون النتائج
من هذا الخليط المشوه ، وعلى هذه الأسس المنهارة .
والذي يروم نقد هذه الآراء ، ويريد الجواب عنها ، لا
يدري ماذا ينقد ، وعمّا ذا يجيب ، لكثرة الثغرات والفجوات .
إنها مهزلة من المهازل ، ولكنها مهزلة تفتقر إلى الجواب
، وبالأحرى هو داء لابد من الوقاية ضد جرثومته حذراً من الانتشار .
والفقرات -التي ذكرتها- تحتوي شبهات ثلاث ، أذكرها
واحدة واحدة ، لننظر مبلغها من الصحة ، ومن القوة .
يقول الكاتب : (إن رسمية دين معين في الدولة تخلق فئة
معينة تشعر بسمو على الفئات الأخرى من المواطنين ، وكرد فعل من الفئات
الأخرى تشعر هذه الفئات بشعور غريب نحو الفئة ذات الدين الرسمي، وعنها
يتسرب الأجنبي ، فإذا أردنا أن نسد الباب الذي يتسرب منه الأجنبي وجب
أن يعلن عن علمانية الدولة ، فيشعر المواطنون بالمساواة والطمأنينة) .
وأول مراوغة يبدأ بها الكاتب بحثه هي هذا العرض الذي
يعرض به المسألة أو المشكلة -حسبما يتصور- .
فالدولة -في رأيه- هي التي تجعل الدين رسمياً أو غير
رسمي، وهي التي تبت بالحكم عليه ، أما الدين ذاته فلا خيرة له في ذلك ،
والإسلام لا يقبل هذه المساومة ، وهذه الضعة .
إن الإسلام هو الذي يقيم الدولة للمجتمع المسلم، ويضع
أسسها، ويوجّه حكومتها وشعبها ، ويربطها بالنظم العادلة ، وهو الذي
يقرر للدولة رسميتها ، ووجوب طاعتها على الناس إذا كانت تستمد أنظمتها
من حكم الله ، ومن شريعته .
وثانياً-: أي دين هذا الذي يشعر أتباعه بالسمو على
المواطنين الآخرين في الحقوق والواجبات ، والحريات الفردية والجماعية
التي يعترف بها الدين ، وأمام محاكم العدل ، وسلطات التنفيذ ؟ .
أي دين هذا الذي يشعر أتباعه بالسمو على المواطنين
الآخرين في شيء من ذلك ؟ ، والدين الذي يرتكب ذلك يثبت بطلان نفسه،
ويناقض العدل الذي يكدح هو وأتباعه في الدعوة إليه .
أما الإسلام -على الخصوص-؛ فإنه أعظم الأديان براءة ،
وأشدها نزاهة عن هذه الهنات التي يلوي بها الكاتب لسانه ، وتاريخه
النيّر المشرق ، ومناهج تشريعه العادلة ، براهين صدق على هذه الدعوى .
والمواطنون الآخرون حين يعلمون ان الدين الرسمي للدولة
يصون لهم حقوقهم كاملة ، ويضمن لهم حرياتهم دون ميل ، ودون انحراف ، لا
يشعرون بغربة أو ببعد عن الفئة ذات الدين الرسمي، ويشعر الجميع
بالمساواة والطمأنينة كما يدعو إليها الإسلام ، ويتعاون الجميع من أجل
مصلحة الدولة ، ومصلحة البلاد .
*
* *
ويقول الكاتب : (ورسمية الدين للدولة يلازمها توزيع
النواب على أساس النسبة العددية للطوائف ، وبذلك تنتفي الكفاءة
والأهلية، وهو ضرر فادح للبلاد) .
وهذه الشبهة نظيرة أختها السابقة في المراوغة والالتواء
، فإن الإسلام ينمي الكفاءات في أتباعه وفي مواطنيه على السواء ، ويمهد
للمواهب أن تظهر وأن تتفتق ، ويهيئ لها الأجواء الصالحة ، ويمدها
بالتربية الموجهة ، ويستثمرها جميعاً لمصلحة المجتمع ، ومصلحة الدولة
دون ميل ولا مواربة ، إلا أن ينحرف ذو الكفاءة فيعمل طاقته في هدم
الإسلام ، وشلّ حكومته ، والكيد للمسلمين والفتنة لهم في دينهم، وإذا
ثبت ذلك فلا جور ولا ضير في أن يؤدب المعتدي .
أما ناحية التشريع فلها في دين الإسلام حقول معينة ،
ومنهج خاص ، ومؤهلات مخصوصة ، لابد من مراعاتها والانطلاق ضمن حدودها .
*
* *
ويقول أخيراً : (ورسمية الدين للدولة تفسح المجال لرجال
الدين أن يدسوا أنوفهم في شؤون الدولة بصفتهم الدينية باسم الدين
الرسمي) .
وهذه آخر المراوغات ، والإسلام ليس له رجال دين
مخصوصون، ورجال الدين فيه كل فرد آمن بفكرته ، وأخلص في عقيدته ، وفقه
نظامه ، وخضع له في العمل ، وإذا توفرت في الرجل هذه الشروط مع الشرائط
الخاصة التي يعتبرها النظام ، فأي مانع يمنعه من الدخول في شؤون الدولة
، وأي موجب لهذا الاستثناء ؟ ، وما معنى الصفة الدينية بعد ذلك ؟ .
وبعد ، فإن الكاتب يفترض أن يكون الدين شيئاً وأن تكون
الدولة شيئاً ، ثم يراد التطفل بدخول الدين صفة للدولة ، أو بدخول صفة
الرسمية على الدين ، ثم لا شيء غير ذلك ، والكاتب يريد تجريده حتى من
هذه الصفة .
هذه بعض النقاط التي اشتملت عليها عبارات الكاتب
أتناولها بإيجاز ، وسلامي لك ولمن يعز عليك ورحمة الله وبركاته .
(7)
قلم أديب . سبيل دعوة الله . الشباب
الواعي عدة الإسلام لمستقبله وحاضره
. واجب كل داعية مسلم .
إلى النجف - حي الأمير
ولدي المهذب …. كان الله في عونك ، وسددك في خطاك ،
ولقاك ثمار الأمل ، ونتاج العمل .
وصلتني رسالتك ، واستنشقت منها عبق الإيمان، وعطر
الإسلام، وقرأت فيها القلم الأديب يومي إيماءته الجميلة إلى عظمة
الإسلام ، ويصف باختصار واقع المسلمين ، تحيط بهم الأمداد الكافرة ،
تتقاذفهم تياراتها ، وتتهددهم أخطارها ، وتحدق بهم المبادئ الملونة ،
يستغل دعاتها جهل المسلمين بمبدئهم ، وفراغ أذهانهم ونفوسهم من عقيدتهم
، بل وجهلهم بكل ما يمت إلى ذلك ، وكل ما يتصل به .
قرأت في رسالتك القلم الأديب يومي إلى ذلك باختصار ،
ويصفه بإيجاز ، ورأيت الفكر الواعي ، والشعور الحي ، والقلب المطمئن ،
يلمح إلى العلاج ، ويختط لنفسه ، ولإخوته وذويه ، منهاجاً سديداً لتلقن
مفاهيم الإسلام ، وتفهّم عقيدته ، وتمثّل أنظمته ، ثم التسلح بالفكر
الإسلامي الصائب ، وبالبرهان القرآني المنير ، لصد ما يلقى من مفاهيم
كاذبة ، ومبادئ ضالة ، تحارب الإسلام ، وتناقض مناهجه ، وتعارض أهدافه
.
وسبيل دعوة الله منذ يومها الأول إنما هو تنبيه الفطرة
، وتوجيه الفكرة ، واللفتة اليقظة الواعية إلى إشراقة الحق ، وابتسامة
الهدى، ووضاءة الحجة ، ونور اليقين ..
هذا هو سبيل دعوة الله منذ يومها الأول ، وهو كذلك
سبيلها الذي لن تحيد عنه ، ولن تستبدله بغيره إلى يومها الأخير :
)قُلْ
هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ
اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ .(
.(يوسف : 108)
البيان المشرق ، والحجة القاطعة ، والحكمة السديدة ،
هذه هي بعض مفاتيح البصيرة ، وهذه هي عدة الإسلام لبث دعوته ، وتلقينها
للعقول ، وتركيزها في النفوس ، وتفهيمها وتعميمها للناس أجمعين .
البيان المشرق الذي تبدو فيه قسمات الحق ، ومحاسن الهدى
، جلية واضحة تتملاها الأفكار ، وتتبينها البصائر ، والحجة القاطعة
التي تسد منافذ الريب ، وتوصد أبواب الشبهة ، والحكمة الرفيعة التي لا
اضطراب في موازينها ، ولا قصور في أهدافها ، ولا تخلف عن غاياتها .
وهذا هو نهج الله –سبحانه- الذي جرى عليه في كتابه
الكريم، وابتعث به نبيه العظيم ، وهو نهج المطهرين من دعاة الإسلام ،
وألسنة الحق ، وقد بحثت هذا طويلاً في الحلقة الأولى من كتاب (الإسلام)
.
والشباب الواعي المفكر ، المستقيم التفكير ، هم عدّة
الإسلام لغده، بل وليومه ، وهم الطاقات القوية الفعالة التي لا يسوغ
إهمالها، ولا التغافل عنها ، ولا التسامح في حفظها ، وفي توجيهها ، فإن
التسامح في هذه الطاقات المهمة يعني التسامح في الإسلام ذاته .
أقولها صريحة ، ويقولها معي كل من فقه الإسلام ، وعرف
حقيقته ومراميه .
وتزويد هذا الشباب الواعي بالمفاهيم الإسلامية الصحيحة،
وتسليحه بالعقيدة الراسخة ، وبالإيمان القوي البنّاء ، الذي يضيء
الحياة، ويبني السعادة ، ويكوّن الشخصية ، هذا هو واجب كل داعية مسلم ،
وكل أبناء الإسلام دعاة مسلمون ، وحملة الدين ، وحفظة الشرع ، هم
الرعيل الذي يجب أن يكون السابق في هذا المضمار .
ولعل من أجدى الطرائق وأيسرها لتكوين هذه العدة ، وجمع
هذا الرصيد ، هي هذه الطريقة التي التزمتها لنفسك ولأسرتك -أيها
العزيز- .
هي مطالعة الكتب النافعة التي تبحث في حقائق الإسلام،
وتوضح مفاهيمه ، والتي كتبت بأيدٍ فهمت حقائق الإسلام ، وعرفت مفاهيمه
، ثم الاختلاف إلى حملة الدين الثقاة الأمناء ، أو المراسلة لهم،
لاستيضاح ما التبس ، واستكشاف ما أبهم .
وليس في معارف الإسلام ، ولا في حقائقه ما يلتبس وما
يبهم ، ولكنه الفكر البشري قد تميل به نزعة ، وقد يقعد به قصور ، وقد
تعترضه شبهة ، فمن الخير له أن يلجأ -عند شكه- إلى دليل أمين ، كما
يلجأ الإنسان عند مرضه إلى طبيب أمين .
وختاماً تقبل سلامي لك وللأعزاء الذين يلتقون بك ،
ويشعرون بشعورك ، والذين يحملون لك وتحمل لهم الحب في ظل الإيمان ،
وتحت راية القرآن .
(8)
صلة
تقوم على الإيمان . طاقة مؤمنة . المسلمون في واقعهم الراهن .
الداعية المسلم متفائل . عدته لفتح القلوب وصوغ الضمائر. مرت بالمسلمين
تجارب . سبيلنا الذي سنبلغ به الغاية .
إلى النجف
الشاب المهذب الأديب ….. وفقه الله .
سلام الله عليك ، وتحياته الطيبة ، ونظرته الرحيمة ،
وتوفيقه الدائم، ولطفه الشامل .
ما أعمق هذه الصلة التي تلفني بك ، وتضمك إليّ –على غير
رؤية، وعلى غير لقاء-، وتجمعنا بوثاق الحب في الله ، والإيمان به ،
والسعي لمرضاته !! .. ما أعمقها ، وما أسماها ، وما أنزهها !! .
إنها تتحدى الحدود ، وتتحدى الأبعاد ، وتتحدى الزمان
والمكان ، وأسأل الله –سبحانه- أن يجعلنا لها أهلاً ، ويلقينا ثمارها
إيماناً صحيحاً، وعملاً مشكوراً ، وخلقاً رضياً .
كنت أنتظر رسالتك -أيها العزيز-، وكان الحب يقول لي :
لابد من أن يراسل ، ولابد من أن تقرأه مرة ثانية ، ولابد من أن تعرف
منه أكثر مما عرفت .
واستلمت رسالتك كما أستلم كف حبيب بعد فراق ، ولا أطيل
في الوصف ، ولا أطيل في الحديث ، فأنا أريد أن أحدثك ببعض أحاديث
الإيمان ، لا بأحاديث الحب الذي يتولد في ظلال الإيمان .
وقرأتك مرة ثانية ، كما وعدتني نفسي ، كما وعدني الحب
المؤمن القائم لك في نفسي .
قرأتك لأرى طاقة مؤمنة تتفجر من أجل الإيمان ، من أجل
بعثه في أعماق القلوب ، وفي أعماق المجتمع ، ليطهر أوضار هذه القلوب،
ويشد أركان هذا المجتمع ، ويعود بناؤه محكماً كما يريد الله ، شامخاً
كما يريد الحق ، مشعاً كما يريد الهدى ، نعم ؛ وعرفت منك أكثر مما عرفت
قبل .
وصفت المسلمين في واقعهم الراهن فأجملت الوصف ، ولكنك
صورتهم في هذا الوصف المجمل فأحسنت التصوير ، وتساءلت محقاً :
أهو مجتمع كما يعرف علم الاجتماع من معنى هذه الكلمة ؟
، أهم مسلمون كما يعرف الإسلام من مفهوم هذه اللفظة ؟ .
ثم أجبت
–
غير محابٍ ولا متجانف عن الصواب- : كلا ، كلا، ليس مجتمعهم مجتمعاً ،
وليس إسلامهم إسلاماً .
إنك لم تكن في جوابك بعيداً عن الصواب ، فإن الإسلام
إذا لم يتغلغل في أعماق المسلم ، فيكون عقيدة يؤمن بها عقله ، وتشع بها
نفسه ، وتضيء منها آفاقه ، ثم يكون منهاجاً يخضع له عمله ، وتدين به
إرادته ، ثم دعوة يلهج بها لسانه ، ويذب عنها قلمه ، وتكرس لنصرها
طاقاته وملكاته ..
.. إن الإسلام إذا لم يبلغ من نفس الفرد هذا المبلغ ،
لم يكن إسلاماً حقيقياً وإن أشبهه في بعض الملامح .
والمجتمع المسلم إذا لم يقم على الأخوة في الله ،
والتناصر في مرضاته، لم يكن مجتمعاً مسلماً كما يريد الإسلام .
أما الوحدة في المكان واللون والدم ، وعلاقات الاقتصاد
، فإن الإسلام لا يراها ركيزة للاجتماع ، وهو يربأ بمقام البشرية أن
تكون كالحيوانات تجمع ما بينها وحدة القطيع ، أو وحدة المرعى ، أو وحدة
اللون .
وتساءلت -في آخر رسالتك- عن الوسيلة التي يريد أعلام
الدين انتهاجها من أجل ابتناء مجتمع إسلامي .
*
* *
ولدي العزيز : كل ما تقدم حق لا مراء فيه ، ولكن
الداعية المؤمن متفائل باسم الأمل ، لا يجد اليأس إلى قلبه سبيلاً ،
وهو -بقوة إيمانه المشع ، وأمله الباسم ، ودعوته المخلصة ، ونفسه
المطمئنة التي تضمر للناس الخير ، ولا تحب لهم إلا الخير- يستطيع أن
يصنع كل شيء .
هذه هي العدة التي زوده الله بها لفتح القلوب ، وصوغ
الضمائر، وتطهير النفوس .
وقد وصفت هذا الإيمان المشع في رسالة إلى أحد الأعزاء ،
قلت فيها :
(والإيمان المضيء المشع هو الطاقة العظيمة التي أراد
القرآن أن يزود بها كل نفس مسلمة ، وأن يفعم بها كل قلب مسلم ..
(.. الإيمان الذي ينير جميع جوانب النفس ، ويضيء حتى
عواطفها ومشاعرها وآمالها ، فلا تلفي في آفاقها المترامية إلا نوراً ،
ولا تجد إلا هدىً ، ولا تحس إلا خيراً وجمالاً ، والذي يعكس النور في
قلوب الآخرين ، ويملأ به نفوسهم ، ويبني إيمانهم ، ويخلق شخصياتهم) .
(.. الإيمان القوي المكين الصناع ، الذي يدخل مع
ابتسامة الحب إلى القلوب الغلف ، ومع نصح الأخوة إلى الأسماع الصم ،
ومع نظرة العطف واللطف إلى المشاعر المقفلة ، والصدور الحرجة ..
(.. الإيمان الذي يخلق الإيمان ويلده كالكهرباء يمتد
إلى الأجسام التي توصل به ، ويعكس الأضواء على الأخرى التي تقابله) .
وإذا كثر الدعاة إلى الله من هذا الطراز الرفيع ، أمكن
لهم أن يحققوا كل أمل للإسلام ، وكل فتح لدعوته .
وقد مرت بالمسلمين تجارب أفهمتهم -إن كانوا يفقهون- أن
الإسلام وحده هو السند الذي يعصمهم من الذبذبة ، والمأمن الذي يقيهم من
المخاوف ، والملجأ الذي يصونهم من العثار ، ويؤمنهم من الخسار .
مرت بالمسلمين تجارب ، ومن أعجب الأمور ان يفتقر
الإسلام لإثبات ذاته عند أبنائه إلى تجارب ، أليس هذا من المضحك المبكي
؟ .
ولكنها
–
على أي حال- تجارب نافعة .
مرت التجارب فانتبه الوعي العام ، وأقبل المسلمون على
ذخيرتهم يقلبّونها ويفحصونها هل فيها ما يجدي، وهل فيها ما ينقذ؟،
وكأنهم في شك من نفعها ومن جدواها .
ووقف بعضهم موقف السادر الحائر ، وذلك هو فعل بعدهم عن
الدين طويلاً من السنين ، بل عديداً من القرون .
انتبه الوعي العام ، والتفت المسلمون إلى مواريثهم، إلى
إسلامهم، وفيه حل كل مشكلة ، وعلاج كل معضلة .
وبدر في الطليعة رجال الغد ، بل ورجال اليوم ، الشباب
الطاهرون الواعون ، وفي عزائمهم فتوة الشباب ، وفي قلوبهم قوة العقيدة
، وفي جباههم إشراقة الإيمان ، يريدون أن يتقدموا الركب ، ويحملوا
الدعوة ، ومن أحرى من هذه الطاقات العظيمة المتقدة بهذه المهمة ؟! .
أجل ؛ من أحرى منكم أنتم -أيها الأحباء- إذا أنتم فهمتم
إسلامكم ، وفقهتم أسراره ، ثم حملتم نوركم هذا عالياً مشعاً ، ينير
الدرب للسائرين ، فأنتم الجيل ومفتاح هداية الأجيال .
أما السبيل الذي سنبلغ به الغاية -إن شاء الله- فهو نشر
الوعي الإسلامي ، وتعميم الثقافة القرآنية ، وتفهيم الحلول الصحيحة
لمشكلات الحياة ، وليس في الحياة ، ولا في الاجتماع ، ولا في الكون،
مشكلة في رأي الإسلام وإن كانت مليئة بمشكلات عصية الحل في آراء من
ابتعد عن الإسلام .
نعم ؛ وهذا هو البرهان الدامغ الذي لن يقاوم أبداً على
أن الإسلام هو الدين الوحيد ، والنظام الوحيد ، والملجأ الوحيد .
سبيلنا الذي سنبلغ به الغاية -إن شاء الله- هو صنع
الفرد المسلم ليستقيم بعد ذلك بناء المجتمع المسلم ، فإن البناء لا
يقام إلا من اللبن الصالح .
وصنع الفرد يبدأ من أعماقه ، من أغوار نفسه .
نعم ؛ إنه غرس ، والغرس يبدأ من البذرة .
وإنه بناء ، والبناء يبدأ من الأسس .
وإنه دين ، والدين يبدأ من العقيدة .
هكذا . نعم ؛ هكذا .
ولا تحسب ان في ذلك إطالة في المنهاج ، وإبطاء عن
الغاية .
إنه الإسلام إذا أتي إليه من أبوابه الصحيحة فرض نفسه
على العقول ، ومزج حبه بالقلوب ، وفرض سلطانه على السر والعلانية .
إنه الطاقة التي تجمع الطاقات وتوحدها ، وتوجهها وترتفع
بها، وتفتح بها الحصون .
نعم ؛ إنه الإسلام أبو المعجزات -أيها الحبيب-، ومن
الله العون، وبتوفيقه تدرك الغايات :
)وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .(
.
لقد أطلت في جوابك ، ورسالتك -أيها العزيز- هي السبب
الذي اقتضاني الإطالة ، وسؤالك المهم في آخرها هو الذي دعاني إلى
التفصيل ، على أني آثرت الاختصار بل الإشارة في كثير من النقاط، وإليك
المعذرة أولاً وأخيراً .
وأحمل إليك جزيل سلامي ، ووافر شوقي ، والى من يتصل بك
في رحم الأخوة في الله ، والإيمان به ، والدعوة إلى دينه .
(9)
أمانة كبيرة محاسب عليها . انحلال المجتمع. الجهل . الفراغ الفكري
من العقيدة . تقصيرنا نحن . لنعمل مجدين . بعض الدعاة. بعض سمات
الداعية المسلم . سترتفع راية الإسلام بأيدي الأكفاء .
النجف : 24/ صفر / سنة : 1384هـ
تحية طيبة ، وشوقاً كبيراً ، ودعاء خالصاً ، أن يحقق
الله بك الرجاء، ويستجيب فيك الدعاء .
ولدي :
بين يدي رسالتك العزيزة ، وقد وصلت إليّ في البحرين قبل
سبعين يوماً -على وجه التقريب- وأنا أريد أن أجيبك عنها اليوم في
البصرة ، فهل تعجب مني لهذا الإبطاء ؟ ، وهل أنا في حاجة إلى الاعتذار
منه ؟ .
لعلك علمت عني أنني لا أتساهل -ما استطعت- في أمر تفرضه
عليّ الدعوة إلى الله ، والدلالة على سبيله ، وان من مهمات هذه الأمور
لديّ أجوبتي على مسائل الشباب الميامين ، الذين أعقد عليهم الأمل ،
وأتوسم فيهم الخير ، والذين يجعلونني موضعاً لثقتهم فيفيضون إليّ
بشبهاتهم ، ويبثون إليّ شجونهم في رسائلهم .
لا أتسامح ما استطعت ، وما يكون لي أن أتسامح وأنا أعلم
أنها أمانة كبيرة يحاسبني الله عليها ، ويسألني عن الوفاء بها .
أما محاسبة الضمير ومسألته ، فهما دون ذلك في موازين
أهل الدعوة ، وفي موازين أهل الدين .
ولكن الواجبات إذا كثرت وتزاحمت أدت إلى مثل هذا
التأخير ، ومن الله العون والمدد ، وبه الحول والقوة ، وبفضله بلوغ
الأمنية والطلبة ، وأسأله ان يكتبنا في عداد العاملين لدينه ، الدائبين
في نشر دعوته .
بين يديّ رسالتك وأنا أروم الجواب عنها ، فبماذا أبدأ ؟
.
أأصف الرسالة ؟ ..
أأذكر القلم الأديب الذي حررها ، والفكر النابه الذي
أملاها؟..
أأتحدث عن الأجواء التي تنقلت فيها مع الكاتب ، والظلال
التي تفيأتها ؟ ..
إن الحديث عن ذلك يعني أني أقول لك : انك أديب بارع ،
وإن أدبك وأصالة تفكيرك هي بعض النواحي التي دفعتني ان أعقد عليك الأمل
، وهذا شيء أكتفي فيه هاهنا بالإشارة ، فأنا موقن بأن الملابسات ستريني
أكثر مما رأيت -كما قلت في رسالتي السابقة-، والله ظهيرك ونصيرك ما دمت
مجداً في نصرته .
ورسالتك هذه شرح مبسط لرسالتك السابقة .
فأنت تذكر المجتمع الراهن ، وتصفه بالمرض وبالخبط ، فهو
يتطلب الصحة من منابع الداء ، ويبحث عن السعادة في مصادر الشقاء ، وهو
يؤمن بأن تأخره تقدم ، وهبوطه رقيّ ، وهو يحلم أنه بسيره هذا المعكوس
سيبلغ أبعد الغايات وأسعد الأمنيات !! .
وأنت تقدم أمثلة من الأقوال والأعمال التي تدل على زيغ
هذا المجتمع ، ومجانبته للهدى ، وبعده عن الصواب في التفكير ..
.. أمثلة حساسة محسوسة مما تشاهده أنت بعينك ، وتسمعه
بأذنك، ويحس به كل ناظر من الناس سواك .
وأنت تبحث في رسالتك عن الجرثومة الأولى لهذا الداء ،
وتقف آخر الأمر على الجهل ، فتقول : (لقد صرت اعتقد ان السبب الرئيسي
لانحلال المجتمع هو الجهل فقط ، الجهل أولاً وآخراً) .
نعم يا عزيزي : إن السبب المهم لذلك هو الجهل ، وإن لم
يكن هو السبب المؤثر كله ، فقد انضمت إلى الجهل أسباب أخرى ، ومجموعها
هو الذي أوجب لنا هذا المصير ، وحتم علينا هذه العقبى .
الجهل .. الجهل .
الفراغ الفكري من العقيدة التي تصون الإنسان عن
التذبذب، ومن المعارف الصحيحة التي تقيه من التأرجح ، والفكر الإنساني
يفتقر بطبيعته إلى التغذية كما يفتقر الجسد إلى الطعام ، وجوعته إلى
الغذاء قد لا تقصر عن جوعة المعدة إلى الأكل ، فإذا هو لم يزود بالمواد
الصالحة التي تنفع ، اندفع مضطراً إلى تناول المواد الفاسدة التي تضر
وقد تهلك .
وامتزجت خلايا هذا الغذاء الفاسد في كيانه ، ودخلت في
تركيبه، واستبانت آثارها وأعراضها في حيويته ونشاطه سموماً فتاكة ،
وجراثيم مبيدة سارية .
ومن سوء الحظ أن الفكر إنما يتقبل الفكرة الفاسدة على
أنها فكرة صالحة ، فتزلزل بها ركائز إيمانه ، وتغطي على منابع فطرته ،
وتعكر صفاءها ، وتغشي على نورها فلا تضيء ولا تهدي .
نعم ، إن السبب هو الجهل ، ومصدر الجهل هو تقصيرنا نحن
في تقديم الغذاء النافع لأبنائنا ، والدواء الناجع لأدوائهم ..
تقصيرنا الذي لابد لنا من الاعتراف به ، والاستغفار
منه، والعمل للتخلص من نتائجه .
لقد عرفنا السبب ، وعرفنا المصدر الذي حدثت عنه جرثومة
الداء، وقد آن لنا أن نفيد من التجربة ، وان نعمل لحسم الداء ، واقتلاع
جذوره وإبادة بذوره .
هذه هي الثمرة الصحيحة المحمودة التي يجب أن نجتنيها من
تشخيص الداء ، وتعداد الأخطاء .
أما أن نشغل أوقاتنا وأنفسنا بتعداد الذنوب ، والاعتراف
بالتقصير دون عمل مجد ، فهذا ما لا يجرّ لنا إلا خبالاً ووبالاً .. لا
يثمر لنا غير إضاعة الوقت ، وتكرار الخطيئة ، وتضخم النتائج، وإرهاق
النفوس بالشعور بالإثم ، وإضعافها بل وإذلالها بالإيحاء إليها
أنها لا تستطيع فكاكاً ، ولا تملك علاجاً .
فلنعمل إذن مجدين ، فقد مضى وقت الكسل والهزل .
لنبين للناس ما يرشدهم ويصلحهم ، ولنوضح للناشئة ما
يصونها ويثبتها ، ولنقدم للعقول ما يغذيها ويزكيها .
لنثبت لأبنائنا -إثباتا ليس بعده مجال لشك-: أن دين
الله أولى بالقبول ، وأن دعوة الله أحرى بالاستماع ، وأن مبدأ الله أحق
بالاتباع.
ليعمل كل منا في هذا السبيل قدر طاقته ، ومبلغ جهده ،
وحسب اختصاصه .
ليثبت العالم منا أن العلم الكوني يناصر الإسلام في كل
خطوة يخطوها ، وفي كل نظرة ينظرها ..
وليقل الطبيب : إن الطب الحديث يفلسف شريعة الإسلام في
أحكامها ، وفي حلالها وحرامها ..
وليعلن القانوني : أن قانون الله أوفى ضماناً بتحقيق
العدل، وأعظم رعاية للحقوق ، وأدق ملاحظة للحدود ..
وليبين الاجتماعي : ان المجتمع في ظل الإسلام أمتن صلة
، وأثبت ركيزة ، وأكثر سعة وشمولاً ..
وليزن الفيلسوف للناس كل نظرة من نظرات الإسلام ، وكل
تشريع من تشريعاته ، وليكشف للعقول عللها وأسرارها ، ومحاسنها ومفاتنها
.
ودين الله العظيم يمد كل واحد من هؤلاء الدعاة –وغيرهم-
بالحجة المبينة لما يقول ، والسند المثبت لما يدعي .
هذا ما يجب علينا أن نفعل ، وهذا ما يجب أن نقدم من
علاج، وقد ضمن الله لنا بالهداية والنصرة ، إن نحن أخلصنا في الجهاد في
سبيله، والنصرة لدعوته :
)وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ.(.
(العنكبوت : 69 )
)وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .(
. (الحج : 40)
أما أن يجهل أحد أساليب الدعوة إلى الله ، والفقه
لأحكامه ، فيعتبر السؤال عن سر الصوم ، وعلة الصلاة ، وحكمة الحج ..
.. أما أن يجهل هذا البعض أساليب الدعوة ، فيعتبر هذا
السؤال من الفتيان اعتراضاً على الواجب الذي يجب أن يؤدى ولا يناقش ،
فهذه بقية من سلسلة التقصير الذي أثقلتنا آصاره ، ثم أرهقتنا نتائجه ،
وسيزول بحمد الله ، وتنمحي آثاره .
وفارق كبير بين شاب يطلب الإيمان ، وهو يسأل عن أسرار
أحكام الله ، وعلل تشريعه ، ليسير على هدى ، ويؤمن عن بينة، وشاب معتل
الفكرة ، مختل الضمير ، لا غاية له سوى إثارة الشكوك، وتطلّب الشبهات .
وأياً كان الفارق بين الشابين وبين الفكرتين ، فعلى
الداعية إلى الله أن يقوم بوظيفته التي يحتمها عليه دينه ، أن يدعو إلى
سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة .
وليس من أساليب الدعوة ، ولا من سبل الحكمة ، أن يجهّل
السائل ، ويسفّه قوله ، ولكن سبيل الحكمة أن تسلّط الأنوار الكاشفة على
مبعث شبهته ، وأن يشار –برفق- إلى مواضع جهله ، لينحسم الداء ، أو لتقل
عدواه ، وتخف أعراضه على أدنى التقادير .
*
* *
عزيزي ..
والداعية المسلم لابد له من أن يستشعر الحب في الله لمن
يدعوه، والإخلاص في الدعوة لنجاته ، والثقة الكاملة بالله في نصحه
وإرشاده .
حتى أولئك الطلاب الأغرار ، الذين أسمعوك كلمات
الاستهزاء لأنك تمتثل أمر ربك ، وتسترشد بتعاليم دينك ، إنهم بسطاء
أغرار ، فلا تحمل لهم إلا الحب في الله ، ولا تضمر لهم إلا النصح في
دينه ، وسيتصاغرون إذا رأوا ملك هذا الارتفاع والتسامي ، وسيخضعون
–منقادين- لنصحك متى لمسوا منك هذه الخلال ، وستلمس أنت أثر قولي إذا
فكرت فيه .
وحتى أستاذ الفيزياء الذي كان يحدثكم في دروسه عن تداخل
النغمتين الأساسيتين ، والذي نقد -في حديثه معكم- أصحاب الأذواق
الجامدة التي لا تتفتح للنغمات المطربة ، إنه يجهل السر الذي حرم الله
من أجله النغمات والأوتار .
ولو أنه عرف ذلك -حق المعرفة-، ولو أن عاطفته لم تتدخل
في حكمه ، لعلم أن هؤلاء الذين نبزهم ليسوا أصحاب أذواق جامدة ، ولا
تقشعر أبدانهم من نغمات الأوتار ، ولكنهم أصحاب إرادات قوية مؤمنة ،
تصدف عن حرمات الله ، وتقف عند حدوده ، إنهم لا يشمئزون من مرائي
الجمال ، ولكنهم يثبتون لهذا القائل وأمثاله : أن عقولهم أكبر من
شهواتهم ..
وعلى أي حال ؛ فلا ينبغي أن يُحمَل له إلا الحب ، وإلا
النصيحة، وسينقاد ويخضع يوم يحسّ بالأمر الواقع .
*
* *
وتساءلت في آخر كتابك : متى ترتفع راية الإسلام ؟ ، ومن
سيرفعها ؟ ، وأين سترتفع ؟ .
وأقول : ستتحقق هذه الأمنية -بإذن الله- يوم يجدّ
العاملون من أبناء الإسلام في تطبيق مناهج دينهم ، وحدود كتابهم .. يوم
ينتشر الوعي الإسلامي الصحيح بين أبناء الأمة ، وتنمو التربية
الإسلامية لناشئتها ، والتفهم الكامل لأسرار الشريعة ، ويخلص الجميع في
حمل الدعوة إلى الله ، وتأدية الواجب في الدين .
واقرأ معي -إن شئت- هذه الآيات الكريمة من سورة
الصف :
)يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ
تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا
الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ
وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .(.
(الصف : 10 - 13)
سترتفع راية الحق بأيدي تلك الفئة المجاهدة في سبيل
الله ، وفي تلك البلاد التي تسمو بالخضوع لحدود الله ، ويتآزر أهلها
لإعلاء كلمة الله .
أما إذا رغبنا نحن أن نكون من تلك الفئة ، وأن تكون
بلادنا من تلك البلاد ، فإن علينا أن نحمل تلك الأعباء ، ونؤدي ذلك
الثمن .
وأما وقد عرفنا الغاية ، وترسمنا الطريق ، وبدأنا
المسير ، فما علينا –بعد- إلا أن نصمم على إتمام الدور ، وإتقان الخطة
، وعون الله وتوفيقه كفيلان لنا ببلوغ المراد .
وأعود فأعتذر عن التأخير ، وأعتذر عن الإطالة .
ولك تحيات الإسلام ، وأشواق الأبوة ، وأمانيها الرقيقة
، وأدعيتها المستجابة .
(10)
الاستعمار والاستغلال
. نظرة الإسلام إليهما. ونظرتهما إلى الإسلام . هكذا تنشأ الدولة
الإسلامية .إلى
النجف : غرة ربيع الأول / سنة : 1384هـ
أيها العزيز
…….
أبلغك وافر تحيتي ، ولك خالص شوقي ، وجميل ثنائي .
وصلتني رسالتك الكريمة قبل مدة طويلة ، وكنت قد أرسلت
جواب الرسالة ، ولكنني أخرت جواب سؤالك فيها لأمور فرضت علي التأخير
ذكرتها في رسالتي إليك ، وطلبت من أجلها العذر ، ومن الله أستمد لي ولك
العون في جميع الأمور ، والتوفيق والسداد في جميع الخطوات ، وأن يجعلنا
من حملة الإصلاح ، وأدلاء الصلاح .
سألت في رسالتك عن نظرة الإسلام في الاستعمار
والاستغلال ، ولماذا يخشى الاستعمار من الإسلام ؟ .
والسؤال -بصيغته هذه- مما يدعو إلى التعجب ، فنظرة
الإسلام في الاستعمار والاستغلال معلومة ، ليس فيها خفاء ، وليست عليها
غشاوة ، وخوف الاستعمار من الإسلام ، ومحاربته إياه ، معروفا الوجه ،
بيّنا العلة .
فالإسلام ينابذ الاستعمار والاستغلال ، ويكافحهما ما
استطاع، وما وجد إلى مكافحتهما ومنابذتهما سبيلاً ، وهو يعد لذلك جميع
القوى التي يملكها ، ويوجه إليه جميع الطاقات التي يسيطر عليها ، وهو
يثبت في نفوس أتباعه وجوب الثورة عليهما ، وزلزلة الأرض تحت أقدامهما .
والاستعمار يعلم ذلك من الإسلام حق العلم ، ولذلك فهو
يخشى منه حق الخشية ، ويحاربه بشتى الفنون وشتى الأساليب ، وكل أولئك
مكشوف معروف ، لا شك فيه ولا مراء .
ويبدو أنك تسأل عن الوجوه التي أوجبت لدين الإسلام أن
ينظر الاستعمار والاستغلال هذه النظرة ، ثم أوجبت للاستعمار ان يحذر من
الإسلام هذا الحذر ، ويخشاه هذه الخشية .
والسر في ذلك -أولاً -: ان الإسلام مبدأ مستقل ، قائم
بذاته ، له فلسفته الخاصة ، ولفلسفته مفاهيمها المعنية التي تفسر بها
الكون والحياة والإنسان ، ولها نظراتها المعينة كذلك فيما وراء الطبيعة
، ونظراتها المعينة في صلة الإنسان بالكون والحياة وبما وراء الطبيعة .
وللإسلام كذلك نظامه المخصوص ، الذي يشتق من تلك
الفلسفة ، ويبتنى على تلك المفاهيم ، ويقوم على تلك الأسس ، في
الاجتماع وفي الاقتصاد وفي الحكم ، وفيما يتبع ذلك ويتصل به .
وهذه هي القاعدة المعلومة المضبوطة التي تعرف منها ما
هو المبدأ، والتي نرجع إليها في التفرقة بين مبدأ ومبدأ .
وانطلاقاً مع هذه القاعدة المعلومة ، فالإسلام مبدأ
متكامل ، يباين المبادئ القائمة التي تخضع لها القوانين الوضعية
المعروفة ، والتي ينتهض عليها الاستعمار المعاصر بجميع ألوانه وأشكاله
، يباين هذه المبادئ جميعاً بروحه وجوهره ، ومناهجه وغاياته .
ونتيجة لذلك ؛ فهو لا يرى معه موضعاً لشيء من هذه
المبادئ على اختلافها ، ولا لشيء من القوانين الوضعية القائمة عليها،
والأخرى التي تختلف عنها ولكنها تتخذ صبغتها ، وتسير في ركابها، ولا
للاستعمار الذي يحتمي بهذه القوانين ، ويستمد منها سلطانه، ويمكن نفوذه
.
والاستعمار –بدوره- يبادل الإسلام هذه النظرة ، ويعرف
منه هذه الظاهرة ، ويعترف له بهذه الخاصة ، ولذلك فهو يحذره ، ويخشى
سيطرته وصولته ، ويحاربه أنواع الحرب ، ويستخدم لبلوغ غايته منه ضروب
الحيل .
*
* *
والسر في ذلك -ثانياً-: ان الإسلام دين إلهي جامع ،
يوجه الحياة، ويوجه الإنسان ، ويوجه المجتمع ، وجهتها الصحيحة ، ويضمن
لها بالسعادة الكاملة ، ويقدم لها المنهج الكامل ، الذي لا يهمل ناحية
، ولا يذر مشكلة ، ولا يحيف في نظرة .
وهو من وضع خالق الإنسان ، وعالم أسراره وأطواره ،
ومقدر حاجاته وضروراته ، وقواه وطاقاته .
وهو -من أجل هذه المزايا التي توفرت فيه- دين الإنسانية
الذي لا غناء لها عنه ، ولا بديل لها سواه ، ونظام الحياة الذي وضعه
واهب الحياة ، والذي لن يتغير ولن يتحول ما خلدت الحياة ..
.. دين الله الذي نسخ -بكماله وثباته- كل دين :
)وَمَن
يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ .(
. (آل عمران : 85)
وشريعة الله التي تحدت بحكمتها وعدلها وشمولها كل قانون
يضعه الإنسان :
)أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ؟ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً
لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ .(
. (المائدة : 50)
ومن أجل ذلك ؛ فلا موضع لهذه الأنظمة القاصرة المنقطعة
التي يصنعها الإنسان المحدود العلم ، المحدود الإدراك ، مع نظام الله
الثابت الدائم ، ولا للسلطات المتنفذة أو المستعمرة التي تتفيأ ظلال
هذه الأنظمة ، وتتعلق بنصوصها ، وتبرر سيطرتها ونفوذها بها :
)أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ
إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً .(
. (النساء : 60)
*
* *
والسر في ذلك
–
ثالثاً-: أن الإسلام دين الحرية الصحيحة ، فهو لا يرى لأي فئة ، أو صنف
، أو جنس ، أو لون من الناس حقاً في التنفذ على الآخرين ، والتحكم في
رقابهم ودمائهم وأموالهم، والسيطرة على مقدراتهم ..
لا يجد في ذلك حقاً لأحد من الناس ، ولا يرى في الموائز
التي تعارف البشر على تعظيمها وإكبارها والخضوع لها .. لا يرى في هذه
الموائز الكثيرة المختلفة -التي يعرفها الناس- ما يستوجب السيطرة
والاستعباد للناس ، فالناس كلهم سواسية كأسنان المشط في هذا المجال،
والمتنفذ على الناس ظالم يجب رده ، مهما كانت ميزته ، ومهما كانت حجته
، ومهما كانت قوته .
وقلت لك : الناس كلهم سواسية كأسنان المشط في هذا
المجال، لأن هذا المجال هو موضوع حديثي معك ، وإلا فالناس في الإسلام
سواسية كأسنان المشط في جميع الحقوق .
والناس في دين الإسلام كلهم عباد خاشعون ضارعون لله
الذي خلقهم ورزقهم ، والذي بأمره مماتهم ومحياهم ، وبيده تدبيرهم ،
وإليه مصيرهم ..
كلهم عباد خاضعون لله وحده لا شريك له ، لا يخضعون إلا
لشريعته ، ولا يذعنون إلا لحكمه ، ولا ينقادون إلا لأمره .
والمعنى الصريح لذلك : أنه لا حكم إلا لله في هذه الأرض
، ولا حكومة إلا حكومته ، ولا قانون إلا قانونه ، كما لا دين إلا دينه
، ولا عبادة إلا عبادته .
والممثل لحكومة الله في الأرض ، والقيّم على إنفاذ
أحكامه بين الناس هو الممثل الأعلى لعدل الله ، المحافظ الأكبر على
حدوده، الذي لا يزيغ به هوى عن مرضاة الله ، ولا يهوي به ضعف ، ولا
تجمح به عاطفة ، ولا يخف به حلم ، ولا يسف به جهل .
والمشاركون له -في إقامة الحكم وإدارة الأمر- هم
الأبرار الأكفاء، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، القوامون
بالقسط، المناضلون عنه .
والمسؤول عن تثبيت دعائم الدولة الإسلامية ، وشدّ
أركانها، ودعم كيانها ، والمجاهد لحفظ حدودها ، وإعلاء كلمتها ، هو
المجتمع المسلم ، الذي تشرب عقيدة الإسلام ، وتغذّى مفاهيمه ، وعاش
مناهجه ، وفقِه تربيته ، وفهِم مبادئه وغاياته .
هكذا تنشأ الدولة في الإسلام ، وعلى هذه الركائز تعتمد
، وهذا هو رصيدها من النظم ومن الرجال ، أشير إليه إشارة ، وموعدي
بالتفصيل حلقة خاصة من كتاب (الإسلام) ، وأرجو من الله العون والتوفيق
.
وهكذا يقتلع الإسلام كل ناب ، ويقلّم كل ظفر للظلم ،
ويردم كل باب ، ويوصد كل نافذة للحكم الجائر ، ويبت كل أمل ، ويقطع كل
وشيجة للإنسان بالظلم والاستئثار، ويئد الاستعمار والاستعباد في قبره،
ويحسم مادته من أصله .
والنصوص الكثيرة التي تحرّم الظلم ، وتحدد موقف الإسلام
والمسلمين منه ..
والأخرى التي تحرم التحاكم إلى الجور ، والى الطاغوت ،
والى حكم الجاهلية ..
والأخرى التي تقطع السبيل لكافر على مسلم ..
.. هذه النصوص الإسلامية الكثيرة إنما تقرر تلك الحقائق
، وتؤكد تلك النتائج .
هذه بعض الوجوه التي تحدد موقف الإسلام من الاستعمار ،
ومن الحكم والقوانين التي تسير في ركابه .
*
* *
أما الاستغلال فموقف الإسلام منه أصرح وأوضح ، فإن
المعنى المفهوم للاستغلال هو : الاستيلاء على حقوق الآخرين ،
واستثمارها لمصلحة ذلك المستولي دون مبرر عادل ، والتفسير الواضح لذلك
هو الظلم المقنع أو المكشوف ، والإسلام ألدّ الأعداء لذلك ، ما دام
منهج الإسلام هو منهج العدل ، وما دامت غاية الإسلام هي تحقيق العدل :
)َقَدْ
أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ
الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ..(
. (25 : الحديد)
نعم ، وقد ذكرت -في عداد الوجوه التي أوجبت على الإسلام
ان يحارب الاستعمار- انه استيلاء على الآخرين بغير حق ، واستغلال
لحقوقهم ومقدراتهم دون مبرر .
عزيزي : لقد آثرت الإجمال في جواب مسألتك ، فحشدت
المفاهيم حشداً ، وجاءت رسالتي -على طولها- مختصرة ، وماذا تحمل
الرسالة من هذا البحث الذي قد لا يفي به وضع كتاب ؟، وأرجو أن أتمم بعض
نواحي البحث في جوابي عن بعض مسائلك الأخرى .
وتقبل مني تحياتي لك ، ولمن يعز عليك ، وأرجو أن لا
تنساني من الدعاء في مواضع الدعاء .
(11)
الإسلام والقوميات . قولة الله
الحاسمة . ركيزة الاجتماع في الإسلام . التحيز للقبيلة . تعاليم
الإسلام . الدعوة للعروبة . الدعوة للشعوبية . كلاهما بعد عن شريعة
الله .
النجف
الشاب المهذب الذكي
….
حفظه الله ووفقه .
تحية زكية ، وثناء طيباً ، وسؤالاً كثيراً عن صحتك
الغالية ، ومن الله –سبحانه- أسأل أن يوفر عليك نعمه ، وأن يمتعك
بعافيته ، وأن يديم لك توفيقه ، وأضرع إليه ان لا يحرمني دعاءك ، وان
يجعلني أهلاً لثقتك ، وان ينظر إلينا جميعاً بعينه ، ويمدنا بعونه ،
انه المنان بالعطاء .
سألتني في رسالتك الأخيرة عن القومية العربية ما هو قول
الإسلام فيها ؟ .
وكان الأجدر أن يكون السؤال عن قول الإسلام في مطلق
القوميات .. في العنصريات التي يستمسك بها الكثير من الناس- سواء
أكانوا عرباً أم غير عرب- ويدعون إليها ، ويلفقون لها الحجج ، ويذكرون
لها العلل ، ويرمون بها إلى غايات وأهداف .
في هذه العنصريات التي تقسم المجتمع البشري أوزاعاً ،
وتفرقه شعوباً ودماءً ، وتجعل لكل دم ، ولكل شعب منها حدوداً ، وتنحله
خصائص وموائز ، وحقوقاً وحريات .
كان الأجدر أن يكون السؤال عن رأي الإسلام في مطلق
القوميات، فنظرة الإسلام في جميعها نظرة واحدة ، وحكمه عليها كافة حكم
واحد ، ودين الله أبرأ الأديان والمبادئ والأنظمة جميعاً،
وأعظمها نزاهة عن التحيز والممالاة ، وأشدها حرباً على التمييز
والتفريق :
)يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى
وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ
خَبِيرٌ.(.
(الحجرات:13)
هذه قولة الله الحاسمة في القوميات والعنصريات ،
والحدود التي يضعها الإنسان لنفسه ، ويقسّم بها مجتمعه ، هذه قولة الله
، أترى فيها شيئاً من اللبس أو الغموض ؟ .
الناس كلهم أجمعون مخلوقون من ذكر واحد وأنثى واحدة ،
وإذن فأصلهم الذي ينتسبون إليه أصل واحد ، والمعدن الذي تألفت منه
عناصرهم وأنشئت منه أجسادهم معدن واحد ، ودمهم الذي يجري في عروقهم دم
واحد ، لا تفاضل بينهم في شيء من ذلك ولا تمايز.
والخالق الذي أنشأ الذكر الأول والأنثى الأولى ، وفطر
المعدن، وألف العناصر ، وأنشأ الأجساد والأرواح ، وأجرى الدم ، ووهب
الحياة ، وسلسل الذرية ، خالق واحد ، فلا ميز ، ولا فضل في ناحية أبداً
، ولا حدود ولا قوميات تباعد بين أصناف النوع البشري ، أو تسفاوت بين
آحاده .
والشعوب والقبائل التي عرفها الناس، وتصنفوا بالانتساب
إليها، هي الأخرى من صنع الله الخالق العظيم ، ومن تدبيره ، وقد جعلها
لحكمة عظيمة لا بد منها ، ولا بد من النظر فيها ، والعمل لها ..
هي أن يتعارف الناس ما بينهم ، وأن تتميز أصنافهم
وآحادهم، فتستقيم بذلك صلاتهم وحقوقهم ومعاملاتهم العامة والخاصة ،
وهذه نواح لابد من وقوعها بين أصناف النوع البشري ، وبين آحاده، ولن
تنسجم ولن تستقيم إلا إذا تعارف الناس وامتازوا ، وكان لكل فرد ولكل
صنف مميزاته ومعرّفاته .
لهذه الغاية صنفوا قبائل وشعوباً ، لا ليختلقوا منها
حدوداً تفرق الوحدة ، وتبعثر النظم .
أما المضمار المفتوح الذي يتميز فيه السابقون من
الأفراد فهي التقوى ، هي التطبيق الكامل لمنهاج الله الذي شرعه للحياة
.. لشريعة الله التي وضعها لإسعاد هذا الإنسان .
وفضل كل أحد منهم بمقدار نصيبه من هذا الكمال ،
وارتفاعه في مراقي الكرم عند الله على قدر سبقه في هذا المضمار .
نعم ؛ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى ، والناس
سواسية كأسنان المشط ، وكلكم لآدم وآدم للتراب -كما يقول الرسول الكريم
7
.
هذه نصوص الإسلام في القوميات والعنصريات ، وهذه أحكامه
التي لا تقبل التأويل ولا التعديل ، ويأفك من ينسب غير ذلك إلى دين
الله ، ويفتري باطلاً عليه ، وعلى حكمته الرشيدة ، وعلى نظرته العامة
العادلة .
وتلك هي الركيزة القوية الشاملة التي يرسي الإسلام
عليها مذهبه في الاجتماع ، ويؤسس عليها مجتمعه المسلم .. الركيزة
القوية الشاملة التي تستند إلى ذاتيات الإنسان ، وخصائصه العامة التي
لا تختلف في جيل ، ولا في بيئة ، ولا في زمان .
وتلك هي الدعامة المتينة التي تعتمد عليها عالمية هذا
الدين، وشمول رسالته للناس أجمعين :
)تَبَارَكَ
الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ
نَذِيراً .(
. (الفرقان : 1 )
)قُلْ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ
يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ
الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ.(
.
(الأعراف : 158 )
وكل أولئك واضح وليس مجالاً للريب .
والمسلمون جميعاً يعرفون هذه الظاهرة من الإسلام ،
ويعترفون بها، ويذكرونها في عداد مفاخره ومآثره .
يذكرون ذلك حين يخلصون لإسلامهم ، ولكن قد تجدّ ببعض
المسلمين أحوال فينكر هذه الظاهرة ، ويتناسى هذا الفخر ، لأنه يصادم له
بعض الغايات .
والتحيز للقبيلة ، والتعصب للدم ، نزوع عرفه الإنسان
منذ القديم، حين كان مفتقراً إلى الانضمام إلى قبيلته ، والاندماج
بآحادها ، ليتقي بقوتها شر العوادي ، ويستعين بأفرادها على تحصيل القوت
، وللجنس العربي من هذا النزوع حظه الأوفى ، وأكثر الحوادث والحروب
التي وقعت بين قبائل العرب في الجاهلية كانت وليدة عن هذا النزوع القوي
المكين .
وجاء الإسلام ، وأنزلت تعاليمه ، وتظاهرت نصوصه ، لتذيب
القوميات والعنصريات والإقليميات ، وتجمع البشرية كلها في مجتمع واحد
لا تفاوت فيه ولا حدود ، واستطاع أن يفعل فعلته في النفوس الكبيرة التي
آمنت بعقيدته ، وفقهت غايته ، وتمثلت تعاليمه ، ولكنه لم يعمل شيئاً في
النفوس الأخرى التي لم تفهم الإسلام حق الفهم ، ولم يتغلغل فيها إلى
الأعماق .
خضعت هذه الفئات للإسلام ، وأقرت بشريعته ، واستمعت إلى
آيات الكتاب ، وأحاديث الرسول التي تمحق العنصريات ، وتنسف الحدود ،
وقبلت هذه فيما قبلت من تعاليم ، لأنها لم تكن تصطدم بغايات لها آنذاك
، فإن الدعوة القائمة باسم الإسلام عربية خالصة ، والقوة المناضلة عنها
قوة عربية خالصة ، والداخلون في الإسلام ، وفي الدعوة إليه ، وفي القوة
المناضلة عنه من غير العرب خاضعون للإسلام ولحكمه ، والإسلام فيما
تعرفه الفئات الآنفة الذكر إنما يعني العرب والعروبة .
وإذن فلا تزاحم ، ولا تصادم بين وصايا الإسلام بنبذ
العنصريات وإزاحة الفوارق ، وبين غاياتهم الحاضرة ، والمساواة بين
العناصر إنما تعني -في رأيهم- ان يشترك الجميع في الدعوة إلى الإسلام
(إلى العرب والعروبة) !! وفي العمل من أجل مد نفوذه .
وامتد الفتح ، وكثر الداخلون في دين الإسلام من غير
العرب، ورسخت أقدام الكثير من هؤلاء في الإسلام ، وفي فقه أحكامه ،
ومتنوع علومه ، وأبلوا البلاء الحسن في الدعوة إليه ، والجهاد في
سبيله، وأبدوا من الكفاءات ما يؤهلهم للمناصب الرفيعة في الدولة،
وللمقامات العالية في الدين، وأيقنت الفئات التي تؤمن بالدم –حينذاك-
أن المساواة بين العناصر في دين الإسلام تعني أمراً آخر لم يكن يدور
لها بحسبان .
كان هذا في عهد الدولة الأموية ، وكان المتنفذون في هذه
الدولة ممن يغرقون في العنصرية القبلية إلى حد الإيمان ، وفي ظل هذا
النفوذ وهذا الإغراق في التعصب القبلي كثر الدعاة إلى العنصرية العربية
من كل نوع ، ففسرت الآيات ، ورويت الأحاديث عن الرسول
7
للتمكين لهذا النزوع .
وكان من المنتظر أن ينكر المسلمون غير العرب هذا
التحوير لتعاليم الإسلام ، وهذا التفسير لآيات القرآن ، وأن يدعوا إلى
تعاليم الإسلام ونصوصه عل حد ما فهمه السلف الصالح من المسلمين .
فكانت الدعوة إلى العروبة ، وكانت الدعوة إلى الإسلام ،
ثم كانت الدعوة إلى الشعوبية ، وتمكن الشجار بين الطرفين ، وتنوعت
أساليبه، وطال أمده ، وكان من الخلفاء العباسيين وقوادهم ووزرائهم من
ينزع إلى الشعوبية فمكّن لها ، وقوّى جانبها .
وخرج من الشعوبيين من يجحد للعرب كل مكرمة ، وينكر كل
فضيلة ، ومن يؤلف الكتب ، ويضع القصص ، ويقرض الشعر في مثالب العرب
ومطاعنهم ، وفي مثالبهم قبيلة قبيلة .
وكلا القولين بعدٌ عن شرعة الله ، وشطط عن حكمته ،
ومخالفة صريحة لقوله .
وامتد الزمان ، وتكشفت الأسباب ، واستبانت الغايات ،
ولم يزل في المسلمين من لا يقوى على التعالي عن هذا الحضيض ، ولم يزل
في المسلمين من يجد أن غايته أهم من غاية الله عند التزاحم ، وأولى
بالمراعاة ، ولم يزل في كتّاب المسلمين وخطبائهم من يلوي لسانه وقلمه
بهذه الدعوة ، والتبرير لها ، وابتغاء الأدلة لنصرها .
هذه هي الدعوات العنصرية لم تتغير منها المقوّمات ولا
الملامح ، ولا السمات ، وان تغيرت منها الأزياء ، وذلك حكم الله الصريح
عليها ، وحكمته الرشيدة في وجوب نبذها ، فهل يأتي علينا زمان نعترف فيه
بأخطائنا ، ونعرف كرامة الله التي أرادها لنا لمّا أمرنا بنبذ هذه
الفوارق ، ومحق هذه الفواصل ؟ .
وإليك معذرتي مما في الكتاب من إجمال ، فهذا القدر لابد
منه للإلمام بالموضوع ، والبسط الكامل لا تتسع له رسالة تكتب في جواب
سؤال .
ولك وافر شوقي، وخالص تحياتي ، ولمن يعز عليك من
الأصدقاء، وسلمتم .
(12)
أرسلت بمناسبة
اعتراف حكومة مصر بالمذهب الجعفري مذهبا
رسمياً ، وإعلان وزارة الأوقاف المصرية عن ذلك ، ونشرها كتاب المختصر
النافع للمحقق الحلي (ره) في فقه الإمامية ، وإدخال تدريس المذهب في
مناهج الجامع الأزهر الشريف .
حضرة صاحب الفضيلة معالي السيد أحمد حسن الباقوري ،
وزير الأوقاف المصرية المبجل .
تحية الإيمان ، وثناء العلم ، وشوق الأخوة .
أخي ؛ والله يعلم أنها أحب نسبة إلى قلبي ، وألمسها
لعاطفتي، وأبقاها أثراً في نفسي .
أخي ؛ والله يعلم أنها ألذ دعوة في فمي ، وأعز جامعة
يناضل عنها قلمي .
أخي ؛ والله يعلم أنها أصدق النعوت في رأيي ، وأرفع
المنازل في ديني ، وأبر الدعوات عند ربي .
إنني أقول : أبي ، فأستبين صغري للكبير الذي أنسبه ،
وأقول: ولدي ، فأدل بكبري على الصغير الذي أنجبه ، وأقول : أخي ، فأشعر
بأرض تسويني بمن أدعو على قدم ، وبسقف يظلني وإياه على سواء ، وبسبب
جمعني وإياه في الوجود ، ولبن شركني معه في الغذاء ، وأحس بصلة تلفني
به لف النظير بالنظير ، وضم الظهير للظهير ، وأذكر شريعة ماثلته بي في
الحقوق ، وعادلتني معه في الواجبات ، وكافأتني به في الحرمة .
بلى ، وأذكر يداً كريمة عليا باركت لنا هذا النسب ،
ووطدت بيننا هذه الصلة ، وعقدت بيننا ميثاق الولاية ، ومدته بقانون
النصرة .
أخي ؛ بتّ الله حوادث ظالمة أقصتني عنك ، وباعدتك عني ،
فما وصل الله هذا السبب ليقطع ، وما نصب هذا الذمام ليخفر ، وما حصن
الرسول هذه الوحدة لتتمزق .
لم أرَ كالإسلام ديناً يتسع لمذاهب الفكر ، ويكبر نتاج
العلم ، ولم أر كالقرآن كتاباً ينشّط حركة الرأي ، ويكره خمود الوعي ،
ثم لم أر كالمسلمين أتباعاً يحرجون بما انفسح له دينهم ، ويبرمون بما
نشط له كتابهم .
إن المسلم يرث من سلف له قولاً ، أو يرى باجتهاد منه
رأياً، فيخال أن الإسلام حكر على رأيه ، فلا إسلام وراء الأكمة ، ولا
إيمان خارج المضيق .
وإذا لم يكن إسلام ، فلا أخوة ترتجى ، بل ولا كرامة
تحتشم ... ولا رأي يحترم !! .
ما هذا ؟ . ما هذا ؟ .
لقد فصلتني عن أخي فواصل . نعم ؛ ولكن أليس بيني وبينه
ما يجمع ؟ .
أليس من حقي أن أحصي ما لديه من ثراء ، فلعله اختص بشيء
من تراث أبي ؟ .
أقول : اختص ، ولا أقول : استأثر ، لأنني أراه يدعوني
لمشاركته ما بيديه .
وأخي ، أليس من حقه ان يطلّع على ما بيدي ؟ .
لئن كان هذا الإعراض عن زهد ، فإن الزهد هنا مما يضحك،
وإن كان من قطيعة فإن القطيعة هنا مما تبكي .
وإذا لم يكن محيص عن القول في أخي ، وإذا لم يكن بد من
الخصام
، أفليس من واجب العلم أن أطلع على القول الذي أنقد ،
فأنقل بأمانة ، ثم أخاصم على علم ؟ .
أخي : آن لنا أن ننظر ببصر يخرق الحجب ، وببصيرة تمزق
الغشاوات ، وبصبر يتحدى المعوقات .
آن لنا أن نستيقن أن حجباً فارقت بيننا في الصورة لا
تقوى على أن تباعد ما بيننا في الجوهر ، ولا تشجع أن تخالف ما بيننا في
الروح، لا تملك شيئاً من ذلك ، ولن تملكه أبداً ما دامت ضالتنا الهدى ،
وما دام قائدنا الرسول الكريم ، ورائدنا القرآن العظيم .
وقضية السنة والشيعة -كما قلتم- قضية إيمان وعلم معاً ،
وإذا كانت كذلك ، فمن أولى بحلها من العالم المؤمن ؟ .
.. من أولى بحلها من العالم المؤمن إذا كان يستطيع أن
يقول، ويستطيع أن يعمل ؟ .
وقد بدأتم الشوط ، وكانت خطوتكم موفقة مبرورة ، يباركها
الله، ويباركها العلماء المؤمنون .
يباركها الله ، فهي غايته –سبحانه- لما شرع الدين ،
ونهى عن التفرق فيه .
ويباركها العلماء المؤمنون ، لأن القضية قضيتهم ،
والشوط شوطهم ، والمدى مداهم ، ومن يبخل من العلماء المؤمنين أن يكون
نصيراً لله على غايته ، وردءً للعلم والإيمان في قضيتهما ؟ .
بدأتم الشوط ، وكانت خطوتكم موفقة مبرورة ، وإن الإيمان
والعلم ليبتهلان إلى الله أن يسددكم في الخطى ، وأن يوفقكم لإتمام
السعي ، وأن يهنئكم النجاح ويلقيكم عقبى الفائزين .
(13)
هدى
الله ورسوله ، روح يهب الحياة وطب يشفي
النفوس.
البحرين /10/ربيع الثاني/سنة : 1384هـ
الأديب المهذب
…
سلام الله عليك ، وعلى مَن قِبلك من الأحبة ، ورحمة
الله الشاملة، ونعمته الموفورة، وتحيته المباركة ، وأبدي لكم كثير
الشوق وطيب الثناء، ومنه –سبحانه- أسأل لكم جميعاً مدداً من هداه ،
وسنداً من توفيقه ، ومزيداً من لطفه .
أيها العزيز : لقد جددت لي رسالتك ذكرى أيام لم أنسها ،
وأحباء لم أسلهم ، ومجالس مؤمنة أرجو من الله أن تتصل بركاتها ، وأن
يمتد إشعاعها ، وأن تكثر أمثالها .
وقد وصلتني في البصرة قبل سفري إلى النجف بيوم ، فكان
لابد لي من التأخر في الإجابة ، وهذا ما أود أن أسلف إليك فيه العذر،
فإن ترادف الواجبات ، وزيارات الأصدقاء ، ومرض ولدي ضياء الدين ، هذه
بعض المعوقات عن المبادرة .
والرسائل التي تسوق الكاتب أن يتحدث فيها عن الإسلام
وحقائقه وخصائصه لا بد للداعية المسلم من العناية بها ، لأنها جزء من
مهمته ، والاهتمام بشأنها من بعض فروضه .
وبعد ، فأسأل الله أن يجعلني عند حسن ظنونكم ، وأن
يستجيب لي دعواتكم .
تحدثت في رسالتك عن هدى الله ورسوله
7
وخلفاء رسولهF
ووصفته كما يروق لك بالماء العذب ، وبجنى النحل .
بلى -أيها العزيز-، والماء العذب ضرورة لا بدل عنها
لحياة الإنسان ، وجنى النحل دواء يشفي كثيراً من أدوائه ، هما ضرورة
وحاجة للإنسان قبل أن يكونا شهوة تطلب للمتعة ، وتتناول للذة .
وهدى الله ضرورة لابد منها كذلك لحياة الإنسان ، وهو
حاجة لا بدل عنها للشفاء من أمراضه ، أقرأت قوله (تعالى) :
)يُنَزِّلُ
الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ
فَاتَّقُونِ .(
.(النحل : 2 )
وقوله (تعالى) :
)يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ .(
. (يونس : 57 )
هذا هو هدى الله ، وهدى رسوله وخلفائه كما يصفه الله في
كتابه الكريم ..
روح حي يهب الحياة الرفيعة العالية الطيبة لهذا الإنسان
، ويسعد حياته الطبيعية ، وينظم شؤونها وحركتها ، ويوجه قواها وطاقاتها
إلى ما يسعد ويثمر -كما تومي إليه الآية الأولى- .
وطب ناجع يشفي القلوب والصدور ، ويطهّر النفوس
والضمائر، ويزكي الأخلاق والأعمال -كما تقول الآية الثانية- .
نعم ، وهذه هي الحياة السعيدة الرغيدة التي تأذّن الله
بها لكل مؤمن ومؤمنة إذا هما خضعا لدين الله ، وطبقا مناهجه :
)مَنْ
عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ .(
.(النحل : 97 )
ومن أجدر من الله –سبحانه- بأن يبرّ بما وعد، وأن يصدّق
ما قال.
)وَمَنْ
أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً
وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ .(
. (فصلت : 33 )
فلنسر مجدين واثقين مطمئنين ما دامت السبيل مأمونة ،
والغاية مضمونة ، والله عون الداعي وغوث المدعو ، وهو دليلهما إلى
القصد، وقوتهما لبلوغ الهدف ، وغايتهما في المبدأ والنهاية .
وختاماً أزف إليك والى الإخوان الأماثل ، والأبناء
الأعزاء ، وكل فرد فرد من الشباب النجيب ، المقبلين على الله ،
المقتفين هداه ، أوفر التحيات ، وأتمنى لكم أطيب الأمنيات .
(14)
لا حرج على
الناقد البناء إذا قال حقا ً. وعليه أن يتسامى عن السقطات .
البحرين / 26 / جمادى الأولى / سنة : 1384هـ
الأديب البارع المهذب
…حرسه
الله ووفقه .
أتقدم إليك ، والى جميع الإخوان والأبناء الأعزاء بوافر
التحية ، وبالغ الشوق ، وجزيل الدعاء أن يمدكم الله بتوفيقه ، ويظاهر
عليكم نعمه ، ويضاعف لكم بركاته .
قلت -في كتابك المؤرخ 13/9/1964-: لديك محاولات في
تأليف قصص اجتماعية ، وان تشخيص الداء ثم وصف الدواء يضطرك إلى وصف
أشخاص الرواية التي تكتب ، بما فيهم من طيب ورديء ، وإلى ذكر بعض
أعمالهم التي تجر عليهم ، وعلى من يسير سيرتهم ، الخبال والوبال ،
وسألت عن رأي الإسلام في هذا النوع من التأليف ، وهذا النوع من الوصف ؟
.
عزيزي : إن الكاتب الناقد ، سواءً أكان ميدانه القصة أم
غيرها ، إذا كان يروم البناء لا الهدم ، ويقصد الإصلاح لا الإفساد ، لا
حرج عليه ، ولا حجر في أن يقول ، وأن يصف ، وأن يذكر الأدواء داء داء،
ويحصي أعراضها عرضاً عرضاً ، ويستعرض آثارها واحداً واحداً ، ثم يشير
إلى علاج كل داء منها ، وإزالة كل أثر .
لا حرج عليه في ذلك ما دام لا ينطق عن حقد ، ولا يستخدم
أدبه ومواهبه لضغينة ، ولا يروم التشهير والاغتياب لأحد من الناس .
وإن الأدب والإصلاح الاجتماعي والغاية الإسلامية -يا
عزيزي- أسمى من هذه السقطات ، وأبعد مرتقى ، وأكبر منزلة .
والكاتب الذي يهوي -بأدبه وبموهبته وبغايته- إلى هذه
المباءة من أشد الناس إلى الإصلاح ، فلا كفاءة فيه لأن يحمل لواء
الإصلاح .
نعم ؛ لا حرج على الكاتب المصلح أن يقول ، وأن يصف ،
إذا تحرّى الإصلاح ، وترفّع عن الأحقاد ، ووصف الدواء النافع يتوقف على
تعيين الداء .
ومن الخير له ، بل ومن المتعين عليه أن لا يسمي شخصاً
معيناً ، بل
–وإن
استطاع- إن لا يقصد شخصاً معيناً ، وإن استوحى قصته من حوادث معينة ،
ومن ملابسات معينة ..
من الخير له أن يترفع عن ذلك جهد المستطاع ، فقد قلت لك
: إن الغاية التي يعمل لها أرفع من كل أولئك ، وسيرى-إذا ترفع عن
الهناة- أن مجهوده أصبح أبلغ أثراً في الإصلاح ، وأكثر غنىً في المجتمع
، وأعظم جدوى في المهمة .
على أن الأشخاص الذين يتجاهرون بالمحرمات ، ولا يأنفون
منها، ويبارزون الله بها ، وبالإصرار عليها ، لا حرمة لاغتيابهم ووصفهم
بما هم أهله بعد أن بدؤوا هم بأنفسهم فهتكوا ستر الله الذي أرخاه
عليهم.
لا حرمة في وصفهم بما هم أهله ، وخصوصاً إذا كان هذا
الوصف لهدف إسلامي نبيل .
وفقنا الله وإياكم لما يحب ، وجنبنا المزالق ، وهدانا
سبيل الخير .
(15)
الحق للقوة
. حكم العقل في هذه النظرية . قولة الإسلام فيها . الحق الإلهي .
وهم مستحيل . فارق كبير بين الحق الإلهي والحكم الإلهي . ركائز الحكم
الإلهي ومقوّماته .
الكوت
المهذب الأديب
….
دمت في مسرة وغبطة .
سلام الله عليك ورحماته وبركاته ، وعلى الأخوة الأعزة ،
والأبناء النجباء ، الذين ينتهلون معك من نمير العقيدة ، ويمتّون إليك
بنسب الأخوة في الله ، ويدأبون في السعي لإعلاء كلمته ، وابتغاء
مرضاته، ولكم جميعاً وافر شوقي ، وجميل تحيتي ، وخالص دعائي، وطيب
أماني.
وردتني رسالتك قبل مدة، ولكن وفرة الأعمال ، وكثرة
المزاحمات، وشدة الصوارف ، وضعف البدن أمام كل أولئك ، حتمت عليّ أن
أتأخر في جواب ولدي هذه المدة .
وقد كان تسلسل المنهج الذي وضعته لأعمالي يقتضي أن
أتأخر في الجواب مدة أخرى , ولكني بادرت قدر ما أستطيع ، ومن الله
المدد لي ولكم ، والقوة على القيام بالأعباء ، والسداد في القول
والعمل، وإليك المعذرة من التأخير ، ثم المعذرة من الإيجاز ، فإن
التفصيل في الإجابة على سؤالاتك يستدعي وضع مؤلف كامل ، ولعل الله
–وله
المشيئة والحكمة- يواتر عليّ فضله ، فأقوم ببحثها مفصلة في الحلقات
المقبلة إن شاء الله من كتاب (الإسلام) .
سألت عن رأي الإسلام في نظرية القوة ، وفي نظرية الحق
الإلهي، وفي نظرية العقد الاجتماعي .
والذي ظهر لي من كلمة القوة -التي سألت عن حكم الإسلام
فيها- انك تريد منها قوة السلاح ، وما يتصل بها من وسائل الغلبة، فأنت
تسأل عن السيطرة على الناس بالقوة ..
عن الوصول إلى الحكم بوسائل القوة والإرهاب ، سواء أرضي
المحكومون بذلك أم أبوا .. عن القوي وحقه في السلطان ، وسيكون جوابي
قائماً على هذا المعنى الذي وضح لي من السؤال ، وأودّ لو تحدّد لي
مرادك من الكلمة إذا كنت ترمي بها إلى معنى آخر .
و(الحق للقوة) ظاهرة عرفها الإنسان في عهود الغابة وما
بعدها من عصور الهمجية ، وهي من إملاء القوة ذاتها لا من إملاء الفكر ،
فقد عرف الإنسان القوي السيطرة لأنه قوي ، وعرف الإنسان الضعيف الخضوع
والتبعية لأنه ضعيف ، ثم لا شيء ولا تعليل غير ذلك .
والظاهرة أعرق من ذلك وأعمق، فقد عرفها الحيوان قبل
الإنسان، فأملت القوة كذلك على القوي منه أن يسيطر ، وعلى الضعيف أن
يخضع ويتبع .
بلى ؛ هي من إملاء القوة وليست هي من إملاء الفكر ، ومن
أجل ذلك سميتها ظاهرة ولم اسمّها نظرية ولا فكرة ، فإنها -في ابتداء
أمرها- ليست نظرية بل ولا فكرة .
فإن الفكرة : هي القضية التي يوحي بها العقل ، أو هي
-كما يقول اللغويون-: ما يتردد في الخاطر من معنى .
والنظرية : هي النتيجة التي يفتقر العقل -في التصديق
بها- إلى البرهان .
عرف الإنسان هذه الظاهرة في عهوده الأولى ، يوم كان لا
يملك إلا أن يسير مع النزعات والانفعالات ، وامتدت الحال به كذلك أزمنة
وعصوراً ، فالقوي مسيطر لأنه قوي ، والضعيف خاضع تابع لأنه ضعيف .
وارتقى الإنسان ، وبدأ يفكر في ما يراه من الظواهر ،
ويتطلب لها تفسيراً ، ويطلب لها تعليلاً .
وفكر في هذه الظاهرة كما فكر في غيرها وطلب التعليل لها
كما طلب التعليل لسواها ، وكان التعليل الذي وجده لها من إملاء القوة
أيضاً، فقد فكر أن القوي يجب أن يكون هو الحاكم لأنه قوي يخاف ويرجى،
والضعيف لا يحكم نفسه ولا يدير شؤونه لأنه ضعيف لا يستطيع الحماية، ولا
يقوم بالكفاية.
وهكذا أصبحت الظاهرة فكرة ثم كانت نظرية.
وامتداداً للفكرة ، وفي غضون طلب الإنسان التعليل لها ،
ومن إملاء القوة أيضاً ، نشأت نظرية الحق الإلهي ، فالإله هو القوي
المطلق، والقوي من الناس يتمتع بصفة من صفات الإله وهي القوة ، وإذن
فهو أحق بالحكم وأولى بالسيطرة .
قال القوي ذلك ليضاعف به قوته ، ويركز سلطانه، وقاله
الضعيف ليبرر به خضوعه وطاعته .
وامتدت الفكرتان : فكرة (الحق للقوي) ، وفكرة (الحق
الإلهي)، وسارتا متفقتين تعملان لغاية واحدة ، ثم سارتا مفترقتين
تعملان لغايتين أو غايات شتى ، وامتدتا عبر التاريخ ، واتخذتا صوراً
وألواناً وأسماءً ، واختلفتا مع الأيام ، ومع الأهواء حدوداً وأبعاداً
وآثاراً، والهوى المتقلب الملوّن يمدهما بما يلزم ، ويكيّفهما وفق
الحاجة .
وأما العقل الحصيف الواعي الحر فإن حكمه في كلتا
القضيتين بيّن لا خفاء فيه .
فالقوة –بمجردها- لا تستوجب -في نظر العقل- سيطرة على
رقاب المخلوقين ، ولا تنفّذاً في مقدّراتهم .
والقوي العاري عن مؤهلات الحكم لا يستحق –بذاته- ولاية
على أمر ، ولا طاعة من أحد .
والحكومة بين الناس ، والرعاية لشؤونهم ، والزعامة
لصفوفهم، يجب أن تقوم على أسس ثابتة من الحكمة ، وعلى نظم صالحة
للرعاية، ومع مؤهلات وكفاءات متوفرة في الراعي .
القوة ؟ ، وأي حق للقوة ؟ ، وأية درجة من القوة هي
صاحبة الحق ؟ .
فإذا حكمنا بأن الحق للقوي ثم وجد من هو أقوى منه ؟ .
وإذا أثبتنا حق الأقوى ثم جاءنا من هو أشد منه قوة ؟ .
وإذا رأينا أن الحق للقوي ثم انهارت قوته حتى أعيا عن
مقاومة الضعيف ؟ .
فهل يتذبذب الحق مع اختلاف درجات القوة صعوداً وهبوطاً
؟ .
وهل يتبدل الحكم به مع تبدل الطوارئ نفياً وإثباتاً ؟ .
الحق للقوة ؟ ، وأي معنى تدل عليه كلمة الحق هنا ؟ ،
وعلى أي أساس يبتني ؟ .
أليست الخاصة الأولى لمثل هذا الحق -الذي نحاول إثباته-
أنه يجب الإذعان له بالإرادة ؟ .
ثم أليس الخضوع للقوة من أحكام الضرورة لا من أحكام
الاختيار ؟ ، وأحكام الضرورة تسقط بسقوط موجبها .
إنها نتيجة ليست منطقية ، ولا ثابتة ، ولا صالحة لتدبير
شؤون الإنسان ، ولا لصون كرامته .
*
* *
هكذا يقول الفكر الحصيف الواعي الحر عن الفكرة الأولى :
فكرة (الحق للقوي) ، وهكذا يقول عنها الإسلام أيضاً .
فالقوة المجردة عن النظم العادلة ، والمناهج القويمة ،
والنظرات الحكيمة ، لابد وأن تصبح مدعاة للظلم والحيف ، والهدر للحقوق،
والانتهاك للحرمات ، والمصادرة للحريات ، والاستكبار على الله، والتنكر
لدعوته ، والتعدي عن حدوده ، وكلما تضاعفت قوتها ازداد خطرها ، وتراكم
بلاؤها ، وهي –إذن- جرثومة فاتكة ، تجب إبادتها، وإراحة المجتمعات منها
.
هذا هو حكم الله في كتابه الكريم عليها .
وقد اقتص فيه من أحاديث الأمم التي اغترّت بقوة العدة
وكثرة العدد فزاغت عن العدل ، وتمردت على الحق ، وكذّبت الرسل،
واستوجبت من أجل ذلك التدمير وسوء المصير .
اقرأ -إذا شئت- قوله (تعالى) :
)فَأَمَّا
عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي
خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا
يَجْحَدُونَ . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ
نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ.(
. (فصلت : 15 - 16)
وحذر الخلف ان يتبعوا سيرة أسلافهم ، فتأخذهم البطشة
التي أخذتهم ، وحثهم أن يمشوا في مساكنهم ، وينظروا في تاريخهم
وآثارهم، ويتفكروا في بداياتهم ونهاياتهم ، فيفيدوا من ذلك عبرة ،
ويصيبوا رشداً :
)أَوَ
لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ
قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ .(
.(غافر : 21 - 22)
*
* *
على أن الحكم الصالح ، القائم على النظم الصالحة ، لا
محيد له -لتثبيت قدمه ، وحراسة سلطانه ، وصيانة حدوده- .. لا محيد له
من وجود القوة المرهوبة ، ولا غناء له عنها .
القوة الموجّهة ، التي آمنت بالمبدأ ، وخضعت له ، ودانت
لمناهجه، واستمسكت بالعدل القائم عليه ، وأسلمت قيادها إليه ..
القوة المؤمنة بالحق ، المناضلة من أجله ، والقيادة
السديدة التي لا يقعد بها الخور ، ولا تنحرف بها الأهواء .
لا محيد للحكم الصالح من إعداد هذه القوة ، والاستكثار
منها مهما يكن صلاح ذلك الحكم ، ومهما تكن ركائزه ، فالمناوأة للحكم
الصالح من داخل حدوده ومن خارجها أمر لا مساغ لتجاهله ، ولا بد من
التفكير فيه ، والإعداد له ، وهيبة الحكم لا تستقر في صدور هؤلاء
المناوئين الظاهرين والمستترين ، ما لم يتخذ هذه الأهبة التي تحسم
هراءهم ، وتمنع تطاولهم .
ووجود القوة بذاته يعمل أكثر من عمل تجريد السلاح ، فإن
الكثير من أعداء الحكم من لا يجرؤ أن يعمل أو يقول إلا حين يتبين ضعفاً
، أو يجد ثغرة ، فإذا أحس بقوة تساند الحكم همدت حركته ، وخفت صوته .
وللإسلام النصيب الأوفر الأكبر من هؤلاء المناوئين
الذين ينابذونه بما هو دين ، أو يحاربونه بما هو مبدأ قائم ، وشرع حاكم
، وقد حتم على الحكومة التي تقوم باسمه أن تعد هذه القوة المرهوبة ،
التي تدافع عن الحق ، وتذب عن حدوده ، فقال :
)وَأَعِدُّواْ
لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن
دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ...(
. (الأنفال : 60)
*
* *
أما (الحق الإلهي) في موازين العقل ، وفي مقاييس الفطرة
، وفي نظرة الإسلام -دين العقل والفطرة-، فإنه أشد ضعفاً ، وأوهن
ركيزة، من حق القوي ، والعقل والفطرة والإسلام تحكم جميعاً باستحالته
وامتناعه .
الحق الإلهي ؟ ، وما منشأ هذا الحق؟ ، وما حدوده ؟ .
فرد بشري مخلوق من ماء مهين ، ومركّب من لحم ودم وعصب،
أو أسرة معينة من البشر ، لها ركائزهم وطباعهم ودوافعهم ، يحلّ فيها
جوهر إلهي ، أو يجري في عروقها دم إلهي، أو يتصل نسبها بسلالة إلهية،
فتستوجب -من أجل هذه الصلة بالإله- حقاً شرعياً : أن تحكم وتطاع، أو
تملك وتُعبَد ؟ .
إنه وهم يحكم الفكر السليم باستحالته ، وإنه افتراء
يعارض صريح التوحيد ، ويحكم الإسلام بكفر من يعتقد به .
فقد تعالى إله الكون ، ومبدع موجوداته ، ومقدّر نظمه ،
ومحدد غاياته ، ومدبّر حركاته ، وموقت آجاله .. الغني الذي لا حدّ
لغناه ، العلي الذي لا منتهى لعلوّه ..
تعالى أن تكون له أجزاء وأبعاض ، أو يتصف بتركيب وتحلل،
وبزيادة ونقص ، أو تولّد أو ولادة ، أو حلول واتحاد .
وتنزّه أن تناله صفات المخلوقين ، أو يشبهه أحد منهم ،
أو يقبس بعضهم شيئاً من صفاته ، أو يرث معنى من معانيه .
أو تكون لأحد من الناس -أو من سواهم- به صلة غير صلة
المعلول الخاضع ، والعبد المفتقر .. صلة الأثر بموجده ، والعبد
بسيده، مهما ارتقى ذلك الكائن في درجات العبودية ، ومهما سبق في مضامير
الطاعة .
وكيف يحل في شيء ، وكيف يتحد معه ، وكيف يكون له جزء أو
جوهر ، وكيف يلد أو يولد ، أو يتحلل أو يتركب ؟ ، أليس معنى ذلك أنه
متغير متحوّل ، وحادث محتاج ؟ .
كيف يمكن أن يعرض له بعض هذه الأوصاف ، وهو واجب الوجود
، الغني المطلق ، والكامل المطلق ، الذي لا حد لغناه ، ولا لكماله ،
الأزلي الأبدي ، الذي ليست لوجوده بداءة ولا نهاية ، الأحد الصمد الذي
لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ؟ .
وقد أوضحت هذه المعاني -بعض الإيضاح- في كتابي :
(رسالات السماء) ، وقد نشرته سلسلة منابع الثقافة الإسلامية ، فارجع
إليه إذا طلبت المزيد .
وهكذا يستبين لك : أن قضية الحق الإلهي فكرة وثنية ، لا
تتفق مع عقيدة التوحيد أبداً ، ولا يمكن أن يهادنها الإسلام دين
التوحيد الخالص .
*
* *
وأود ها هنا أن أشير إلى فارق كبير جداً بين الحق
الإلهي الذي حدثتك عنه ، وقلت لك : إنه فكرة يحكم العقل باستحالتها ،
ويحكم الإسلام بكفر معتقدها ، وبين الحكم الإلهي هذا الذي يرتكز عليه
نظام الإسلام ، وتنطق به آيات القرآن .
فالحق الإلهي -كما رأينا- دعوى كاذبة مستحيلة ، يتعلق
بها متنفذ من البشر يثبّت بها قدمه ، ويمكّن بها لنفوذه ، ويجعل بها
طغيانه على الناس ، واستعباده إياهم ، وظلمه حقوقهم ، واستبداده في
شؤونهم، حقاً مقدساً شرعياً .
والحكم الإلهي -الذي يقول به الإسلام- شريعة تثبت
أصولها بنصوص الكتاب ، وتأتي شروحها وبياناتها بثابت السنّة ، وبمقطوع
الأدلة ، تكفل للفرد المسلم ، وللمجتمع المسلم ، وللحياة المسلمة، جواب
كل مسألة ، وحل كل مشكلة ، وفصل كل خصومة ، وتوجيه كل ناحية ، وفق
الحكمة الدقيقة ، والملاحظات العميقة ، ووفاء الضرورات الكثيرة ،
والحاجات المختلفة ، في جميع الأزمنة والأمكنة، والبيئات والأصقاع
والأجيال .
.. شريعة إلهية ينطق بها الكتاب العزيز ، الذي
)لَا
يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ
تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(
.
ويشرحها ما ثبت من أقوال الرسول الكريم ، الذي ما ضلّ
)وَمَا
غَوَى . وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
.(
.
وأقوال خلفائه من أهل البيت ، الذين أذهب الله عنهم
الرجس وطهرهم من الذنب .
.. شريعة معصومة ، تقوم دعوتها على التفّهم الكامل
لرسالتها، والاقتناع الكامل بحججها ، والإيمان الواعي الحر بصدقها .
هذا هو الحكم الإلهي الذي يجب اتباعه وتطبيقه في دين
الإسلام في كل شعبة من شعب الحكم ، وفي كل حقل من حقول الاجتماع ، وفي
كل شأن من شؤون الحياة ، ولا يعذر فرد مسلم ، ولا مجتمع مسلم، ولا
حكومة مسلمة في مخالفته ، والاستبدال به ، أو التهاون في أمره :
)أَفَحُكْمَ
الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً
لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ.(
. (المائدة : 50)
)وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ...(
. (44 ، 45 المائدة)
أما الولي العام أو الخاص ، الذي يتولى تطبيق هذا الحكم
الإلهي في أمور الدولة الإسلامية ، وفي شؤون الرعية المسلمة ، فهو
الفرد المسلم.
الفرد المسلم الذي يأخذ نفسه بتطبيق شريعة الله تطبيقاً
كاملاً ، في كل ما يقول وما يعمل ، وما يأخذ وما يدع ، بحيث لا يميل به
هوىً ، ولا تنحرف به غاية .
هو الإمام المعصوم الثابت الإمامة والعصمة ....
ثم من بعده الفقيه العادل الثابت الفقه والعدالة .
وميزة هذا الفرد الكامل الإسلام إنما هي بتمثل دين الله
فيه أصدق التمثيل ، واحترامه ووجوب طاعته على الرعية مأخوذان من احترام
القانون الإلهي الذي يمثله ، ووجوب طاعة الله الذي يحمل عهده ، ويتولى
تنفيذ إرادته ، وأداء أمانته .
هذا هو الفارق بين المفهومين أسوقه ها هنا حذراً من
الالتباس .
ولدي : لقد طال الحديث وطال ، وأنا أروم-جهدي–
تقليل الخطى ، ولكن ماذا أصنع وأنت تطلب التفصيل ؟ .
لقد طال الحديث وامتد ، ولم أتناول -إلى الآن- المقطع
الثالث من سؤالك الأول ، فهل تسمح لي أن أقف معك عند هذا الحد ، حذراً
من أن أكلف رسالتي ما لا تستطيع ، وأن ابتدئ الحديث عن العقد الاجتماعي
في رسالة ثانية -إن شاء الله (تعالى) .
(16)
نظرية
العقد الاجتماعي . أسس النظرية عند (جان جاك روسو) . ملخصها .
شروطها . النظرية عند (توماس هوبز). عند(جون لوك). نقدها وقولة
الإسلام فيها .
الكوت : 14 / رمضان / سنة : 1384هـ
ولدي العزيز الأديب المهذب
………….
دام توفيقه .
أقدم لك ولجميع الإخوان والأبناء المتبعين هدى الله ،
المستضيئين بأشعة قرآنه ، أوفر التحية وأزكى السلام ، وأسأل الله أن
يظلكم بواسع رحمته ، وسابغ بركته ، ويخصكم بكرائم منحه ، ومزيد توفيقه
.
وأهنئكم –جميعاً- بقدوم شهر رمضان المبارك ، جعلنا الله
وإياكم من أهله ، وبوأنا مقامات الصالحين ببركته .
ولدي ....
لقد طال عليك الأمد وأنت ترتقب رسالتي الثانية تحمل
جواب سؤالك الثالث ، وماذا أصنع أنا ، فهذا هو حكم وفرة الأعمال ، وشدة
المضايقات ، وقد حدثتك عنها في رسالتي الأولى ، التي أرسلتها إليك بيد
أحد أصدقائك (……)
، وأرجو أن تكون وصلت إليك في حينها وملأت فراغاً كنت قد لمحت إليه في
رسالتك .
كان سؤالك الثالث ، أو -بالأحرى- كان المقطع الثالث من
سؤالك الأول عن العقد الاجتماعي في رأي الإسلام .
والعقد الاجتماعي نظرية عرف بها الفيلسوف الفرنسي(جان
جاك روسو) ، المتولد سنة : 1712 ، والمتوفى سنة : 1778 .
عرف بها هذا الفيلسوف واشتهر وإن لم يكن هو الواضع
الأول لخطوطها .
فقد ذهب إليها -من قبله- الفيلسوفان البريطانيان (جون
لوك) المتولد سنة : 1632 ، والمتوفى سنة : 1704 ، و(توماس هوبز)
المتولد سنة : 1589 ، والمتوفى سنة : 1679 ، على فارق بين آرائهم في
وجه هذه النظرية ، وفي نتائجها ، ولعلي أشير إلى هذا الفارق فيما بعد .
عرف بها (روسو) واشتهر ، ووضع فيها كتابه المعروف :
(العقد الاجتماعي) ، وأقوى سبب لاشتهاره هو قيام الثورة الفرنسية
الكبرى على أسس نظريته تلك ، واتخاذ كتابه (العقد الاجتماعي) إنجيلاً
للثورة -على ما يقول المؤرخون-، ثم نجاح الثورة في تحقيق أهدافها ،
وامتدادها إلى دول وأقطار كثيرة أخرى .
قامت الثورة في فرنسا بعد موت الفيلسوف بأحد عشر عاماً
، وبعد ظهور كتابه -الآنف الذكر- بثمانية وعشرين عاماً ، فأحيت ذكر
الفيلسوف ، وترسمت أهداف الكتاب ، ودعت إلى الحكم الديمقراطي الجمهوري
على النحو الذي دعا إليه ، وكان اقتران أسمه بهذه الحوادث التاريخية
المهمة ، والنتائج التي ترتبت عليها ، كان ذلك سبباً لاشتهاره ،
ومعرفته بالنظرية المشار إليها .
أما الفيلسوفان الإنجليزيان (لوك) و(هوبز) فلم يتسن
لهما ما تسنى لزميلهما الفرنسي ، فبقي ذكرهما مع الفلاسفة الكثيرين
الذين لم يتألق لهم نجم في الحياة العامة .
والأسس التي تقوم عليها نظرية العقد الاجتماعي -على ما
يذهب إليه الفيلسوف الفرنسي- هي :
1 - أن الناس كلهم يولدون أحراراً ، فليس لأي إنسان
سلطان طبيعي على إنسان آخر ، سواء أكان فرداً ، أم شعباً .
2 - وليس للاسترقاق وجه شرعي يسوغ وجوده كذلك ، سواء
أتعلق بالأفراد أم بالشعوب .
3 - وليس للقوي (أو الأقوى) حق طبيعي ولا أدبي يفرض له
الطاعة في رقاب الآخرين .
4 - وإذن فالأساس الصحيح للدولة ، ولكل سلطان شرعي يكون
بين الناس ، إنما هو العهد الاختياري الذي يقع فيما بينهم .
وملخص النظرية ذاتها : أن الطبيعة قد زودّت كل فرد من
الناس بقسط من القوة يحفظ لنفسه البقاء ، وقسطه هذا من القوة محدود ،
وهو لا يملك من القوة زيادة على ما وهبته الطبيعة منها .
وها هنا عوائق كثيرة وشديدة تضر بسلامة الأفراد ، وتهدد
بقاءهم في الحال الطبيعية ، وتقاوم ما لديهم من القوى التي لا يمكن
بدونها البقاء .
فإذا اشتدت هذه العوائق ، وتغلبت على القوى الخاصة التي
يملكها كل فرد فرد أصبح بقاء الناس متعذراً ، وكان هلاكهم محتوماً .
وليس للناس وسيلة للبقاء ، والتغلب على هذه المقاومات
إلا التكتل .
أن يؤلفوا من القوى الفردية المتشتتة قوة كبيرة موحّدة
، تتحرك بمحرك واحد ، وتسير باتجاه واحد ، وتستطيع أن تتغلب على كل
مقاومة .
والسبيل إلى إيجاد هذه الشركة ، التي تحمي بقوتها شخص
كل مشترك فيها وأمواله وحقوقه ، مع الاحتفاظ بالحرية الكاملة لكل فرد
منهم فلا يطيع إلا نفسه .. السبيل إلى ذلك هو (العقد الاجتماعي) .
وشروط العقد الاجتماعي -على ما يقوله هذا الفيلسوف-
تردّ إلى شرط واحد وهو : أن يبيع كل فرد من المشتركين نفسه وجميع حقوقه
من المجتمع بأسره بيعاً شاملاً .
وبتعبير آخر له : أن يضع كل واحد من المشتركين شخصيته
وجميع قوته شركة تحت إدارة الإرادة العامة ، بحيث يكون المجموع هيئة ،
ويكون كل عضو جزءاً خفياً منها .
وهو يعقّب على ذلك بأنه إذا باع كل واحد من الأفراد
نفسه بأسرها ، أصبح هذا الشرط متساوياً نحو الجميع ، وإذا كان متساوياً
نحو الجميع لم يكن لأحد منهم مصلحة في جعل الشرط ثقيلاً على الآخرين.
وبما أن كل واحد لا يهب نفسه لأحد بهبتها للجميع ، وبما
أنه لا يوجد مشترك لا يكتسب عين الحق الذي تنزل له عنه ، فإنه يظفر بما
يعدل جميع ما يفقد ، وبزيادة قوة لحفظ ما يكون له .
هذا هو ملخص النظرية ، وقد آثرت أن أقتبس -في تعريفها
وبيان شرائطها- من عبارة الفيلسوف ذاته في كتابه (العقد الاجتماعي) ،
تعريب الأستاذ عادل زعيتر ، وطبع دار المعارف بمصر .
*
* *
ومؤسس نظرية العقد الاجتماعي -على ما يقول مؤرخو
الفلسفة الحديثة- هو الفيلسوف الإنجليزي (توماس هوبز) ، والفارق بين
مذهبه ومذهب (جان جاك روسّو) كبير جداً .
فقد علمنا أن (روسو) يرى أن الناس يولدون أحراراً ، وأن
التعاقد الاجتماعي فيما بينهم إنما يكون على أساس من هذه الحرية ، ومن
أجل الحفاظ عليها .
ومعنى ذلك : ان الدولة التي تقوم على هذا التعاقد
الاجتماعي دولة ديمقراطية ، تديرها إرادة الشعب العامة ، وأن للشعب حق
إسقاطها إذا حادت عن سواء السبيل .
أما (هوبز) فإنه يرى ان الإنسان مجبور خاضع للقدر ، وان
الشهوات والمصالح الشخصية هي المحرك للإنسان ، وهي الحكَم المتبع، الذي
يرجع إليه في الأخلاق والسلوك .
والنتيجة المحتومة لذلك : ان يندفع الناس جميعاً ، كل
لتحصيل رغباته وشهواته ، وان يقع التصادم بينهم من جراء ذلك ، وان يكون
نظام الطبيعة نظام حرب عام من أجل البقاء ، والحق إنما هوة للقوة ،
فالقوي هو الذي يستطيع أن يحقق مآربه بقوته ، وأن يزيح العوائق
والمعارضين عن سبيله .
ولن يأمن الناس من خطر هذا الصراع الدائم ، ولا يتقي
الإنسان عدوان أخيه الإنسان ، إلا إذا تعاقد الناس فيما بينهم تعاقداً
اجتماعياً على الإذعان لسلطة هي أقوى من الجميع ، تمنع بعضهم من بعض،
وهذه السلطة هي الدولة .
ولذلك فيجب على الأفراد أن يخضعوا للحكومة خضوعاً
كاملاً، وأن يعدّوا إرادتها ، وإرادة الملك الذي يرأسها أسمى من كل
قانون .
فالدولة -عند هذا الفيلسوف- هي كل شيء ، والملك هو صاحب
الحق المطلق ، لأنه يمثل القوة الكبرى وهي صاحبة الحق ، ولذلك فلا دين
ولا قيم ولا أخلاق إلا ما تقرره الدولة ، ويعترف به القانون ، ولا
قانون إلا ما يفرضه الملك ممثل الدولة ، وممثل القوة .
أما الإنسان العادي فلا يرجع إليه في شيء من ذلك ، لأنه
لا يعرف غير شهواته ورغباته ، وليس له أن يقول أي كلمة في شأن الدولة،
وفي شأن الملك ، وفي شأن القانون -وإن حاد عن السبيل- .
فالدولة عند (توماس هوبز) ملَكية مطلقة ، على الضد مما
يراه (روسو) .
*
* *
وأما (جون لوك) ، فإنه يرى كذلك : أن أساس الدولة عقد
اجتماعي ، يتم بين الأفراد لحماية أموالهم وحقوقهم ، وهو يتم على أساس
من الحرية ، فالشعب هو صاحب الحق في أن يختار من يشاء لولاية أموره .
ولكنه يرى أن من الضروري لفعالية الدولة ، وتأدية
مهمتها على ما يرام ، أن يتنازل الأفراد لها عن بعض حرياتهم .
فالسلطة التنفيذية مثلاً : (قضائية وإدارية) لابد وأن
تكون خاضعة للحكومة ، وللملك الذي يرأسها -وان يك ذلك في ضمن حدود
معينة-، أما السلطة التشريعية فهي بيد ممثلي الشعب ، وهي السلطة العليا
في الدولة .
وعلى أي حال ؛ فالملك والحكومة مقيّدان عنده بإرادة
الشعب، وعليهما أن يحافظا على حقوق الناس ، فإن هما لم يحافظا على حقوق
الناس ، أو لم يتقيدا بإرادة الشعب فلا حق لهما في الحكم .
*
* *
هذه هي خلاصة الآراء في نظرية العقد الاجتماعي ، وهذه
هي مراحل نشوئها ونموها الفلسفي .
وضعت خطوطها -في صورتها البدائية- في مذهب (هوبز)،
وارتقت وتبيّنت في مذهب (لوك) ، وبلغت درجة كمالها ونضوجها في مذهب
(روسو) .
ولا يهمني ان العرض لمذاهب الفلاسفة الذين تبنّوا
النظرية بعد (روسو) ، كما لا يهمني ان أنقد النظرية كما يراها (توماس
هوبز) ، فإن هذا مذهب يكفي تصوره في إثبات فساده .
والملحوظ جلياً : ان هؤلاء الفلاسفة وأتباعهم إنما
اعتبروا العقد الاجتماعي أساساً للدولة لما لم يكن للدولة -في آرائهم-
أساس سواه، ولما كانت الحرية المطلقة التي لا تعرف الحدود هي الأصل
عندهم في الإنسان ، فليس عليه ان يتقيد بشيء ، ولا يجب ان يخضع لأحد .
فإذا تزاحمت الحريات ، وإذا قامت في سبيلها المعوقات ،
كان على البشر ان يتجمعوا لصد العوادي ، وضمان الحريات ، وكان عليهم ان
يقيموا اجتماعهم على عهد وثيق متبادل ، يفي لهم بالغاية ويحقق لهم
المساواة فيها .
والحرية هي الأصل الذي يقرره الإسلام للبشر ، ولكن في
حدودها الصحيحة المعقولة ، بحيث لا تجمح إلى الفوضى ، ولا تنخفض إلى
العبودية ، والحرية متى طغت على حدودها المتزنة انقلبت عبودية خالصة ،
وإن سميت حرية في معاجم الشهوات .
وقد لخصت الحديث عن الحرية في موازين الفطرة ، وفي رأي
الإسلام في البحث الثامن من كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب)، فارجع
إليه إذا طلبت المزيد .
وواضح أن الحرية التي نتحدث عنها ، والتي قررها الإسلام
–كما
قلنا- وناط بها تعاليمه ، وبنى عليها المساواة الكاملة بين أفراده ،
إنما هي حرية البشر بالإضافة إلى بعضهم بعض ، وهي التي لاحظها الفلاسفة
والمشرعون لما بحثوا في حقوق الإنسان، وراموا تحديد واجباته.
ولكن الأمر الذي لا يسوغ ان يتغافل عنه : هو أن لهذا
الإنسان صلة كبرى هي فوق صلاته جميعاً ، وأقواها جميعاً ، وهي أسبقها
جميعاً، وأبقاها جميعاً ، بل وهي المبدأ الذي تتفرع عليه وتستمد منه كل
صلة، ويقوم عليه كل حق ، ويرجع إليه كل واجب ، وتلك هي صلة الإنسان
بخالقه ورازقه ومقدره ومدبره .
وقوام هذه الصلة هي العّلية من أحد الجانبين ،
والمعلولية من الجانب الآخر .
هي الربوبية القاهرة من جانبها الأعلى ، والعبودية
الخاضعة من جانبها الأدنى ، وكل خير وجده ابن آدم ، أو يجده في حياته ،
أو هو يرجو نيله فيما بعد هذه الحياة ، فإنما هو أثر من وجود هذه
الصلة، وفيض من برّها :
)وَمَا
بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ.(
. (النحل : 53 )
وصلته بالناس الآخرين -حتى بأقربهم منه دماً ، وأمسّهم
منه رحماً- إنما هي صلة النظير بالنظير ، والند للند ، فهي لا تحدث من
حاجة ذاتية في احد الطرفين ، ومن أجل ذلك كان الناس أحراراً فيما بينهم
، بعضهم بالإضافة إلى بعض ، فلا سيطرة لأحد على أحد .
والجميع مشتركون متساوون في العبودية لله ، والتعلق به
، والفقر إليه .
)يَا
أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ .(
. (فاطر : 15 )
ومن أجل ذلك ؛ كان الناس متساوين في الحقوق والواجبات
في شريعة الله ، متساوين في المنزلة أمام عدل الله ، متساوين في الفرص
التي تؤهلهم للمقامات الكريمة في قانون الله ، ثم في عادل جزائه ،
وموفور عطائه .
ومن لوازم تلك الصلة الذاتية ، الطبيعية الثابتة
الدائمة ، التي تصل الإنسان بربه ، وتعلقه بتدبيره ، ومن مظاهر
العبودية الخالصة الثابتة له : ان يفرده بالخضوع والعبادة ، فلا يخضع
لموجود سواه :
)قُلْ
أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ...(
. (الأنعام : 164)
وأن يتخذ من إرادة الله ، التي أنزلها في كتبه ،
وأوضحها على ألسنة رسله ، منهجاً للعمل ، ونظاماً للحياة :
)..
لَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً
أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ .(
. (النحل : 52)
وأن ينظر في صلاته بالناس وبالموجودات كافة على ضوء ذلك
النظام الإلهي الرشيد ، فيتوجه بها إلى حيث أراد الله ، ويتصرف بها
عمّا نهى ، ويقيمها على الأسس التي وضع :
)إِنَّمَا
يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ
اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ . وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا
أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ
سُوءَ الحِسَابِ .(
. (الرعد : 21 )
ومن لوازم صلة الإنسان بربه ، ومن مظاهر عبوديته الخاصة
به، الخالصة له ، ان يخضع لحكم الله وحده ، ويعمل -ما استطاع- لإعلاء
كلمته في الناس ، وتعميم حكمه على الأرض ، فلا حكم إلا لله ، ولا سلطان
إلا سلطانه ، ولا نظام إلا نظامه :
)وَمَن
لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ...(
. (44-45: المائدة)
ان يعمل لذلك ما استطاع العمل ، ويدعو إليه ما أمكنته
الدعوة، ويدل عليه ما وسعته الدلالة .
هذا هو أساس الدولة في الإسلام ..
إنه يقوم على الصلة الذاتية العميقة التي تعقد الإنسان
بربه ، وتخضعه لأمره ، وتنيطه بتدبيره .
والخضوع لله -في هذا المجال- يتمثل بالخضوع لحكم الله
الذي تأخذ به الدولة في كل ناحية من نواحي الحكم ، ونظام الله الذي
تطبقه في كل حقل من حقول الحياة ، والدولة إذا لم تمثل حكم الله ، ولم
تنتهج هداه ، فلا حق لها في طاعة على أحد أبداً ، وقولة الله في هدمها
صريحة قبل قول الأمة .
هذه هي ركيزة الدولة ، وهذا هو أساسها الذي تقوم عليه
في رأي الإسلام .
أما التعاقد الاجتماعي فيأتي دوره بعد ذلك ، وجدواه شد
أعضاء المجتمع بالدولة في ظل شريعة الله .
ومن مظاهر هذا التعاقد الإسلامي : البيعة التي يؤديها
المسلمون لرئيس الدولة ، وقد ذكر القرآن الكريم بيعة المسلمين للرسول7،
وعرّفهم عظم خطرها ، وأكّد عليهم وجوب الوفاء بها :
)إِنَّ
الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ
فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ
وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً
عَظِيماً .(
. (الفتح : 10)
أما الفلاسفة الذين قالوا بالعقد الاجتماعي ، وحتى من
اعترف منهم بوجود إله الكون ، فإنهم لا يعرفون صلة الإنسان به على
النحو الذي شرحه الإسلام .
ومن أجل ذلك كان العقد الاجتماعي بين الأفراد -في
آرائهم- هو الأساس الفريد لبناء الدولة ، ولا أساس سواه .
ولدي
…
هذه هي خلاصة الآراء في نظرية العقد الاجتماعي ، وهذه
نظرة الإسلام فيها ، وأرجو أن يكون حديثي كافياً في إيضاح ذلك وإن كان
موجزاً .
ومن الله –سبحانه- أسأل لي ولكم دوام التوفيق، وحسن
الرعاية.
وتقبلوا خالص تحياتي لكم ولمن يعزّ عليكم ، في مطلع
الحديث وفي ختامه .
(17)
هذه
ثمار ما غرسناه
. حوار السائل مع زميل مسيحي حول الإسلام . الحوار المحترم . خطوط
وآداب للحوار . بعض ما في الكتاب المسيحي المقدس من التناقض . بعض ما
فيه من منافيات العقيدة الصحيحة . البشارة بمحمد في الإنجيل .
بغداد - كلية الصيدلة -10/ رجب / سنة : 1385هـ
الشاب الزكي النجيب…..
حفظه الله ووفقه .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
أهديك جميل التحية ، وجزيل التسليم ، وبالغ الإعجاب ،
وطيب الثناء ، ومن الله –سبحانه- أستمد لك نظرة حافظة ، ولطفاً عاصماً،
يكلآن لك هذا القبس الهادي الذي ينير فؤادك ، وهذا الروح الحي الذي
يخفق به قلبك ، وتوفيقاً شاملاً يسدد منك الخطى ، ويأخذ بيدك إلى التي
هي أرضى .
قرأت رسالتك ، واطلعت فيها على الوصف العام الجامع الذي
وصفت به مجتمعك في كلية الصيدلة : المجتمع المختلط من شتى الأديان
والألوان ، واللهجات والعادات ، وقد آسفك ان الدين الإسلامي في هذا
الوسط يتمثل بفريق من شباب الجيل ، لا يجهلون شيئاً كجهلهم بدينهم ،
ولا يولعون بأمر كما يولعون بمخالفة أحكامه ، وساءك ان هذا الدين
العظيم يتّهم من أبناء الأديان الأخرى بشتى الاتهامات ، ويجترأ على
كرامته بمختلف الأقاويل ، ثم لا يجد من يدافع عنه ، أو يحسن الدفاع عنه
.
وهذه بعض ثمار ما غرسناه نحن بأيدينا ، لم نظلم منه
شيئاً ، ولم نبخس منه ثمناً ، إنها ثمار ما غرسناه بأيدينا نحن
المسلمين ، ومن يجن الجناية ثم يحاول إنكارها فإنما يرتكب جريمتين .
إنها ثمار ما غرسناه نحن لما أهملنا أبناءنا ، فلم نجهد
ان نعرفهم دين الله ، ونفقّههم معارفه ، ونصلهم بطاقاته .
ولما أغفلنا مدارسنا ، فلم نضمّن مناهجها ما يعرّف
النشء بربه، ويبصره بدينه ، وما يزوده بالإيمان القوي البنّاء .
وسواءً أكنا معذورين في هذا الصنع أم غير معذورين ، فإن
النتائج الطبيعية لذلك تنساق وتتتابع ، رضينا نحن أم أبينا ، والله
وحده هو الرحمان المستعان .
ولكن كان المؤمل في الشاب المتعلم -أي شاب ، وأي علم-،
وخصوصاً إذا كان في وسط ثقافي محترم -ككلية الصيدلة- ..
كان المؤمل في هذا الشاب المثقف المتعلم ، ان يكون أبعد
الناس من أن يتهم بغير حق ، أو يقول بغير بينة ، والمرتقب من أمثاله ان
يبحث ليعلم ، وان ينقد -إذا شاء- عن علم .
ولكنها رواسب النفوس تحول دون الدراسات الموضوعية،
وخصوصاً فيما يتعلق بأمر الدين ، فهل نصل إلى الغاية التي يرتفع فيها
مثقفونا عن هذه المباءات ؟ ! .
إنني لآمل ان يصل ذلك اليوم ، وانه جد قريب ، والثقافة
الصحيحة الواعية هي الكفيلة بإزالة هذه الرواسب والعوائق .
*
* *
وذكرت انك دخلت في حوار مع أعزّ أصدقائك في الكلية حول
دين الإسلام .
وصديقك هذا شاب مسيحي الدين ، وأنت تطلب التوجيه في هذا
الحوار .
وأنا أرجو أن يكون حديثكما حديثاً شيّقاً مباركاً ، ما
دام ناشئاً في ظل الحب ، والأخوة الصادقة العميقة بينكما ، وما دام
موضوع الحوار هو دين الإسلام : دين الفطرة القويمة ، والخلق الرشيد
السديد .. دين الله العظيم .
وأربأ بكما معاً -ما دمتما مثقفين ، صحيحي الثقافة ،
وما دمتما صديقين حميمين ، يحب كل واحد منكما سعادة أخيه ، ويتمنى له
الخير- ...
.. أربأ بكما ان تتأثرا برواسب ، أو تنقادا لعاطفة أو
هوىً ، فان نفسيكما أسمى من ذلك ، وان غايتكما أعظم .
ابحثا بحثاً موضوعياً يليق بكما ، وتناقشا تناقشاً
هادئاً حراً ، وحكّما الفكر السليم ، والمنطق الصحيح ، والله كفيل لكما
بالوصول إلى الغاية المحمودة .
والحق -يا بني- جلي النور ، واضح المعالم والسمات ،
والداعية إلى الحق لا بد له من الأناة والمصابرة في دعوته ، وفي إقامة
حجته ، ولا بد له من الإخلاص في النصيحة لله ، والنصيحة للمدعو ، وبعد
هذا ؛ فالله نصيره ومعينه -ولا ريب- :
)وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .(
.(الحج : 40)
ولست ببعيد عن هذه الصفات -إن شاء الله- كما أتوسم فيك
.
*
* *
والبحث عن دين الإسلام بحثاً مقطوعاً مقتضباً ، ضمن
موقف واحد أو موقفين ، لست أرى لك فيه كبير فائدة ، وقد لا يقتنع به
صديقك -وان تفنّنت له في صوغ الأدلة وإقامة الشواهد- .
ومن أجل ذلك أرغب ان يكون الحديث بينكما متأصلاً
متسلسلاً ، فإنه أدعى للتأمل والتفكير ، وأيسر للاقتناع .
وما ضر الحديث في ذلك ان يتشعّب قليلاً ، إذا كنت
أديباً في الحديث ، لبقاً فيه ، ملمّاً بأطرافه .
أما الأدب واللباقة في الحديث ، فهما وصفان أرجو ان
يكونا متوفرين فيك -أيها العزيز-، وأما الإلمام بأطرافه ، فسيتحقق لك
-بعون الله- إذا رجعت إلى المصادر التي سأذكرها لك .
*
* *
وأود ان تكون بداية حواركما بالتحدث عن أصل الدين :
هل الدين ضروري للإنسان ، وما سبب هذه الضرورة التي
حتمته على الإنسان ، وحرّمت ان يعيش مهملاً بلا دين؟ .
واقرأ كتابي (رسالات السماء)، ففيه بحوث مختصرة مجدية
في ذلك، وباستطاعتك ان تقرأ فصل : (الدين في ينابيعه الأولى) من كتاب:
(الإسلام : ينابيعه . مناهجه . غاياته) -إذا كنت تطلب مزيداً من
الإيضاح والتفصيل- .
أود ان تفتتح حديثكما بهذه الناحية من البحث ، وإحدى
فوائد هذه الرغبة ان يقتنع صديقك بأن الدين ضرورة ، فيهتم بالحديث،
وينبعث إلى الجد فيه ، فالأمر أمر نجاة وهلكة ، وأمر ضرورة لا مسّد
لها، ولا غناء عنها ، والعاقل المتبصر لا يتسامح فيه أبداً .
وبعد ان تستوفي الغاية من هذه المرحلة ، وبعد ان يقتنع
صديقك بأن الدين ضرورة لا بد منها للإنسان ، فلينتقل الحديث إلى البحث
حول (الكتاب المقدس) : الكتاب الذي ترتكز عليه المسيحية القائمة بشتى
فرقها ومذاهبها ، وتؤمن به ، وتقول : إنه من وحي السماء .
وأحب لك في هذه المرحلة أن تكون هادئاً ، متزناً في
النقد ، يقظاً لكل كلمة تقولها .
أحب هذا لك دائماً ، وفي هذه المرحلة من حديثكما -على
الخصوص-، لئلا تثير صديقك العزيز عليك ، فإن الموضوع حسّاس .
.. أن تكون هادئاً ما وسعك الهدوء والاتزان ، بحيث لا
تقصد في نقدك انتقاصاً ولا تبكيتاً ، وإنما تروم استيضاح الحق ، والبحث
عنه، والتفاهم حوله .
والحوار بين النقاد المنصفين إنما تكون له قيمته وجدواه
إذا ارتكز على تبادل الاحترام بين المتحاورين ، ومن أجل هذا سميته
حواراً ولم أسمّه جدالاً ، والقرآن الكريم حين سماه جدالاً اشترط ان
يكون بالتي هي أحسن ، فقال :
)ادْعُ
إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..(
.(125: النحل)
هذه آداب الإسلام -أيها العزيز-، وعلى الداعية إلى الله
أن يتحلى بها ، وما أنت عنها ببعيد .
قلت : وبعد ان يقتنع صديقك بأن الدين ضرورة لابد منها
للإنسان ، لينتقل الحديث إلى البحث عن هذه المجموعة من الأسفار
الموجودة بأيدي المسيحيين : أهي صحيحة النسبة إلى وحي الله -كما يقول
المسيحيون- ؟ .
إذن فما بالها تتناقض نصوصها وتتضارب ؟ ، وهل يمكن ان
يقع تناقض في وحي الله ؟ .
ومن أمثلة التناقض فيها أنها تقول :
(لتعلم ان الرب هو الإله ، ليس آخر سواه) . انظر (35 :
الإصحاح الرابع - سفر التثنية)
وتقول : (وردّد في قلبك ان الرب هو الإله في السماء من
فوق، وعلى الأرض من أسفل) . انظر (39 من المصدر ذاته) ، وانظر (الإصحاح
الثاني والثلاثين من سفر التثنية) ، ومواضع كثيرة أخرى .
ثم تقول هي لموسى في شأن أخيه هارون : (وهو يكلم الشعب
عنك ، وهو يكون لك فماً ، وأنت تكون له إلهاً) . انظر (16: الإصحاح
الرابع - سفر الخروج) .
وتقول في الإصحاح السابع من (سفر الخروج) : (فقال الرب
لموسى : انظر أنا جعلتك إلهاً لفرعون ، وهارون أخوك يكون نبياً) .
فهي تقول بالتوحيد في فقراتها الأولى ، وبتعدد الآلهة
في فقراتها الأخيرة .
ومن أمثلة التناقض فيها أنها تقول : (الله لم يره أحد
قط ، الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر) . انظر (18 من الإصحاح
الأول : انجيل يوحنا) .
ثم تقول : (ثم صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو ، وسبعون
من شيوخ إسرائيل ، ورأوا إله إسرائيل ، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق
الأزرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة ، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف
بني إسرائيل ، فرأوا الله وأكلوا وشربوا) . انظر (9 -11: الإصحاح
الرابع والعشرين - سفر الخروج) .
وتقول عن أشعيا : إنه رآه في سنة وفاة عزّيا الملك
(جالساً على كرسي عال ومرتفع ، وأذياله تملأ الهيكل) . انظر (1 من
الإصحاح السادس - سفر أشعيا) .
وقد رآه حزقيال بن بوزي في موكب إلهي عظيم ، أطنب في
وصفه، انظر (الإصحاح الأول بكامله من سفر حزقيال) .
ومن الأمثلة على التناقض فيها ، أنها تقول : (أحكام
الرب حق عادلة كلها) . انظر (9 : المزمور التاسع عشر من المزامير) .
وتقول : (إني باسم الرب أنادي…
ان جميع سبله عدل) . انظر (4 الإصحاح الثاني والثلاثين - سفر التثنية)
.
ثم تقول : (أنا الرب إلهك ، إله غيور ، أفتقد ذنوب
الآباء في الأبناء ، في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ) . انظر (5 :
الإصحاح العشرين - سفر الخروج) .
وتذكر -في ما أنزل الله من الأحكام على بني إسرائيل-
أنه أمرهم ان يحاربوا أعداءهم حرب إبادة ، فتقول : (وأما مدن هؤلاء
الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً ، فلا تستبق منها نسمة ما ، بل
تحرّمها تحريماً (أي تبيدها إبادة) ، الحثيين والأموريين والكنعانيين
والفرزيين والحويين واليبوسيين ، كما أمرك الرب إلهك) . انظر (16 - 17:
الإصحاح العشرين - سفر التثنية) .
نعم ؛ وكذلك صنعوا ، (وحرموا كل ما في المدينة من رجل
وامرأة، من طفل وشيخ ، حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف) . انظر (21
: الإصحاح السادس - سفر يشوع) .
واقرأ هذا السفر كله ، لتعرف مبلغ القسوة التي أبادت
مئات الألوف من الأطفال ، وتقول ان ذلك بأمر الله ، وبوحي منه .
إلى أمثلة كثيرة جداً من هذه المتناقضات .
وما بالها تصف الإله العظيم بصفات يجب تنزيهه عنها ؟ .
فهو-في تصورها- يعجز من العمل ، فيفتقر إلى الراحة .
ويجهل موضع آدم بين شجر الجنة فيناديه : أين أنت ؟ .
ويجهل أن آدم أكل من الشجرة ، حتى يسأله .
ويخشى من آدم إن يأكل من شجرة الخلود ، فيشاركه في
استمرار الحياة ، كما أكل من شجرة المعرفة فشاركه في معرفة الحسن
والقبيح، ويكون إلهاً مثله ، فيطرده من الجنة .
والقصة –بكاملها- مذكورة في الإصحاح الثاني والثالث من
سفر التكوين ، فاقرأها -إذا شئت-، ولم أذكرها هنا لأن النص طويل .
وقد تصارع مع يعقوب ليلة كاملة ، فلم يقدر على يعقوب ،
ولم يستطع ان يتخلص من قبضته ، حتى اضطر الرب أن يضرب حِقّ فخذ يعقوب
فيخلعه ، ويعقوب ممسك بربه لا يدعه ، ولم يطلقه حتى انتزع منه البركة
انتزاعاً ، (ولقبّه إسرائيل) . انظر (24 – 29 : الإصحاح الثاني
والثلاثين - سفر التكوين) .
وهذا غير الأوصاف الشائنة التي تصف بها الأنبياء .
وعدا النسب غير المؤدّبة التي تنسبها إلى قدس السيد
المسيح ، نعم ؛ إلى السيد المسيح بالذات .
وسوى الأعمال المنكرة التي تعزوها إلى تلاميذ المسيح .
وإذا رغبت في تعيين هذه المواضع من الكتاب المقدس ،
فيمكنك ان تعرّفني برغبتك .
وبكلمة موجزة .. يمكنك ان تستعرض نسخة كاملة من الكتاب
المقدس ، وتقرأه مع صديقك قراءة هادئة مشتركة مستقصية ، وتقفا على كل
فقرة فقرة من كل إصحاح ، وتتفهما معانيه حتى تستيقن أنت، ويستيقن صديقك
معك : ان مثل هذا الكتاب لا يمكن ان يكون من وحي السماء ، لوفرة ما
يحتويه من الأوهام التي لا يتقبلها فكر سليم .
*
* *
وبعد هاتين المرحلتين من البحث توجّها -في حواركما- نحو
الإسلام ، ونبي الإسلام ، وكتاب الإسلام ، وليذكر صديقك نقوده، واذكر
أنت –بدورك- أدلتك وموجهاتك .
وإذا شئت فعرّفني عما تحتاج إليه في هذه المرحلة من
الأدلة ، وعمّا يبديه صاحبك من النقود ، وإن كنت كثير المشاغل متزاحم
الواجبات والله ولي التوفيق .
هذا هو السبيل المجدي في اتجاه حديثكما وان كان طويلاً
، وأرجو لكما التوفيق في سلوكه .
*
* *
وسألت عن قولة المسيح
(عليه السلام):
)وَمُبَشِّراً
بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ...(
, أهي مذكورة في الأناجيل الموجودة ؟ ، وفي أي انجيل توجد ؟ ، وما
موقعها ؟ .
ولدي : نعم ، وردت هذه البشارة في انجيل يوحنا ، وقد
ذكرت منه في موضعين : في الفقرة 26 من الإصحاح الخامس عشر ، وفي الفقرة
7 - 15 من الإصحاح السادس عشر .
ولفظه في الأصل اليوناني للإنجيل : (بير كلوطوس) ،
وتعريبه (فيرقلوط) بمعنى احمد أو محمد .
ويصححه بعض النصارى (بيراكلي طوس) ، ويلفظون به مخففاً:
(فارقليط) .
وقد ذكر هذا في الترجمة المطبوعة في لندن ، سنة :1821 ،
وسنة : 1831 ، وسنة : 1841 .
وذكر كذلك في مطبوعة وليم واطس في لندن ، سنة : 1857 ،
على نسخة رومية المطبوعة سنة : 1664 .
وذكر في الترجمة العبرانية للأصل اليوناني ، المطبوعة
سنة : 1901.
ولكن التراجم العربية الموجودة بالأيدي أبدلته بلفظ
المعزّي، وبعضها أبدله بلفظ المسلّي ، فهل تعجب لهذه الأمانة التي
يؤدون بها كتب الوحي ؟ .
وموقع العجب أن الأصل اليوناني والتراجم المشار إليها
موجودة، ميسورة لمن يريد البحث والإطلاع .
ودع حديث انجيل برنابا ، فإن البشارة مذكورة فيه باللفظ
الصريح: (محمد رسول الله) .
وأقول : دع حديث هذا الإنجيل ، فإن المسيحية الموجودة
لا تعترف به ، بعد ان حرّمه البابا جلاسيوس الأول ، أو جلاسيوس الثاني
-على اختلاف بين المؤرخين- .
وختاماً أرجو لك التوفيق الدائم ، والنعمة الموفورة ،
ولك ولمن يعزّ عليك وافر تحياتي . |