(18)

أمانة مفروضة . القول بالجبر . القول بالتفويض . كلاهما انحراف عن النهج القويم. الجواب عن بعض الآيات المتشابهة . حوار السائل مع زميل صابي . توجيهات في هذا الحوار .

 

بغداد -كلية الطب البيطري

في 5 / رمضان المبارك / سنة : 1385هـ

حضرة الشاب المهذب …… دام توفيقه .

تحية مباركة ، وسلاماً كثيراً ، ودعاءً جزيلاً : أن يثبتك الله على الحق ، ويجعلك من دعاته ورعاته ، ويوفقك لأداء أمانته التي طوّق بها عنق كل مسلم ، وميثاقه الذي أخذه على كل مؤمن ، أن يكون من الدعاة إلى الله ، والأدلاء على دينه ، والمرشدين إلى منهجه ، وأن لا يألو جهداً في ابتغاء الخير للناس ، والسعي لنجاتهم ، ودلالتهم على مشارق النور، ومصادر الهدى .

نعم -أيها العزيز-، إنها أمانة مفروضة ، وعهد مأخوذ على كل مؤمن ، لا بد من أدائها ، ولابد من العمل للوفاء بها ، ولا معذرة لأحد في التقصير ، أو التسامح فيها ، وقد كررت ذكر هذا كثيراً في شتى المناسبات ، وخصوصاً في أجوبتي لرسائل الشباب النجباء .

والله –سبحانه- هو الموفق لأداء هذه الأمانة ، وهو المعين على القيام بواجبها .

وصلتني رسالتك ، واطّلعت فيها على قبس نيّر مضيء ، أرجو من الله ان يبقيه لك ، ويمد لك في إشعاعه ، وينير سبيلك به ، ويوجه جميع مواهبك وطاقاتك لنصرته ، والحفاظ عليه .

اطلعت على قوة من الإيمان توجهك لأن تسأل ، وتبعثك لأن تدعو وتنير السبيل للآخرين من زملائك وأصدقائك .

والشعور بالمسؤولية أيها العزيز- أول العوامل التي تدفع بالمؤمن لأداء واجبه تجاه ربه ، وتجاه دينه ، وتجاه ضميره .

وقد سألت –أولاً- عن بعض الآيات المتشابهة التي يستند إليها القائلون بأن الإنسان مجبر على ما يعمل ، وأنه لا يؤمن ولا يكفر ، ولا يصلح ولا يفسق ، ولا يعمل خيراً أو شراً ولا يترك .. لا يصنع شيئاً من ذلك إلا بمشيئة من الله ، وإرادة تسيّره إلى الوجهة التي تريد .

فالإنسان على ما يرون- مجبور مقسور ، لا خيرة له في أعماله، وقد ذهب إلى هذا الرأي بعض فرق المسلمين ، واستدلوا -لإثبات رأيهم هذا- بالآيات التي سألت عنها .

وذهب فريق آخر من المسلمين إلى القول بالتفويض .. إلى القول بأن الإنسان حر مختار ، كامل الحرية والاختيار في جميع أعماله ، ولا سلطان لأحد غيره على إرادته وفعله ، لا سلطان لأي أحد عليه حتى لله الذي خلقه ، وقدّره ودبّره بعد ان لم يكن شيئاً مذكوراً .

والأئمة المعصومون من أهل البيت (عليهم السلام) ، وشيعتهم جميعاً في ركابهم ، يجدون في كلا هذين القولين انحرافاً عن النهج القويم في الإسلام .

فالله –سبحانه- هو خالق هذا الإنسان ومقدّره ومدّبره ، وخالق قواه وطاقاته ، وممدها وموجهها ، وهو واهب القدرة له على الفعل والترك ، ومهيئ الأسباب ، ولولا هذا المدد المتصل من الله لم يستطع الإنسان ان يعمل شيئاً ، بل لم يكن بذاته شيئاً .

هذه ناحية .

وناحية أخرى : ان الله –سبحانه- حكيم كامل الحكمة ، منزّه عن العبث والظلم ، وقد شاءت حكمته أن يجعل الإنسان حراً مختاراً ، وأن يمهّد له أسباب الاختيار ، ويهبه العقل الذي يفكر به ، ويزن الأمور، وأن يدلّه الدلالة الكافية على سبيل الخير وسبيل الشر ، وسبيل الهدى وسبيل الضلال ، وأن يقدره على فعل الخير وتركه ، وعلى عمل الشر وتركه ، ثم يدع الخيرة بعد ذلك لإرادة الإنسان ، يقرر بذاته مصيره ، ويوجه مسيره ، فيفوز أو يهلك باختياره :

)وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ..( . (الكهف : 29)

ولولا تلك الدلالة والإقدار من الله (تعالى) ، والمدد المتصل من فيضه –سبحانه- لما اهتدى المهتدي ، وهذا هو معنى قوله (تعالى) :

) ... لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ . وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ .( (التكوير : 28 - 29)

وعلى هذا التقرير تجتمع الآيات ، ولا يقع بينها أي تعارض أو تخالف ، فـ (لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين) .

أما قوله –سبحانه-: )أفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاءُ اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ..(  (31 : الرعد) ، وما يتسق معه من الآيات الكريمة ، فهي دالة على نفي الجبر .

ومعنى الآية -على أحد التفسيرين لها-: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله نافذ المشيئة ، عام القدرة ، وأنه لو تعلقت مشيئته بأن يهدي الناس أجمعين إلى الحق لهداهم كافة ، ولم يضلّ منهم ضال أبداً ، ولكن الناس -على هذا- يكونون مجبرين ، مقسورين على اتباع الهدى ، والحكمة تحتم أن يجعلوا مختارين في هداهم وضلالهم ، وفي إطاعتهم وعصيانهم، فتوهب لهم القدرة ، وتهيأ لهم الفرص ، وتترك لهم الخيرة ، لينالوا –باختيارهم- ثواب المطيعين ، أو جزاء العاصين .

وفي صفحة (242) إلى (254) من كتاب (الإسلام) بحوث مفصلة في مسألة الجبر ، وفي عقيدة العدل ، فارجع إليها إذا أحببت المزيد .

 

*  *  *

 

وذكرت –ثانياً- أن لديكم في كلية الطب البيطري بعض الزملاء الأصدقاء من الصابئة ، وأنكم تتحدثون معهم عن دين الإسلام، فتذكرون لهم محاسنه ومناهجه ، ومعالجته لمختلف مشكلات الحياة، وأنت تلتمس التوجيه في ذلك .

والحديث عن الإسلام -أيها العزيز- متسع الآفاق ، كثير المناحي، بعيد الأغوار ، ومحاسن الإسلام لا يأتي عليها حساب ، ووددت لو ذكرت لي الاتجاهات الخاصة التي سلكتموها في حديثكم ، لأزودك فيها ببعض ما يلزم ..

وفي كتب الأستاذ عبد الرزاق نوفل : (الإسلام والعلم الحديث) ، و(القرآن والعلم الحديث) ، و(الله والعلم الحديث) ، بحوث يحسن الإطلاع عليها في هذا السبيل .

وكذلك كتاب (الإسلام والطب الحديث) للأستاذ الدكتور عبد العزيز إسماعيل .

وأرغب -رغبة خاصة- أن تقتني نسخة من كتاب (الإسلام) فتقرأها مع صديقك الصابئ قراءة مشتركة في أوقات فراغكما، وتتخذان من بحوثه موضوعاً متسلسلاً لحديثكما ، وتنتقلان في مواضع الكتاب قليلاً قليلاً حسب رغبتكما ، وتوضح له معانيه بحسب طاقتك .

وإذا أبهم عليك شيء من مقاصد الكتاب ، أو عسرت عليك الإجابة عن بعض مسائل صديقك ومناقشاته ، فلا مانع من ان تراسلني إلى النجف ، أو البصرة ، أو البحرين ، إذا كنت مسافراً إلى إحداهما .

أرغب في ذلك ، لأن تسلسل بحوث الكتاب يريحك من عناء التفكير في اختيار المواضيع ، ويركز حديثك مع زميلك حول نقاط مهمة من حقائق الإسلام ومحاسنه وغاياته ، ويوجه صاحبك توجيهاً موضوعياً إلى تعرف الدين الحق ، وإقامة الأدلة النيّرة على إثباته .

ولدي العزيز : والوصية الأولى والمهمة في هذا السبيل هي التزام الإخلاص :

الإخلاص لله في الدعوة إليه ، والإخلاص لله في النصيحة لصديقك الذي تدعوه ، وتحرص على نجاته .

هذه هي العدة القوية التي لا يفتح إلا بها ، ولا يبلغ الهدف المقصود بدونها ، ومبعث هذا الإخلاص هو الإيمان بالله ، وعظم الثقة به .

والوصية الأخرى هي : التزام الهدوء الذي أمر به الإسلام .

الهدوء في العرض والاحتجاج ، وفي الاستماع والنقاش .

الهدوء الكامل الذي يكتفي بقوة الحق ، ومضاء الحجة ، وهيمنة الإنصاف عن أي حدة أو شدة أو لجاجة .

إن القلوب لتتفاهم أيها العزيز قيل ان تتفاهم الألسنة ، فإذا عرف قلب زميلك منك الصدق والإخلاص ، أصغى أليك ، وبادلك الحب والإخلاص ، وانتفع بنصحك ، وسرى إليه إيمانك . و(لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) -كما يقول الرسول العظيم 7 .

ومن الله –سبحانه- أسأل لك التوفيق ، والنظرة التي تسددك في الخطوات ، وتصونك من الهفوات .

وتحياتي لك وللمؤمنين النجباء من إخوانك ، ولمن يعزّ عليك .

 

 

 

(19)

حديث السائل مع زميل مسلم حول القياس . تحديد موضوع القياس . خطوط وأسانيد للبحث . مصادر . من المجدي أن ينتقل البحث إلى الإمامة . مصادر .

                      

بغداد كلية الطب

ولدي العزيز الأديب .

السلام عليك قدر شوقي إليك ورحمة الله وبركاته ، مع دعائي لك في هذه الليالي المباركة أن يمكّن –سبحانه- لك من بلوغ هدفك ، وأن يسددك في خطواتك ، وأن يكفيك ما أحذره عليك إنه أرحم الراحمين .

التقيت بك آخر ساعة كنت فيها في النجف ، واستمعت إلى مسألتك العجلى وأنا مرتبك الذهن من جراء سفري القريب ، فقد كانت السيارة والرفقة تنتظرني ، والواقع أنني لم أرغب ان أجيبك جواباً قصيراً مرتجلاً عن مسألة تهتم بها .. ووعدتك أن أتحدث إليك عنها ضمن جوابي عن رسالتك السابقة ، وعند وصولي إلى البصرة -إن شاء الله- .

ووصلت البصرة بعد وداع ولدي بتسع ساعات ، وكانت والحمد لله سفرة مريحة ، وأرجو منه (تعالى) أن يجعلها ميمونة ، وبين تزاحم الحقوق والواجبات ، وانصرفت إلى رسالتك أتم الجواب عنها ، فقد كنت بدأت في تحريره قبل سفري من النجف ، ثم رأيت أن أعجل بهذه الرسالة جواباً عن مسألتك تلك ، فقد عرفت انك تود الاعجال فيها .

قلت لي : انك اتفقت مع أحد زملائك من تلاميذ كلية الطب على أن تفتحا بينكما باباً لمحادثة دينية أسبوعية ، وقد اخترتما ان يكون الحوار بينكما حول موضوع القياس في الإسلام : هل يصلح ان يستند إليه في استنباط أحكام الشريعة أم لا يصح الاعتماد عليه ؟ ، وطلبت ان أرسم لك الخطوط التي ينبغي ان يجري عليها الحوار ، وان أذكر بعض المصادر التي ترجع إليها في البحث .

ومسألة القياس من مسائل علم أصول الفقه ، وقد اختلفت فيها أقوال علماء المسلمين .

والثابت من مذهب أهل البيت F وشيعتهم عدم الاعتداد بالقياس ، ووافقهم على ذلك جماعة من علماء المذاهب الأخرى، والمعروف بين العلماء الحنفية صحة الاعتماد عليه ، ويوافقهم جزئياً أو كلياً- علماء آخرون .

وللقياس أنواع عديدة وقع الخلاف في أكثرها ، وأشهر هذه الأقسام التي وقع فيها الخلاف : ان يثبت بالأدلة المعتمدة حكم شرعي لموضوع معيّن محدد ، فينظر العقل في ذلك الحكم الشرعي ، وفي ذلك الموضوع الذي ثبت له الحكم ، وفي الصفات التي يتصف بها الموضوع، حتى يميّز من بينها الصفة التي يرى أنها هي العلة التي أوجبت ثبوت ذلك الحكم للموضوع .

فإذا ميّز العقل الصفة الخاصة التي يرى أنها علة الحكم ، ثم رأى هذه الصفة بذاتها موجودة في موضوع آخر غير الموضوع الأول ، حكم بأن هذا الموضوع الثاني يشارك الموضوع الأول في الحكم ، لأنه يشاركه في علة الحكم .

ويسمون الموضوع الأول الذي ثبت له الحكم بالدليل : (الأصل)، ويسمون الموضوع الثاني الذي ألحقوه به في الحكم : (الفرع) .

هذا هو القياس الذي اعتمد عليه بعض المسلمين ، وأنكره الآخرون .

ومفتاح الحديث فيه ان يتساءل : هل يستطيع العقل البشري -وهو المحدود القوة ، المحدود الوسائل ، الكثير الصوارف والمزاحمات ، الكثير الوجوه والاحتمالات- ..

هل يستطيع -وهو على هذه الصفات- ان ينفذ بنظرته إلى واقع الأمور ، فيتعرف على العلة الحقيقية التي أوجبت ثبوت الحكم الشرعي لموضوعه ؟ .

وهل يقوى ان يتعرف على حدود تلك العلة، أهي عامة أم خاصة، ومطلقة أم مقيّدة ؟ .

هل يستطيع ذلك ليملك -بعد ان يتعرف على العلة ، وعلى عمومها- ان يحكم بتعدية ذلك الحكم إلى أي موضوع وجدت فيه تلك العلة ؟ .

الواقع ان نظرة واحدة إلى حدود العقل البشري ، والى وسائله المحدودة التي يدرك بها حقائق الأشياء ، والى كثرة المزاحمات والأوهام، والوجوه والأهواء التي تعترض سبيله ، فتصده عن النظر الصحيح ، ثم عن الاستنتاج الصحيح ...

أقول : إن نظرة واحدة إلى هذه القيود التي تثقل العقل البشري، وتمنعه عن الانطلاق ، تكفي لإقناع الباحث بأن العقل لا يستطيع التسامي إلى هذا المقام ، ولو أمكنه الانفلات من هذه القيود التي تشده إلى الأرض ، وتميل به –وبحكمه- مع الميول والرغبات والمؤثرات ، لاستطاع ان يشرّع لنفسه ، وللإنسانية كلها ، النظام العام الخالد، واستغنى بذلك عن شرائع السماء .

ان العقل البشري أضعف قوة من ان يدعي لنفسه هذه الدعوى ، وقد أدرك العلم الحديث منه هذه الظاهرة ، فلم يعتمد على نظرياته في العلوم المادية إلا إذا أثبتها الحس ، ومحصتها التجربة ودقة الملاحظة .

ان العقل البشري أضعف قوة ، بل وهو أسمى مقاماً من ان يدعي لنفسه ذلك ، لأنه لا يجهل نفسه ولا حدوده ، إلا ان يكون مغروراً ، ولا قيمة للحكم إذا استند إلى الغرور .

بلى ؛ قد ينظر العقل في الحكم الشرعي ، وفي ملابساته ، فيحصل له الظن بعلة الحكم ، ولا قيمة لمثل هذا الظن في استنباط أحكام الشريعة .

والقوانين الوضعية في الدنيا كلها لا تصحح الاعتماد في أحكامها على القياس ، فإذا ثبت حكم لموضوع معين ، بحسب مادة من مواد القانون ، فلا يصح لأحد ان يعدّي ذلك الحكم إلى موضوع آخر يشاركه في العلّة ، إلا إذا نص عليه ذلك القانون ، وهذا ثابت لا يشك فيه من له علم بأصول القانون .

أما المصادر التي يمكنك الرجوع إليها في المسألة ، فارجع إذا شئت إلى مقدمة كتاب (النص والاجتهاد) ، للحجة المجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين (قدس سره) ، والمقدمة المشار إليها بقلم العلامة السيد محمد تقي الحكيم .

وفي الجزء الأول المطبوع من الكتاب القيم : (الأصول العامة للفقه المقارن) ، للعلامة السيد محمد تقي الحكيم ، بحوث مستوفية في الموضوع، فلا بأس بالنظر فيه ، ولعل في كتاب (أصول الفقه) للحجة المغفور له الشيخ محمد رضا المظفر ما يحسن الاطلاع عليه في ذلك .

 

*  *  *

 

ولدي : وأرى من المجدي لك ، ولزميلك الذي تحاوره -على السواء- ما دمتما ترغبان في مثل هذا النوع من الحديث ، وما دامت ثقافتكما ومرونتكما الفكرية تخوّلكما ان تبحثا هذه الحقائق بحثاً موضوعياً ، بعيداً عن العواطف والضغائن ..

أرى من المجدي ان ينتقل حديثكما إلى مسألة الإمامة في الإسلام .

إلى مسألة الولاية الكبرى على شؤون الأمة ومقدراتها بعد فقد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وما أيسر الانتقال من مسألة القياس إلى هذه المسألة ! .

نعم ، فإن من اعتمد على القياس في الشريعة من العلماء المسلمين إنما اضطر إليه اضطراراً لقلة النصوص الصحيحة فيما يرى-، وعدم وفائها بالأحكام مع تجدد الحوادث ، فاضطر -من أجل ذلك- إلى الاعتماد على القياس ، والى القول بالاستحسان ، والى ولوج أبواب غيرها تيسر له استنباط الأحكام .

أما القائلون بإمامة الأئمة F وعصمتهم بعد جدهم الرسول 7 فهم في نجوة من ذلك .

فإن وفرة النصوص عن المعصومين F وبيانها لمختلف الأحكام في مختلف الأشياء والأبواب ، تغنيهم عن اللجوء إلى سبل غير مأمونة، ولا مضمونة .

وإذن فمن المجدي ، ومن الميسور ، ان ينتقل الحوار بينكما إلى حديث الإمامة ، وحديث العصمة ، ما دامت الصلة بين المسألتين قريبة، ويمكنك الرجوع في هذه إلى كتاب (المراجعات) ، وكتاب (الفصول المهمة) لشرف الدين ، وكتاب (الإمامة) للشيخ مهدي الآصفي ، والى مباحث الإمامة من كتاب (الإسلام) .

ومسألة الإمامة مسألة مهمة ، فإذا وجدت من صديقك رغبة في بحثها ، فلا بأس بأن تمكنّه من قراءة كتاب (المراجعات) ، وإذا استطعتما ان تقرآه –معاً- قراءة مشتركة واعية فذلك أفضل وأجدى .

ومن الله أتمنى لكما التوفيق للغاية الحميدة .

وسلامي لك ولمن يعز عليك ورحمة الله وبركاته .

  

 

(20)

رسالة كتبت إلى الأستاذ عبد القادر العماوي على أثر نشره لكتابه (مستقبل الإسلام).

 

مصر /30 / جمادى الثانية / سنة : 1372هـ

أيها الأستاذ ..

أحييك على بعد الدار- تحية المسلم الصحيح ، والعربي الصميم.

أقول : على بعد الدار ، نزولاً على حكم المسافات البعيدة ، التي يعدّها الناس فاصلة بين البلاد ، والمسلم من المسلم ، أين ما حلّ من بقاع المعمورة، والمؤمنون أخوة أشقاء ما دامت العقيدة التي تملأ قلوبهم، وتوجّه إرادتهم عقيدة واحدة ، والأعمال التي توجههم إلى الله ، وتقربهم منه أعمالاً واحدة ، وما دامت روح القرآن تنفذ إلى قلب كل مسلم ، ولغة القرآن تهيمن على لسان كل عربي ، وكل مسلم .

أخي : كم يحزّ في نفسي ، وفي نفس كل غيور من أنصار الإسلام، وأبناء القرآن ، هذا التناحر الذي نجده بين المسلمين ، وبين الكتّاب من المسلمين على الأخص ..

كم يحز في نفوسنا هذا التناحر حول هذه الأسماء التي سموها فِرَقاً، واعتبروها مذاهب ، فأضاعوا بها جوهر الإسلام ، ولوّثوا بها قداسة القرآن .

أليس من العجيب أيها الأخ- ان يعمد الكاتب المسلم ، الذي يريد ان يساهم في خدمة الإسلام ، فيصور أخاه المسلم الذي يجتمع معه في أهم الروابط وأقواها ، ويتحد معه في أكثر الأشياء التي توجب الوحدة .

أليس من العجيب ان يصوّر أخاه هذا بأبشع صورة ، ويسمه بأقبح سمة ؟ .

أليس من العجيب ان يختلق الأكاذيب اختلاقاً ، ليصف أخاه بأشنع الصفات ، وهو لا يعلم من آراء أخيه الخاصة به- شيئاً ، ولا يعرف من سيرته قليلاً ولا كثيراً ، وكل ما يعرفه عن آرائه وأقواله سخافات يتقولها مستشرقون ، وخيالات يتوهمها مغرضون ؟ ! .

تأمل أيها الأستاذ- فيما لو قابله أخوه بالمثل -وبيده قلم أجرى، وبين جنبيه قلب أجرأ- فكال له بالصاع صاعاً ، وكافأه على العمل جزاءً -أخذاً بشريعة القصاص ، واقتداءً بسنة العدل-، فوضع له صورة تشبه الأولى في الوضع ، وتزيد عليها في القبح .

تأمل -أيها الأستاذ- ماذا يأخذ الغرباء عن هاتين الصورتين من تصوير فني للإسلام ، بأيدي أبنائه ؟ .

وتفكر فيما يجر عليه ذلك من بلاء ، وما يعقبه من ويلات ، ثم انظر أليست المسؤولية تقع في ذلك على المسلم الأول ، الذي أراد ان يساهم في خدمة الإسلام ، فأوقع الضربة الكبرى على رأسه ؟ .

تأملوا -أيها الكتّاب- فيما تكتبون ، وتجردوا للعقل عن العاطفة، وسايروا البرهان في استنتاجاتكم ثم اكتبوا بعد ذلك ما تشاؤون .

تأملوا ، فإن الكتابة ليست حبراً على ورق ، ولكنها تحكّم في عقول، وحكم على مبادئ ..

ضعوا لهذا التنابز حداً ، فإن في الحقائق غنىً عن الخيال .

كان بوسعي -أيها الأخ- ان أمرّ على كتابك (مستقبل الإسلام) كريماً ، وأن أقول سلاماً ، كما علمني القرآن أن أمرّ وان أقول ، ولكن حق الإسلام يلزمني ان أوقفك على ما فيه وقفة إجمالية ، أما حين يحتاج الأمر إلى التفصيل ، فإني أفضّل السكوت لئلا أكون شريكاً في الجريمة .

والكتاب الذي يقول عن الشيعة الاثني عشرية : إنهم يعتقدون بإمام خامس ، وبمكرر الخامس ، وبإمام سابع ، وبمكرر السابع ..

والذي يعتمد فيما ينسبه إلى طوائف المسلمين على كتّاب الغرب، البعيدين عن روح الإسلام ، البعيدين عن معرفة مذاهبه ، جدير بالسكوت عن كل ما فيه .

وقد عرفت انك تشتهي ان تدخل كل شخص قيل بإمامته في قائمة الأئمة الاثني عشر ، وتجعله على حساب الشيعة الاثني عشرية ، وعلى هذا القياس فكان من اللازم ان تدرج في القائمة أسماء أخرى غير زيد وإسماعيل ، وكان كل واحد من الأعداد الاثني عشر يحتاج إلى مكرر أو مكررين أو أكثر !! .

وبعد ؛ فقد رأيتك تتحدث عن عقيدة المهدي عند الشيعة ، وكنت قد تحدثت (مع الدكتور أحمد أمين) حول هذه العقيدة ، فأرسلت إليك نسخة من الكتاب للاطلاع عليها .

وختاماً اغتنموا تحياتي الطيبة ، لكم ولكل أديب مسلم في مصر .

 

 

 

 

(21)

العقيدة أساس الإسلام وأساس الشخصية المسلمة . الدبلوماسية . لمحة من تاريخها . نظرة الإسلام فيها .

 

البصرة - كلية الآداب - 28 / شعبان / سنة : 1386هـ

حضرة الكامل المهذب العزيز …… دام بخير .

تحية طيبة كريمة ، وسلاماً وافياً وافراً ، لك ولزملائك وأترابك من الشباب النجباء ، الذين يشعرون بشعورك لدين الله ، ويشاطرونك حمل أمانته ، ويؤمنون معك بأن سعادة الدنيا لن تتحقق إلا في ظلاله ، وأن بسط الأمن فيها لن يكون إلا بتطبيق مناهجه ، ودعائي لكم جميعاً : ان ينير الله بصائركم، ويسعد نفوسكم ، ويوفقكم للغاية التي يرضاها لكم.

عزيزي ..

ذكرت في رسالتك المؤرخة 3 / شعبان / 1386 ، صلتك بي من طريق قراءة كتبي والإفادة منها ، والصلة حين تنشأ من التجاوب العميق في الدعوة إلى الله ، والإيمان به ، والعمل لرضاه ، يرجى في نمائها ونتاجها الخير الكثير الوفير ، وأسأله (تعالى) ان يجعلنا أهلاً لهذا التلاقي السعيد .

.. ان يجعلني أهلاً للدعوة إليه ، والدلالة على سبيله ، ويجعلك أهلاً للاقتباس من نوره ، والاتباع لهداه .

بني .. واسمح لي -ما دامت بيننا هذه الصلة الوثيقة ، وما دمت تتمتع بثقافة جامعية تخولني ان أعقد عليك الأمل ، وقبل ان أتحدث إليك في جواب مسألتك ، التي من أجلها حررت رسالتك-، اسمح لي ان أوصيك وأكرر وصيتي إليك بالعقيدة .

بالعقيدة التي يقوم ويرسو عليها بناء الإسلام .

بالعقيدة التي يقوم ويسمو ويتأسس عليها بناء شخصية الرجل المسلم .

بالعقيدة بالله وبرسوله وكتابه ..

بأنه –سبحانه- المبدأ ، وإليه المنتهى .

والعلوم الكونية التي تقرؤها في الجامعة وسواها في بطون الكتب، أو تسمعها من أقوال المحاضرين وألسنة العالمين ، والتي تحسّ آثارها وعجائبها ملء حواسك ومداركك ، حين تقلبّها في هذا الكون الفسيح النظيم ..

هذه كلها براهين عقيدة الإسلام ، فلست بعدها محتاجاً إلى دليل ، غير ان الناظر فيها يحتاج إلى ذهن يعي ، وفكر يتدبر .

اسمح لي ان أؤكد وصيتي إليك بالعقيدة ، فإنها القوة المركزية الجاذبة التي تتماسك بها شخصيتك ، فإذا ضعفت العقيدة ، أو عدمت، اضطربت الشخصية وانتثر نظامها.

أسمعت بالنواة المركزية ، التي بسببها يتكون نظام الذرّة ، وتحصل وحدتها ، وتترابط جزيئاتها ، فإذا صدعت هذه النواة تفجرت الذرّة، وانتثرت الجزيئات ؟ ، ثم أرأيت أولئك الشباب ، الذين وهنت أو ماتت في نفوسهم العقيدة بالله ، كيف عاشوا سادرين حائرين لا اتجاه لهم ، ولا مرسى ؟ ! .

نعم ، وكما تتفجر الذرّة حين تمس نواتها ، وتستحيل طاقة مدمرة بعد ان كانت وحدة سليمة ، تسهم في بناء الكون ، وتسهم في تكامله، كذلك تتمزق شخصية الإنسان حين تذهب العقيدة منه ، ويصبح طاقة خطرة ، تكيد المجتمع وتشقيه ، بعد ان كانت قوة صالحة ، تسهم في بناء المجتمع وإسعاده .

والمسؤولية أيها العزيز- كبيرة ومهمة جداً ، وخصوصاً على الشباب الجامعيين ، الذين ستلقى على عواتقهم -عن قريب- مهمة تربية الجيل ، فلابد من الشعور الكامل بها ، ولابد من الاستعداد الكامل لها .

 

*  *  *

 

ولدي ..

وبعد هذه الكلمة العجلى ، التي أزجيها إليك ، والى أترابك من الشباب الميامين ، أعود إلى رسالتك العزيزة ، والى مسألتك فيها .

سألت عن الدبلوماسية في الإسلام : ما معناها ؟ ، ومتى نشأت؟، وكيف تطورت ؟ .

والدبلوماسية كلمة ترجع -في اشتقاقها- إلى أصل يوناني قديم، شأنها شأن كثير من الكلمات اليونانية ، التي لا تزال تستعمل في مصطلحات الفلسفة ، والعلوم والسياسة .

وكانت هذه الكلمة تطلق في أيام الإمبراطورية الرومانية على الجوازات والتذاكر الرسمية التي تعطى للمسافرين ، والعابرين الذين يتجولون في أنحاء الإمبراطورية وفي خارجها .

والجوازات والتذاكر على ما يقول المؤرخون- عبارة عن قطع معدنية ، توضع عليها علامات مخصوصة ، ثم تطوى على هيئة مخصوصة ، ويسمونها (ديبلوماس) .

ثم اتسعت بعد ذلك الدائرة لمعنى كلمة (ديبلوماس) ، فأصبحت تطلق على الأوراق الرسمية على العموم ، وعلى وثائق المعاهدات التي تقرر بين دولة ودولة أخرى على الخصوص ، ومن هذا المعنى أخذت كلمة (ريس ديبلومانيكاه) ، واستعملت اسماً لوظيفة الكاتب الفني الذي يتولّى رعاية هذه الأوراق ، وضبطها وتصنيفها وحفظها .

وفي القرن الثامن عشر للميلاد بدأ استعمال كلمة دبلوماسية بمعناها السياسي الحديث ، فأصبحت تطلق على الهيئة الرسمية التي توفدها الدولة ، للمفاوضة باسمها مع دولة أخرى ، في شأن من الشؤون المتعلقة بها .

وكانت العادة الجارية بين الحكومات : ان ترسل الحكومة وفدها أو سفيرها إلى الدولة الأخرى عند الحاجة إليه ، بحيث لم يكن لها سفراء دائمون .

والمعروف ان أول دولة عيّنت لها سفراء دائميين عند الدول الأخرى ، ووضعت لذلك نظاماً خاصاً ، هي جمهورية البندقية ، ثم اتبعتها الدول في ذلك ، وعم النظام ، وشاع استعمال كلمة دبلوماسية في تلك الهيئات الممثلة التي تتبادلها الدول ، وفي النظم والوسائل التي توضع لها ، وتستعمل لإنجاز مهماتها ، وكان ذلك في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد .

وفي عام 1815 للميلاد وضع مؤتمر فينّا نظاماً يتضمن ترتيب الوظائف الدبلوماسية ، فأصبح ذلك الترتيب متبعاً في جميع الدول .

فأول المراتب السفير ، وبعده الوزير المفوض ، ثم المبعوث غير العادي ، ثم الوزير ، ثم القائم بالأعمال ، ويلحق بهؤلاء موظفون من درجات أخرى ، وملحقون تجاريون وثقافيون وعسكريون وعماليون وغيرهم ، حسب اقتضاء المصلحة .

وللتمثيل الدبلوماسي نظم ووسائل وحدود معينة بين الدول ، لا يجوز للممثل التجاوز عنها ، وله حقوق وحصانة تراعيها الدول ولا تسمح بالتجاوز عليها .

ولا تحضرني أسماء مؤلفات خاصة كتبت في هذا الموضوع عربية أو أجنبية ، ويمكنك الرجوع في البحث إلى كتب دوائر المعارف ، ككتاب دائرة المعارف للبستاني ، ودائرة معارف القرن العشرين ، للأستاذ محمد فريد وجدي ، ودائرة المعارف الفرنسية ، ودائرة المعارف البريطانية ، ودوائر المعارف الأجنبية الأخرى وهي كثيرة ، ويمكنك الرجوع إلى الموسوعة العربية الميسرة .

أما الإسلام ؛ فلم يكن له في موضوع الدبلوماسية نظام منفرد خاص ، ولا تحديد معين ، ولكن أنظمته العامة تشمله وتوجهه أحسن التوجيه ، وتستثمره أطيب الثمر .

وكان الرسول 7 يوجه السفراء الناطقين باسمه إلى رؤساء القبائل وزعماء البلاد ، ويعهد إليهم بحل بعض المشكلات التي تقع بينه وبين هؤلاء ، على أساس مصلحة الإسلام ، ويستقبل السفراء والوفود الذين ترسلهم القبائل إليه بهذا الصدد ، ويولي الأمر ما يستوجبه من الاهتمام ، ويؤتي الرسل ما يستحقونه من الصيانة ، حتى يؤدوا مهمتهم ويبلغوا مأمنهم ، وفي السيرة النبوية عدة من الشواهد على ذلك ، وكذلك في الحكومات الشرعية بعد الرسول 7 .

وهذا النوع من السفراء المؤقتين -الذين يوفدون عند الحاجة- هو المعروف لدى الحكومات في تلك الأيام .

أما السفراء الدائمون ، فقد ذكرت لك : ان الدول لم تعرف هذا النظام إلا في القرن الثامن عشر للميلاد ، والإسلام لا يمنع منه أبداً للحكومة التي تقوم باسمه ، وتطبق نظامه ، ويحتّم علبها اتبّاعه وتطبيقه إذا أوجبته مصلحة المسلمين داخل البلاد أو خارجها ، وهو يمدّها فيه بالنظم المثالية الصالحة ، التي تستمد من روحه ، وتبتني على أصوله وفلسفته .

واقتبست الدول المسلمة التي استلمت زمام الحكم منذ ذلك التأريخ نظام الدبلوماسية الدائمة ، وأخذت به على أنه ضرورة دولية لا غنىً عنها لدولة محترمة، وتبادلت السفراء والممثلين مع الدول الأعضاء، ولم يخطر في أكثر الظن- ببال إحداها ان تستنبئ الإسلام عن قولته في الموضوع ، وعن نظامه الذي يعدّه له ، ولو أنها صنعت كذلك لأفادت خيراً كثيراً .

وليس هذا هو الموضوع الفريد الذي لم يسأل فيه عن رأي الإسلام.

وختاماً تقبل سلامي الكثير ، واحمل تحياتي لمن يعزّ عليك من الشباب النجباء .

 

 

 (22)

النفوس القلقة . علينا ان نستقبلهم بعطف . من شبهاتهم . وما محمد إلا رسول ، أنزلت يوم أحد . تفسير الآية وجواب الشبهة .

 

بغداد كلية الهندسة

16 / رمضان المبارك / سنة : 1386هـ

حضرة الكامل المهذب النجيب . دام بمسرّة .

سلام الله عليك وتحيته الكريمة ورأفته ورحمته ، وعلى خلطائك وخلصائك من الشباب المؤمنين بالله ، الواعين دعوته ، المستضيئين بنوره ، وأسأله (تعالى) ان يثبت أقدامكم ، وينير سبيل النشء بإنارة بصائركم .

تحدثت إلي في رسالتك عن بعض أصحابك من ذوي النفوس القلقة ، والفكر الحائرة ، وهذه الفئة من الناس كثيرة العدد جداً ، ثم هي لا تزال في تزايد مستمر مع الأيام ، وأكثر أعدادها من الشباب المساكين ، الذين يفقدون التوجيه في بداءة الأمر ، ثم يصرون -لسبب أو لغير سبب- على ان لا يتصلوا بموجّه يوضح لهم معالم الطريق .

.. من الشباب الذين يحرمون من نعمة التوجيه –أولاً-، ثم تتلقفهم الأفكار الموبوءة المنحرفة –ثانياً-، ولعل هذا هو السرّ الذي يبغّض لهم ان يلجؤوا إلى طبيب ثقة أمين ، يشفيهم من هذا الداء، وينجيهم من أعراضه ، يكسبهم الطمأنينة ، ويزيل عنهم الشكوك .

نعم ، ومن سار في الطريق على غير رشد ، فأقل ما يلاقيه الحيرة، وأشد ما ينتهي إليه أمره الضلال .

والقلق نقص كبير لا يقيم عليه ذو نفس سوية أبداً ، ومغبته وخيمة شديدة ، وعلى الأخص إذا كان قلقاً في العقيدة ، فإنه ينذر الإنسان بالخطر ، ويعرضّه لسوء المصير .

والعقل السليم يحتّم عليه -في ذلك- ان يبحث ، وان يعرض شكوكه على الخبراء بمداواة الشكوك ، وإزالة الريب ليعيش سعيداً ، فإنه لا سعادة ، بل ولا حياة مع القلق .

ولكن إشاعة القلق هو السلاح الفريد الذي تستخدمه بعض الفلسفات اليوم ، كما تحارب الدول الطائشة لفرض سلطانها- بالغازات السامة ، أو الطاقات النووية ، ثم لا تأبه للملايين الضحايا من بني الإنسان !! .

بني ..

لقد امتد الحديث بي وتشعب ، وقد أردت ان أقول : إن هؤلاء الشباب يستحقون الرثاء والرحمة منا -أيها العزيز- ولا يستوجبون المقت والزراية .

علينا ان نستقبلهم بابتسامة العطف ، ونشير لهم إلى مواضع الأمن.

إنهم قلقون خائفون -أيها الحبيب-، وإن كانت سؤالاتهم ومظاهرهم تدل على غير ذلك ، فهل تعدني ان تكون صلة بين من تعرفه منهم وبين الموجهين في النجف ، أو في غير النجف ، (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) -كما يقول الرسول العظيم 7- .

هل تعدني ان تبتسم لمن تلقاه منهم ، ابتسامة تعرفّه معنى الأخوة الحبيبة في الإسلام ، ثم تشير له بلهجة الناصح : ان يتصل ببعض المرشدين ، ويبث إليه شكوكه دون تحرز ولا تحرج ، فليس من الخجل ان يقول المريض لطبيبه إني مريض ، وليس من العار ان يصف له داءه وأعراضه ، وما أكثر المرشدين -والحمد لله رب العالمين- !! .

 

*  *  *

 

ولدي .. وقلت : ان ذلك الصديق الحائر القلق ألقى إليك سؤالاً وأنت تريد مني جوابه .

يقول لك ذلك الصديق : انه لا يستطيع الاقتناع بأن القرآن كتاب منزّل من الله ، لأنه قرأ في إحدى سوره آية تقول :

)وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ .( .

وهي تدل على ان كاتب القرآن لا يعلم أن محمداً يقتل قتلاً أو يموت موتاً طبيعياً ، فهل من المعقول ان يكون كاتب القرآن هذا هو علام الغيوب ؟ .

والآية الكريمة التي يدور حولها السؤال هي الآية (144) من سورة آل عمران ، وقد أنزلت يوم أحد ، يوم انهزم المسلمون عن رسول الله 7 ، ولم يثبت معه من أصحابه إلا النزر القليل ، وهتف هاتف بأن محمداً قد قتل ، وفشا ذلك النبأ بين الناس .

فقال فريق من الناس : لو كان محمد نبياً لما قتل .

وقال جماعة : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أبيّ -وهو زعيم المنافقين في المدينة- فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان .

وقال قوم : إن كان محمد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول .

وتحيّر قوم لا يدرون ما يصنعون ، فجلسوا وألقوا بأيديهم ، ولعلها علامة الاستسلام .

وقال جماعة -وهم الصابرون الشاكرون-: إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله 7 ؟ ، قاتلوا على ما قاتل عليه الرسول ، وموتوا على ما مات عليه ، وشد أنس بن النضر وهو يجهر بهذه العقيدة ، وقاتل حتى قتل .

ولا أطيل في تفصيل الواقعة وشرحها ، وبيان السبب في هزيمة المسلمين بعد أن كان النصر لهم بادئ الأمر ، فكتب التاريخ ، وكتب السيرة النبوية تتضمن تفصيل ذلك وشرحه .

وعلى أي حال فهكذا كان ، هزيمة نكراء ، واستسلام مخلول، وارتداد وانقلاب على الأعقاب ، أن سمعوا منادياً يرجف بأن محمداً قتل .

وثبت الرسول 7 وثبتت معه القلة الشاكرة الصابرة من أصحابه ، وتداعى الفلول المنهزمون ، وتراجعوا إلى الصخرة التي وقف عليها الرسول لما علموا بأنه لا يزال حياً لم يقتل .

وأنزلت الآية الكريمة في عتاب من استحق العتاب ، ومدح من استوجب المدح ، سجلاً ثابتاً إلى يوم الدين .

mوَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌn والرسول بشر يجري عليه ما يجري على سواه ، فليس من الغريب ان يقتل أو يموت .

وmقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُn ، وبعض الرسل من أسلافه مات، وبعضهم قتل ، وشأن محمد شأنهم ، فليس هو بخالد ولا دائم ، ولا بد من ان يلقى الفناء موتاً أو قتلاً في يوم من الأيام ، والدعوة التي صدّقتم بها محمداً باقية لا تفنى ، ورب محمد -الذي دعاكم إلى توحيده وعبادته، والإسلام له- حي لا يموت .

mأَفَإِن مَّاتَn محمد mأَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْn انتم mعَلَى أَعْقَابِكُمْn ، وارتددتم عن دينكم ، mوَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِn منكم ومن سواكم mفَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاًn أبداً ، فقد تنزه –سبحانه- عن ان يناله نفع أو ضرّ من أحد ، وسيلقى هو جزاء ارتداده وانقلابه على عقبيه سعيراً وعذاباً مبيراً .

نعم ، mوَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَn الثابتين على الطاعة ، الذين لم تتزلزل أقدامهم ، ولم تتبلبل أفهامهم .

أسمعت -أيها العزيز- ؟ .

إن الآية لم تخبر بأن محمداً يموت موتاً ، أو يقتل قتلاً ، وليست بصدد هذا –أبداً- ليقول صديقك : إن هذا تردد ينافي العلم بالغيوب ، ولكنها تقول : إن محمداً بشر رسول ، سيلاقي حمامه في يوم من الأيام، ولقاؤه حمامه -ميتاً أو مقتولاً- لا ينقض دعوته ، ولا يبطل دينه .

على أن الآية إنما ذكرت القتل لأنه النبأ الذي أشيع في ذلك اليوم، وأرجف به المرجفون ، وقد ذكرت معه الموت ، وقدمته في السياق عليه، فيكون ذلك إشارة خفية إلى ان محمداً سيموت موتاً ، ولم تصرح به الآية الكريمة تصريحاً ، فقد شاءت الحكمة ان تخفي على العباد أسباب موتهم وآجالهم .

هذا هو تفسير الآية الكريمة ، وهذه قصة نزولها ، وكل ذلك واضح لا لبس فيه ولا خفاء ، ثم هذا موضع الإشارة فيها ، وأي موضع بعد ذلك للتشكيك ؟ .

فليقرأها صديقك على ضوء هذا التفسير ، وليعد للسؤال إذا عاوده الإشكال ، شريطة ان يترفع عن الرواسب والأهواء التي لا تليق بمثقف جامعي .. شريطة ان يبحث القضايا ويناقشها نقاشاً موضوعياً لا ميل فيه ولا محاباة .

وتحياتي الكثيرة لك -أيها العزيز-، ولمن يتصل بك من الشباب النجباء . وسلمتم .

 

 

 

(23)

ولينصرن الله من ينصره . توبة وقلق . يد الله ممدودة للتائب . الرواسب . الإرادة القوية .

بغداد - تل محمد – المعهد الصناعي العالي

 

25 / رمضان المبارك / سنة : 1386هـ

حضرة الكامل المهذب …….. دام بخير .

تحية مباركة ، وشوقاً بالغاً ، ودعاء خالصاً .

ولدي : ما زالت رسائلك تحدثني بسعيك المشكور ، وعملك الدائب في خدمة دينك ، وإسعاد إخوانك من الشباب الأنجاب ، وتوجيههم الوجهة الصحيحة في عقائدهم ، وهدايتهم إلى السلوك الرضيّ في أعمالهم ، وما زلت أسأل الله لك المدد الوافي من توفيقه، والقبس المنير من هداه ، والحصن الحافظ من رعايته ، وأن يكثر في أبنائنا من أمثالك ، ممن يعرفون واجبهم لدينهم ، فيقومون بنصره، ويجهدون لرفع مناره ، يرشدون به السالكين ، ويضيئون به السبيل للخابطين .

أما نصر الله الذي وعد به من نصره من المؤمنين فإنك -ولا ريب قد لمست من أثره الشيء الكثير .

 نعم ؛ وسترى من ذلك ما هو أكبر وأكثر ، كلما تمادى بك السير في هذا السبيل ، ومهما تمحض منك الإخلاص في السعي .

إنه عهد قطعه الله على نفسه يوم قال :

)وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ .( .(الحج : 40)

ويوم قال : )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ .( . (محمد : 7 )

)وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ ..( ؟ .

وذكرت لي في رسالتك الأخيرة المؤرخة 13/9/1386 حديثاً جديداً لصديق جديد .

قلت : إن هذا الصديق رجاك ان توقظه لصلاة الصبح ليصليها ثم ليستمر عليها ، وهكذا صنعتما ، فأيقظته وصلى ، ثم استمر على أداء الصلاة بعد ذلك اليوم ، وهلّ شهر الصوم بعد ذلك فصام ، ولم تجد منه أي انحراف .

وهذه القطعة من الحديث تدل على دعوة منك مخلصة ، حببت إليه الصلاة والصيام والقيام بمراسم الإسلام ، وهي كذلك حبيبة إلى الله –سبحانه-، ومن أجل ذلك حققت الأثر المرغوب .

ثم قلت : ولكنه ناداك في يوم من أيام الشهر المبارك وعيناه باكيتان وقلبه مفجوع ، ووضع أمامك عدة رسائل وصورتين لبنتين ، واعترف بين يديك بماض أسيف .

قال لك : إنه حطم نفسه منذ سنتين باتباعه سبيل الشياطين ، وإنه قاسى ما قاسى نتيجة ابتعاده عن الدين ، فهذه رسائل الحب ، وهاتان صورتا الزميلتين ، ومن وراء ذلك ما يعلمه الله وحده مما أشار إليه ولم يبح به .

ومعنى ذلك : ان صديقك قد أحلّك من نفسه منزلة المرشد الموثوق الأمين ، فهو يطلعك على مكتوم سره ، ويستنصحك في حل مشكلته ، ويسترشدك إلى سبيل نجاته .

وقلت : إنه قام أمامك بتمزيق الرسائل كلها ، إلا واحدة أبقاها ليسحب بها رسائله من صاحبتيه ، وقد أودعها لديك مؤقتاً .

فماذا تدل عليه هذه الظواهر والأعمال ؟ .

إنها تدل على صدقه -أيها العزيز- .

نعم ؛ إنه صادق ، وكل هذه شواهد على صدقه ، فدموع عينيه، ولوعة قلبه ، ولهجته في الحديث ، واطلاعه إياك على الرسائل والصورتين ، وتمزيق الرسائل بين يديك ، كل هذه شواهد واضحة على صدقه في دعواه ، وصدقه في غايته .

وحتى إبقاؤه الرسالة الواحدة وديعة عندك ، انه يريد ان يكون بعيداً كل البعد عن قراءتها ، وعما فيها من مؤثرات ومثيرات .

إنه صادق في دعواه أيها العزيز-، صادق في غايته ، والتائب الصادق في توبته ليس بينه وبين الله حجاب ، واقرأ معي قوله (تعالى) :

)إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً.(.(النساء : 17)

وقوله تعالى : )وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .( . (الأنعام : 54 )

وقوله تعالى : )إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً .( . (الفرقان : 70 )

وهذه الحيرة التي قلت : إنها تبدو عليه ، وتقلق ضميره ، ويرى أنها مشكلة تطلب الحل ، وتقتضي العلاج ، أليست دليلاً على صدقه في التوبة ؟ ، انه لو لم يكن تائباً على وجه الحقيقة لما حذر هذا الحذر الشديد أن لا يكون مقبولاً .

قل له : إنه مقبول التوبة ، مغفور الذنب ما دام مخلصاً في توبته، مقبلاً على ربه ، وعلامة إخلاصه التوبة إقلاعه عن المآثم والمحارم إقلاعاً عملياً كاملاً يؤمنه غضب ربه ، وقيامه بالواجبات قياماً تاماً يحرز له رضاه .

أما الرواسب التي يقول : إنها لا زالت باقية ، فستزول وتمحي آثارها ، إذا تمسك بهذه الصلة ، وعمل على صيانتها ، ودأب على تقويتها وتثميرها .

ستزول هذه الظلمات وتتبدد إذا سلطت عليها أنوار المعرفة بالله، ومراشد دينه ، وأشعة تقواه .

ورواسب سنين قد مهدّت لها دفعة الشباب ، وانطلاقة الحضارة المائعة ، حتى مرنت عليها النفس ، ومردت عليها الإرادة ، لا تقتلع جذورها بين عشية وضحاها .

وواجب المسلم التائب ، المقبل على ربه ، أن يحذر كل الحذر من أن يسلم إليها قياده ، أو يعمل على تنميتها وتغذيتها .

عليه ان يهملها ويهمل التفكير فيها ، فإن التفكير فيها نحو من التغذية لها ، ويلجأ إلى الله في الاستعانة عليها ، وسيرى من عون الله ما يصدّ عنه كل عادية ، ويكفيه كل مهمة .

وحتى إذا انزلق في ساعة من ساعات ضعفه ثم قام نادماً ، ومدّ بصره إلى الله خجلاً ، وطلب منه الصفح والمغفرة ، فإن الله يقبل عذره، ويقيله عثرته :

)وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً .( . (النساء : 110)

أما التناقض الذي يخشى صديقك ان يقع فيه .. التناقض بين توبته وصلاته وصومه وبين الرواسب التي يشعر بها ، وهي تنزع به إلى عمله القديم ..

أما هذا التناقض فإنما يخشى منه إذا بلغ إلى دور العمل ، بحيث لم يملك زمام أمره ، واستطاعت الرواسب ان تدفع به ، أو تقربه إلى هاويته الأولى .

أما إذا كانت الرواسب شعوراً محضاً ، واستطاع هو ان يتغلب عليها بقوة الإيمان ، فلم تملك قياده ، ولم تدنّس إيمانه ، ولم تؤثر عليه، فقد قلت لك -من قبل- أنها لا ضير فيها ، ووصفت ما يتدرع به المسلم عنها ، وما يجب ان يقوم به إزاءها ، وقبل كل أولئك وبعده )إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ .( .(البقرة : 222)

 

*  *  *

 

ولدي ؛ وقلت لك : ان رواسب سنين مهدّت لها دفعة الشباب، وانطلاقة الحضارة لا تقتلع جذورها بين عشية وضحاها ، ولست أعني ان هذه المخلفات عصيّة الاقتلاع إلى درجة بعيدة ، فإن الإرادة القوية الفعالة لا يعسر عليها –أبداً- ان تحسم الداء ، وتبيد الجرثومة، وتستأصل الجذور في أقل فرصة ممكنة ، وخصوصاً إذا كان مالك هذه الإرادة القوية ممن عرف الله ، واستبان هداه ، وتذوّق طعم طاعته، وعلم عظيم أخذه للعاصين ، وشديد نكاله بهم ، وأيقن ان ارتكاب مساخط الله يهدده بالويل ، وينذره بالبوار .

والإرادة القوية إحدى الركائز المهمة التي يفتقر إليها الإنسان في إعلاء شخصيته ، وإنماء مواهبه ، وإسعاد مستقبله ، وتصميم أعماله، وتنفيذ خططه .

والإنسان السوي يربأ بنفسه ان يكون ضعيف الإرادة إزاء أي مؤثر وأي وازع ، ويعدّ ضعف الإرادة نقصاً كبيراً في إنسانيته ، قبل ان يكون خطراً ماحقاً لمستقبله ، فلا بد له من العمل لتقوية إرادته قبل ان يبدأ أي عمل ، وقبل ان يرسم أي خطة .

فليبادر صديقك للعمل الجاد لوضع حد لهذه الرواسب ، وليثبت لنفسه ولضميره قبل ان يثبت لك أنت : انه قوي الإرادة ، حقيق بهذه الصفة التي تتوقف عليها سعادته في حاضره ومستقبله :

)وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ .( .(التوبة : 105)

وختاماً تقبل تحياتي الوافرة لك ولصديقك ، ولمن يعز عليك .

 

 

(24)

الشعور بالمسؤولية . عدة المؤمن في دعوته إلى الله . البشارة بإسلام تلميذين . الوصية بهما .

بغداد - أبي غريب - كلية الطب البيطري

 

الشاب المهذب النجيب ……. دام بسرور وغبطة .

تحية مباركة ، وسلاماً وافراً ، وشوقاً متجدداً ، ودعاءً كثيراً أن يريني الله فيك ما أحب ، ويوفقك للقيام بما يجب .

لقد سررت جداً برسالتك -أيها العزيز- وملئت مشاعري بالتقدير والإعجاب بك ، وسألت الله –سبحانه- ان ينظرك بعينه ، ويغمرك بفضله ، وان يأخذ بيدك إلى الخير الأعلى ، والحياة الفضلى ، وان يكثر في الأبناء النجباء من أمثالك ، ممن يشعر بالواجب لربه ، والمسؤولية لدينه : لعقيدته التي يؤمن ، ولمناهجه التي يستمسك ، ولمجتمعه الذي يعيش .

والشعور بالمسؤولية هو الشرط الأول والأكبر من الشرائط التي يجب ان تتوفر في كل داعية للحق ، وبمقدار قوة هذا الشعور في الداعية المؤمن يكون اضطلاعه بالمهمة ، ويتقدّر فوزه فيها ، بل وبمقدار قوة هذا الشعور في الداعية المؤمن يكون مدده بالتوفيق للجهاد لنيل الغاية، وتيسير السبل إليها ، وتذليل العقبات دونها ، فإن التوفيق والتسديد من الله لا يكال جزافاً ، ولا يعطى محاباة ، ولكن على قدر مؤهلات في نفس العبد ، وعلى وفق قوانين يجب ان يتبعها في سلوكه .

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة تلق النجاح في دعوتك .

وامحضه الإخلاص في ذلك تجد التوفيق منه ينير لك السبيل ، ويبسط لك الدليل .

وأخلص في النصيحة لمن تدعوه تجد قلبه وعقله ومشاعره قد تفتحت لنصائحك ، وتطوعت لقبول أقوالك .

والابتسامة المؤمنة ، والخلق المسلم ، والحب الإلهي الطاهر هذه العدة التي يجب ان يتزود بها كل داعية لدين الله- تذلل لك كل صعب، وتمهد لنصيحتك في كل قلب .

والإرادة القوية المؤمنة الطيّعة لأمر الله ، المرنة في اتباع مناهجه ، هي التي تصنع كل أولئك .

والعلم بالحق ، والشعور بالمسؤولية له ، هما اللذان يطوّعان الإرادة ، ويزودانها بالعدة ، ويجنّدانها لنصرة الحق ، ويشعرانها التلذذ بالتضحية في سبيله .

والعون -قبل ذلك وبعده- من الله القوي الغالب ، الذي جعل العزّة للمؤمنين ، وضمن النصرة للمجاهدين .

واتل –معي- قوله (تعالى) :

)وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.( . (العنكبوت : 69 )

 

*  *  *

وصلتني رسالتك ، وقرأت فيها بشارتك التي زففتها لي بإسلام تلميذين من زملائك في الكلية غير المسلمين ، فحمدت الله على هدايتهما ، وسألته ان يثبّت قدميهما ، وان يهنئهما دين الحق الذي اتبعاه ، ويبسط لهما من بركاته ، ويضيء حياتهما بنوره .

ولدي : هل لي ان أوصيك ، وأوصي زملاءك المؤمنين بهما ما يستوجبان من الخير والبر ، وما يشعرهما بالأخوة الصادقة في دين الله، والحب الطاهر في ظل الإيمان به ، وما يعلمهما كيف تكون الصلات الحقيقية تحت مناهج الإسلام ؟ .

هل لي ان أوصيك وأوصي زملاءك الأحباء بفتح القلوب لهما، والسعي لتذليل العقبات التي تعترض سبيلهما ؟ .

نعم ؛ فلا بد وان تعترضهما في هذه الآونة عقبات ، ومن الضروري ان يتهيأ لهما أنصار يؤازرونهما في إزالة هذه العقبات ، ومَن أحق منكم -أيها الأعزاء- بأن تكونوا من أنصار الله ؟ .

ثم هل لي ان تبلغهما عني أسنى تحياتي ، وأجمل تهانيّ ، وأجزل دعائي ، وأن تنبئهما أني مستعد لإجابتهما عن أي سؤال ، وأية شبهة حول الإسلام ؟ . وعرفهما عنواني إذا أرادا ذلك .

وختاماً أزف إليك تحياتي ، والى من يعزّ عليك من الأبناء النجباء .

والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته .

 

 

(25)

صلة المسلم بالمسلم . لماذا تخصص الشيعة ميراث الزوجة بالفروع ؟ . لم تلتزم الشيعة في موضع الجبهة في السجود أن يكون من الأرض أو ما أنبتته ؟ . حديث مع أخ من أهل العلم . السجود على التربة الحسينية .

 

المملكة العربية السعودية الدمام

17/ شعبان / سنة : 1384هـ

حضرة الماجد الأمثل الأديب الأستاذ عبد الرحمن اليوسف المحترم .

تحية الأخوة في الله ، وتكريم الحب في دينه ، والتآزر لإعلاء كلمته، والتناصر في ابتغاء مرضاته ، وتجلّة الإسلام العظيم الذي جمع بين قلوب أهله على الهدى ، وألزمهم كلمة التقوى .

أخي الكريم ..

ما أوثق هذه الصلة التي شد الله بها المسلم إلى المسلم ، وربط بها بين قلبيهما ، وألّف بين روحيهما ! ، وما أبقاها على الأيام ! ، وما أشدها على الطوارئ والعوادي ! .

إنها ثابتة دائمة ما بقي الإسلام دين الحياة ، وما ثبت القرآن كتاب الخلود ، ما دام الإسلام والقرآن يمدانها بالقوة ، ويصلانها بحب المسلم لربه ، وحبه لرسوله وحبه لكتابه .

ما أوثق هذه الصلة ؛ وما أحلاها في القلوب المؤمنة ، المطمئنة بالحق ، المشرقة بنوره ، المطبوعة بسماته !! .

وما أجمل التفاهم في ظل هذه الأخوة النقية ، والحب الإسلامي الطاهر المكين ! .

والقلوب التي تنطوي على هذا الرصيد من الإيمان البصير لا تحمل حقداً ، ولا تدنسها ضغينة ، ولا يميل بها هوى ، فإن الإيمان الواعي طهور للقلوب من الضغائن .

نعم ؛ والقلب الذي تثقله السخائم ، وينطوي على الغلّ أبعد القلوب عن الإيمان الصحيح،  وان أغرق صاحبه بالدعاوى الطوال العراض .

ومن أجل ذلك ؛ كانت هذه إحدى الدرجات التي يستكمل بها المتقون إيمانهم ، وإحدى الأمنيات التي يرفعون أيديهم –خاضعين- إلى ربهم ان يبلغّهم إياها ، ويقويهم عليها ، فيقولون -كما علمهم الكتاب الكريم-:

)وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.(. (الحشر : 10 )

أخي الكريم ..

وصلتني مسائلك مع الخطيب الفاضل الأخ الشيخ عبد الأمير بن منصور الجمري حفظه الله-، فاجتليت من صيغتها ذهناً ناقداً ، وثقافة واعية ، وأبصرت من خلالها روحاً مسلماً ، يطلّع إلى أقوال إخوانه من دعاة الإيمان ، وحملة القرآن ، ويتدبر مواضع اختلافهم معه في الرأي، يلتمس وجوهها الصحيحة من مصادر الإسلام ، ومنابع التشريع فيه، تنزيهاً للمسلمين ان يقولوا في دينهم بغير حق ، أو يسيروا في مذاهبهم وآرائهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .

وصلتني مسائلك ، وقد حتم تراكم الأعمال عليّ ان أتأخر في الجواب مدة تنيف على الشهر ، فإليك معذرتي مع بالغ تقديري .

سألت أولاً عن ميراث الزوجة : لماذا تخصصه الشيعة في الفروع مع أن الآية الدالة على ميراثها عامة ، لا إشعار فيها بالتخصيص ، فقد قال –سبحانه-:

)وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ..( . (12: النساء)

 هكذا ، لهن الربع أو الثمن مما تركتم ، ولم يستثن إلا الوصية والديّن .

وهو على غرار قوله (تعالى) في أول الآية الكريمة في بيان ميراث الزوج :

)وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ..( ، ولا تخصيص في الآية في كلا الموضعين .

 

*  *  *

 

وتوطئة للجواب ، أود ان أشير إلى أمرين جديرين بالاهتمام، وكلاهما غير خفي عليك ، ولكنني أذكرهما ها هنا لنستحضرهما في الجواب .

وسأذكر الأمرين على وجه الإجمال ، وبوسع أخي الكريم ان يعرّفني إذا كان يرغب في التفصيل .

الأمر الأول : ان تخصيص العمومات الواردة في الكتاب الكريم لا يجب ان يكون المتكفّل ببيانه هو الكتاب الكريم ذاته ، وكذلك تقييد مطلقاته ، وشرح مجملاته ..

لا يجب ان يكون المتكفل ببيانها هو الكتاب ذاته ، فكثيراً ما يأتي تخصيص عموم الكتاب ، وتقييد مطلقه ، وبيان مجمله من طريق السنّة المطهرة ، ولا خلاف في ذلك حسب ما أعتقد- بين علماء المسلمين .

وأكثر ما ورد لظواهر الكتاب الكريم من تخصيص أو بيان فإنما ورد من هذا السبيل ، وندر ان يوجد باب من أبواب الفقه الإسلامي لا تعمل فيه هذه القاعدة ، ولو مرة واحدة على أدنى التقادير .

ومن شواهد ذلك في أبواب الفرائض : ان الآيات الكريمة ذكرت الورّاث الذين توزع عليهم تركة الميت ، من أبناء وآباء ، وإخوة وأخوات ، وأزواج وأولي أرحام ، وأشارت إلى استحقاقهم من التركة، والى مقادير سهامهم -إذا كانوا من أهل السهام-، والى قرابتهم -إذا كانوا يرثون بالقرابة-، ذكرت كل أولئك على سبيل الإطلاق ، ثم قيّد هذا الإطلاق عن طريق السنة- بما إذا لم يكن الوارث كافراً يرث عن مسلم .

فقد أخرج مالك والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد ، قال : قال رسول الله 7 : (لا يرث الكافر المسلم) .

وأخرج الكليني في الكافي ، والشيخ الطوسي في التهذيب ، عن الإمام جعفر بن محمد A : (المسلم يحجب الكافر ويرثه ، والكافر لا يحجب المؤمن ولا يرثه) .

وأخرجا عن الإمام محمد بن علي الباقر A : (ان الله -عزّ وجل- لم يزده (أي المسلم) بالإسلام إلا عزاً ، فنحن نرثهم ولا يرثونا).

وقيّد الإطلاق مرة أخرى وعن طريق السنّة المطهرة كذلك- بما إذا لم يكن الوارث قاتلاً للمورث :

فقد أخرج أبو داود ، والبيهقي ، عن أبي عمرو ، قال : قال رسول الله 7 : (ليس للقاتل من الميراث شيء) .

وأخرج الكليني والطوسي في كتابيهما -المتقدم ذكرهما- قول الرسول 7 : (لا ميراث للقاتل) .

وعلى أي حال فهذا أمر في منتهى الجلاء لمن نظر في أدلّة الأحكام.

 

*  *  *

 

وثاني الأمرين الذين أردت تقديمهما ، وقلت لك : إنهما جديران بالاهتمام :

أن الشيعة تقول بإمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ، وبعصمتهم من الآثام ، وتطهيرهم من الرجس -على حدّ تعبير الكتاب الكريم- .

وأدلة الشيعة على هذا القول غفيرة وفيرة ، وهذا القول هو المائز الجلي الذي تعرف به الشيعة الإمامية من بين سائر أخواتها من فرق المسلمين .

ومن نتائج قول الشيعة بإمامة الأئمة ، واعتقادها بعصمتهم أنها توقن بأن هؤلاء المعصومين لا يقولون أبداً إلا بقول جدهم الرسول 7 ، ولا يحيدون عنه قيد أنملة ، فأقوالهم مصدر من مصادر السنّة، ومرجع من مراجع علم الكتاب ، وليست على حد أقوال العلماء المجتهدين ، قائمة على الاجتهاد ، ومقتبسة بالنظر ، فقد أغناهم الله بالتسديد والعصمة عن ذلك .

ومن أجل ذلك ؛ فإذا صحّت عن أحدهم F رواية يخصّص بها عموماً ورد في الكتاب ، أو يقيّد بها إطلاقاً ، أو يبيّن مجملاً ، فإن الشيعة تأخذ بتلك الرواية ، وتخصّص بها ذلك العام ، وتقيّد المطلق، لأنها تعتقد –يقيناً- ان شأن تلك الرواية شأن الأحاديث الثابتة الصحة من قول الرسول 7 ، فهم الحفظة المأمونون على السنّة المطهّرة .

وعلى أقل الاحتمالات ، فالرواية الثابتة بطريق أحدهم لا تقل عن رواية صحيحة ، يرويها أحد الصحابة العدول عن جدهم الرسول 7.

أخي الكريم ..

هذان هما الأمران اللذان رغبت ان أقدّمهما إليك ، لتستحضرهما عند البحث في جواب السؤال ، وقد اكتفيت فيهما كما وعدتك- بالإشارة ، وخصوصاً الأمر الثاني منهما ، فإنه موضوع طويل ، وقد كتبت فيه مئات المؤلفات .

وعذري إلى أخي –أولاً- : أنني أحرّر له رسالة ، لا أؤلف كتاباً .

وعذري إليه –ثانياً-: ان الأمرين لم يكونا مقصودين بالأصالة، وإنما ذكرتهما تمهيداً للجواب .

 

*  *  *

 

وبعد هذه التوطئة أقول :

ان الآية الكريمة الدالة على ميراث الزوجات وإن كانت عامة -كما ذكر في السؤال-، ولكنّا روينا من السنّة الصحيحة من طرق أهل البيت F ما يخصص هذا العموم .

فقد صحّ بأسانيد كثيرة عن الباقر والصادق H أنهما قالا : (ان المرأة لا ترث من تركة زوجها من تربة دار أو أرض ، إلا أن يقوّم الطوب والخشب قيمة ، فيعطى ربعها ، أو ثمنها -إن كان-، من قيمة الطوب والجذوع والخشب) .

وفي الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر A: (لا ترث النساء من عقار الأرض شيئاً) .

إلى غيرها من الأحاديث الصحيحة والموثقة .

ونشير -مرة ثانية- إلى أن أقوال الأئمة عند الشيعة- إنما هي أحاديث جدّهم الرسول 7 ، لا يحيدون عنها قيد أنملة .

وقد أخرجت جوامع الحديث المعتمدة لدى الشيعة ، كالكافي ، ومن لا يحضره الفقيه ، والتهذيب ، والاستبصار ، والوسائل ، عن ميسرة بن عبد العزيز ، وهو أحد أصحاب الإمام محمد بن علي الباقر A الثقات ، عن الإمام جعفر بن محمد A ، قال ميسرة : سألته عن النساء : مالهن من الميراث ؟ .

قال (عليه السلام): (لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب ، أما الأرض والعقار فلا ميراث لهن فيها) .

قلت : فالثياب ؟ .

قال : الثياب لهن نصيبهن منها .

قلت : كيف صار ذا ، ولهذه الثمن ، ولهذه الربع مسمّى ؟ .

قال A : لأن المرأة ليس لها نسب ترث به ، وإنما هي دخيل عليهم ، وإنما صار هذا كي لا تتزوج المرأة فيجيء زوجها أو ولدها من قوم آخرين ، فيزاحم قوماً في عقارهم .

وبمقتضى دلالة هذه الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة من طريق أهل البيت عن جدهم (صلى الله عليه وآله)، فقد ذهب أكثر فقهاء الشيعة إلى حرمان الزوجة من الأرض ، فلا ترث من عينها ولا قيمتها ، وتعطى ربعها أو ثمنها من قيمة الآلات والأبنية الموجودة في الأرض ، ومن سائر الأموال الأخرى التي تركها الزوج .

 

*  *  *

 

أخي ..

وسألت –ثانياً- : لم تلتزم الشيعة في موضع الجبهة وهي أحد المساجد السبعة التي يجب عليها السجود- ان يكون من الأرض أو مما أنبتته ، عدا المأكول والملبوس والمعدن ؟ .

وعبارة هذا السؤال محتملة لأحد وجهين :

الوجه الأول : أن يكون المراد منه : لماذا اشترطت الشيعة هذه الشرائط في موضع السجود ، فمنعت من السجود على غير الأرض ونباتها ، ومنعت من السجود على المأكول والملبوس من النبات ، وعلى المعدن ، وشبهه مما خرج عن اسم الأرض ، وإن كان في الأصل منها ؟.

الوجه الثاني: أن يكون المراد منه : لماذا خصصت الشيعة موضع الجبهة بهذا الشرط ، دون سائر الأعضاء الأخرى التي يقع عليها السجود ، فأجازت ان تقع الكفّان والركبتان وإبهاما القدمين في حال السجود على الصوف والقطن والقير ، وأمثالها مما هو من غير الأرض، أو من المعدن ، أو من نبات الأرض المأكول أو الملبوس للإنسان، أجازت ذلك إذا وضعت الجبهة على شيء يصح عليه السجود ؟ .

 

*  *  *

 

قد يكون المراد من السؤال هو الوجه الأول ، ولعل هذا هو الظاهر منه ، وأدلّة الشيعة على هذا القول كثيرة .

فمن أدلتهم أحاديث مستفيضة وردت من طرق أهل البيت F عن جدهم الرسول 7 صريحة في الدلالة على ذلك ، ووفرة من هذه الأحاديث صحيحة الأسانيد .

فقد أخرجت الكتب المعتمدة بسند صحيح عن هشام بن الحكم، عن الأمام جعفر بن محمد الصادق A ، قال : (السجود لا يجوز إلا على الأرض أو ما تنبت الأرض ، إلا على ما أكل أو لبس) .

وأخرجت بسند صحيح كذلك عن زرارة بن أعين ، عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) :

قال زرارة : قلت له : أأسجد على الزفت (يعني القير) ؟ .

فقال : (لا ، ولا على الثوب الكرسف ، ولا على الصوف ، ولا على شيء من الحيوان ، ولا على طعام ، ولا على شيء من ثمار الأرض ، ولا على شيء من الرياش) .

إلى روايات عديدة تشبه هاتين في صراحة الدلالة ، وفي علوّ الإسناد ، وروايات كثيرة أخرى من الموثّق ومن الحسن تؤكد الحكم، وترفع اللبس عنه .

ومن أدلتهم على هذا القول : ما أخرجه الحاكم في (الأربعين)، والبيهقي في كتاب (السنن الكبرى) ، في باب الكشف عن الجبهة في السجود ، وأخرجه الشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) (ج : 2 - ص : 268) ، عن خبّاب بن الأرتّ ، قال :

(شكونا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حر الرمضاء في جباهنا وأكفّنا ، فلم يشكنا) .

انظر -أيها الأخ الكريم-، لماذا يشكو الأصحاب إلى رسول الله 7 حرّ الرمضاء ، إذا صح لهم السجود على الثياب والبسط وأمثالها مما يقيهم حرّ الرمضاء ؟ .

وهب أنهم لم يعلموا ذلك ، فكيف لم يشكّهم الرسول 7 ؟ .

وقد أخرجه مسلم في صحيحه أيضاً ولكنه لم يذكر الجباه والأكف، (انظر ص : 109 من الجزء الثاني - ط : محمد علي صبيح) .

وما أخرجه البيهقي في الباب المتقدم ذكره ، ورواه النسائي في باب تبريد الحصى للسجود عليه ، والإمام أحمد (ص : 327) من مسنده: عن جابر بن عبد الله ، قال : كنا نصلي مع رسول الله 7 الظهر، فنأخذ قبضة من حصى في أكفنا لتبرد حتى نسجد عليه من شدة الحر .

وما أخرجه البيهقي عن أنس بن مالك : كنا نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في شدة الحر ، فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه .

والواقع ان دلالة هذه الصحاح على الحكم وافية كافية ، فقد كان الأصحاب في سعة من السجود على الحصى الملتهب بحرّ الرمضاء، وكانت لهم مندوحة بالسجود على غير الأرض ونباتها ، وعلى النبات الملبوس ، أو كان ذلك مما يصح .. كانت لهم بذلك مندوحة عن الشكاية إلى الرسول ، وعن معالجة الحصى الملتهب بالأكف ، وهو أمر يذهب بخشوع الصلاة ، الأمر الذي عرف به الرسول 7 وصحابته المكرمّون (رضي الله عنهم أجمعين) .

وفي سنن البيهقي عن عمر بن الخطاب : (مطرنا من الليل فخرجنا لصلاة الغداة فجعل الرجل يمر بالبطحاء ، فيجعل في ثوبه من الحصباء فيصلي عليه ، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك قال : ما أحسن هذا البساط ! ، فكان ذلك أول بدء الحصباء) .

وفي صحيح مسلم (ص : 109من الجزء الثاني -ط : محمد علي صبيح) .

وفي سنن الدارمي (ص : 308) في باب الرخصة في السجود على الثوب في الحر والبرد ، عن أنس بن مالك ، قال : (كنا نصلي مع رسول الله في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا ان يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فصلى عليه) ، ورواه النسائي ، وأورده البيهقي عن الجماعة .

أخي : أرأيت ؟ ، هذا هو عمل الصحابة .

السجود على الأرض ، إلا عند الضرورة ، وهذا هو بذاته قول الشيعة ، وواضح ان الضرورات إنما تقدّر بقدرها .

إلى أحاديث أخرى ، ترويها الصحاح والمسانيد ، وكلها دالّة عليه .

ومن أدلة الشيعة على قولهم : ان السجود عبادة شرعية يجب ان يؤخذ فيها بما ثبت يقيناً من عمل الرسول 7 .

وقد اتفق المسلمون –كافة- على انه 7 سجد على الأرض ، وسجد على الحصر وأمثالها من نبات الأرض غير المأكول ولا الملبوس ، ثم اختلف المسلمون فيما سوى ذلك .

ومقتضى الاحتياط في الدين ، أن يؤخذ بما أجمع المسلمون على ثبوته وصحته عن الرسول 7 ، ويتوقف فيما عداه حتى يثبت بدليل قاطع ، تحصيلاً لليقين بامتثال أمر الله بالصلاة .

ويبدو أن سائر مذاهب المسلمين يقولون بندب السجود على الأرض أو ما أنبتت ، قال -في كتاب البحر الزخار (ص :225) : مسألة : وندب السجود على الأرض أو على ما أنبتت الأرض ، لقوله 7 : (جعلت لي الأرض مسجداً) .

هكذا يفتي هذا العلامة الضليع بندب السجود على الأرض ونباتها على وجه الإطلاق ، ولا ينسب الحكم به إلى مذهب معين من مذاهب المسلمين .

أخي : وها هنا وبمناسبة هذا الأثر الشريف : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) -الذي ذكره في البحر الزخار ، والذي أطبق على روايته وصحته عن الرسول 7 جميع فقهاء المسلمين ، أتذكّر حديثاً جرى لي مع أخ من أهل العلم ، عام : 1380 للهجرة .

كان هذا الأخ إلى جانبي في المسجد النبوي الشريف ، ورآني قد افترشت مصلّى من الأسل الهندي لأسجد عليه .

فقال لي -نضّر الله وجهه-: ما بال أخي يصلي على الأسل ؟، ولماذا لا يسجد على هذه (وأشار إلى الطنافس التي كست أرض المسجد) ؟ .

فقلت : لأنني لا أستبيح السجود على الصوف .

فقال : وعلى أيّ المذاهب تقول هذا ؟ .

فقلت : وما شأن المذاهب ها هنا يا أخي ، ونحن بين يدي صاحب الرسالة 7 ؟ ، فلماذا لا نرجع إلى ما يقول ؟ .

فاستحسن كلمتي وابتسم ، ثم قال لي : وما يقول صاحب الرسالة في هذا السبيل ؟ .

فقلت : يقول 7 في حديثه المستفيض أو المتواتر بين جميع علماء الحديث من المسلمين : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) .

وكلمة المسجد -في أصل مدلولها- تعني موضع السجود ، وبهذه المناسبة أطلقت على الموضع الذي يعيّن للصلاة في عرف المسلمين ، لأن الصلاة أفضل العبادات التي شرّع فيها السجود ، ولأن السجود أظهر أحوال الصلاة في التعبد ، وأبلغها في الخضوع .

وإذن فالحديث الشريف يدل –أولاً-: على ان الأرض هي موضع السجود .

ويدل –ثانياً- : على أن الأرض كلها موضع للصلاة ، (فأيما رجل من الأمة أدركته الصلاة فليصلّ) -كما أخرجه البخاري في تتمة الحديث- .

ثم علمنا -بإجماع المسلمين ، وبالصحاح المستفيضة أو المتواترة من السنة كذلك- ان الرسول 7 صلى على نبات الأرض غير المأكول ولا الملبوس .

فالثابت لنا من قول الرسول 7 ومن فعله ، إنما هو السجود على الأرض ونباتها الذي لا يؤكل ولا يلبس ، وعلينا ان ندع ما سواه لأنه مشكوك الثبوت .

فقال وهو بادي الموجدة-: وعلى قولك هذا ، فهل نحكم بالخطأ على مذاهب المسلمين التي أباحت ذلك ؟ .

فقلت : على رسلك -أيها الأخ-، إن هذه نظرة ضيقة يترفع عنها أمثالك من أولي العلم ، الذين عرفوا مرونة الإسلام وسعة آفاقه ، وعلماء المذاهب مبرورون مشكورون ، محمولون على أفضل محامل الخير .

إنهم مجتهدون ، والمجتهد الذي يتفيأ -في اجتهاده- ظلال الإسلام ، ويتبع أصوله ، ويترسم مناهجه ، ويتوخى الأدلة الصحيحة في تعرف أحكامه ، لا شك في عذره ، ولا ريب في أجره ، وقد ثبت بالأدلة ان له أجرين كاملين إذا هو أصاب ، وأجراً واحداً إذا أخطأ .

وبعد ؛ فإننا قد تجنبنا ذكر المذاهب في أول حديثنا ، فما بال أخي يرغب ان يعود بنا إليه .

فضحك صاحبي ضحكة طويلة ، ثم صلينا وردنا وودّعته بعد ذلك محمودا .

 

*  *  *

 

أخي ..

وقد تريد من السؤال : لماذا خصصت الشيعة موضع الجبهة وحده بهذا الاشتراط ، من بين سائر الأعضاء التي يقع عليها السجود ؟ .

ووجه التخصيص واضح لا يخفى على أمثالك ، ومن أجل وضوحه فإني أستبعد أن يكون هو المراد من السؤال ، وإنما أذكره أنا لمجرد الاحتمال .

والوجه في ذلك : أن الجبهة هي العضو الذي تتقوّم به حقيقية السجود ، فإذا وضعت الجبهة على الأرض تحقق مفهوم السجود ، وإذا لم توضع هي لم يتحقق ، وأما أعضاء السجود الأخرى فإنما هي واجبات وليست مقومات .

ومن أجل هذا الفارق الواضح ، فالأدلة المتقدمة كلها إنما نظرت إلى الجبهة وحدها ، لا إلى الأعضاء الأخرى ، وبعضها صريح في ذلك .

ومن أجل هذا الفارق قام الإجماع على عدم اشتراط هذه الشرائط في غير الجبهة من جميع المسلمين ، والأمر في الركبتين أشدّ وضوحاً ، فإن السجود عليهما في الأحوال المألوفة بين الناس إنما يكون على ما يسترهما من الثياب ، وسترهما في الصلاة مستحب في فقه أهل البيت F، وواجب عند بعض المذاهب الأخرى .

 

*  *  *

 

وسألت -ثالثاً وأخيراً-: متى بدأ السجود على التربة الحسينية ، وكيف صحّ ذلك ؟ .

أخي الكريم ..

قدمت لك في جواب المسألة الثانية : ان الواجب في السجود عند أهل البيت F أن يكون على موضع طاهر من الأرض ، أو على شيء طاهر من نباتها ، على أن لا يكون مما يأكله الإنسان أو مما يلبسه،

وقد ورد -في تعليل ذلك- عن الإمام الصادق A : (ان السجود خضوع لله -عزّ وجلّ- فلا ينبغي ان يكون مما يؤكل ويلبس ، لأن أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله -عزّ وجلّ-، فلا ينبغي ان يضع جبهته في سجوده عليها) .

وأشرت هناك إلى ان هذا هو الثابت من صحيح السنّة عن الرسول 7 ، وعلى أدنى التقادير فهذا هو سبيل الاحتياط ، بعد حصول الاختلاف بين المسلمين في صحة السجود على ما عدا ذلك .

وبعد هذا كله وقد علم أخي أنني إنما أشير إلى أدلة القول إشارة بلا تفصيل ولا استيعاب- فلا لوم على مسلم يريد ان يكون محافظاً على صلواته ، وكل مسلم يجب عليه ان يكون محافظاً عليها ، وقد قال –سبحانه- في كتابه الكريم :

)وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .( . (المؤمنون : 9)

أقول: لا لوم على مسلم في أن يعدّ لصلاته شيئاً يصح السجود عليه –بالاتفاق- من أجزاء الأرض الطاهرة ، أو من نباتها الذي تجتمع فيه الشروط .

لا لوم عليه في ان يعدّ ذلك الشيء ، ويحمله معه ليسجد عليه متى صلى على الفرش المألوفة ، المصنوعة من الصوف أو الوبر أو القطن، أو على مكان لا تتوفر فيه شرائط السجود ، كالأمكنة المزفتة أو المبلطة بالحجر الصناعي أو المعدني ، مما خرج عن اسم الأرض ، وان كان في أصله منها .

وقد كانت للرسول 7 خمرة أعدّها لسجوده ، وقد تكرر ذكرهها في الأحاديث الصحاح .

فقد أخرج البخاري في باب الصلاة على الخمرة : عن عبد الله بن شداد ، عن ميمونة ، قالت : (كان النبي 7 يصلي على الخمرة) .

وأخرج في آخر كتاب الحيض : عن عبد الله بن شداد ، قال: سمعت خالتي ميمونة زوج النبي 7 : (أنها كانت تكون حائضاًَ لا تصلي ، وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله 7 وهو يصلي على خمرته ، إذا سجد أصابني بعض ثوبه)

وأخرج حديثاً آخر قريباً منه في المعنى ، في باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد .

وأخرج هذا الأخير مسلم في باب جواز الجماعة في النافلة ، والصلاة على حصير وخمرة .

وأخرج -في باب جواز غسل الحائض رأس زوجها-  عن القاسم بن محمد ، عن عائشة ، قالت : (قال لي رسول الله 7 ناوليني الخمرة من المسجد ، قالت : فقلت : إني حائض ، فقال : ان حيضتك ليست في يدك) .

وأخرج بعده حديثاً آخر قريباً منه في المعنى .

وأورد ابن الأثير في كتاب النهاية من حديث أم سلمة ، قال لها النبي 7 وهي حائض : (ناوليني الخمرة) .

وذكر الخمرة أحمد ، وأبو داود ، والبيهقي ، وغيرهم ، وأوردوا فيها عدة أحاديث .

والخمرة على ما يقول العلامة ابن الأثير في كتاب النهاية-: مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير ، أو نسيجة خوص ونحوه من النبات ، ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار ، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسعفها .

ويقول العلامة جلال الدين السيوطي في تلخيص نهاية ابن الأثير: الخمرة شيء منسوج يعمل من سعف ، على قدر ما يسجد عليه المصلي أو فويق ذلك ، فإن عظم حتى يكفي الرجل لجسده كله فهو حصير وليس بخمرة ، قاله أبو عبيد .

لا لوم على المسلم في أن يقتدي بعمل نبيه 7 ، فيعد لصلاته شيئاً طاهراً مما يصح عليه السجود ، سواءً أكان من النبات ، كهذه الخمرة التي اتخذّها الرسول 7 ، أم كان من خالص التراب ، كهذه التي يتخذّها الشيعة لصلواتهم .

وقد ورد في الصحيح عن الإمام الصادق A : (السجود على الأرض أفضل ، لأنه أبلغ في التواضع والخضوع لله -عزّ وجل-) .

ولا سيّما إذا كانت تلك الأرض قد أطلّت عليها دماء زكية في الجهاد في سبيل الله ، وتناثرت عليها أشلاء شهداء قاموا لنصر الله، وأخلصوا في إجابة دعوته ، وجاهدوا لإعلاء كلمته .

ولا سيّما إذا كان المستشهدون على ذلك الصعيد هم آل محمد، المطهرون بنص الكتاب ، الذين شروا أنفسهم وأموالهم لله ، فوفى لهم بعهده ، ومن أوفى بعهده من الله ؟ ، فاستبشروا ببيعهم الذي بايعوا به، وذلك هو الفوز العظيم .

ان السجود على هذا التراب الزكي ، الذي شهد ألواناً رفيعة في مجالي الخضوع لله (تعالى) ، والعبودية الخالصة له ، والتفاني الشديد في سبيله ..

ان السجود على هذه التربة يضاعف للمصلي خضوعه لربه ، ويمثّل بين عينيه صفوف الخاشعين الراكعين بين يدي الله ، تتناهبهم السيوف ، وتتوزعهم الأسنة ، وهم مقبلون ، صابرون مصابرون ، لا تختلج ألسنتهم بغير ذكر الله ، ولا تخفق قلوبهم إلا بحبه ، ولا تتعلق أمانيهم إلا بإعزاز دينه ، وابتغاء مرضاته ، فيقتدي بهم في شدة الخشوع لله ، وبالغ الانقطاع إليه ، ويتمنى مثل موقفهم في الجهاد بين يديه .

نعم ، وهذا هو معنى الحديث الذي رواه الديلمي في كتاب الإرشاد : كان أبو عبد الله -يعني به الإمام الصادق A- لا يسجد إلا على تربة الحسين A ، تذللاً لله ، واستكانة إليه .

وهذا هو معنى الحديث الذي أخرجه الشيخ الطوسي في كتاب المصباح ، عن معاوية بن عمار ، قال : قال الصادق A : (إن السجود على تربة أبي عبد الله A  يخرق الحجب) .

  والمراد بالحجب : الموانع التي تلّم بالإنسان فتحجبه عن الإخلاص في العبادة ، وهذا هو المراد من الأحاديث التي وردت عن أهل البيت A ، بالأمر باتخاذ التربة والسجود عليها .

أخي الكريم : هكذا بدأ السجود على التربة الحسينية ، وهكذا صحّ .

بدأ السجود عليها وصحّ ، لأنها جزء من الأرض ، والأرض أفضل ما يسجد عليه المصلي باتفاق المسلمين .

وبدأ السجود عليها وصح ، لأن رسول الله 3 اتخذّ خمرة يسجد عليها ، وهذا إذن منه للمسلمين في أن يتخذوا لصلواتهم شيئاً معيناً يسجدون عليه من أجزاء الأرض ، أو من نباتها الذي يصح السجود عليه .

وبدأ السجود على التربة واستحب ، لأن السجود عليها يضاعف الخضوع لله ، ويمكّن للعبد الإخلاص في العبادة .

وبدأ السجود على التربة واستحب ، لأن الأئمة من أهل البيت أمرت به ، ودعت إليه ، وواظبت عليه ، وأوضحت تلك المعاني المتقدمة التي يبلغها المصلي بسببه .

أما أول من صلى على التربة من أئمة المسلمين ، فهو الإمام علي بن الحسين زين العابدين A ، فقد أخذ من تربة أبيه الحسين A قبضة ، وعمل منها سجّادة لصلاته ومسبحة لتسبيحه ، وتلاه أولاده وأحفاده من أئمة أهل البيت F ، وعنهم أخذت شيعتهم وبهم اقتدت .

وارجع إذا شئت- إلى كتاب (الخصائص الكبرى) للعلامة السيوطي ، في باب إخبار النبي 7 بقتل الحسين A ، لتعرف موقع هذه التربة الحمراء من الرسول 7 .

اقرأ جميع ذلك ، وفي الكتاب المذكور ما يناهز عشرين حديثاً، يرويه عن أكابر الثقاة .

اقرأ ذلك ، وفكّر في هؤلاء الرواة وما رووا ، واقرأ كذلك ما قدمته إليك في رسالتي ، ثم احكم بنفسك لنفسك ، غير متهم ولا مردود .

أخي : لقد أوجزت الحديث ، لأن أعمالي التي أومأت إليها في ابتداء الرسالة تمنعني عن الإطالة، وأرجو أن تجد في ما حررته لك كفاية.

والى الله –سبحانه- أضرع : أن يجمع كلمة المسلمين ، ويؤلف شتاتهم ، ويشدّ أزرهم ، ويرفع أمرهم ، ويقرّ عين الرسول 7 بوحدتهم ، ويرفع الغلّ من صدورهم ، إنه أرحم الراحمين .

وختاماً ؛ أقدم لأخي أوفر التحيات ، وأطيب الأماني ، وأجمل الثناء ، وأجزل الدعاء ، وتحياتي الكثيرة لمن يعز عليكم من الإخوان في الله . وسلمتم .

 

 

 

السؤال الذي قدمه الأديب الفاضل الشيخ عبد الزهراء الصغير :

 

قد سألت الفقيه عن كنه ذاتي

                                 كيـف أوجدت ؟ كيف أبعث رمة ؟

ولماذا تفنى زهــوراً .. وبعض

                                 بالتمادي قد غيّر الدهــــر رسمه ؟

ولمـاذا نهــوى الرقــــاد وإنّا

                                 قــد كرهنـا من واقع الموت اسمه ؟

فغدا الشيخ في سكون وصمت

                                طبـــع الحصر فـــوق شدقيـه ختمه

ولذا للأديب يمـمت وجهــي

                                لــيريني من ثاقب الــــرأي علــمه

 

 

 

26

مداعبة صديق . جواب القرآن الكريم . هذا السؤال ليس جديداً . السؤال بذاته اتجاه إلى علة واعتراف بخلق . كيف أوجدت ؟. طريقان لا ثالث لهما . أزلية المادة وابتداء الحياة . المصادفة . يمتنع أن تكون المادة أزلية . القانون الثاني من قوانين الديناميكية الحرارية . هكذا عرفت كيف أوجدت وكيف أبعث . كل شيء منوط بحكمة . الموت كالحياة .

 

بغداد

أخي أبا عزّ الدين..سلمت ، وسلم لك أدبك ومواهبك .

تحية الأخوّة في الله ، وولاء الإيمان به ، وتكريم الدعوة إلى دينه .

أخي : قدمت إلي سؤالك في من قدمته إليه من الأدباء ، ولا بد وأن تكون خلعت عني ثوب الفقه قبل أن تقدّم السؤال إلي ، لأنك قدمته إلى الفقيه فعجز عن جوابك كما تقول في أبياتك الجميلة-، ثم أوليتني الثقة التي أوليتها للأدباء ، فقدمته إلي في عدادهم .

وأنا أحتج –أولاً- حيث نزعت عني ثوباً أعتزّ به ، وأتسامى بأن أكون من أهله ، ثم أشكر ثانياً ، حيث أوليتني ثقة أرجو من الله ان يجعلني لها أهلاً ، والدعوة إلى الله ، وذبّ الشبهات عن دينه ، هي غاية المؤمن الصحيح ، بأي الأثواب بلّغها ، وبأي الأسماء سعى إليها .

 

*  *  *

 

أخي ..

وائذن لي ان أبدأ حديثي معك بهزل يشبه الجد ، أو جدّ يشبه الهزل -كما يعبّر أساتذتنا الأدباء القدامى- :

مَن هذا الفقيه الذي ألقيت إليه سؤالك هذا : (كيف أوجدت؟ كيف أبعث رمّة؟) ، فغدا في حيرة وصمت ، ولم يدر بخلده على أدنى التقادير- ان يقرأ لك إحدى معجزات القرآن في جواب هذا السؤال ؟، وهي كثر وفر في الكتاب الكريم ، وهذه واحدة منها :

)يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ .( . (الحج : 5 - 7)

هكذا أتلوها معك تلاوة ، دون تعليق أو تفسير ، وخصوصاً بعد ان كشف العلم من عجائبها الشيء الكثير .

من هذا الفقيه الذي ألقيت إليه هذا السؤال ، فلم يملك مثل هذا الجواب ؟ .

أما ان يكون قرأ لك بعض أجوبة القرآن عن سؤالك ، ثم تدعي عليه الحصر والبكم ، فهذا أمر لا أعتقد ان يكون .

اقرأ الآيات السابقة مرة أخرى ، تجدها جواباً لك عن أكثر النقاط التي تساءلت عنها ، حتى عن قولك :

ولماذا نفنى زهوراً وبعض          بالتمادي قد غيّر الدهر رسمه

وبعد ، فمالي وللفقيه الذي سألته ثم وصمته بهذه الوصمة؟، ولعله يشبه شيوخ الدير الذين ألقى إليهم إيليا أبو ماضي نظير هذا السؤال ، ثم آب عنهم كما وفد عليهم ، وهو حائر ليس يدري .

ولكني أحاول ان أقول : ان الذي يملك من الأرصدة الفكرية ما يملكه المسلم من كتابه العظيم ، لا يستعصي عليه جواب هذا السؤال، كما استعصى على شيوخ الدير ، الذين مرّ بهم شاعر الطلاسم .

 

*  *  *

 

وهذا السؤال -كيف أوجدت ؟ ، كيف أبعث رمّة ؟- ليس جديداً في التاريخ ، ولا مختصاً بأحد دون أحد من الناس ، فقد عرفه أول إنسان ملك القدرة على التفكير ، ثم عرفه كل إنسان ذي فكر ، وسيظل يراود كل فكرة ، ويبقى ما بقي مفكر ، حتى كأنه فريضة حتمية على الإنسان ، لابد له من أدائها ، فلا محيد له من ان يسأل هذا السؤال ، وان يفكر فيه ، ويطلب الحل الوجيه له .

وسواء اهتدى الإنسان إلى الحل الصحيح أم لم يهتد ، فإن لهذا السؤال جدواه ، وله دلالته ، فهو لم يعرض للفكر البشري ، ولم تكن له هذه الأصالة وهذا الشمول هكذا اعتباطاً .

ومحال ، أو شبيه بالمحال ، ان تتطابق أفكار الناس كلهم ، من أولهم إلى آخرهم ، ومن أقصاهم إلى أقصاهم ، على هذا التساؤل ، وعلى هذا البحث ، دون ان يكون لذلك سبب أصيل يوجّه الأفكار والعالمين كلهم هذا الاتجاه .

ومن موائز هذا السؤال : هذا العناد الملحوظ فيه ، فهو يلح على الإنسان ويلحف ، ويتنوع في الصيغة ، ويتنوع في الأسلوب ، ولا يهدأ ولا يخفّ إلحاحه ، ولن يقر أبداً حتى يظفر بالإجابة الصحيحة التي يقتنع بها الإنسان ، ويثلج لها صدره .

وإذن ؛ فللسؤال مبعث أصيل في ذات الإنسان ، وفي أغوار طبيعته، ومن أجل ذلك كان له هذا العمق ، وهذه الأصالة ، وهذا الشمول للإنسانية جمعاء ، ثم هذا الإلحاح العنيف .

وإذن فانبثاق السؤال في طبيعة الإنسان على هذا الشكل ، وهذا العمق هو بذاته أحد الأسانيد للإجابة الصحيحة عليه ، فهو صدىً لفطرة ، واتجاه عميق إلى علّة ، وهو بالتالي اعتراف ذاتي بخلق .

ولا أطيل ، ولا أفصّل ، فلا أستحب هنا ان أكون فيلسوفاً ، وقد قدّم أخي سؤاله إلي على ان أكون أديباً ، وموعدي في هذا البحث مقدمة كتابي : (التوحيد في القرآن) .

 

*  *  *

 

كيف أوجدت ؟ ، كيف أبعث رمة ؟ .

هكذا يبتدئ السؤال ضيقاً محدوداً عن بداءة هذا الإنسان ، وعن نهايته ، والإنسان أرقى نماذج الطبيعة التي أنتجها معمل الكون ، فإذا استطاع بوجه ما ان يعلل مبدأه ونهايته ، فقد استطاع ان يتعرّف على مبدأ هذا الكون كله ونهايته .

كيف أوجدت ؟ .

لقد وجدت ولم أك شيئاً ، فأنا لم لأوجد نفسي ، وأبواي اللذان ولدت منهما مثلي في ذلك ، والناس الآخرون الذين سبقونا أو عاصرونا في الوجود كلهم مثلنا ، فالإنسان لم يوجد نفسه ، فكيف أوجد ؟ .

ثم لنفترض ان الإنسان انحدر من سلالات أخرى سبقته في سلسلة التطور -وان لم يقم على صحة هذه النظرية دليل علمي متين- ..

لنفترض ذلك كي يمتد السؤال بأيدينا ويتسع ، وحتى ننظر في صدق بعض النتائج التي يحملّها بعض الناس على هذه النظرية .

والسلالات الحيوانية التي سبقت الإنسان بالوجود ، كلها مثله حدثت بعد ان كانت معدومة ، فهي لم تخلق نفسها ، حتى الخليّة البسيطة التي زعموا أنها خلية الحياة الأولى .

فالحياة كلها نشأت بعد العدم ، وهي لم تخلق ذاتها ، ومن بدهيات العقل التي لا يرتاب فيها أحد ، انه لا شيء يحدث من لا شيء ، فكيف أوجدت الحياة ؟ .

وأمامنا طريقان لا ثالث لهما ، فلننظر أيهما أحرى بالسلوك ؟ .

الطريق الأول : ان نعتبر المادة قديمة أزلية ، لا ابتداء لوجودها، وبتبع ذلك ؛ فلابد لنا من ان نعتبر القوانين الطبيعية التي تحكم المادة وتوجهها ، قديمة أزلية كذلك ..

وأول مشكلة عصية الحل تعترضنا في هذا الطريق مشكلة ابتداء الحياة ، كيف تنشأ الحياة من الجماد ؟ .

والقائلون بأزلية المادة لم يأتوا في حل هذه المشكلة بشيء يحترمه الفكر ، ويعترف به العلم .

زعموا ان الحياة جاءت أول مرة نتيجة مصادفة سعيدة ، التقت فيها عناصر معينة بمقادير محدودة في وقت مناسب ، وفي بيئة مناسبة ، فكانت الخلية الأولى التي بدأت منها الحياة .

وهذا القول يعتمد على دعويين ، كلتاهما تفتقران إلى تمحيص .

وقد نظر العلم في العناصر الجامدة : هل فيها ما يمكن ان يتألف فينتج حياة ؟ .

وبحث ، وجرّب ، وهيأ الجو الصالح ، والبيئة الصالحة ، والفرص والشروط والمناسبات ، ولاحظ ، وصابر ، فلم يفد شيئاً ، وهو لا يزال يبحث ويجرّب ويهيئ وبصابر ، ولعله لا يفيد شيئاً كذلك ، ولعله يفقد حتى الأمل .

يقول العالم البيولوجي الكبير الدكتور (رسل تشارلز ارنست) : لقد وضعت نظريات عديدة ، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات ، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتين ، أو من الفيروس ، أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة ، وقد يخيل إلى بعض الناس ان هذه النظريات قد سدّت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات ، ولكن الواقع الذي ينبغي ان نسلم به هو ان جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحيّة من غير الحيّة قد باءت بخذلان وفشل ذريعين . -انظر ص79 من كتاب (الله يتجلى في عصر العلم)- .

هذه قيمة الدعوى الأولى التي يعتمد عليها القول الآنف الذكر .

أما المصادفة ، وهي الدعوة الثانية التي يعتمد عليها ذلك القول، فإن العلماء الرياضيين قد درسوا نظرية المصادفة والاحتمال ، دراسة دقيقة مستوفية ، ووضعوا لها أسساً رياضية مبتنية على الأرقام ، وأصبح من الميسور لديهم بمراعاة هذه الأسس- ان يميّزوا بين ما يمكن من المصادفات وما يستحيل ، وان يحدّدوا فيما يمكن منها- درجات قربه من الوقوع واللاوقوع ، ويصدروا في جميع ذلك أحكاماً هي أقرب إلى الصواب .

وعلى هذه الأسس التي قرروها- نظروا في المصادفة الخاصة التي ادّعيت في نشأة الحياة .

وقد نظروا في هذه المصادفة بمقدار تنتج جزيئاً بروتينياً واحداً فحسب ، لا بمقدار تنتج خلية كاملة الأجزاء والحياة ، فإن حساب ذلك ليس بمستطاع ، (والبروتين أحد المركبات الأساسية في كل خلية حية) .

فعدّوا ما يحتمله حصول هذه المصادفة من فرص ، وما يلزم ان تتوفر لحدوثها من عناصر ، وما يتطلبه خلط تلك العناصر خلطاً مستمراً من برهة زمنية ، حتى يحدث التفاعل ، ثم ما يمكن ان تتألف به ذرات ذلك الجزيء البروتيني الواحد من الطرق ..

فكانت الفرص المحتملة لتكوّن الجزيء البروتيني الواحد هي عشر مضروبة في نفسها (160) مرة ، وهو -على ما يقولون- عدد لا يمكن التعبير عنه بكلمات .

وكانت المادة التي يلزم ان تتوفر لتكوّن ذلك الجزيء بالمصادفة، أكثر مما يتسع له هذا الكون بملايين المرات .

وكانت البرهة الزمنية التي يقتضيها خلط تلك المادة خلطاً مستمراً، حتى يصل التفاعل بالمصادفة بين ذرات ذلك الجزيء الواحد ، هي عشر مضروبة في نفسها (243) مرة من السنين .

وكانت الطرق التي يمكن ان تتألف بها ذرات ذلك الجزيء الواحد، هي عشر مضروبة في نفسها (48) مرة .

والفرصة المنتجة في كل واحد من العوامل الآنفة الذكر ليست إلا بنسبة الواحد إلى تلك الأعداد الهائلة منها .

فإذا نحن ضربنا هذه الأعداد الضخمة بعضها ببعض ، لنحصل على مجموع الاحتمالات ، كان الناتج منها هولاً في هول ، والفرصة الصحيحة المنتجة ، هي واحدة فقط من كل هذه الأعداد .

هكذا عدّوا الفرص والاحتمالات لهذه المصادفة ، واستنتجوا من ذلك : ان تألف هذه الفرصة الواحدة من بين هذه الأعداد البالغة الهول محال عقلاً ..

وانظر إذا شئت كتاب (الله يتجلى في عصر العلم) ، الذي اشترك في تأليفه ثلاثون عالماً من كبار علماء الطبيعة ، وكتاب (مصير البشرية) للفيلسوف الشهير (ليكونت دي نوي) .

 

*  *  *

 

وقال بعضهم : ان خلية الحياة وفدت إلى الأرض من كوكب آخر مجهول ، وكان وفودها إلى الأرض من باب المصادفة ، وكان وفودها في وقت أصبحت الأرض صالحة لاحتضان الحياة ، وهو من باب المصادفة كذلك .

وخروج هذه الخلية من ذلك الكوكب المجهول لا بد وان يكون نتيجة مصادفات كذلك ، ثم خروجها من حكم جاذبيته ، وتوجهها نحو الأرض ، وإفلاتها أو ابتعادها من جاذبيات الكواكب الأخرى ، لابد وان تكون نتائج مصادفات كثيرة لا عداد لها .

ثم هي لابد وان تكون قد قطعت في رحلتها إلى الأرض مئات من السنين ان لم تبلغ الألوف والملايين-، واحتفاظها بالحياة ، وبالمناعة الذاتية ضد الطوارئ والمزاحمات طوال هذه المدة وعبر هذا الطريق ، لا بد وان يكون نتيجة مصادفات ومصادفات ومصادفات .

وهكذا نجدهم يلجؤون من مصادفة إلى مصادفة أبعد ، ومن إحالة إلى إحالة أشدّ .

ووفود خلية الحياة من كوكب آخر لا يقطع التساؤل، فإن هذه الخلية الوافدة حادثة مسبوقة بالعدم من غير ريب ، وهي لم تخلق نفسها، فكيف أوجدت ؟ .

والحياة التي تسلسلت منها الخلية على ظهر ذلك الكوكب المجهول، إذا لم يكن لها خالق ، فلابد وان تكون مستندة إلى المادة الأزلية ، وتعود المشكلة الأولى ، مشكلة نشأة الحياة من الجماد .

إلا ان يقولوا بوفود خلية الحياة من كوكب ثالث ، وهكذا إلى الأزل ، فتتضاعف المصادفات ، وتتضاعف الاحتمالات .

 

*  *  *

 

والمشكلة الثانية التي تعترض القول بأزلية المادة ، مشكلة الأزلية ذاتها ، وهي تعترض كذلك أزلية الحياة ، ان يقول بها قائل .

وهي مشكلة أساسية عصيّة الحل ، وقد تآزر عليها العقل والعلم، ونظر فيها كل من ناحية اختصاصه ، وخرجا بنتيجة واحدة مشتركة .

أما العقل ، فقد رأى ان المادة والحياة ممكنتا الوجود ، والممكن هو الشيء الذي لا يجب لذاته- ان يكون موجوداً ، ولا يجب -لذاته- ان يكون معدوماً ، بل هو قابل لهما .

والمعنى الصريح لذلك : ان الممكن لا يوجد من تلقاء ذاته ، وإنما يوجد بسبب خارج عنه يؤثر فيه ، وإذا كانت المادة والحياة لا تتصفان بالوجود لذاتهما ، فكيف تتصفان بأزلية الوجود ؟ .

وأما العلم ، فإنه درس الحرارة دراسة مستوعبة ، وقسّم الطاقة الحرارية إلى طاقة ميسورة وطاقة غير ميسورة ، ثم كشف ان أي تغيّر حراري يحدث ، فلابد من تحوّل جزء من الطاقة الميسورة إلى الطاقة غير الميسورة ، وانه لا سبيل إلى العكس أبداً ، فلا يتحول جزء من الطاقة غير الميسورة إلى الطاقة الميسورة بوجه من الوجوه .

وقد سميّ هذا القانون بالقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية .

ثم أثبت ان ذلك قانون كوني عام ، ولا يختص بالحرارة ، فكل تغير أو تحول طبيعي ، فلابد وان يصحبه تحلل أو نقص في النظام الكوني .

ونتيجة هذا القانون : ان الكون سائر لا محالة إلى الفناء ، فلابد من ان تنعدم الطاقة الميسورة فيه ، وتصل الحرارة إلى درجة الصفر المطلق، وعندها فلا حياة ولا طاقة .

وإذا كانت هذه هي النهاية المحتومة للكون ، فمن المحال ان يكون أزلياً ، لأنه لو كان أزلياً لكانت هذه النهاية قد تحققت منذ أمد بعيد .

وإذن ، فالمادة ليست أزلية ، والحياة ليست أزلية ، بحكم العقل وحكم العلم .

وإذا لم تكونا أزليتين ، فلابد وان يكون لهما خالق . نعم ، وهذا هو الحل الوحيد لمشكلة الإيجاد .

 

*  *  *

 

والنظام الرتيب العجيب ، الذي نحسّه في موجودات هذا الكون كافة ، فكل موجود لغاية ، وكل حركة لميقات ، وكل شيء بمقدار ، ان الفكر السليم لا يشك أبداً في ان له مبدعاً منظماً ، أوجده بحكمة ، ودبّره بعلم وإتقان .

والإنسان كما قلت في أوائل رسالتي هذه- أرقى نماذج الطبيعة التي أنتجها معمل الكون .. ان الفكر السليم لا يشك أبداً في ان موجده له منتهى الكمال ، ومنتهى الحكمة ، ومنتهى العلم ، ومنتهى الإحاطة .

وأخيراً ؛ فموجد الكون يجب ان لا يكون مادياً ، لأنه لو كان مادياً لوجب ان يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية ، فتكون له نهاية محتومة ، ويتبع ذلك فلا يكون أزلياً ، ويكون بدوره محتاجاً إلى موجد .

 

*  *  *

 

أخي أبا عز الدين ..

هكذا عرفت كيف أوجدت ، وهكذا أعرف كيف أبعث رمة .

ان باعثي بعد ان أكون رمة ، هو موجدي بعد ما لم أكن شيئاً مذكوراً ..

وان جامع أجزائي وأعضائي بعد ان تتمزق وتتفرق ، هو مكون خلاياي من عناصرها ، ومركّب عناصري من ذراتها ، ومؤلف ذراتي من جزيئاتها ..

وان معيد حياتي في جسدي بعد الموت ، هو نافخ الحياة في مادتي الجامدة عند نشأتي الأولى ، لم ينقص علمه ، ولم تضعف قدرته ، ولم تقصر حكمته ، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة .

هكذا يقول لي عقلي ، فأجد شواهد التكوين في نفسي ، وفي الكون العظيم الذي يحتويني ، بينات واضحة على صدق ما يقول .

ثم اقرأ معي ان شئت :

)أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ . أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.( . (يس : 77 - 81)

 

*  *  *

 

ونظرت في شؤون وجودي ، فرأيت ان حكمة خلقي لا تكمل إلا ببعثي ، وان إقامة العدل الكامل في هذه الحياة ، لا تكون إلا بتوفيتي جزاء أعمالي ، فآمنت بوجوب البعث ، ووجوب الجزاء .

وما دام كل شيء منوطاً بحكمة ، ومتجهاً إلى غاية ، فإن كمال الفرد البشري لا يتم إلا بنشأة أخرى ، وان غاية التكليف لا تكمل إلا بإعداد جزاء وتوفية حساب .

وصدق الله العظيم إذ يقول :

)أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ . فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ .(. (المؤمنون : 115- 116)

أخي :

وما دام كل شيء منوطاً بحكمة ومرتبطاً بقانون ، والعلم الكوني الحديث ، وفروعه وكشوفه ونظرياته ، كلها أدلّة على صدق هذه الدعوى ، والناس كلهم مطبقون على الاعتراف بها ، ولا يشك فيها منهم أحد ..

أقول : وما دام الأمر أمر حكمة وقوانين ، جرت عليها سنة الله في التكوين ، فليس من الحق ان نتّهم حكمة الحكيم إذا خفي علينا الوجه في بعض أعماله ، وليس من الوهن ان يقف الإنسان المحدود القدرة، المحدود الإدراك ، عند السفح إذا لم يستطع ان يبلغ القمّة ، وقد وقف العلم عند كثير من الظواهر يستطرق الأبواب ويطلب الأذن ، فإما يفتح له الباب فيدخل ، وإما يبقى موصداً في وجهه فينصرف ..

ليس من الوهن ان يصنع الإنسان كذلك ، ولكن الوهن ان يقتحم ثم يتهم .

بلى ، من الحق له ان يسأل عن وجه الحكمة الذي خفي عليه، وسواء استعصى عليه جواب المسألة أم سهل ، فهو مسلم موقن بحكمة الحكيم ، وإن خفيت عليه .

ومن الحق له أن يقول مسترشداً :

ولماذا نفنى زهوراً وبعض        بالتمادي قد غيّر الدهر رسمه

وقد أقامت الحكمة بناء هذا الكون وفق قوانين ثابتة ، وأطلقت أحكامها في الأشياء ، فلا يتعدّى شيء قانونه ، ولا يتخلّف عنه .

ومن أهم القوانين الكونية قانون الأسباب والمسببات ، فقد أناطت القدرة الخالقة كل شيء بسببه ، وعقدت ما بين كل سبب ونتيجته ، فمن المحال ان يوجد شيء بدون سببه ، ومن المحال ان تتخلف نتيجة عن سببها التام .

والعالم المادي عالم يزخر بالأضداد والمتزاحمات ، وتبعاً لذلك ، فقد يوجد سبب ما لشيء من الأشياء ، أو لكمال من الكمالات ، أو لغاية من الغايات ، وقبل ان يتم ذلك السبب ، وقبل ان يستكمل تأثيره في النتيجة ، يزاحمه ما يضادّه فيمنعه عن التأثير ، ويحول ما بينه وبين الأثر ، فيموت إنسان وهو طفل أو جنين ، ويحيى إنسان حتى يردّ إلى أرذل العمر ، وحتى يغيّر الدهر رسمه ، والحكمة العامة التي سببت الأسباب، ووضعت القوانين للنظام العام ، هي الحكمة ، لم تتغير ولم تضعف .

أما الحكمة الخاصة ، فلها شؤون خاصة بين الله وعبده يوفيه إياها كاملة غير منقوصة .

والموت كالحياة تقدير وتدبير ، وحكمة سامية المعنى ، بعيدة الغور والحدود ، للنوع الإنساني وللفرد معاً ، ووجه الحكمة ظاهر لا خفاء فيه ، ولعل أخي لذلك لم يتعرض له في السؤال .

انظر ما لو استمرت الحياة في عشرة أجيال أو عشرين جيلاً من الناس ، فكيف تتيسر لهم الإقامة والمعيشة على ظهر هذا الكوكب؟، وقد انتشرت في الآونة الأخيرة بين الناس فكرة عن ضائقة اقتصادية موهومة ، فحكم بعض المفكرين بوجوب تحديد النسل .

ثم انظر ما لو استمرت الحياة بالفرد ، حتى تجاوز الحدّ الذي يغيّر الدهر فيه رسمه ، فماذا ينتفع هو بهذه الحياة ؟ ، وماذا ينتفع بها الآخرون ؟ .

 

*  *  *

 

أمّا حديث النوم والموت ، وأننا نحب النوم ونكره الموت ، فليسمح لي أخي ان أقول له : إنه ليس من صميم المشكلة ، ولا من حواشيها .

فالنوم يحبه الإنسان لأنه راحة طبيعية مؤقتة ، يلجأ إليها ليعوّض بها ما يفقده جسمه من طاقات أثناء يقظته وعمله ، ثم ينتبه وهو موفور الطاقة ، متجدد النشاط ، وهو يكره الموت لأنه مفارقة حياة حبيبة ، وورود على مستقبل حالك رهيب ، شديد الرهبة والظلمة .

والموت ذاته غامض في فكرة الإنسان ، شديد الغموض ، وغموضه هذا يضاعف من وحشته ، ووقعه على النفوس .

ان هذا الحديث ليس من صميم المشكلة ولا من حواشيها ، ولذلك فحب النوم وكراهة الموت لا يختص بهما فريق معين من الناس ، مهما كانت فكرته أو عقيدته في المبدأ والمعاد .

أخي : أرجو ان لا أكون أغمضت في بحث الموضوع ، وماذا أصنع للمصطلحات التي تدخل نفسها في طوايا الحديث ، وتأبى على الأدب ان يحورّها ؟ .

أما الشعر فقد راودته فاستعصم ، وأراه واجداً علي ، فقد هجرته منذ زمن طويل ، وختاماً أكرر لك تحياتي ، وأجدد أشواقي .

  

 

 

(27)

التيارات المتآزرة على حرب الإسلام . قادة الإسلام لا ييأسون . الغايات العظمى غالية الأثمان . ويطعمون الطعام على حبه . الأبرار وأوصافهم . من أنزلت فيهم الآيات ؟. سبب النزول . مناقشة وجواب . زمن الحادثة . النتائج المترتبة عليها .

 

بغداد - كلية الطب

26/ ذي الحجة / سنة : 1386هـ

ولدي الزكي الأديب بلّغك الله الأمل ، وحقق فيك الأمنية .

تحية زكية ، وشوقاً متجدداً ، وذكراً طيباً ، ومنه سبحانه أسأل لك ولزملائك المؤمنين الأنجاب توفيقاً دائماً ، وسعادة موفورة ، ونظرة مسددة ، تجعلكم من دعاة الهدى ، وتؤهلكم لحمل الأعباء ، ونشر ألوية السلام في ظل الإسلام .

بني : لعلك تعدنّي قد أبطأت في جوابك كثيراً ، وإن شهرين كاملين يمران على وصول رسالتك إلي لبرهة طويلة تكفي حجة لك على هذا القول.

ولكن شهرين –فحسب- فرصة قصيرة في ميزان مناهجي الخاصة التي اضطررت لوضعها لترتيب أعمالي ، ومن الله أستمد العون والتوفيق لبلوغ الغاية ، وتحقيق المنى .

ذكرت في رسالتك التيارات الفكرية المتلاطمة ، المتآزرة على حرب الإسلام ، وإخماد صوته ، وإبعاده عن قيادة الحياة ، ثم إقصائه أخيراً عن عالم الوجود ..

التيارات الكثيرة التي لم تدّخر قوة دون هذه الغاية ، ولم تأل جهداً، ولم تترك وسيلة :

)يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ .( . (التوبة : 32)

وما أيسر أمر هذه التيارات وإن كانت كثيرة وشديدة ، وما أقل خطرها لو لم يكن من صميم مناهجها ، ومن أساليب حربها أن تسمم التربة !! .

أن تبذر في أذهان النشء أنواع السموم ، وتوبئها بمختلف الأوبئة، ثم تملأ الجو والماء بالجراثيم والطفيليات ، حتى تنعدم قابلية التربة وتعود غير صالحة لغرس ، ولا قابلة لثمر .

ما أهون أمر هذه التيارات على الإسلام !، وما أضعف خطرها لو لم تكن هذه مناهجها وأساليبها ! .

فإن بذور الإسلام تغرس مع الفطرة ، وأفكار الإسلام تتسلسل مع الطبيعة ، وعقائد الإسلام تبتني على أسس التكوين ، وبراهين الإسلام وأدلته وشواهده ملء الكون ، وملء الطبيعة ، وملء الحياة ، وملء الفطرة ، وتشريع الإسلام من وضع خالق جميع هذه المقدرات :

)صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً ..( . (البقرة : 138)

وأي مبدأ من مبادئ الدنيا ، أو فلسفة من فلسفاتها ، أو دين من أديانها ، يملك مثل هذا الرصيد ، أو يقوم على مثل هذه الركائز ؟ .

إنها جميعاً- لن تستطيع أن تقف مع الإسلام على قدم ، ولن تقوى أن تبدي له صفحة ، إذا كانت المحاكمة إلى الحقائق الصحيحة، والى الفكر الواعي السليم

ولكن ، ماذا يصنع قادة الإسلام ودعاته إذا أوبئت الأذهان وأوقرت الآذان ، فلم تع هتاف هاتف ، ولم تتفتح لدلالة دليل ؟ .

نعم ، ولكن ليس معنى ذلك أن ييأس قادة الإسلام ودعاته، ويخلدوا إلى السكون .

كلا ، كلا ، فمن طبيعة الحق أنه نيّر ثابت ، ومن طبيعة الإيمان الصحيح أنه باسم مقاتل ، فلن ييأس المؤمن الداعي إلى الحق ، ولن يكلح ، ولن يتشاءم ، ولن تتزلزل قدمه أبداً .

ان المؤمن ليشعر -في أعماقه- أن الكون والطبيعة والحياة كلها تسير معه في ركابه ، وتتجه معه إلى غايته ، وقد انحدرت معه من مبدئه ، ولذلك فهو متفائل أبداً ، وموقن بالظفر .

والأفكار والمبادئ والفلسفات الأخرى التي تخالفه ، إنما تعاكس التيار الكوني العارم المنحدر معه عن المبدأ الحق ، المتجه معه إلى الغاية الحق ، ولذلك فلا يمكن لها البقاء مطلقاً ، وإن بقيت ، فإلى أمد جدّ قصير .

ليس معنى ذلك أن ييأس قادة الإسلام ودعاته ، ويخلدوا إلى السكون ، بل معنى ذلك : أن يضاعفوا الجد ، ويضاعفوا الأهبة، ويصبروا ويصابروا ويرابطوا ، والمدد من الله وحده .

ولقد امتحنت دعوة القرآن -في ابتدائها- بقوم من أسلاف هذه الناس ، فأصمّوا آذانهم عن الحق ، وأوصدوا قلوبهم عن نوره ، وصرفوا أذهانهم عن أدلته ، فأيأسهم القرآن من جدوى هذه المحاولات، فقال لهم :

)أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ.(.(الزخرف:5)

بلى ، وجهر القرآن بكلمته ، وأتمّ دعوته ، ومرّ الزمن ، وانحدر التيار ، وإذا بنور الحق يرتفع ويرتفع ، وإذا بالظلمات المعتمة تنجاب، وإذا بالآذان الصمّ والقلوب الغلف والدعوات الماكرة تهوي وتهوي .

ولدي : أصغ إلي فإنك من الشباب الذين يعقد الإسلام عليهم الأمل ، ويعدّهم للمستقبل الزاهر القريب ، وأرجو أن يكون لكلمتي هذه وقعها المجدي ، وأثرها البعيد .

والغايات الكبيرة والأهداف الضخمة ، لابد وأن يكون عبؤها كبيراً وثمنها غالياً ، ولكنها خفيفة رخيصة على ذوي الكفاءات ، إذا عرفوا قلّة ما يبذلون بإزاء ما يقصدون .

 

*  *  *

 

والآية التي سألت عنها أيها العزيز- والمقطع القرآني العظيم الذي يشتمل عليها ، يتضمنان نموذجاً رفيعاً من الأثمان الغالية التي يدفعها عظماء الدعاة ، حين يؤمنون بعظم الغاية ، فيدفعونها خجلين وجلين ، كأنهم مقصّرون .

ووددت لو سمحت لي الفرصة فأفضت في الحديث حول هذا المقطع كلّه ، لأقدم لولدي شاهداً نموذجياً على هذا البذل العظيم .

وددت لو أفضت في هذا الموضوع حتى نتعرف مكامن السر في عظمة العظماء ، ونتبين مواضع القدوة من أعمالهم ، ثم نستعين الله على الاقتداء بها ، والاستضاءة بنورها ، أما الآن فحسبي أن أشير ، وأن أعتمد في تجلية هذه الإشارة على ذكاء ولدي .

عزيزي ..

تعرضت للآية الكريمة : )وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً .( .

وسألت –أولاً- عن أبعاد الحادثة التاريخية التي تصورها الآية ، من حيث زمان الحادثة ، ومن حيث سبب النزول ، ومن حيث النتائج المترتبة عليها .

ومطاف السؤال هي الآية الثامنة من سورة الدهر ، والمقطع الذي يحتويها هو المقطع الثاني من السورة الكريمة ، وهو يتألف من سبع عشرة آية ، أولها قوله –سبحانه- :

)إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً .( .

وآخرها قوله : )إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً.( .

والمقطع يتضمن تعريفاً بصفوة من الناس ميّزتهم أعمالهم ، وميّزهم إخلاصهم ، وميّزتهم رهبتهم الشديدة من الله .

إنهم الأبرار كما تسميهم الآية الأولى-، المطيعون لله ، البالغون أقصى حدّ الإطاعة ، المخلصون له دينهم وعملهم ، أقصى درجات الإخلاص .

وإنهم عباد الله كما تسميهم الآية الثانية-، العارفون حق المعبود ، المؤدّون له حق العبودية .

وإنهم الموفون بالنذر ، وبكل ما التزموا به لربهم من برّ ، وبكل ما أمرهم به ربهم من زلفة .

وإنهم المطعمون الطعام على حبه وشدة الفاقة إليه- المحاويج من الناس ، المؤثرون بالقوت على أنفسهم وهم في خصاصة من العيش .

وإنهم المخلصون ، الذين يطعمون قوتهم للمسكين واليتيم والأسير ، لا يريدون منهم جزاءً ، ولا يبتغون شكوراً ، وإنما يفعلون ذلك لوجه الله وحده ، لحبّ الله الذي امتزج بلحومهم ودمائهم، وخالط شعورهم وأحاسيسهم .

وإنهم الخائفون من الله يومه العظيم على شدة إخلاصهم له-، الوجلون منه على شدة تقواهم إياه- .

إنه الإحساس القوي العميق بعظمة الله ، وعظمة دينه ، وعظمة مبدئه ، يقوى ويتسع في قلوب هذه الصفوة ، وقلوب من يلتزم نهجهم، حتى يملأ آفاق نفوسهم ويسيطر على قواها، فلا تقول ولا تعمل إلا له، ولا تكدح إلا في سبيله ، وتستصغر كل غاية دون رضاه ، وتستسهل كل صعب غير غضبه .

وإنها تبعات العقيدة النيرة الثابتة التي آمنوا بها ملء قلوبهم وعقولهم ونفوسهم ، يوفون بها راضين مبتهجين .

هكذا يعرفّهم القرآن للناس ، ويذكر ما أعده الله لهم من نعيم وملك كبير ، وما هيأه لهم من سعادة لا يحيط بها وصف ، ولا ينتهي بها أمد .

نعم ؛ هكذا يعرّفهم القرآن للناس ليأتم بهم من يروم الإقتداء ، فإن الباب مفتوح ، والسبيل ميسّرة .

وقد أجمع أهل البيت وأتباعهم ، وكثير من علماء الحديث وعلماء التفسير من سواهم ، على أن المقطع الكريم أنزل في علي وفاطمة والحسن والحسين F لمّا آثروا بقوتهم ، وأطعموه المسكين واليتيم والأسير ، وطووا ساغبين .

والحادثة معروفة مشهورة ، وقد رواها الأثبات الحجج من علماء الإسلام ، وإن اختلفوا في بعض مشخصات الحادثة .

ففي جملة من أسانيد الحادثة أنها وقعت في يوم واحد ، وفي بعضها أنها وقعت في ثلاثة أيام .

ولأكتف هنا بذكر ما نقله الواحدي في كتابه (أسباب النزول):

(عطا عن ابن عباس : ان علي ابن أبي طالب آجر نفسه ليسقي نخلاً بشيء من شعير ليلة حتى أصبح ، فلما أصبح وقبض الشعير طحن ثلثه ، فجعلوا منه شيئاً ليأكلوه يقال له : الحريرة ، فلما تمّ إنضاجه أتى مسكين فأخرجوا إليه الطعام ، ثم عمل الثلث الثاني فلما تمّ إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه ، ثم عمل الثلث الثالث فلما تمّ إنضاجه أتى أسير من المشركين فسأل فأطعموه ، وطووا يومهم ذلك) .

أقول : لأكتف بهذه الرواية ، لا لأنها أوثق الأحاديث سنداً ، بل لأنها نموذج قصير مما يورده غير الشيعة في سبب نزول الآيات .

وأقوى مناقشة يتمسك بها من ينكر ذلك هي : أن سورة الدهر مكيّة ، فكيف تحتوي ذكر حادثة جرت في المدينة ؟ .

نعم ، والمصاحف المتداولة بالأيدي تذكر سورة الدهر في عداد السور المكية .

ولكن الروايات الصحيحة تدلّ على أنها من السور المدنية ، وعلى هذا إجماع أهل البيت F وشيعتهم كافة ، وهو كذلك قول كثير ممن خالفهم .

وممن روى ذلك من غير الشيعة : الحاكم النيسابوري في كتابه المستدرك ، وأحمد الزاهد في كتاب الإيضاح ، وهو قول مجاهد وقتادة وعكرمة والحسن البصري وجماعة كثيرين ، فالمناقشة الآنفة الذكر لا تقوم على أساس متين .

أما زمن الحادثة فالراجح أنها وقعت في السنة الخامسة للهجرة فما بعدها ، فقد صرّحت الأدلة بأن الحسين A قد اشترك في الإيثار ، وأن الآيات الكريمة قد شهدت له مع أهل بيته المطهرين بهذه الكرامة ، وبوأته معهم هذه المنزلة ، فلا بد وأن تكون الحادثة قد وقعت بعد ولادته A وفطامه، لتصح منه المشاركة بالفعل .

وأما النتائج المترتبة على ذلك ، فهل أستطيع أن أحصيها –أولاً-، ثم ألخّصها لك في رسالة ؟ ! .

إنها النتائج التي يحوزها المؤمن الكامل الإيمان ، حين يأخذ نفسه بتطبيق مناهج الإسلام في أوسع نطاق ، وأبعد حد ، وأتم تطبيق ، وأنه الكمال الأعلى الذي يحرزه الإنسان حين يسلم وجهه لله في سره وعلانيته ، وفي قوله وفعله ، وفي حركته وسكونه .

إنها نتائج الإسلام الكبرى ، وحياته الفضلى .

هذه هي النتائج المترتبة على ذلك : إشراقة نفس ، ووضاءة حياة ، وسعادة مضاعفة في الأولى والأخرى .

والآيات الكريمة لم تفرد قصة إطعام الطعام بالذكر ، ولكنها نظمتها مع سائر صفات هؤلاء الأبرار في سلك ، وقدّمتها نموذجاً حياً خالداً لسائر أعمالهم ، ولما يبذلونه في الله من تضحية ، وما يقدّمونه للعقيدة من تكاليف .

وبعد ، فإن السورة الكريمة تقدّم هذه الصفوة من الناس صورة شاخصة كاملة للإسلام الكامل الحي المجسّد ، ليصوغ الناس على مثالها، إذا كانوا يرغبون في الوصول إلى الغاية ، غاية الإسلام الكبرى .

ثم هي ترشيح لأفراد هذه الأسرة للولاية العامة ، التي سيقول الإسلام فيها قولته الصريحة .

نعم ، هي ترشيح لهم للزعامة الكبرى على الأمة ، فإن الذي يؤثر بالقوت على نفسه وهو في ضرّ الطوى ، لا يتصور فيه أبداً أن يتسامح أو يستأثر في شيء من حقوق الأمة يوم يكون عليها زعيماً .

عزيزي : وهكذا طال الحديث بي وأنا أجيب على سؤالك الأول حول الآية الكريمة ، وألجأني إلى أن أختم الرسالة ، وأرجي الجواب عن سؤالك الثاني إلى رسالة قريبة -إن شاء الله- .

ومن الله العون والتوفيق .

 

 

 

(28)

محاولات في التربية . مهمات ومسؤوليات. يتهمون المجتمع  الإسلامي بالتأخر المادي . لا يفرقون بين الإسلام والمجتمع المسلم . العصر الذي أنزلت فيه الآية . لم يطبق الإسلام كثيرا ًمن نظمه . ضرورات قائمة . العلاج المستطاع في تلك الضرورات .

 

بغداد - كلية الطب

14 / محرم الحرام / سنة : 1387هـ

الشاب المؤمن الزكي ……. دامت مسراته .

أهدي إليك أنفس التحيات ، وأبث إليك خالص الشوق ، وأترجم لك عن مكين الحب ، وبالغ الإعجاب .

بني : لقد أرسلت إليك قبل أيام رسالتي الأولى ، وقد ضمنتها الجواب عن سؤالك الأول ، وآمل ان تكون وصلت إليك وأنت في غبطة ، فأوفيتها بحثاً واستقصاءً ، ففيها إيماءات تحوجك إلى تفكير .

ورسائلي إليكم أيها الأعزاء- محاولات في التربية العملية الإسلامية ، فلا يستغني قارئها عن تكرارها أكثر من مرة ، ولا يستغني عن أن ينفعل بأحاسيس الكاتب ويصطبغ بمشاعره ، ويتكيف مع أساليبه ، ويكون رهن إشارته -ما دام قارئاً له- .

وكلما تعددت الفرص ، وامتدت به في تملّي هذه الدروس واستبطانها ، كان أقرب إلى النجاح .

إنها محاولات في التربية العملية على ضوء مناهج الإسلام ، أرجو ان نصل بها إلى الغاية التي أرادها الله لنا من أقرب طرق ، وفي أيسر مدة وهو المسؤول لتحقيق الأمنية ، وهو دليل المرشد والمسترشد ، ومنه توفيقهما ، وبه قوّتهما .

ولا أريد هنا بيان منهجي هذا الذي سلكته في مراسلاتي لكم ، ولا التعريف بخصائصه ، ولكني أذكر بعض معالمه ، لينتفع بها ولدي العزيز، حين يقرأ رسائلي إليه ، أو إلى سواه ، ولعلي أوضح منهجي ، وأذكر معالمه وخصائصه ، يوم أقدم رسائلي هذه للنشر ، وأرجو أن يكون ذلك قريباً -إن شاء الله- .

ولدي ..

قلت لك في رسالتي الأولى : انك من الشباب الذين يعقد الإسلام عليهم الأمل ، ويعدّهم للمستقبل .

وهذه الكلمة وحدها تكفي للدلالة على سمو المنزلة ، وكبر المسؤولية في وقت واحد .

ان دين الله إنما يعقد الأمل على ذوي الطاقات القوية من أبنائه، يريد ان يجعلهم في الطليعة من دعاته ، وفي الرعيل الأول من حماته، وأنها لمنزلة سامية ، ما في ذلك من شك .

ولكن هذه المنزلة تستتبع مسؤولية كبيرة ، فهو يريد منهم إنجاز المهمة التي نيطت بهم ، وتصديق الأمل الذي علّق عليهم .

ثم إذا أتمّ الداعية شوطه ، وأنجز مهمته ، ارتفع إلى منزلة أسمى، والى مسؤولية أكبر ومهمة أعظم ، وهكذا يرتقي ، وترتفع منزلته، وتعظم مسؤوليته كلما سار شوطاً ، وقطع مرحلة .

أما الفوز الذي يسجله الإسلام له في نهايات الأشواط ، والذي به يحرز السبق ، وينال الجزاء في الأولى والعقبى ، أما هذا الفوز فهو بقدر ما يبذل في الله من جهد ، وما يتحقق له من إخلاص ، وهذه حقائق غير خفية من دين الإسلام ، ولكني أوردها لنستذكرها في ميادين عملنا لله .

والشباب أيها العزيز- طاقات جبارة تثمر الخير ، وتسعد الأمة إذا زودت بالإيمان ، وثبتت بالعقيدة ، وهذبت بمناهج الإسلام ، وعرفّت مبادئه وغاياته ، وهي على الضد من ذلك- تثمر الشر، وتبتغي الهدم ، إذا تركت للتيارات الملحدة ، تملؤها بالسموم ، وتطلقها للتدمير .

وأنتم فصائل الشباب المؤمنين مفاتيح هداية الجيل ، وأدلة رشده ، فلابد لكم من الشعور بمسؤوليتكم ، ولابد لكم من الاستعداد لها ، والله في عونكم وعون العاملين في سبيله .

 

*  *  *

 

ولدي .. ولنعد بعد هذا إلى رسالتك ، إلى سؤالك الثاني حول قوله –سبحانه-:

)وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً .( .

قلت : ان البعض يتهم المجتمع الإسلامي من خلال هذه الآية- بالتأخر المادي الفظيع ، ففيه كما تقول الآية- مسكين ويتيم وأسير، والكل بلا مسكة من طعام .

والروايات التي ذكرت سبب النزول ، حدّثت أن علياً A حين أطعمهم بقي بلا طعام كذلك ، وهذا يدل على فقر شديد ، وهو ينافي ما يقوله دعاة الإسلام من أنه يوجب الرفاه للبشرية ، وإذا صحّ ذلك، كان من المستحيل قيام مجتمع إسلامي مرفّه في عصرنا الحاضر .

ثم قلت : فإذا قلنا لهم : ان الخيرات في ذلك العصر كانت قليلة، حيث لم يوجد نفط أو معادن . قالوا : ان المدنية بشكلها ومتطلباتها اليوم تختلف عنها بشكلها ومتطلباتها في ذلك العهد ، من حيث بناء الدور والآلات والأدوات ، فتصبح المسألة نسبية ، ولا نخرج بحلّ .

ويبدو أن هذا البعض الذي نقلت عنه هذه التهمة لا يفرّق بين الإسلام والمجتمع المسلم ، ودعاة الحق إنما يقولون والأدلة كثيرة موفورة على صحة ما يقولون-: ان الإسلام يكفل الرفاه للبشرية، ويوجب لها الحياة الهانئة إذا اتبعت سبله في تنظيم الحياة ، وطبقت مناهجه في الاقتصاد ، ونفّذت تعاليمه في التكافل والاجتماع .

وواضح جداً ان المجتمع -أي مجتمع- لن تتحقق له هذه الغاية إلا إذا واتته الفرصة ، فطبّق هذه المناهج كلها غاية التطبيق ، واستثمرها أتم الاستثمار .

وقد لا تواتيه الفرصة لذلك ، لضرورات اجتماعية أو اقتصادية أو حربية ، يضطر معها إلى إيقاف بعض الأنظمة عن التنفيذ ، ويخضع لحكم الضرورة الراهنة علاجاً للمشكلة ، وتقديماً لأشد الضرورتين .

وواضح كذلك ان حكم الضرورة لا يتخذ منه قياس ، ولا تبتني عليه قاعدة إلا لضرورة مثلها .

وهذه هي الحالة الراهنة في العصر الأول للإسلام .

العصر الذي أنزلت فيه الآية الكريمة ، ووجّه ذلك البعض تهمته من خلالها إلى الإسلام ، والشواهد على ذلك من التاريخ ، ومن النصوص الأدبية ، ومن الشعر العربي ، كثيرة وصريحة .

نعم ؛ هذه هي الحالة الراهنة في ذلك العصر ، فإن المجتمع العربي في زمان الجاهلية -وعرب الجزيرة على الخصوص- كان من أشد المجتمعات تأخراً في الاقتصاد ، وفي ميادين الحضارة الأخرى ، وقد أكثر المؤرخون والمحللون في بيان ذلك وتعليله ، وذكر الشواهد عليه ، حتى لم يتركوا مجالاً للشك فيه ، وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إليه .

وقد كان في مكة والطائف والمدينة أفراد يذكرون بالثروة ، ولكن ليس معنى ذلك تحسّن الحالة الاقتصادية في هذه البلدان ، بل معنى ذلك توفّر الثروة النسبية عند أشخاص معينين من أهل هذه البلاد، ويقابل ذلك فقر حالك أسود عند الناس أجمعين .

فقر اضطر كثيراً من القبائل أن تقتل أولادها خشية إملاق ، وأن ترتكب الجرائم والموبقات لتحصل القوت .

وحتى بعد إيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف ، فإن نتيجة ذلك تهيؤ القوت للبعض فقط ، لا للعرب ، بل ولا لقريش أجمعين .

وأشرق الإسلام في تلك الربوع ، ومرّت من عمره الكريم ثلاثة عشر عاماً في مكة ، قضاها الرسول (ص) في تبيين العقيدة ، وتثبيت الرسالة ، وفي الكفاح الذائب دون الدعوة ، ودون الضعفاء الذين اعتنقوا الدين ، ولم يستطع الإسلام في هذه البرهة ان يقول في ميادينه الأخرى كلمة ، أو يشير إلى غاية .

ثم هاجر الرسول (ص) إلى المدينة لينشر دعوة ، ويبني مجتمعاً، ويؤسس دولة ، ويقيم حكماً ، ويشرّع نظاماً كاملاً شاملاً ، ينظم الدولة ويوجّه الحياة في شتى الحقول ، وشتى المجالات ، ويسعد البشرية من أقصاها إلى أقصاها ، ويكفل لها بحل كل معضلة ، وجواب كل مسألة .

وأتمّ الإسلام كلمته في كل أولئك ، وأوفى بوعده على أتم وجه، وفي أنصع صورة .

نعم ؛ ولكن الضرورات القائمة الملازمة لم تمكّن الإسلام من تطبيق بعض مناهجه .

ومن مناهجه الفريدة التي لم تطبق ، بعض أنظمته في الاقتصاد، وتعمير الأراضي الصالحة للتعمير، وتشغيل الأيدي التي تستطيع العمل، واستثمار الموارد القابلة للاستثمار .

فإن الحروب التي اضطر الإسلام إلى إعلانها للدفاع عن الدعوة، ونسف السدود التي تقام في وجهها ، ثم لتثبيت قدم الدولة ، وصد العوادي عنها ..

إن هذه الحروب الدائمة الشديدة منعت الدولة الإسلامية عن التوجه إلى أي فكرة من هذا القبيل ، وشغلت المسلمين عن التفرغ لأي عمل .

ويكفي للدلالة على ذلك حدوث ثلاث وثمانين غزوة في مدة لا تزيد على عشر سنين !، فالمسلمون في تأهب دائم ، والدولة في تعبئة مستمرة ، والقيادة في شغل متصل .

هذه هي الحالة الراهنة في عصر الإسلام الأول ، ومن أجل ذلك فلم يستطع الإسلام تغيير الحالة الاقتصادية ، ورفع المستوى المادي ، إلا بمقدار تسمح به الضرورة ، وترك الأمر للأيام المقبلة .

للدولة الإسلامية يوم تتخلص من الضرورات ، وتطبق مناهج الإسلام كاملة غير منقوصة ، وتحقق الرفاه الكامل ، والحياة الطيبة للمجتمع المسلم .

والعلاج المستطاع في أبّان تلك الضرورة أن تبثّ روح الإحسان في الأمة ، وتعوّد أفرادها على المواساة والإيثار ، فيحسن من يملك إلى من لا يملك ، ويواسي من يجد القوت من لا يجد ، ويؤثر من يستطيع الصبر على الخصاصة من لا يستطيع ، ويطعم الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير ، ويشد القائد الأعلى للأمة حجر المجاعة على بطنه، ليقتدي به الفقير فيصطبر ، ويجهر بها خليفته وإمام الأمة من بعده فيقول في أحد كتبه :

(ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في قرص، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى) .

ويقول : (أأقنع من نفسي بأن يقال : أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش) .

هذا هو العلاج المستطاع ريثما ترتفع الضرورة ، فتطبق المناهج ويعمّ الرفاه ، والعيشة الراضية .

عزيزي : أرأيت ؟، أرأيت؟ .

ان ذلك البعض الذي أتّهم الإسلام تلك التهمة لم يفرق بين الإسلام ذاته والمجتمع المسلم ، ومثاله في ذلك مثال الآخرين الذين يتهمون الإسلام بالتأخر الخلقي ، وهم ينظرون إلى واقعنا نحن الذي نعيش فيه ، على فارق عظيم بين واقعنا الفاسد وواقع ذلك العصر الكريم .

هكذا تكال التهم كيلاً من أناس يؤسف لهم ، لدين الله العظيم الذي يريد إسعادهم .

ولعل الثقافة تتسع ، فتزول الرواسب ، وتنقى الضمائر ، وتأخذ الأحكام مجراها الصحيح ، ونرجو أن يكون ذلك في يوم قريب ، وما ذلك على الله بعزبز .

وأكرر لك تحياتي وأشواقي .

 

 

 

(29)

معاذير . مقطع من سورة ق . حقائق شاخصة . الحديث في سابق هذه الآيات . تفسير المقطع . عبر وعظات .

 

النجف - 4/ رجب / سنة : 1384هـ

ولدي المهذب …

سلام الله عليك ورحمته وبركاته .

تناولت رسالتك ، ولمست عواطف البنّوة البرة فيها ، ودعوت الله لك بدوام التوفيق .

ذكرت فيها لقاءك إياي قبل أسبوعين على أعتاب الحرم المطّهر .

نعم ؛ التقيت بك -أيها العزيز-، وكانت كل ظاهرة مني ومنك تدلني على أنك هو .

ولكنّها –كما تعلم- فراسة وحدس ، وكثيراً ما يخطئان ، وقد أحببت تصديقهما .

وذكرت -في ضمن منهاجك العملي- أنك بالغ الحرص على حضور مجلس الشيخ (……) والإفادة منه ، وقد سرّني كثيراً أن يكون هذا الفاضل موضع ثقتك ، ومصدر إفادتك .

وطلبت مني -في آخر رسالتك- أن أختار لك مجموعة من الآيات الكريمة القويّة التأثير ، التي تصف الجنة وما فيها من نعيم ، والأخرى التي تصف النار وما فيها من جحيم ، مع شرح بسيط للغريب من مفردات الألفاظ .

وقد وردت عليّ أمنيتك هذه -أيها العزيز- وأنا في ضائقة من الشواغل ، فماذا أعمل ، وماذا أصنع ؟ .

فهل تعلم أن بين يديّ أكثر من عشرين عملاً يتطلب الإنجاز ؟ .

وفي ضمن هذه الأعمال أكثر من ثلاثين سؤالاً ينتظر الجواب ؟ .

وان بعض هذه الأسئلة يفتقر إلى أكثر من خمس صحائف في الشرح والتعليق ؟ .

هل تعلم أني منذ شهرين كاملين ، لم أكتب جملة واحدة في الحلقة الثانية من كتاب (الإسلام) ؟! .

ولدي ..

ولم أكتب إليك هذا لأعتذر ، فلستُ محتاجاً معك إلى معذرة، وطلباتك ومسائلك في قمة الأعمال التي أهتمّ بها -ولله الحمد-، ولكنني كتبت هذا لأستمد الدعاء بالعون ، فإن الإنسان ضعيف لولا مدد الله وعونه ، ودعوة الشابّ المؤمن من أقرب الدّعوات إلى الله وأحراها بإجابته .

ومع رسالتي هذه كتاب (الجامع) ، وقد اخترته لك لأنه يتكفّل لك بهذا النّوع من الأغراض التي تتطلب مصادرها من القرآن .

وستجد آيات الجنة في العناوين الواردة في صفحات (387) و(135) و(145) .

وآيات النّار والأهوال في العناوين المذكورة في صفحات (383) و(363) إلى (382) ، و(502 إلى 532) و(548 إلى 551) .

تجد الآيات التي تطلبها مجموعة في هذه العناوين فاختر منها ما أحببت .

وطلبت لك مصدراً أعتمد عليه في شرح الغريب من ألفاظ القرآن، وقد تعذّر علي الآن وجوده في المكاتب ، بعد أن فحصت عنه أياماً ، ولم أعثر إلا على كتاب (البيان) للمرحوم الشيخ قاسم محي الدّين .

وليس معنى إرسالي لهذا الكتاب أنني أرتضي لك كل ما فيه، ولكنه المصدر الذي لم أجد سواه ، على أن الكتاب فيه جدوى كبيرة، فافحص فيه ، وأنت –بحمد الله- تملك ذوقاً ناقداً أديباً يميّز بين الطعوم، ويمكنك أن تستعين ببعض كتب التفسير متى التبس عليك شيء منه ، أو بأحدٍ تعتمد عليه من حملة العلم .

ثم ماذا ؟ .

ثم لأقف معك على نموذج واحدٍ مما تبتغي .

على مقطع واحدٍ من آيات الكتاب التي تذكر النّار ، ومقطع واحد من الآيات التي تصف الجنة .. على مقطعين فقط ، وليكونا من سورة واحدة هي سورة … (ق) .

هي هذه السورة التي ما مررت بها إلاّ وقفَّ شعري وجرت …

هذه السورة الرّهيبة التي تحضر الهول إحضاراً ، وتجسدّه تجسيداً، وتصّك السمع ، وتذري الدّمع .

ووددت لو تناولت السورة بكاملها من ابتدائها إلى ختامها ، فإنها تؤلّف وحدة متصلة الأبعاض ، ولكن من لي بذلك ؟ ، وكيف لي؟، ولعلّ الله يوفقني له بعد حين .

ولدي ..

لنتل تلاوة قبل أن نشرع في الحديث عنه ، لنفيد من عرض القرآن ذاته ، ومن زجره ، ومن إيقاعه ، ومن إيحائه وإيمائه ما لا يبلغه الشرح ، ولا توفيه العبارات .

أقرأ معي -أيّها العزيز-، وإن استطعت فبلفظ مسموع ، وبصوت خافت ، متقّطع ، يعين على التدبّر ، ويدفع إلى الاعتبار :

)وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ .. وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ .

)وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ، ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ .

)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ، ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ .

)وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ .

)وَقَالَ قَرِينُهُ : هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ .

)أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ، مُعْتَدٍ ، مُّرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ .

)قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ .

)قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ . مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ .

)يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ : هَلِ امْتَلَأْتِ ؟ .. وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ .( .

ولدي .. أرأيت ؟ ، أرأيت ؟! .

إنها ليست معاني يُحضرها لفظٌ يتلى ، ولكنّها حقائق شاخصة، ماثلة ، محسسّة ، يبعثها وحي القرآن في روع الإنسان .

حقائق كالحة مرعبة ، تتقّد هولاً ، وتتفّجر رعباً !! .

أرأيت خالق الإنسان ، ومليك أمره ، وعالم ما توسوس به نفسه، وربّ الحياة والموت ، والحشر والنشر ، يعرض مواقف الحشر في قرآنه ، كما يعرضها -بعد هذا- بقدرته ، فتمّر خاطفة عاصفة ، مع مرور الكلم ، ومع تسلسل السياق !! .

m وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِn .. mوَنُفِخَ فِي الصُّورِn .. وجاءت كل نفس.. ومع كلّ نفس سائق .. ومع كل نفس شهيد .. وكشف الغطاء.. وتعرّت الحقائق .. وبدأ التخاصم والتلاوم ؟! .

أسمعت الأوامر ننحدّر من ولي الأمر : ألقيا في جهنم .. ألقياه في العذاب الشديد .. لا تختصموا لديّ . ما يبدل القول لديّ ؟! .

والناس تتهاوى إلى القعر .. وجهنم تتلّوى وتتلّظى .. والأوامر تترادف : ألقيا ، ألقيا .

وأخيراً ، أسمعت قولة الله العظيم العليم لجهنم : هل امتلأت ؟.. ثم قولتها الرهيبة الشديدة : هل من مزيد ؟! .

ولدي ..

لقد انحرف القلم بي إلى منهج العبرة ، وقد كنت أردت التفسير، ولعلّي أعنتّك بهذا التحوير .

 

 

*  *  *

 

والحديث في سابق هذه الآيات عن فئة من النّاس ، تنكّرت لفطرتها ، ولموازين التفكير المستقيم في عقولها ، فعجبت مما لا داعي إلى العجب منه ، وأنكرت ما لا مساغ لإنكاره .

)عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ( ، وما موجب العجب في ذلك ؟ .

أليس مقتضى الحكمة أن يكون نذير القوم منهم ، لأنه أبصر بأدوائهم ، وأحرص على نجاتهم ، وأقدر على إفهامهم ؟ .

وفي سورة الإسراء : )قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً .( .(الإسراء : 95)

وأنكروا عود الحياة بعد الموت ، فقالوا : )أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ، ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ .( ، وما سبب الإنكار بعد أن وجدوا بملء عقولهم، وملء أبصارهم ، دلائل القدرة على الابتداء ؟ ، وهل يرتاب عاقل في أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ؟! .

و)كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ( ، ودلائل إثباته ماثلة في كلّ وجه، وفي كلّ صوب ، في بناء السمّاء ، وفي زينتها ومالها من فروج ، وفي مدّ الأرض ، وإلقاء رواسيها ، وإخراج نباتها ، وفي تنزيل الماء ، وتجديد النّبات ، وتصنيف الثمرات .

كذبّوا بالحق ، وكذّبت قبلهم فئات أخرى من أصحاب القلوب الغلف ، فنالوا مغبة جحودهم ، وسبيل من تأخر من الطاغين هو بذاته سبيل من تقدم منهم ، فلا محيد من أن يحّق عليهم الوعيد كما حقّ على أولئك .

هكذا يولع الإنسان بإنكار الحق ، وان كانت شواهده ملء السماوات والأرض ، وملء الأكوان والأزمان ، ويولع بتكذيب حقائق الدين كلّها ، وتكذيب عقيدة البعث منها على الخصوص ، وان كانت تتهدّده بالخطر ، وتنذره بالبوار ! .

لعله يتوهّم أنّه مخلّى السرب ، حرّ من التبعة ، لا سلطان عليه ، ولا رقيب على عمله ، ولا مطّلع على سرّه .

وما أسخفه وهماً !، وما أضعفه واهماً ! .

فقد خُلق وأنشىء ودبّر ، وانه ليعلم ذلك حق العلم ، ولم يكن مخلى السرب ، حراً من السلطان في ذلك كله ، ولو كان مخلّى لا رقيب عليه ، ولا مطلّع على أمره ، لما بلغ الكمال الذي يعتزّ به ، ولم يعرف أكثر آفاقه حتى اليوم .

 

*  *  *

 

mوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَn ..

والإنسان ذاته ، مهما تقلبت به التصورات لا يشك في أنه كائن حادث ، ولا يشك في أن لوجوده سبباً مؤثراً ، فلا شيء يحدث من لا شيء ، كما تقول الفطرة ، وكما يعترف العلم .

وإذن فلا محيد من أن يكون عليه سلطان .

سلطان العلة التي كوّنته ودبّرته ، واستقلّت في ملكه وتصريفه وتدبيره ، ولا مخرج له أبداً من قبضتها .

وشيء غير ذلك ، وهو أن خلق الإنسان نعمة ، يتحتم عليه من أجلها طاعة الموجد ، وشكر نعمته ، وهذا هو سلطان الدين ، كما أن ذلك هو سلطان التكوين .

mوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَn بجملته وأبعاضه ، ومتنّوع أجهزته ، وظاهره وباطنه ، وأمددناه ... أمددنا جملته وأبعاضه وأجهزته ، وكل وحدة من عناصره وطاقاته بالتدبير المتّصل ، والمدد المتتابع ، في كل آن من آنات حياته ، ولو أننا قطعنا المدد والتدبير عنه آناً ما لتداعى بناؤه ، وتمزق شر ممزق .

أفلا يدّله هذا التدبير على علم شامل ، محيط بخفايا الإنسان وطواياه ، وعلى رعاية دقيقة مستمرة لحركاته وسكناته .

mوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ .. وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُn

وما وسوسة النفس ، وما خلجات القلب ، وما ذات الصدر ، وما أسرار الضمير ، وما همسات الشعور ، وما رعشات العاطفة ؟ ..

أليست هذه كلّها لا تسنح إلا بتدبير ، ولا تجري إلا بتقدير ؟، فكيف تخفى على خالق الإنسان ومقدره ؟! .

والوسوسة هي الصوت الخفي ، فإذا أضيفت إلى النفس أو القلب أو الصدر وما إليها ، أريد بها الخطرات والتصورات والأحاديث التي تمّر بها .

mوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ .. وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .n

والوريد مجرى الدم في الجسد ، وقد ينصرف إلى الموجود منه في العنق خاصة ، والكلمة مثلٌ يذكر للشيء لشدة قربه ، وخالق الإنسان ومركب جزيئات دمه ، ومقدّر دورته ومجاريه في بدنه ، أقرب من كل قريب إليه .

وماذا بعد هذا السلطان العظيم المسيطر ، الذي لا ينّد الإنسان عن قبضته ، وهذا العلم الدقيق الذي أحاط حتى بخطرات وهمه ، وهمسات قلبه ، وهذه الرقابة الشديدة الدائمة القريبة ، التي لا تشذ عنها حركة من الإنسان ، ولا كلمة ، ولا نية ؟ .

ما بعد ذلك كلّه ، إذا كان هذا الرقيب هو الحسيب ، وهذا الشهيد هو الحاكم ؟ ، وما حاجته إلى رقابة وشهادة أخرى ؟ ، وما ضرورته إلى تسجيل وتدوين ؟ .

ولكنّه التشدد في الأمر ، والدّلالة على ضخامة المسؤولية ، والتأكيد على وجوب الحذر ، ووجوب اليقظة ، واتخاذ الأهبة ، فوراء كل أولئك ملكان مع كلّ إنسان ، مهمّتها رقابة أعماله وأقواله ، وإحصاء كل صغيرة وكبيرة منه ، وتدوين كل حركة أو كلمة :

mإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ ، عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌn .

متلّقيان يقظان ، يرقبان بأمانة ، ويسجّلان بدقّة ، فكّل واحدٍ منهما لمهمتّه الخاصة المنوطة به قعيد عتيد .

والقعيد : الملازم ، والعتيد : الحاضر المعدّ .

mوَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ، ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُn .

ولدي ..

ماذا اكتب في شرح هذه الآية ؟ .

إن القلم ليجمد ، وان القوى لتخور ، وان الحركة لتسكن .

إنها لسكرة الموت .. ، وإنها للحق اليقين .. ، وإنها ما كنت منه تحيد .. ، وهل يملك أحد من المخلوقين أن يحيد ؟! .

ولدي .. مرت الحياة .. وختم العمل .. وانقضت الرقابة.. وطويت الصحيفة … وجاءت سكرة الموت بالحق !! .

مرت الحياة ذات الصخب واللجب ، كما تطرف العين ، وكما تلمح ، وكما ينتقل السياق الكريم من آية إلى آية ، وإنها لفترة جد قصيرة .

بلى ؛ وما الحياة سوى لحظة ، وما الدنيا كلّها سوى لحظة ، وستفنى هذه اللحظة إذا جاءت سكرة الموت بالحق .

ومرت سكرة الموت كما مرت فترة الحياة ، وكأنها لحظة .

mوَنُفِخَ فِي الصُّورِ ...... ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِn .

يا للهول . ويا للدهشة . ويا للقلوب الذائبة الذاهلة المدهشة من إعلان هذا النفير !! .

ان الآية تفعل بالقلوب ما يفعله نفخ الصور .

ويوم الوعيد لابّد فيه من إعلان هائل يبلغ الجمع ، ويوقظ الحياة، ويرج أقطار الأرض ، ويعرّف الناس وهم يبعثون من قبورهم : انه اليوم الذي كانوا يوعدون ، ونفخة الصور أول أهوال اليوم ، وأول زلزلة الساعة ، وأول مبادىء العرض .

إلى الحشر ، إلى الحشر .. إلى الله ، إلى الله .. أيّها المبارزون لله، المنغمسون في معاصيه .

إلى الحشر ، إلى الحشر .. إلى الله ، إلى الله .. أيّها المستكبرون عن طاعته ، المكذّبون بوعيده .

mوَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌn ، مهطعة ، مسرعة، شاخصة من الفزع ، ناكسة من الذلّ ، والسائق من خلفها يدعّ، والشهيد بين يديها يسعى ، وهل تملك أن تتخلف إذا لم يكن سائق، وهل تستطيع أن تجحد إذا لم يكن شهيد ؟! .

وهبط التقريع مجلجلاً ، مدّوياً ، يشدّد الهول ، ويضاعف المحنة:

mلَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌn .

والغفلة لا تجد سبيلها إلى القلوب الحيّة اليقظة ، التي تنظر بموازين الفطرة ، ومقاييس التفكير السليم ، وإنما تجد سبيلها إلى القلوب المحجوبة ، التي يصرفّها الهوى ، ويمتلكها حبّ اللذائذ ، وتجلّي الحقائق يزيل الغباء ، ويكشف الغطاء .

والبصر الحديد : هو القوي الحادّ الذي ينفذ إلى المرئيات البعيدة والدقيقة .

 

*  *  *

 

ويمر السيّاق -كما هو- سريعاً خاطفاً ، فلا يصف عرضاً ، ولا يذكر سؤالاً ولا إثباتاً ، فالأعمال مدونة مثبتة ، والنتائج واضحة معلومة ، وليس سوى الحكم ، وليس سوى التنفيذ .

ووجه ذلك : أن الحديث –كما قلت- عن فئة أنكرت الحق، واستهانت بالأمر ، وتجاهرت بالإنكار والاستهانة ، ولا موقع معها لسؤال ، ولا حاجة لبينة ، ولا تملك أعمالا صالحة إلى جنب أعمالها السيئة فتنصب لها موازين .

وابتدر قرينه : ملكه الذي لزمه طوال حياته ، وضبط عليه ديوان أعماله .. ابتدر وبيده الكتاب ، ينشره بين يدي ربّ الأرباب :

 mوَقَالَ قَرِينُهُ : هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌn .

والإنسان دهش حائر ، قد برق بصره ، وانخلع قلبه ، وهو لا يملك حجة ، ولا يؤذن له في قول .

وأعلن الحكم ، وقرر التنفيذ :

mأَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ . مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ ، مُعْتَدٍ ، مُّرِيبٍ . الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ .

إنها صيغة حكم كاملة ، تتضمن الحكم ، وتعين الموضع ، وتوضح التعليل ، وتقرّر التنفيذ .

والملكان المأموران بالإلقاء لا ينتظران وراء هذه الكلمة شيئاً ، لقد حقّت غضبة الله ، وضاقت رحمته عن هذا الإنسان ، فماذا ينتظران ؟ .

وجهنم فاغرة فاها ، تتغيظ ، وتزمجر ، وتلقف ، وتبتلع .

وألقي وهو يعجّ ، والتقمته النار وهو يستغيث ، وغلل وصفّد وهو يسترحم ويدعو .

وأنزلت الكلمة الغاضبة الناقمة ، التي تقطع الرّجاء ، وتميت الأمل، تجيبه وتجيب الصارخين في النار معه :

)اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ .( .(المؤمنون : 108)

وmقَالَ قَرِينُهُn ، والقرين هذه المرة شيطان كان يغويه في حياته الدنيا، ثم قرن إليه هاهنا في العذاب الشديد .

وmقَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍn .

والسياق يدّل على ان الإنسان يريد أن يحمّل شيطانه هذا بعض تبعاته ، لأنه سبب طغيانه ، والشيطان يتبرّأ من ذلك ، ويروم التخلص بهذا القول .

وتأتي الزجرة المرعبة تخمد الأنفاس ، وتبطل الحجج :

mلَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِn ، انتهى كل أمر، واحتمل كل تبعة عمله ، ولقي جزاءه ..

mمَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِn .

ثم يختم السياق هذا المقطع بهذه الآية التي ترعد الأوصال ، وتذيب الأكباد :

mيَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ : هَلِ امْتَلَأْتِ ؟ .. وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍn .

وسواء أكان ذلك حواراً يقع بين جهنم وخالقها ، ام مثلاً يضرب لسعتها وشدّة نهمها ، فانه أمر مخيف مرعب ، يستوجب الحذر ، واتخاذ الحيطة .

ولدي ..

لقد طال الحديث على هذا المقطع وتنوّعت الآلام بتنوّع محاوراته ومشاهده ، فلأختم رسالتي هذه بختامه ، وسأوافيك -إن شاء الله- في رسالة ثانية عن المقطع الثاني ، وآمل بإذن الله أن نلتقي فيها على ابتسامة.

لقد أطلت الحديث ، لأنه درس عملي في التربية القرآنية ، وقد رغبت ان أؤدّي فيه حقوق البنوة ، ورجوت أن تتخذه منهجاً عملياً في دراسة الآيات التي تطلب .

ومن الله –سبحانه- أسأل لك دوام التوفيق منه ، ومزيد الرغبة فيما عنده ، وتقبل تحيات أبيك .