(30)

حديث الخشية من الله -على شدته- شهي لذيذ. مقطع آخر من سورة (ق) . من طرائف القرآن . كيف يتلو الأديب آيات القرآن ؟. مقارنة بين المقطعين . تفسير المقطع . موعظة وذكرى .

 

النجف – 12/ رجب / سنة : 1384هـ

ولدي …

سلام الله عليك ورحمته وبركاته ، مع سؤالي ودعائي .

لعلّي أعنتك في رسالتي تلك ، فقد كان الحديث فيها مرهباً مرعباً، وماذا أعمل أنا ؟ ، فالحقيقة القرآنية التي تحدثت عنها في الرسّالة كانت مرهبة مرعبة .

غير أن العنت في أمثال هذه الحقائق محبوب لي ولك على سواء، وحديث الخشية من الله -على شدتّه- شهي لذيذ ، وليس ألذّ من دمعة خفية يذريها خوف الوعيد ، وليس أقرب إلى الله من موقف يرى فيه عبده قد تأثر لزجره ، فحنّ قلبه ولوعاً ، وفاضت عيناه دموعاً .

إنها دروس التربية القرآنية –أيها العزيز- تصهر المسلم لتنفي عنه الأدران والأخباث ، وهل تفعل ذلك إلا حين تتخذ هذا السبيل ؟ .

‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.لقد أطلت الحديث في تلك الرسالة ، فاسمح لأبيك إذا اختصره في هذه ، فقد قلت لك : إنني في ضائقة من الشواغل .

 

*  *  *

 

والمقطع الثاني -الذي وعدتك بتفسيره في هذه الرسالة- جزء متممّ للمقطع الأول ، الذي قدّمت لك الحديث فيه ، قرنهما السياق القرآني جنباً إلى جنب ، ومنظراً إلى منظر ، والوصف العام للمحشر ومواقفه ونتائجه لا يتم إلا بهما مقترنين .

ومن الطرائق التي يكثر استعمالهما في القرآن ، في أحاديثه عن الجنة والنّار ، أنه يشفع ذكر احداهما بذكر الأخرى .

فإذا ذكر النّار أردف لها ذكر الجنّة ، وإذا وصف الجنة قفّى عليها بوصف النّار ، حسب اقتضاء المورد ، ولعّل هذه طريقته في غالب تلك الأحاديث .

ومن آثار هذه الطّريقة الحكيمة ، أن اقتران وصف العذاب الشديد المبيد بوصف النعيم العظيم غير المحدود ولا المنكود ، يبعث في شعور المسلم مزيجاً قوياً متعادلاً من الخوف والرجاء ..

من الرهبة الشديدة التي تمنعه أن يتردّى في بؤرة أو يفكّر في حطّة، والرغبة البالغة التي تدفعه دفعاً إلى السبق في مضامير الخير ، والارتقاء إلى معالي الأمور ، وتعادل هذين الخلطين القويين في نفس الإنسان يصوغ منه المسلم الحق ، ويجمع له كل ما يبتغي الإسلام من صفة حميدة، تؤهّله لكل مقام كريم ، وهذا أحد مناهج التربية في الإسلام .

ومن جدوى هذه الطريقة : أن اقتران منظر النّار وأنكالها وأغلالها وطعامها ذي الغصّة ، وشرابها الحميم ، وعذابها المقيم ، بمنظر الجنة الوارفة الظلال ، المطرّدة الأنهار ، الموفورة الهناء ، المستكملة السعادة ..

أن اقتران هذين المنظرين –ذاته- عذاب شديد لأهل العذاب، ونعيم كبير لأهل النعيم ، فان رؤية السعادة الكاملة تضاعف من شقاء الشقي ، ونظرة الشقّاوة الشديدة تزيد في سعادة السعيد ، وفي القرآن الكريم مشاهد ومحاورات بين أهل الجنة وأهل النّار تجري في هذا السبيل .

 

*  *  *

 

ولدي ..

لنتلُ‌ المقطع الكريم قبل أن نبحث عن مدلوله ، فقد جرّبنا هذه الطريقة فأفدنا من نفعها الخير الكثير .

لنتل المقطع بصوت مسموع –كما صنعنا أول مرة-، ولنتحسّس أجراس آياته ونبراتها وذبذباتها ، ولنتبين مواقع الإشارة ، ومدلول العبارة ، ومن أحرى من الأديب بهذا التفكير ؟ .

ولي الفخر أن اعترف –ها هنا ، وفي هذه المناسبة- بأن جزءاً مهماً من أدبي أنا مدين به للتفكير في أدب القرآن .

وبعد ، فهي نصيحتي لكّل شاب أتوسم فيه الخير .

أقرأ معي أيها العزيز :

)وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ . لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ .(

أرأيت ... أسمعت ؟ .

إن السياق يحتفظ بمقوّماته الأصلية المشتركة بين المقطعين ، ولكن الفارق بينهما كبير خطير ، هو الفارق بين منظر الجنة ، ومنظر النار .

ان السيّاق يمرّ –كما هو- سريعاً عجلاً ، يطوي المراحل ، ويلّف التفاصيل ، ليلحق كلاً من الفريقين بنهايته ، ويوفّيه حسابه ، ولكن الإعجال لأولئك شقاء ومهانة ، ولهؤلاء إسعاد وتكريم .

يمّر كالحاً ، لافحاً ، متجهّماً ، يسوق بين يديه حشوداً هائلة من البشر ، حتى يوقفهم على شفير الهاوية ، ثم يلقي بهم أكواماً وأكداساً، وجهنّم تأكل الوقود وتطلب المزيد .

ثم يلتفت إلى اليمين … إلى المتقين .

إلى الوجوه المشرقة بالنور ، الباسمة بالرضا ، المطمئنة بالكرامة .

يلتفت إليهم باسم الثغر ، متهلل الوجه ، مشرق الأسارير ، يستقبلهم بالبشرى ، ويبتدئهم بالترحيب والتكريم ، ويشير لهم إلى المنازل الكريمة ، والجنان الرفيعة .

mوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَn .

يا للكرامة .. ويا للفوز .. ان الجنة أزلفت لهم إزلافاً : قرّبت إليهم وأدنيت ، لئلا يتكلّفوا السعي إليها ! .

ان الجنة –ذاتها- هي التي تستقبلهم ، وأملاك الرحمة ، وخزّان الجنة على الأبواب تحييّهم ، وترحّب بهم ، وحور الجنة وولدانها وأطيارها وأنهارها تهتف لهم ، وتتباشر بمقدمهم ، فعلى كل شيء بهجة ، وفي كل قلب فرحة ، وبكل فم بسمة .

ومالك الجنة وخالقها يعلن رضاه عنهم ، ويعدهم بتوفية أمنياتهم، وإعداد المزيد لهم .

ويبدو أن المشهدين اللّذين يعرضهما السياق : مشهد أصحاب الشمال وهم يساقون من قبورهم إلى الحشر ، ثم من محشرهم إلى النّار، ومشهد أصحاب اليمين وهم يرفعون إلى مراتب الكرامة ، وينالون أنواع التبجيل ...

يبدو أن المشهدين ليس بينهما ترتب في الزمّان ، فإن (واو) العطف التي ربطت بين جمل السياق لا تدل على ترتيب ، فبينما كان أولئك يتقاذفهم الهول ، وتتراماهم الشدائد ، كان هؤلاء يستقبلهم النعيم، ومظاهر التكريم ، ولكن السياق ذكر أصحاب النّار –أولاً- لأن الحديث كان عنهم منذ بداءته .

mوَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍn .

ان تكريم المتقين لا حاجة فيه إلى إعلان حكم ، وتقرير تنفيذ ، فازلاف الجنة ، وتقريبها إليهم أبلغ من إعلان الحكم وتنفيذه، وليستقبلوا بكلمات الرضّا من إلههم وخالقهم ، فإنها أبلغ في التكريم من إزلاف الجنة :

mهَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ . مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍn

وهذه هي الصفات التي وعدوا من أجلها بالجنة ، واستحقّوا الرضوان .

والأوّاب : الرجّاع إلى الطاعة مهما صرفته الصوّارف .

والحفيظ : شديد المحافظة على امتثال ما أمر الله به ، شديد التحفظ عن الوقوع في معصيته .

ومن خشي الرحّمان بالغيب : من راقب الله حيث يأمن مطلعاً سواه ، وحذره حيث لا يخشى معاقباً غيره .

والمنيب : الراجع إلى الله ، التائب إليه من سيئ عمله .

mوَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍn قد استمكنت خشية الله في أعماق قلبه حتى وصلته بالله ، فواظب على طاعته والرجوع إليه ، وحتى وافى الله في حشره وهو موصول السّر والعلانية به .

mادْخُلُوهَا بِسَلَامٍn .. بسلام من كلّ آفة ، ومن كلّ فتنة ، ومن كلّ ما ينقص السعّادة التامة ، ويكدّر العيشة الراضية الهانئة .

mذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِn خلود الحياة فلا موت ، وخلود الكرامة فلا نقص ولا ضعة ، وخلود السعادة فلا شقاء ولا بؤس ، وخلود النعيم فلا غول فيها ولا هم عنها ينزفون ، وخلود الأمن فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون .

mادْخُلُوهَا بِسَلَامٍn ، يا للكرامة ، ويا للمجد والرفعة ، ان الله هو الذي يبتدئهم بالسّلام ، وملائكة الله تستقبلهم على أبواب الجنة بالسّلام ، وقد وصفها كتابه الكريم بأنها دار السّلام .

وينتهي المقطع بهذا الوعد ، وهذا الضمان :

mلَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا ، وَلَدَيْنَا مَزِيدٌn .

بهذه الآية الكريمة التي تضاعف لهم الحبور ، وتملأ نفوسهم بالغبطة وتضمن لهم أعلى درجات الفوز .

ليتمنّوا من اللذائذ والطيّبات ما شاؤوا ، وليدلّوا بأمانيّهم وطلباتهم ما اشتهوا وما رغبوا ، فكّل شيء لهم موفور ميسور ، ان الحبيب لا تحجب عنه أمنية .

ثم ما هي أماني الإنسان ، وما وفاؤها بالتكريم غير المحدود، وبالعطاء غير المجذوذ ؟، إنهم يستوجبون من الحباء ما هو فوق ذلك .

mلَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَاn من صنوف اللذائذ ، وأنواع الرغائب .

mوَلَدَيْنَا مَزِيدٌn مما لا يحيطون به علماً ، ولا يدركونه وصفاً .

ولفتة قرآنية حازمة أود أن أشير إليها قبل أن أختم الحديث .

ان المقطع –كما رأينا- يصور واقعاً حاضراً ، فقد أزلفت الجنة، واستقبل المتقون بالبشرى ، وبالترحيب وبالتكريم ، واستحقّوا النعيم والخلود ، ووعدوا بالمزيد .

ولكن الآية الثانية من المقطع : الآية التي يقدّم الله بها الجنة لأهل الجنة ، ويعلن بها رضاه عنهم ، ويعدّد موجبات استحقاقهم .. أقول : ولكن هذه الآية الكريمة تأتي بصيغة الفعل المضارع :

mهَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍn .

وإذن فالوعد لا يزال مستمرا ، والموعود به لا يزال مستقبلاً ، وإذن فالفرصة لكل عامل لا تزال باقية ، ومضمار السياق لا يزال مفتوحاً، فليعمل من يشاء أن يعمل ، وليحرز السبق ، وليفز بالغاية .

لقد طال الحديث وأنا أروم الاختصار ، لعّل ذلك لأنه حديث عن أهل الجنة ، ولعل ذلك لأنه حديث إلى ولد حبيب ، ولعّل ذلك لأنه حديث عن القرآن ، حبيب كلّ نفس ، وشفاء كل صدر ، ودليل كلّ رشد .

واستودع الله دينك ، وجميع مواهبك .

 

 

 

(31)

أمانة الله . الإسلام مفتقر إلى أقلام تكتب . قولة لبعض أدباء الغرب يهاجم بها الإسلام . حطة يهوي إليها الإنسان . لا يتعرضون لقوانين الدنيا إذا سنت العقاب على مخالفتها . صرخة الإسلام إنما هي صرخة النذير . إنذار البشر بالخطر ليدبروا .

 

النجف – 15/ رجب / سنة : 1384هـ

ولدي …… دمت ودام لك التوفيق .

سلام الله عليك ورحمته وبركاته .

وصلتني بالأمس رسالتك ، وتلوتها مغتبطاً بما فيها ، حتى في الضيق الذي تعانيه من نظام التعليم الجديد .

نعم ؛ حتى في هذا القفص الذي يحيط بك من الجهات ، فإنني أتوسم لك منه الخير الكثير ، ما دام الظن قد صدّقني في درجتك من الذكاء .

وصلتني رسالتك ظهر أمس ، وصممت على أن أدخل جوابها في تسلسل منهاجي للأعمال ، وهو -كما حدثتك- عنه منهاج طويل .

وكان التسلسل المنهجي قد انتهى بي إلى سؤالات أرسلها أحد الأمراء السعوديين يناقش فيها بعض أحكام المذهب الجعفري ، والسؤالات من حيث مجموعها ، ومن حيث مصدرها وموضوعها تستوجب الاهتمام ، وبعضها حساس يفتقر إلى مزيد من التفكير ، وهي على أي حالٍ تتطلب الإعجال .

وبعدها إلى سؤالات أحد الشباب النجباء من أهل الكوت ، وكنت بعثت إليه جواب سؤالين منها ، والنوبة لسؤاله الثالث عن نظرية العقد الاجتماعي في رأي الإسلام .

وهلّم جراً ، إلى ان يصل العدد الخامس والأربعون .

صممت على أن أضع جواب رسالتك في تسلسل الواجبات ، ولي من بنوتك البارة عاذر عن التأخير .

والتقيت بك هذه الليلة على عتبة الحرم المطهّر ، فرأيت أن أجلسك إلى جانبي بضع دقائق ، وأحدثك بما ينبغي الإسراع فيه من مضامين الرسالة ، واترك الباقي منه إلى المنهاج .

ولكنني لمحت منك بوادر العجلة ، فأنت تريد أن تصلّي وردك ، ثم تبادر إلى مجلس إفادتك ، ولم أشأ أن أزاحم عملاً ترغب فيه .

ثم قلت –بعد عودتي إلى المنزل-: ماذا علي لو أتممت ليلتي مع ولدي العزيز ؟ ، على أنني أحرّر له رسالة ينتظم بعضها في سلك رسائلي الإسلامية ، وستنشر ان شاء الله –سبحانه- وأمدّني منه بالتوفيق .

وتناولت القلم لأحرر لك هذا الكتاب .

ولدي ..

ذكرت في رسالتك جانباً من شعورك نحو أبيك .

وما ادري –أيها العزيز- لعل الله ينظر هذا الجهد الصغير المتواضع بعينه ، فيعدّه وفاءاً ببعض ما يجب ، ويمّد بالعون على أداء الباقي .

لقد قلت لك في إحدى رسائلي : إنها أمانة الله .

أجل ؛ إنها أمانة الله -يا بني-، وحامل هذه الأمانة ان أدّاها تامة غير منقوصة ، فهو أحفظ الأمنة ، وان التوى في أدائها أو حرّفها أو جزّأها وفق ميوله ، فهو أخون الخونة ، ويخادع نفسه وضميره ودينه من يتجاهل ذلك ، أو يصدّ عنه ، أو يتمارى فيه .

بني ..

لقد أطلت لإعلاء كلمة الله دماء ، ووزّعت أشلاء ، فما الذي بذله أبوك –هذا الذي يطارحك الحديث- مما يستحق الإكبار ؟! .

بسمة في وجه ولدي ، وهو مقبل علي …! .

إصغاء إلى كلمته … إجابة عن سؤاله !…

انه جهد متواضع صغير ، إذا لم يتعهده الله بلطفه ، فينمي صغيره، ويرفع وضيعه ، ويبارك في نتاجه .

ونمو الجهد وارتفاعه ، هو أن يشعر ولدي بالمسؤولية التي أحملها من أجله ، فيشاركني في القيام بها نحوه ، ونحو الأعزاء الآخرين من إخوانه وأترابه ، إلى أن يشعروا بشعورنا ، ويشاركونا حمل الأعباء ، وتسري قوة الإيمان الحي القوي الصنّاع إلى أكبر عدد يستطاع من الأبناء الأحبّاء .

ولدي ..

ان الإسلام مفتقر إلى ألسنة تقول ، وأقلام تكتب ، وأعمال تهدي، وطاقات تبني .

أي وعينيك انه لمفتقر … وانه ليستنصر …

وإلى أيّ موضع يمد عينيه ، ويطلب النصرة ، إلا إلى النجف ؟! .

وإلى أي جيل يطمح ببصره ، إلا إلى شباب النجف ؟! .

إنني اكتب إليك هذه الكلمات وأدمعي تسابق قلمي …

لست متشائماً … والتشاؤم ليس من سمات الإيمان الصحيح، ولكن المسؤولية كبيرة جداً -أيها الحبيب- .

 

*  *  *

 

‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍وذكرت قولة لبعض أدباء الغرب يهاجم بها الإسلام ، يقول :

(ان دعاة الإسلام يفتنّون في الأساليب التي تجبر الناس على اتبّاع دينهم ، ومن أساليبهم : أنهم يخوّفون الناس العذاب الأليم بعد الموت إذا هم لم يعتنقوه ، ويعدونهم بأنواع المتع واللذائذ في الجنة إذا هم اتّبعوه .. يصنعون كذلك لتدفع الناس غرائزهم وانفعالاتهم إلى اتّباع هذا الدين) .

ذكرت هذه القولة ، وطلبت مني الجواب عنها .

ولدي ..

قرأت هذه الكلمة في كتابك فلم أعجب ، فقد وقفت على كثير من أقاويل هؤلاء التي يهاجمون بها الإسلام ، ويشنّون الغارة عليه ، مما هو أشدّ غرابة وأبعد شناعة ، وقد تعرضت لبعضها في مقدمة كتابي (من أشعة القرآن) .

ولكنني عجبت من الحطّة التي يهوي إليها الإنسان حين يدفعه الحقد إلى أن يقول .

ان هؤلاء لا يتعرضون لقوانين الدنيا ونظمها الوضعيّة ، وشرائعها ومبادئها ذات النفوذ والقوة .. لا يتعرضون لهذه كلّها بشيء ، وهي تسن العقاب الصارم لمن يخالفها ، أو تحدثه نفسه بالخروج عليها ، بل ويعدّون ذلك منها موافقاً للحكمة ، فالقانون الذي لا يفرض العقوبة على مخالفته ، لا يضمن لذاته البقاء .

إنهم لا يتعرضون لها بشيء ، ولكنهم يهاجمون الإسلام وحده إذا أراد أن يصنع هذا الصنيع ! ، وكأنهم يريدون منه أن ينقض بناءه بيده، فيهمل الجزاء ، ويسوى بين من عصى ومن أطاع :

)أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ .( . (القلم : 35 - 36)

إنهم لا يتعرضون لمشرعي القوانين ، وواضعي المبادىء ، والقائمين عليها : أن يعلموا (صلاحياتهم) من أجل حفظ النظام ، وتطبيق العدل الذي يرون ، أفيحظرون على إله الكون أن يعمل (صلاحياته) من أجل حفظ النظام ، وتطبيق العدل الذي يريد ؟! .

وصرخة الإسلام والقرآن في هذا السبيل إنما هي صرخة النذير .

وتذكيرهما بالقيامة وأهوالها ، وبالجنة والنّار وأحوالهما ، إنما يكون في أحد مقامين اثنين ولا ثالث لهما أبداً .

أحد المقامين : إنذار البشر عامة بالعاقبة المدمّرة ، فهم واردون على خطر مهول .

وأثر هذا الإنذار : أن يبعثهم الخوف على التأمل في البراهين التي يقدّمها لهم هذا النذير ، ما درجتها من القوّة ؟ ، وما مبلغها من الصحة؟ ، وقد زودّتهم الحكمة الخالقة بركائز من الفطرة ، وأوليّات من الفكر السليم ..

.. أن يبعثهم الحذر فيتأملوا في هذه الأدلة حق التأمل ، فيؤمنوا باقتناع كامل ، أو يرفضوا كذلك :

)وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ..( . (29 : الكهف)

ومن بديهيات الإسلام أنه لا يقبل الإيمان المسوق المجبر .

إنهم بعد النظر الصادق في الأدلة إمّا أن يؤمنوا بصدق النذير ، وإمّا أن يؤمنوا بكذبه ، والنتيجة لذلك : أنهم قد عيّنوا سبيلهم ، وعرفوا موقفهم في كلتا الحالتين .

أفتريد أن أقدم لك شاهداً واحداً على ذلك الكتاب الكريم ؟ .

أقرأ معي من أوائل سورة فصلّت ، من الآية التاسعة :

)قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ، ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ .

)وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ، وَبَارَكَ فِيهَا ، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ .

)ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ، فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قَالَتَا : أَتَيْنَا طَائِعِينَ .

)فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ، وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا، وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ، وَحِفْظاً ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (.

)فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ : أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ .( . (فصلت : 9 - 13)

أرأيت ؟ .

انه عرض على أسماعهم وأبصارهم وعقولهم ألواناً من الآيات التي تنير السبيل وتكشف اللّبس ، وحثّهم على التفكر فيها ، والاعتبار بها ، فما كان جوابهم ؟ .

إنهم أعرضوا وصدّوا )وَقَالُوا : قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ، وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ ، وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ ، فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ .( . (فصلت : 5 )

فكان من العلاج الحكيم أن يصك مسامعهم بهذا الإنذار المرعب :

mأَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَn ، لعل الخوف يدفعهم فينظروا في الأمر نظرة الجد ، ويستنبئوا العقل الواعي عن حكمه في تلك الآيات .

 

*  *  *

 

والمقام الثاني لتذكير الإسلام بالقيامة وبالجنة والنّار : أن ينذر بها أتباعه ومصدّقي دعوته .

وأثر هذا التذكير –أولاً-: أن يمكّن في نفوسهم عقيدة النّشور ، فإنها ثالثة العقائد الكبرى التي يقوم عليها بناء الإسلام .

وأثره –ثانياً-: أن يوازن في نفوسهم شعور الخوف وشعور الرّجاء، فيتكوّن منهما المزيج القوي الفعّال المتعادل ، الذي يضع أسس التقّوى في نفس المسلم ، ويوجّه أخلاقه وأعماله وسرّه وعلانيته ، وقد ذكرت هذا الأخير في رسالتي المتقدمة .

 

*  *  *

 

أما سؤالك الأخير : سؤالك عن بيت المال وموارده ومصادره وشؤونه وأحكامه ، فان الحديث عنه يستدعي وقتاً طويلاً، وبحثاً مسهباً، وأرجو من الله أن يوفقني للقيام به في مستقبل الأيّام ، فمنه العون وبه القوّة .

واسلم .

 

 

(32)

تنبؤ صادق . كليات العلم الكوني معاهد تلقن الإيمان . المغريات والمزالق . ماذا تدل عليه آية الحجاب ؟. تفسير الآيتين . بحث حول الحجاب.

 

بغداد – كلية الطبّ

28/ جمادى الأولى / سنة : 1386هـ

ولدي …… دمت كما أتمنى .

سلام الله عليك ، وعلى كل عزيز لديك ، ورحمة الله وبركاته ، مع وافر شوقي ، وكثير دعائي .

وقفت على رسالتك الأخيرة ، ثم وقفت ، وطال وقوفي عليها، وطال تكراري إياها .

ولم يكن في الرسالة شيء جديد بالنسبة إليّ ، فكل ما تحتويه أمر قد تفاءلت به لك منذ أولى رسالة وصلتني منك ، ومنذ أول يوم تكونت فيه هذه العلاقة التي شدتّك إليّ ، وبوأتك الموقع السامي من نفسي .

لقد ابتسمت لك منذ ذلك اليوم –أيها العزيز- .. ابتسمت للآمال الكبيرة التي عقدتها عليك ، والتي أجدك تحدثني عن بعضها في رسالتك اليوم ، وسأرى -ان شاء الله- ما يصدّقها جميعاً في الغد القريب .. القريب .

ابتسمت لك منذ ذلك اليوم ، ولم اعرف –على وجه التحقيق- أثر هذه الابتسامة في نفسك ، ووددت –والأماني اليقظة هي الموحيات الأولى التي توجّه الأبوة كيف تضع الخطوط الرشيدة لسلوك البنوة- .

وددت لو اتصلت بك من قريب ، ولو صحت هذه الأمنية لاسترحت من كثير من السؤالات التي تبحث عنها اليوم .

نعم ، لم يكن في الرسالة شيء جديد بالنسبة إليّ ، فقد كنت عرفت الطاقة ، وقدّرت مبلغها ، وعلمت اتجاهها ، ورغبت أن أؤدي أمانة الله في إمدادها وتعبئتها وتوجيهها … ولله أمر هو بالغه .

ولكني وقفت حتى طال وقوفي على رسالتك هذه ، وطال تكراري لقراءتها ، لأنها تقول لي : ان المرتقى الذي كنت توسمته لولدي بالأمس ، هو بذاته الهدف الذي يختطه لنفسه اليوم ، ويدأب في السعي له ، ويؤمن بأنه مسؤول عنه ، ويضع طاقته و(إمكانياته) في رصيده !! .

هو ، هو بذاته ، لم تتبدل ملامحه ، ولم تضعف قوتّه ، ولم ينحرف اتجاهه !! .

سر -أيها الحبيب- سر ، ان الغاية منك قريب جداً ، هي في متناول يدك ، ولا يمنعك أي شيء من أن تشدّ عليها بكفك .

سر -أيها الحبيب- سر ، ان الغاية التي تبتغيها ، وتعدّ طاقتك لها رفيعة جداً ، ولكنها ليست ببعيدة على ذوي الكفاءات .

لا . لا -يا بني- ، لست في بداية السلم -كما تقول- ، وليس الأمل بعيداً منك -كما تشير- ، ولكنهما الطموح والوله الشديد بالغاية يدفعان بك إليها دفعاً ، وأنت -من أجلهما- تستبطىء ما هو عاجل، وتستبعد ما هو قريب !! .

سر إلى غايتك ، فالله نصيرك ما دمت تضمر نصرة الله ، والدعوة إلى دينه ، والتعريف بشريعته ، من سبيل علم الطبّ ، ومن سبيل إيضاح العجائب والمدهشات التي يحتوي عليها تشريع الإسلام ، والعجائب والمدهشات التي يشتمل عليها تركيب جسد الإنسان ، والقوانين الحكيمة التي تسند كيانه ، وتدبّر حياته .

سر إلى غايتك ، فالله نصيرك ومجيرك ، وسترى آثار نصر الله لك ، ورحمته إياك في كل خطوة تخطوها ، وفي كل عقبة تمّر بها .

ولكن الشرط الأول والأكبر لهذا الضمان –أيها الحبيب- هو الإخلاص .

هو الإخلاص في النية ، والإخلاص في العمل .

الإخلاص في النية ، فلا تحيد عن هدفك ، ولا تتجه فيه لغير ربك.

والإخلاص في العمل ، فلا تنزلق مع الهوى ، ولا تلين للنزوات، ولا تذلّ للمغريات .

حبيبي …

واسمح لأبيك ان يؤدي بعض واجبات الأبوة ، وان كنت أثق انك أسمى نفساً من هذه الهناة ..

أنا لا أحاذر على عقيدتك أبدا ، ولا على إيمانك ، فقد مهّدت لهما الفطرة ، وحصنّتهما الفكرة ، وعلم الطب الذي اخترته من علوم الكون ، ومقدّماته وتوابعه ، وسائر ما يتصل به من قريب أو من بعيد، كلّها مما يعزّز العقيدة الحق ، ويشدّ بناءها ، ويثبّت الأيمان بها تثبيتاً قوياً، لا زلزلة معه ولا اضطراب .

أنا لا أحاذر على إيمانك أبداً ، فالجّو الذي أقبلت عليه -وكل جوّ علمي سواه- مشرق بنور الحق ، ساطع بعبير الأيمان ، وان حجب عنه الغافلون والمتجاهلون .

ان الأيمان بالله وبقدرته وباهر حكمته ، وبصدق الرسّول محمد 7 وصدق دينه وصدق كتابه ، يشعّ من مبضع الجراح ، وسكين المشرح، ومجهر المختبر ، ومن كل آلة للكشف اخترعها الطب ، وكل وسيلة وضعها للوقاية ، وكل طريقة ابتكرها للعلاج .

ويشع من آفاق الصحة في الصحيح ، وأطواء المرض في المريض، كما يشعّ من فكرة الأستاذ وهو يحاضر ، ومن روع التلميذ وهو يتلقّى .

وكليّات العلم الكونيّ ومعاهده ، ومختبراته ومعامله ، معاهد تلقّن الأيمان الراسخ بالله ، وتقيم الحجج الدامغة على علمه وقدرته ، قبل ان تلقّن التلميذ قوانين العلم ، وتفهمه نظرياته وأسسه ، وان غفل أكثر التلاميذ ، بل وأكثر الأساتذة عن هذه الحلقة من الدرس !! .

أنا لا أحاذر على عقيدتك وأنت مقبل على هذا الجّو ، المشرق بالنور ، العابق بالشذا … ولكن .

ولكن المغريات ، والمزالق الكثيرة المتنوّعة ، المبثوثة في كلّ سبيل، هذه هي التي أحذّر ولدي منها ، وأربأ به ان يستذل لها ، أو ينخدع بإغرائها ، وغايتك أكبر وأسمى من هذه المنحدرات والمباءات ، والله –سبحانه- هو العاصم الكافي ، ومنه أسأل ان يزّودك بعصمة من تقواه .

هذه المغريات الكثيرة بجميع ألوانها ،  وبمختلف فنونها وأساليبها ، لست اخص منها صنفاً ولا نوعاً ..

هذه الصوارف التي تعترض سبيل الشاب أنّى سار ، وأنّى اتّجه، فتحوّل وجهه عن الله وهو يريد القرب منه ، وتشغله عن هدفه الذي رسمه لنفسه ، وتبدد طاقته التي جمعها ، وتصرفه عن غايته الكبرى أو تكاد !! .

لا . لا . إنك أسمى من ذلك وأبعد ، ولكنها قولة أردت أن أريدك بها يقظة وحذراً .

وبعد ؛ فان رسالتك قد احتوت عدداً من الأسئلة ، وكل واحدٍ من سؤالاتك يقتضي جواباً مبسوطاً ، وأنت تعلم بوقت أبيك ، وشدة مضايقاته ، ولذلك فسأتعرض -في رسالتي هذه- لجواب مسألة واحدة منها ، وادع الباقي لرسالة أخرى .

سأتعرض في هذه الرسالة لحديثك عن المرأة ، وللنواحي التي تطرّقت إليها من شؤون المرأة وأحكامها في الإسلام ، وسأختصر في الجواب ، نزولا على حكم المضايقات التي أشرت إليها ، وأحاول ان يكون الحديث –على اختصاره- وافياً بالمرام .

تعرضت للآية الكريمة الحادية والثلاثين من سورة النور :

)وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ، وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ، وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .( .

وسألت عن معنى قوله تعالى فيها : mوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاn .

وقوله فيها : mوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّn .

وقلت : ما هي الزينة التي استثنيت في الجملة الأولى ، فأبيح للمرأة المسلمة ان تظهرها لغير البعل ، وغير المحارم من الرجال ؟ .

وتساءلت : كيف يكون شكل الحجاب ، إذا أخذ من هاتين الجملتين ؟ .

ثم سألت عن الحجاب المعروف اليوم ، وعن مدى انطباقه على الحدّ الشرعي للحجاب في الإسلام ، وهل عرفت المسلمات في صدر الإسلام هذا المقدار من الحجاب ، فأخذن به على أنه هو المقدار الواجب ، لا على سبيل المبالغة فيه ؟ .

وأودّ ان أقف معك وقفة قصيرة على تفسير الآية الكريمة، لنستوضح الجواب عن النقاط المسؤول عنها .

وسابقة هذه الآية آية أخرى تقترن معها في السياق [1]، وتتصل بها في المعنى ، وترمي معها إلى هدف واحد ، بحيث يتألف من كلتا الآيتين درس واحد متكامل في الحجاب ، وهما توميان إلى بعض الأسباب التي شرّع من أجلها هذا الحكم في الإسلام ، فمن المجدي ان نتعرض لكلتا الآيتين .

وقبل الدخول في الموضوع أود أن تقرأ الفصل (24) من كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب) ، ففيه أحاديث لا غنى عنها في إيضاح معنى الآيتين الكريمتين ، ولا موجب لتكرارها في هذه الرسالة .

ان الإسلام يرمي إلى إنشاء مجتمع طاهر نقي ، منزه في صلاته وعلاقاته ، وفي أخلاقه وعاداته وأعماله ، عن كل ما يخل بالطّهر ، أو يخدش بالكرامة ، أو يهبط برفيع الأخلاق ، وسامي الصفات والعادات، وتحقيق هذه الغاية يتطلب من الإسلام نظرة جادّة واعية ، تحيط بكل ما يخدش وما يريب ، وبالأبواب التي تنفذ إلى ذلك ، والذرائع التي تؤدي إليه ، ثم يتطلّب منه –بعد هذه الإحاطة- علاجاً حاسماً شاملاً ، يقي الأفراد ، ويوصد الأبواب ، ويسدّ الذرائع .

عليه ان يقوم –أوّلاً- بتحديد جرثومة الداء ، وضبط مؤثرّاتها ، وأسباب نموّها وانتشارها .

ويقوم –ثانياً- بدور الوقاية العاصمة ، التي تحصر الداء ، وتمنع العدوى، وتكسب المناعة ، ثم بدور العلاج الحاسم الذي يبيد الجرثومة، ويجتثّ الأعراض ، ويضمن الصحة .

وكذلك صنع الإسلام ، والآيتان اللتان نريد التحدث عنهما تتكفّلان بناحية واحدة من تلك النواحي ، إنهما تتكفلان بحسم الفساد الذي يصيب الآحاد ، ثم يطرق المجتمع من طريق النظرة الخائنة ، وما يمهد لها من بواعث ، وما يتبعها من أحوال وشؤون .

والنظرة الخائنة –بالمعنى الذي عناه الإسلام ، وأومأت إليه الآيتان الكريمتان- هي أوسع الأبواب التي يتطرّق منها هذا الوباء وينتشر ، وهي أشدّها خطراً ، وأقواها تأثيراً ، ولابدّ للمشرّع من أن يلاحظ كل أولئك بنظر الاعتبار ، فيتّخذ له أهبته ، ويضع للداء ما يستأصله من الدواء .

والإجراء الأول الذي اتخذه الإسلام في هذا السبيل :  هو حكمه على الرجال ، وعلى النساء بوجوب غض البصر :

) قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ …… وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ..( .

والغضّ في اللغة : النقص والخفض ، فيقولون : غضّ منه ، إذا انتقصه وخفض من قدره ، ويقولون : لا غضاضة في الأمر ، أي : لا نقص ولا ضعة .

وفي سورة الحجرات : )إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ..( أي يخفضونها .

وعلى هذا ، فمعنى الغضّ من البصر ان يخفضه الإنسان ، فلا يمدّه إلى ما لا يحّل له النظر إليه ، وفي عقيدتي ان معنى الجملة أوضح من أن يحتاج إلى تفسير .

mقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْn ، فلا ينظروا إلى ما لا يسوغ لهم النظر إليه ، وستوضح لهم الآيتان من يجوز النظر إليه من الأشخاص ومن لا يجوز ، وما يباح النظر إليه من مواقع النظر وما لا يباح .

mقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْn

واقتران هاتين الجملتين –وخصوصاً بملاحظة اقترانهما في كلتا الآيتين- يوحي بصلة قريبة قوية ملحوظة في التشريع ما بين غض البصر وحفظ الفرج .

وحفظ الفرج عن التعدي والانزلاق في الرذيلة : هو الغاية المهمة المقصودة من الحكم بوجوب غض البصر ، والنظرة الخائنة هي السبب الأوّل والأقوى الذي يمهّد لهذا الانزلاق ، فلعل الجملتين تشيران إلى ذلك ، فهما توميان إلى حكمة التشريع .

والصلة القريبة الملحوظة ما بين غض البصر وحفظ الفرج –على هذا التفسير- هي الصلة ما بين الوسيلة والغاية .

وفي الآثار الواردة عن أهل البيت F : ان المراد بحفظ الفرج في هاتين الآيتين : هو صونه عن ان ينظر إليه .

وعلى هذا التفسير ، فالصلة ما بين مضموني الجملتين قريبة جداً، فكلتاهما لتحديد مواقع النظر ، ووجوب كفه عما لا يحل ، فيجب على كل مؤمن ان يغض بصره عن كل محرم ، وان يحفظ فرجه عن كل ناظر، عدا ما دلت النصوص الكريمة على استثنائه .

وإذا وجب على كل مؤمن ، وعلى كل مؤمنة ، أن يصونا فرجهما عن كل ناظر ، فقد وجب عليهما ان يحفظاه عن أي تعدّ وأي انزلاق .

mذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْn ، أزكى لنفوسهم وقلوبهم ، وأطهر لمجتمعهم وعلاقاتهم ، وأبعد لهم عن التواءات الغريزة ، وما تجرّ وراءها –إذا أثيرت- من مخازي يوجبها الانطلاق ، أو عقد ومتاعب نفسية يسببها الحرمان ، وهي حين تستشار بغير سبلها المشروعة ، فإنها تنتهي إلى إحدى النهايتين لا محالة .

mذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْn ومن أجل هذه الزكاة شرّع هذا الحكم ، ومن أجل هذه الزكاة شرّعت جميع أحكام الحجاب .

mإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَn ، وإنها لرقابة شديدة محيطة ، لا يفلت من قبضتها سر ولا علن ، ولا قول ولا عمل ، ولا إغضاء جفن ، ولا حركة لحظ ، ولا خاطرة قلب .

رقابة الله الخبير بما يصنعون ، الحسيب على ما يسرّون وما يعلنون.

والعبد المؤمن يستشعرها عقيدة ثابتة ، تمتلئ بها مشاعره ، ويقوم عليها إيمانه ، فيكون –من أجلها- يقضان الحسّ ، يقظان الضمير ، دائم المراقبة لأعماله ، دائم المحاسبة لنفسه عليها .

وقد تنشز بالمرء أحوال يتبلّد فيها ضميره ، أو يغفل ، أو ينخدع، فلا يؤنب على مخالفة ، ولا يحاسب على تقصير ، والآيات القرآنية تذكّره برقابة الله العظيمة ، القادرة القاهرة ، ليكون دائم اليقظة ، دائم الحذر .

 

*  *  *

 

وتأتي الآية الثانية ، لتلقي إلى النساء ذات الأمر الذي ألقته الآية الأولى إلى الرجال ، ثم لتتبعه بالمهمّ الواقي من أحكام الحجاب :

mوَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّn .

قل لهن كما قلت للرجال المؤمنين من قبل : ليغضضن من أبصارهن ، فلا يمددنها إلى أي محرّم ، وليصّن فروجهنّ عن أي ناظر ، ثم عن أي تعد .

قل للمؤمنين وقل للمؤمنات : يصنعوا كذلك ، فالمؤمن أولى الناس جميعاً بإطاعة أمر ربه ، وأحذرهم عن مساخطه ، ثم أشدهم محافظة على تزكية نفسه ومجتمعه ، وعلى إعلاء صفاته وأخلاقه .

وكلمة المؤمنين في مطلع الآية الأولى ، وكلمة المؤمنات في مطلع الآية الثانية ، بمثابة سياج حصين يبيّن حدود المجتمع الأسمى ، الذي تشرّع لصيانته هذه الأحكام .

وكلمة (ويحفظوا) –في مجالها الخاص من الآيتين- أدّل على وجوب الصون وابتغاء العفّة الكاملة من أية لفظة سواها .

mوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاn .

والزينة هي كلّ ما من شأنه ان يحصّل الجمال ، أو يظهره ، أو يضاعف جاذبيته .

والتزيّن رغبة أصيلة في نفس كل أنثى ، لا تختلف مع المجتمعات، ولا مع العصور ، وان اختلفت معها وسائل الزينة وطرائقها ، كما اختلفت معها مقاييس الجمال.

ومن حق المرأة ان تلبّي هذه الرغبة ما دامت فطرية أصلية في نفسها، ومن حقّها ان تفتنّ في تلبيتها ، إذا كانت الوسائل والطرائق التي تستخدمها لذلك مشروعة نظيفة ، ولكن ليس من حق المرأة أن تعرض زينتها على أي ناظر أرادت .

ان هذا حق تنتهي شرعيته حيث تبدأ الفتنة ، أو تتطرق الريبة ، فلا يباح للمرأة ان تبدي زينتها حين ذاك .

mوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّn .

وجليّ أن المراد : ولا يبدين مواضع الزينة من أجسادهن ، فان الزينة ذاتها –إذا لم تصحب شيئاً من أعضاء المرأة- لم يجب حجابها ، ولم يحرم على الأجنبي النظر إليها .

وجليّ كذلك : ان المراد : ولا يبدين مواضع الزينة من أجسادهن، وان كانت تلك الأعضاء عاطلة من الزينة بالفعل ، والتعبير بزينتهن تجري الآية فيه مجرى الغالب .

ثم هي تلمّح إلى ان الزينة هي مبعث الفتنة والإغراء ، فهي أحرى بان تستر وتصان ، وأن تكون من حق رجل واحد ، هو شريك المرأة في الحياة ، وان لا تُبدى لغيره من الرجال ، إلا الذين تؤمن منهم الفتنة، وتنعدم الريبة .

وجلي أخيرا : ان المراد : ولا يبدين من أجسادهن حتى المواضع الأخرى التي لم تجر العادة بوضع شيء من الزينة عليها ، وهذه كبعض الأعضاء الخفية من جسد المرأة ، ودلالة الآية الكريمة على وجوب سترها واضحة لا تخفى .

وبعد استيضاح هذه المعاني من الآية الكريمة ، فلابد وأن يكون المراد بقوله : mإِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاn إلا المواضع الظاهرة بذاتها من مواضع الزينة .

وقد اختلفت أقوال المفسرين والفقهاء في تحديد هذه المواضع المستثناة .

والذي يظهر لي من ملاحظة مجموع هذه الجملة ، ومن قوله تعالى في الجملة الآتية بعدها : mوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّn ، ومن ملاحظة الآثار الواردة عن الأئمة المعصومين F في تفسير الآية الكريمة ..

الذي يظهر من ملاحظة ذلك ، ان المراد بما ظهر من مواضع الزينة: الوجه والكفان ، شريطة ان لا يكون في إبدائها فتنة ولا ريبة ، أما إذا أوجبت ذلك ، فان النظر إليها محرم بالإجماع ، وهي وغيرها من مواضع الزينة سواء بسواء -كما قلت في كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب)- .

mوَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّn .

والخمار هو : ما تغطّي به المرأة رأسها وشعرها .

والجيب : فتحة الثوب مما يلي الصدر .

وإذن فلابد لها من خمار ، أو ما يفيد فائدته من ستر الرأس والشعر.

وإذن فلابد من ستر شعر الرأس حتى ما أحاط منه بالوجه ، وليس هو من الزينة التي استثنتها الآية الكريمة فأباحت إبداءها .

وإذن فلابد من ستر الرقبة والصدر وما يتصل بهما.

هذا ما يجب على المرأة ستره عن كلّ أجنبي -غير ما استثنته الآية-.

جسدها كلّه ، وجميع مواضع زينتها ، إلا ما ظهر منها ، وما ظهر من مواضع الزينة إنما يسوغ للأجنبي النظر إليه إذا لم يوجب فتنة ولا ريبة .

وقد عرفت المؤمنات في صدر الإسلام هذا المقدار من الحجاب، وأخذن به على سبيل الوجوب ، والرواية التي أشرت إليها في كتابك –إذا صحت- فهي بعض الشواهد على ذلك .

رواية: (فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرجّل فاعتجزت به).

وأقول: إذا صحت ، لأنها لم ترو من طرقنا المعتمدة ، وقد أخرجت في سنن أبي داود ، وبمعناها رواية أخرى أخرجها البخاري .

عرفت المؤمنات في صدر الإسلام ذلك المقدار من الحجاب ، وأخذن به على سبيل الوجوب .

وعرف الكثير منهن النقاب ، وخصوصاً الشابات ومن يقاربهن في السن والجمال ، وأخذن به حذراً من الوقوع في الريبة ، والنقاب : ان تدير فضل خمارها على فمها وما يتصل به من محاسنها .

وعرف الكثير منهن الجلباب ، ولاسيما بعد نزول قوله (تعالى) في سورة الأحزاب :

) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً.(. (الأحزاب : 59)

وقد تحدثت حول هذه الآية الكريمة في الفصل (25) من كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب) .

mوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّn ، والبعل هو صاحب الحق المطلق في الاستمتاع بزينة المرأة ، ما ظهر منها وما بطن .

ومن حقوقه على الزوجة : ان لا تقصد بزينتها أحدا غيره ، ولا تبديها لناظر سواه ، عدا من تمّحي لديهم الفتنة ، ويبطل الإغراء ، وهم الذين ذكرتهم الآية ، وألحقتهم في هذا الحكم بالأزواج .

على فارق كبير بين هؤلاء وبين الأزواج ، فالبعل يجوز له النظر إلى أي عضو شاء من أعضاء المرأة ، ولا يباح ذلك لأحد من هؤلاء .

mوَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ ، أَوْ آبَائِهِنَّ ، أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ ، أَوْ أَبْنَائِهِنَّ ، أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ ، أَوْ إِخْوَانِهِنَّ ، أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ ، أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ ، أَوْ نِسَائِهِنَّ ، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ، أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء ، وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ، وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَn .

وأحسب ان معاني هذه الجمل من الآية الكريمة واضحة ، لا تحتاج إلى تفسير ، ولا يتوقف عليها الجواب .

عزيزي ..

لقد طال الجواب ، وطال التأخير مني ، وطال الانتظار منك، لأسباب لا تجهل أكثرها ، فإليك معذرتي مع وافر شوقي ، وتحياتي الكثيرة لك ولمن يعز عليك ، واسلم .

 

 

 

(33)

تباشير . الشخصية . تعريفها . الشخصية الإسلامية المتكاملة . أساسها . مقوماتها . أبعادها. تثقيف الفتاة . معاهد التثقيف . الأدوار الاجتماعية التي تقوم بها المرأة . العبودية البيولوجية للمرأة . لا ينكر الإسلام قابلية المرأة . الثقافة التي يريدها الإسلام للمرأة . علم الدين .

 

بغداد – كلية الطب

20 / شعبان / سنة : 1387هـ

ولدي الحبيب النجيب …… دمت في حفظ الله وأمنه من كل ما أخشاه عليك .

تحية الإسلام المباركة، وأماني الأبوة الطيبّة ، وأحلام الحب المشرقة، ومن الله –سبحانه- أسأل لك مزيداً من توفيقه ، ومدداً من رشده ، وقبساً من نوره يضيء لك كل ظلام ، ويكشف لك كل خفاء ، ويثبّتك عند كل اضطراب .

عزيزي …

أسمعت نبأ ذلك الرجل الذي خرج من أهله لقبس لهم ناراً ، فسافر عنهم سنة كاملة ، ثم عاد من سفره ، واقتبس في طريقه لهم ناراً، وأقبل بها يعدو ، فسقط على وجهه ، وتبدّد الجمر من يده ، فقام مسرعاً وهو يقول : تعست العجلة .

لعلك تتذّكر هذا المثل حين تصلك رسالتي لتجيبك على سؤال أرسلته إليّ قبل عامين .

وقد تعجب كثيراً إذا قلت لك : عامين ، لان المدة لا تبلغ هذا المدى فيما تظن ! .

نعم ، بعد عامين وأيام من التأريخ الهجري لرسالتك العزيزة .

وأرجو ان لا يعجلني طبع الرسائل ، فأبدّد المادة التي أريد تقديمها، وأضطّر إلى سبّ العجلة ، كما صنع قائل المثل ، وعلى أي حال فانك قد خبرت من أحوالي وأعمالي ما يكفيني عن العذر ، فانا في سعة من ذلك .

ولدي ..

اتّصلت بك برهة ضاعفت لي الدّلالة على صحّة آمالي التي أمّلتها بك ، وأثبتت صواب مخطّطاتي التي كنت توسمّتها لمستقبلك ، ويضاعف مسرتّي أني أجد رغائبك وآمالك تنساق إلى الاتجاه الذي أحببته لك ، والى القمّة التي رجوتك لها ، وأنّك من الغاية المأمولة جدّ قريب .

نعم ؛ جدّ قريب ، ولم تبق عليك غير بضع خطوات في ميادين الشخصيّة ، تضعها باتّزان ، وتجتازها بحزم .

ونجاحك الذي أشرفت عليه في كلية الطب إحدى الخطوات ، أمّا الخطوات الباقية ، فكلها تعود إلى نجاحك الكامل في تربيتك النفسيّة على ضوء مناهج الإسلام .

الشخصية الإسلامية المتكاملة ، التي تفتح لك المغالق ، وتذلل لك المصاعب ، وتنير لك السبل في متاهات هذه الحياة ، وتجمع لك السعادة بكل أطرافها ، وبكل أبعادها .

الشخصية الإسلامية المتكاملة ، فهل تسمح لي أن أحدّثك عنها بإيجاز ؟ .

وموضوع الشخصيّة الإسلامية يستدعي بحثاً مسهباً يحيط بمقوّمات الشخصية وسماتها ، وعطائها ، ومعطَياتها .

يستدعي بحثاً مسهباً ، لأهمية الموضوع ذاته ، ويستدعي بحثاً مسهباً،  لتعدّد جوانبه ، ولكنني سأتحدّث عنه بمقدار ما تتحمّله رسالة ، وبمقدار لا يزاحم جواب سؤالك فيها ، فما هي الشخصية ؟ .

مجموعة من السمات والخصائص ، تجتمع فتكوّن للفرد هويّة خاصة تميّزه عن الأفراد الآخرين ، وبمقتضى علّو تلك الصفّات والخصائص وهبوطها ، واستقامتها وانحرافها ، يتعيّن مركز ذلك الفرد في مجتمعه ، علواً وهبوطاً ، واستقامة وانحرافاً ، وهي سرّ نجاحه أو إخفاقه في الحياة ، وهي أساس قبوله أو رفضه لدى الآخرين .

هذه هي الشخصيّة ، فإذا تألف من تلك المجموعة نظام كامل مترابط ، سميّت الشخصية متكاملة .

وتقابلها الشخصية المنحلّة المفككّة : التي لا يكون بين مجموعة صفاتها ترابط .

وتقابلها -من وجه آخر- الشخصية القلقة : التي تصطرع فيها عدّة من الصفات المختلفة النّزوع ، المتضادة الاتجاه .

والشخصيّة الإسلامية المتكاملة : هي التي تكون مجموعة الصفات والخصائص فيها كلها من صنع الإسلام ، ومن إشعاعه ، ويكون التّرابط ما بينها على ضوء مناهجه وتربيته .

هي التي يصوغها الإسلام وفق مناهجه ، ويمدّها من قوّته، ويوجّهها إلى غايته ، فلا ضعف ولا قلق ، ولا تفكّك ولا انحراف .

ومن أهداف الإسلام الأولى : أنه يسعى ليصوغ أبناءه كافّة على الوجه الذي يريد ، ولكن الأبناء يرغبون –أو يعجزون- عن هذه الغاية فيبعّضون المنهج ، ويقبسون من الإسلام ومن سواه ، ويخرجون من هذا الخلط الشّائن بشخصيات مرقّعة ، لا تستطيع أن تحمل عبئاً ، ولا تستقيم على وجهة .

 

*  *  *

 

ولدي العزيز ..

والأساس الذي يقوم عليه بناء الشخصيّة ، وترتكز عليه ، وتستمدّ منه جميع مقوّماتها ، والمحرّك الذي يوحّد وجهتها ، ويدير حركتها ، هي العقيدة بالله ..

بالعلّة التي أبدعت هذا الكون ، وأوجدت هذا الكائن ، ومدّتهما بالتدبير .

والنفس مولعة بالبحث عن مبدئها الذي عنه تكوّنت ، وموئلها الذي إليه تصير ، فإذا هي اعتقدت بخالقها وآمنت بوجوده ، استقرت وهدأت ، وإلاّ عاشت في حيرة مجهدة ، وقلق دائم ، فلا هدوء لها ، ولا قرار .

والعقيدة بالله هي الأصل الأعظم من أصول الإسلام ، فلا يثبت إسلام أحدٍ إلا بها ، وهي إنما تكون أساساً للشخصية ، وسبباً لتكاملها، إذا استمكن الإيمان بها في نفس الفرد ، بحيث عمّ جميع آفاقها ، واستبان أثره في جميع اتّجاهاتها .

إن الفرد ليؤمن بالله ، ويفكّر في لطفه به ، وجميل صنعه ، وعظيم تدبيره ، ومتواتر نعمه التي لا تنقطع ، وبرّه الذي لا ينتهي ، فيستشعر في قلبه حب الله … حباً عميقاً ذاتياً ، يأخذ عليه أقطار نفسه ، ويمتزج بقواه ومشاعره .

حباً ذاتياً ، جوهره تعلّق المعلول بعلّته، وافتقار الموجود إلى موجده.

وكيف لا يأخذ حبّ الله عليه أقطار نفسه ، وهو يعلم أنها بعض هباته ؟! .

وكيف لا يمتزج حب الله بقواه ومشاعره ، وهو يعلم أنها جميعاً بعض عطاياه ، وهو يطلب منه المزيد والمدد فيها وفي سواها ؟! .

ويفكّر في رقابة الله العظيمة ، وعلمه المحيط بالسّر والعلانية، والصغيرة والكبيرة ، وفي أخذه الشديد بسيئ العمل ، وعذابه الأليم على موبق الخطيئة ، فيستشعر الخوف من الله … خوفاً بالغاً ، يملك عليه إرادته ، ويوقظ ضميره ، ويؤدّب غرائزه وانفعالاته .

ويسيطر الإيمان الراسخ بالله ، والحب العميق له ، والخوف الشديد منه على مشاعر ذلك الفرد ونزعاته ، فلا تنطلق إلا حيث يريد الله ، ولا تسير إلاّ وفق رُخَصه وأوامره .

وكيف يتسامح في طاعة الله وهو يحبّه ذلك الحب العميق ؟ .

وكيف يجترئ على معصية الله وهو يخافه ذلك الخوف الشديد ؟ .

وفي إشعاع الإيمان بالله ، وفي ظلال حبه والرهبة منه ، يستكمل الفرد صفاته الوجدانية والخلقية والاجتماعية ، وتتحدّد صلاته بالأفراد الآخرين ، ومنزلته في المجتمع ، ومهماته فيه .

وفي إشعاع الإيمان بالله ، وفي ظلال حبه والرهبة منه ، وبعطاء شريعة الله وأثر تربيتها الحكيمة ، تنمو الصفّات ، وتثمر ، وتترابط، وتتكامل الشخصية ، وتسمو منزلتها في المجتمع ، وتعظم مهمّاتها فيه .

وفي إشعاع الإيمان ، وفي ظلال حب الله وعطاء شريعته ، ترتفع الشخصية في جميع الميادين ، وترتفع حتى تصبح عبقريّة نادرة المثال .

ولدي ..

هذه إلمامة قصيرة توضح لك معالم الشخصيّة وأبعادها ومعطياتها في الإسلام .. الشخصية الحبيبة لكل نفس ، الرفيعة في كل مدى ، الفائزة في كل سبق .

المامة قصيرة تغنيني معك عن بحث طويل ، ولعلي أعود إلى الحديث في رسالة أخرى قريبة -ان شاء الله- .

 

*  *  *

 

وبعد هذه المطارحة أعود إلى رسالتك .. إلى سؤالك الثاني فيها .

وسؤالك هذه حول تثقيف المرأة وتعليمها .

قلت : ان الإسلام أمر بطلب العلم ، وجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة ، وأمر كل ذكر وأنثى بالتدبّر في حكمة الله ، ودلائل قدرته في صفحات الوجود ، واستخدام العقل والعلم في ذلك ، وانكر على الفرد –ذكراً كان أو أنثى- ان يعيش في غياهب الجهل والخمول العقلي ...

ثم قلت : ولكن الإسلام –إلى جنب ذلك- يأمر المرأة بلزوم البيت، وعدم مغادرته إلا لضرورة .

وسألت : كيف يتسنى للمرأة -التي تلزم البيت ولا تغادره- ان تطلب العلم ، وتحصل على الثقافة الصحيحة ؟ ، وكيف يتفتّح عقلها، وينضج تفكيرها ، وتكتسب الخبرة في شؤون الحياة ، وهي رابضة في قعر دارها ، ولا تخرج إلى معهد أو دار علم ، ولا تحتكّ بالمجتمع كي تصقل تجاربها ؟ .

والسؤال الذي تذكره ليس جديداً في التأريخ ، فهو أحد الوجوه التي يحتجّ بها دعاة السفور على منع الحجاب .

يقولون : ان حجاب المرأة يمنعها عن التهذب والتعلم ، وكيف تتهذب وكيف تتعلم ، وهي من وراء حجاب ؟ .

وممن سبق إلى هذا القول وهذا الاحتجاج من الأدباء العرب، الأستاذ قاسم أمين في كتابه (المرأة الجديدة) .

هكذا يقولون ، وهكذا يحتجون ، كأن من شروط تحصيل العلم والثقافة ، وتفتح العقل ، ونضج التفكير ، واكتساب الخبرة في شؤون الحياة ، أن تختلط المرأة مع الرجال ! .

وكأن دور العلم ومعاهد التثقيف يجب ان تكون مختلطة ، فان سمحنا للأنثى بدخولها ، وإلا فقد كتبنا عليها ان تبقى جاهلة خاملة ! .

لماذا لا نفتح لفتياتنا المدارس والمعاهد والكليّات الخاصة بهن ، التي تصونهن عن الاختلاط ، وتبلّغ الفتاة الدرجة التي تتطلع إليها من الثقافة ، والفرع الذي ترغب الاختصاص به من العلم ؟ .

لماذا لا نفتح للفتيات المدارس والمعاهد العالية الخاصة بهن ، ونهيئ لهن الأستاذات القديرات ذوات الكفاءة ، الّلاتي يضمنّ لتلميذاتهن بلوغ الغاية ، في أي حقل من حقول الثقافة ، وفي أي فرع من فروع العلم ؟ .

أمّا أن نوصد في وجوه الفتيات أبواب التثقيف إلا في المعاهد المختلطة ، ثم نقول للإسلام : عليك أن ترفع الحجاب عن المرأة وتسمح بدخولها هذه المعاهد ، وإلا فانك قد حرمتها حقها من الثقافة وطلب العلم .

أو انك قد تناقضت في تعاليمك ، كما تقتضيه عبارة السؤال .

أما ان نفعل نحن حسب مشتهياتنا ما نشاء ، ثم نحمّل الإسلام التبعة ، ونلقي عليه المسؤولية ، فهذا هو المنطلق الملتوي ، وعلى أي حال فالإسلام لا يقبل هذه المساومة .

بلى ؛ ان الإسلام يطب كل داء ، ويحل كل مشكلة ، ولكنه لا يتبنّى منتجات النظم والمبادىء الأخرى ، ولا يصحّح أخطاءها ، ولا يقيل كبواتها ، ولا يتمم نقصانها ، وشأنه في هذه الظاهرة شأن المبادئ التي تحترم ذواتها ، وتأبى على مقرّراتها وقواعدها ان تتناقض ، أو تتعارض .

إنها لا تتبنّى منتجات سواها ، ولا تتحمل تبعاتها .

ان الإسلام أمر المرأة ان تحتجب عن غير المحارم والزوج من الرجال ، وقد تعرضت لبعض وجوه الحكمة في هذا العلاج الإسلامي في رسالة سابقة .

وأمرها ان تلزم بيتها تمكيناً لهذا الحكم ، وتبعيداً لها عن الاختلاط، ولكنه لم يمنعها ان تخرج إلى معاهد التثقيف ودور العلم ، إذا كانت هذه المعاهد والدور مختصّة بالإناث ، بعيدة عن الاختلاط .

ولم يمنعها أن تخرج لتقوم بوظيفة اجتماعية لا تؤدي إلى الاختلاط، كالتطبيب للنساء والأطفال ، والتدريس الابتدائي أو المتوسط أو العالي في معاهد الفتيات .

ولم يمنعها ان تبرز في أي ميدان من ميادين العلم لتقوم بواجب علمي ، أو واجب اجتماعي ، لا تختلط -في أدائه- مع الرجال .

لم يمنعها الإسلام ان تخرج من بيتها لتقوم بشيء من ذلك أو ما يشبهه ، إذا هي لم تخالف في خروجها حكماً من أحكام الشريعة ، ولم تهدر حقاً من حقوق الزوج ، أو واجباً من واجبات التربية للأطفال... الأمور التي كوّنت المرأة لها بحسب الطبيعة .

وقد تحدثت عن هذا في كتابي (من أشعة القرآن) .

والمرأة التي تقوم بهذه الأدوار المهمة الاجتماعية والعلمية ، ليست منفصلة عن المجتمع ، وان كانت من وراء حجاب ، ليست منفصلة عنه أبدا ، فيحصل لها من الاحتكاك الكافي به ، والاتّصال الدائم بمعطياته ، والتأثير والتأثّر بنتائجه ما يصقل تجاربها ، ويضاعف خبرتها في شؤون الحياة .

والأخذ والرد في الآراء والتفاعل في المشاعر لا يتوقّف على خلع الحجاب بين الرجل والمرأة ، إذا كانت المرأة مزوّدة بالثقافة الكاملة ، وبالفهم الصحيح للحقوق والواجبات والمبادئ والغايات .

وإذا كثر في النساء من هذا الصنف المتيقّظ الوعي ، المتوسّط أو العالي الثقافة ، كان لهن جو اجتماعي كامل ، يتبادل مع محيط الرجال الرأي ، ويتفاعل معه في النتائج ، ويتآزر معه على بلوغ الأهداف .

 

*  *  *

 

وقلت في رسالتك : ان بعض الكتّاب أومأ -من بعيد- إلى عدم لزوم الخبرة والتجارب في الحياة للمرأة ، فإنها مستغنية عنها ، وهي إنما تحتاج إلى ما تدبّر به مملكتها الصغيرة : بيتها . زوجها . أطفالها .

ولا أدري ما يقصد هذا النفر من الكتّاب ، بعد ان كانت إيماءته من بعيد .

لا تفتقر المرأة إلى تجارب في الحياة ، ولا تفتقر إلى خبرة في شؤونها.

ماذا يعني هذا القول ؟! ، والى أي حدّ ينتهي ؟! ، والنساء لسن على مستوى واحد ، ولا إلى اتجاه واحد ، وحاجة بعض النساء إلى الخبرة والتجربة لا تقّل عن حاجة الرجال .

ماذا تعمل التّاجرة التي ورثت عن أبيها أو قريبها تجارة كبيرة متعددة الجوانب ، متّسعة الأقطار ، ألا تفتقر إلى تجارب وخبرة تدير بها تجارتها ، وتدبّر عمّالها ومعاملها ، وان كانت من وراء حجاب ؟ .

والملّاكة التي انتقلت إليها بالوراثة الشرعية وفرة من الأراضي والأملاك ، متباعدة الأمكنة مختلفة الانتاج ، ألا تحتاج إلى خبرة وتجارب تدبّر فلاحيها ووكلاءها ، وتستثمر أراضيها ، وان كانت لا تختلط بالرجال ؟! ، و ... و ...

ومملكتها الصغيرة : بيتها ، زوجها ، أطفالها ، أسرتها ، ألا تفتقر في تدبيرها وحسن رعايتها إلى خبرة واسعة وتجارب مضمونة ؟! .

لا أظنّ أن اولئك الكتّاب يجحدون ذلك ، ولقد بلغ مجتمعنا الرّاهن ما بلغ من ترهّل الأفراد ، ونقصان التربية ، وجحيم الأسرة ، ولجهل المرأة ، وضعف تجاربها ، وقلّة خبرتها ، الأثر البالغ في كلّ اولئك !! .

 

*  *  *

 

أمّا العبودية البيولوجية للمرأة ، التي أشرت إليها في رسالتك ، وقلت : إن لها إسهاماً كبيراً في نظرة اولئك الكتّاب ، فإنها لا تتفّق وتعاليم الإسلام ، ولا يعوّل عليها كاتب إسلامي يعرف ما يقول .

وهي فكرة حديثة وضعها بعض المتطّرفين من أنصار حريّة المرأة، ليبرّر بها ما يقول .

يقول هذا البعض : إن الرجل فرض سيطرته على المرأة ، وأوحى إليها أنّها لا تستطيع الاستقلال عنه ، وخضعت المرأة لسيطرته ، وأذعنت لإيحائه ، وبتطاول الأزمان والعصور ، هيّأت الطبيعة أعضاء المرأة للعبودية ، وعدم الاستقلال ، اقرأ كتاب (المرأة في عصر الديمقراطية) .

هي فكرة لا تقرّها قواعد الإسلام وتعاليمه ، ثم هي بعدُ نظرة يعوزها السّند المثبت من العلم ، ومن التأريخ .

واختلاف المرأة عن الرجل لا يعود إلى شكل الأعضاء وتركيبها فحسب ، بل يعود إلى ما هو أدقّ من ذلك وأشمل ..

إلى الخلايا التي يتألّف منها جسد المرأة وجسد الرجل ، والى إفرازات الغدد التي تبعث الحيوية وتوجّه النشاط ، والى الخلّية التناسلّية الملقّحة التي خلقت منها الأنثى ، والأخرى التي خلق منها الذكر ، وفي كتاب (الإنسان ذلك المجهول) بحوث نافعة في هذا المجال .

 

*  *  *

 

وذكرت قابلية المرأة للنبوغ ، والتفوّق الفكري في مختلف المجالات العلميّة والفنّية ، وأشرت إلى عدة من الشواهد على ذلك ، وأسهبت بعض الإسهاب فيه .

ثم قلت : ألا يعدّ حجر المرأة في البيت تعطيلاً لقابلية فذّة ، وقتلاً لمواهب لو أتيحت لها الفرصة لساهمت في خدمة البشريّة مساهمة فعّالة؟ .

والإسلام أيها العزيز- لا ينكر قابليّة المرأة ، وهو دين الله الذي آتاها هذه القابلية ، والله لا يجحد ما وهب .

الإسلام لا ينكر قابلية المرأة ، ومن أجل ذلك فرض عليها طلب العلم كما فرضه على الرّجل، وفسح لها باب العمل كما فسحه للّرجل، ووعدها بالدّرجات الرفيعة ، والحياة الطيّبة إذا عملت صالحاً- كما وعد الرجل ، سواءً بسواء .

ولا يهمنّي –الآن- أن تكون قابلّيتها الفكرية توازن قابلية الرجل أو تنقص عنها ، كما يقول الأستاذ (دوفاريني) في (دائرة المعارف الكبرى) ، والأستاذ (محمد فريد وجدي) في (دائرة معارف القرن العشرين) ، والأستاذ (عباس محمود العقّاد) في كتابه (المرأة في القرآن)، وهو ينقلون ذلك عن جماعة من علماء الفسلجة وعلماء الأحياء .

لا ينكر الإسلام قابليّة المرأة ، ولا يحجرها ، ولا يعطّل قابليّتها، ولا يسوّغ قتل مواهبها ، ولكنه يأمرها بالحجاب عن الرّجال ، ولا يسوّغ لها الاختلاط بهم ، فعلى المجتمع أن ينشئ لها معاهد خاصّة بها تنمّي قابليّتها ، وتفتّق مواهبها ، وتبلّغها الغاية التي تسمو إليها ، كما يصنع للبنين .

والإسلام لا يعيّن للمرأة نوعاً من الثقافة ، ولا فرعاً من العلم .

فلها أن تختار ما تشاء منها ، وهو يحّب لها أن تبرز وتتفوّق في النوع الذي تختاره من الثقافة ، والفرع الذي تتخصّص به من العلم ، مع مراعاة حدودها الشرعيّة .

ولكن من الخير لها -وللمجتمع من ورائها-، أن تختار من فروع العلم ما تستطيع أن تساهم به في خدمة المجتمع ، مع ملاحظة أنها امرأة ربة بيت وذات حجاب ، وقد ذكرت آنفاً- بعض الوظائف العالية التي تستطيع أن تقوم بها مع مراعاة حدودها .

هذه ماهيّة الثقافة التي يريدها الإسلام للمرأة ، وهذه أبعادها، وهذه كيفيّة تلقيّها .

أمّا (التوفيق) بين إدارة البيت وبين التثقيف ، فأسسه (الإمكانيات) الخاصّة التي تجتمع لها ، وهي تختلف من واحدة لأخرى ، كما تختلف في الذكور .

وأمّا علم الدين : علم ما يبيّن لها عقيدتها ، ويصحّح لها عملها ، فهو واجب عينيّ عليها ، كما هو واجب على الرجال ، والازدياد منه على هذا المقدار واجب كفائي على الجميع ، وفي النساء من بلغن الدّرجات العالية في هذه الحقول ، وفي النساء المعاصرات من شهد كبّار المجتهدين لها ببلوغ درجة الاجتهاد ، وحصافة الرأي في الفقاهة .

ولدي ...

لقد طالت الرّسالة ، لأن النواحي التي تعرّضت لها في السؤال تحتّم علي البسط في الجواب ، وطول الرسالة قد يوجب السأم لك وللقرّاء الآخرين يوم تقع بأيديهم- .

فلأختم حديثي عند هذا الحدّ ، لأبتدئه ان شاء الله- في رسالة أخرى حول بقية سؤالك عن المرأة ، ومن الله التوفيق .

ولك جميل تحياتي ، وطيّب ثنائي .

 

 

 

(34)

الشخصية أيضاً . أبعادها . مقارنة بين المرأة المسلمة والمرأة الأوربية . شروط المقارنة . نظرة الغرب في المرأة . حقائق مؤسفة . نظرة الإسلام في المرأة . علاقتها بالرجل . النزوع الجنسي. عوامل تجتمع للفتاة . أجدى السبل في ضمان حقها .

 

بغداد كلية الطب

10/ رمضان / سنة : 1387هـ

ولدي الزكي الأديب …… دمت في مسّرة وغبطة .

سلام الله عليك ، وتحياته الزاكية ، ونعماؤه الموصولة ، ونظرته الواقية ، مع عاطفة أبيك ، وباسم أمله ، وخالص دعائه ، أن يتّم الله لك النور الذي مدّك به من الإيمان ، ويضاعف العطيّة التي رفدك بها من المواهب .

عزيزي : كنت أرسلت إليك قبل أيّام رسالة مسهبة تتضمّن الإجابة عن بعض سؤالاتك حول تثقيف المرأة في الإسلام ، وإسهاب الرسالة ألجأني لإرجاء بعض الحديث إلى رسالة ثانية خشية الإملال، وما أقّل الجدوى في الحديث إذا أوجبت السأم لطوله ! .

وتحدّثت إليك في صدر الرسالة عن الشخصية في الإسلام ، كيف تنشأ ؟، وكيف تتكامل ؟، وممّ تتكوّن ؟، وعلى أي أساس تبتني ؟ .

الشخصية القوّية الثابتة ، التي لا تعرف الوهن في موقف ، ولا الذّبذبة في رأي ، ولا الميوعة ولا الترهّل في سلوك ، ولا الخفّة في مظهر، ولا التردّد في عمل ، والتي تستمدّ قوتّها وثباتها من قوّة الإسلام وثباته، ورصانة مناهجه ، ومضاء حجته ، ثم هي على قوتها وثباتها- متسامحة مرنة ، قد طبعتها مرونة الإسلام وتسامحه ، وروّضتها أخلاقه وآدابه ، فكانت مرونتها وتسامحها ودماثة أخلاقها من مظاهر قوتّها وثباتها .

الشخصية المحبوبة المؤثرة ، التي جمع لها هذا الرصيد من الحّب في قلوب الناس ، وهذه الجاذبية لهم ، وهذا الأثر البالغ في نفوسهم ومشاعرهم إخلاصها في النصيحة لهم ، وعملها الدائب لإسعادهم، وابتغاؤها رضا الله ، والزلفة لديه بحبّهم ، وحب الخير لهم ، وتطبيق مناهج الله في مواساة فقيرهم ، وتعليم جاهلهم ، وإرشاد ضالّهم ، والأخذ بيد منكوبهم .

الشخصية العالمة المؤمنة ، التي رسّخ علمُها إيمانها ، ودعّم إيمانها علمَها ، وتساندا على تسديدها في هذي الحياة ، فلم تخط خطوة ، ولم تنهج نهجاً ، ولم تعمل عملاً ، إلا عن علم وإيمان .

العالمة المؤمنة ، ذات العلم النافع ، والإيمان الراسخ البنّاء ، الذي يسري مع الابتسامة ، وينفذ مع الكلمة ، ويشعّ مع النظرة .

الشخصية المتفائلة ، التي توقن ان الكون والطبيعة والحياة والعلم، كلّها تسير في ركابها ، وتتجّه إلى غايتها ، فكلّ حركة ، وكل خطوة تقرّبها من الهدف ، وكل ظاهرة تبشّرها ببلوغ الغاية .

أما الحركات والخطوات المخالفة لها ، فإنها محدودة موقوتة ، مهما بلغت من القوّة ، ومهما بلغت من العموم ، لأنها تعاكس الاتجاه الكوني العام ، فمصيرها -ولا ريب- إلى الفناء .

المتفائلة ، التي يعلّمها الإسلام ان تبتسم وتتفاءل ، وينهاها ان تيأس وتقنط ، مهما جدّت الأمور ، وبلغت من الطغيان ، ويلقّنها أن الفرج والفتح روح الله ورحمته .

و)لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .( . (87 : يوسف)

)وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ .( .(الحجر : 56)

ثم هي -إلى تفاؤلها- حازمة جادّة ، لا يقعد بها تفاؤلها عن الجدّ، ولا يسوقها جدّها إلى الملل والقنوط ، بل يدعوها التفاؤل والشعور بالمسؤولية إلى الجد ، والأخذ بالحزم .

الشخصية التي لا تهّم إلا بالخير ، ولا تفكر إلا فيه ، ولا تسعى إلا له .

الخير للناس أجمعين ، حتى للأعداء الأبعدين ، وحتى في حربها إيّاهم ... ان الجّراح حين يقطع العضو الموبوء لا يفكر إلا بسلامة المريض .

هذه الشخصية التي ستتكامل لك يوم تحرز الخطوات الباقية ، التي أشرت إليها في رسالتي تلك ، فأيّ طرف من أطراف السعادة ، وأيّ مدىً من آمادها لا يكون تحت متناول يدك ؟ .

سر أيّها العزيز- سر ، فكل خطوة تخطوها تحرز لك مدىً، وتضمن لك فوزاً .

سر ، فالله كفيل لك بالغاية ، وهو عونك في السعي ، ودليلك في السبيل .

وهذه هي الخطوط التي رسمتها لمستقبلك أوّل يوم راسلتني ، وأول يوم عقد الله هذه الصلة بينك وبيني ، والتي أشرت إليها في بعض رسائلي ، أضعها كاملة بين يديك اليوم ، لتعجب من حسن الاتفاق، بل ومن حسن التوفيق .

أمّا الغد الذي ستذوق فيه أولى الثمرات ، وتحقّق لإسلامك فيه أولى الأمنيات ، فهو جدّ قريب .

 

*  *  *

 

ولدي ..

ذكرت في رسالتك حديثاً لبعض زملائك في كليّة الطب حول المرأة المسلمة ، والتصريح برغبتها في الجنس ، ومقارنتها في هذه الناحية بالمرأة الأوربية .

قال : ان المرأة الأوربية تخرج إلى الشارع ، وتندمج في المجتمع، وتخالط كثيراً من الناس شبّاناً وشابّات ، وتخططّ في ذهنها صورة لفارس أحلامها ، وتبحث عنه ، فإذا وجدته صارحته بأنها تود الاقتران به ، فإن وافقها في الرغبة تزوجا ، وإلا بحثت عن شخص آخر تتوفر فيه الصفات التي تحبها لتقترن به ، وبذلك تضمن حقها الطبيعي في الزواج، وإشباع الرغبة من طريقها المشروع .

هذا في الفتاة المستقيمة ، وفي الحالات غير الشاذة ، ولا يهمنا ما يحدث بعد ذلك من الملابسات .

أما المرأة المسلمة فهي غير قادرة على ممارسة هذا الحق ، لسببين :

أولهما : تربيتها الدينية التي تفرض عليها الحياء والخفر ، وعدم التلميح بأنها تريد شيئاً ، فإن هي خالفت فلها الويل .

ويضم إلى هذا عدم ورود نصوص تدعو المرأة إلى ذلك ، أو تفهم الآباء بأن هذه المطالبة منها حق طبيعي ، فإن الأحاديث التي وردت في الحثّ على الزواج ، إنما أكدّت على دعوة الشاب إليه ، وليس بينها حديث واحد يدعو الفتيات كما يدعو الفتيان .

والسبب الثاني : ركود المرأة في البيت ، وعدم خروجها إلى المجتمع لتعرف الشبان ، أو على الأقل- لتتعرّف على واحد تصارحه برغبتها.

ان الفتى إذا ألحّ عليه خاطر الجنس أعلن بصراحة أنه يريد زوجة، فإلى أي سبيل تلجأ الفتاة ؟ .

فهل تنتظر اليوم الذي يطلب يدها الخاطب ؟ ، وربما يطول الزمن دون جدوى ، حتى تيأس من كل أمل لها في الحياة ، ومن هنا ينبع كثير من الأمراض النفسية والجسمية عند الفتيات .

هكذا يقول محدثك ، وقد توخيت أن يكون السؤال بعبارته التي حررتها في رسالتك .

وأودّ أن أقول لمحدثك هذا قبل أن ألج في صميم الجواب : إن المقارنة بين مبدأ ومبدأ في نتيجة من النتائج ، بل وبين أي شيء وشيء آخر في ظاهرة من الظواهر ، لا بد وأن ينظر فيها بعين الاعتبار إلى الخصائص والسمات التي يتصف بها كل واحد من المبدأين ، أو الشيئين اللذين تراد المقارنة بينهما ، والملابسات الخاصة التي تحوط كلا منهما، وتترتب عليه .

أما أن ينظر إلى النتيجتين مجردتين عن الخصائص والملابسات ، فهذا ما يبعد بالفكر عن الحكم الصحيح .

وللإسلام نظرته الخاصة التي يقيم عليها أحكامه في الرجل ، وفي المرأة ، وفي المجتمع الذي يتقوّم منهما ، وفي علاقة أحدهما بالآخر .

وللمبادئ المادية التي تسيطر على أوربا ، وتسيّر المجتمعات والأوضاع فيها نظرتها الخاصة كذلك ، في الرجل والمرأة وفي علاقتهما ، ولكل من النظرتين شؤونها وتبعاتها .

ولا يصح لنا أن نسقط ذلك من الحساب ، إذا حاولنا المقارنة بين المرأة المسلمة والمرأة الأوربية في هذه الناحية التي تعرّض لها السؤال ، أو غيرها من النواحي التي حددّها الإسلام .

وقد بسطت القول عن نظرة الغرب في الفصل الثامن ، والتاسع ، والعاشر ، والحادي عشر ، من كتاب (العفاف بين السلب والإيجاب)، (ص : 41 - 62) .

وتحدثت عن نظرة الإسلام في الفصل الثاني عشر ، والثالث عشر منه ، (ص : 62 - 68) ، فليرجع إليه من يطلب التفصيل .

1 - قال الغرب بالحرية للإنسان ، وهتف بها وأمعن في الدعوة إليها ..

والحرية حق من حقوق الإنسان الفطرية التي يجب أن تقرّر له ، شريطة أن لا تزاحم حرية ، أو حقاً لفرد آخر ، أو تزاحم حرية أو حقاً للجماعة .

أما إذا أردنا أن نقرّر للإنسان الحرية المطلقة في أعماله وتصرفاته وشؤونه ، دون حد أو شرط ، فمعنى ذلك : أننا نقرّر الفوضى المطلقة التي تمزق المجتمع ، وتبطل القوانين ، وهذا هو موطن الضعف في قولة الغرب ، أو –بالأحرى- في تحميل الغربيين لكلمة الحرية أكثر مما تستحق .

2 - وقال بمساواة الرجل والمرأة ، وهتف بها كذلك ، وبالغ في الدعوة إليها .

ومساواة الرجل والمرأة كذلك حق يجب أن يقرّر وأن يحدّد ، شريطة أن لا يصادم أمراً قرّرته الطبيعة ، ونفّذت حكمها فيه .

وقد رأينا الطبيعة أعدّت كيان الرجل وأعضاء جسده لحمل شطر من أعباء الحياة ، وأعدّت كيان المرأة وأعضاء جسدها لحمل شطرها الآخر .

ومعنى ذلك : أن الطبيعة قد أعدّتهما لشركة الحياة على هذا الوجه وعلى هذا التقسيم ، ووجدنا أثقال الحياة التي أعدّت لها المرأة لا يمكن أن يقوم بها أحد من الرجال ، ومن الظلم أن نحملّها كلاً من أعباء الرجال وأعباء النساء ، وهذا موطن الضعف في قولة الغرب التي هتف بها .

3 - وقال بأن المادة مبدأ كل شيء في عالم الطبيعة ، وهي غاية كل حركة فيها ، فلا أصل غير المادة ، ولا غاية سواها ، وجحد ما وراء المادة مطلقاً ، فلا إله ، ولا دين ، ولا قيم ، ولا أخلاق .

هذه هي الركائز الثلاث  لنظرة الغرب في المرأة ، وفي علاقتها بالرجل ، وفي المجتمع الذي يتألف منهما .

فإذا لم يكن غير المادة شيء ، ولم يكن دين ولا قيم ولا أخلاق ...

وإذا كانت المرأة مساوية للرجل في كل شيء ، وفي كل حق ، وفي كل ميدان ...

وإذا كان المبدأ العام الذي يجب أن تنصاع له البشرية ، وتصاغ عليه قوانينها : هو الحرية التامة المطلقة ، للمرأة وللرجل على السواء ، فلا قيد ، ولا شرط ، ولا حدّ ، فماذا يربط المرأة بالرجل غير الرابطة الطبيعية العامة .. غير الرابطة الجنسية ، التي تربط الأنثى من كل نوع بالذكر ؟ .

وعلى ذلك ؛ فلماذا تتقيد المرأة برجل معيّن ؟، أو يتقيّد الرجل بامرأة معينة ؟ .

وما شأن المواضعات والقيم والأخلاق والدين ، بعد أن نبذناها، وجحدنا أسسها وتبعاتها ، لأنها غير مادية ؟ .

ثم ؛ ما شأنها وهي تصادم الحرية ، مبدأ البشرية العام ؟! .

وانطلقت المرأة كما يؤمل لها -تحت ظل هذه النظرة-، وانطلق الرجل كما يؤمل له أيضاً ، فإن هذا هو منطق الغريزة المتحرّرة من القيود .

وأعان على ذلك الاختلاط المطلق العاري الخليع بين النساء والرجال ..

وأعان عليه استقلال المرأة عن الرجل ، واستغناؤها الكامل عنه في شؤون المعاش ، وفي جميع تكاليف الحياة ..

وأعان عليه التطور في مظاهر الزينة ، وأسباب التجمّل ، وفنون الفتنة والإغراء ..

وأعان عليه أمور كثيرة أخرى متقاربة المنبع ، متفقة الإتجاه ..

وماذا ينتظر من غريزة مشبوبة ، تحدوها دفعة الشباب ، وعوامل الإغراء ، وتمهد لها السبل ، وترتفع دونها الحواجز ؟! .

نعم ؛ انطلقت المرأة الأوربية ، وانطلق الرجل الأوربي ، كما يؤمل لهما تحت ظل هذه النظرة ، وهما –بعد- لا يزالان منطلقين إلى أبعد حدّ ، وأحط غاية في هذا السبيل .

إنها حقائق مرّة مؤسفة في تاريخ البشرية ، ولكنها على أي حال- معلومة ثابتة ، ليس في ثبوتها جدل ولا مراء ، وقد أوردت عليها عدة شهادات موثوقة ، يؤديها جماعة من العلماء الغربيين ، فاقرأها في كتابي الآنف الذكر ، ثم هل تريد أن أردفها بشيء من مزيد ؟ .

يقول العالم الاجتماعي الكبير (بول بيرو) : (لم يقف الأمر عند المدن الكبيرة فحسب ، بل قد أصبح الشبان في القرى والأرياف أيضاً يعترفون بأنه ليس لأحدهم حق في توخيّ العفّة والبكارة في مخطوبته ، إذا كان هو نفسه لا يتصف بالعفاف) . انظر (ص : 93) من كتاب (الحجاب) لأبي الأعلى المودودي .

ويقول عميد كلية شهيرة في باريس لبول بيرو : (ان عامة الشباب يريدون بعقد النكاح استخدام بغيّ في بيتهم أيضاً ، ذلك أنهم يظلون مدة عشر سنين أو أكثر يهيمون في أودية الفجور أحراراً طلقاء ، ثم يأتي عليهم حين من دهرهم يملّون تلك الحياة الشريدة المتقلقلة ، فيتزوجون بامرأة بعينها ، حتى يجمعوا بين هدوء البيت وسكينته ، ولذة المخادنة الحرة خارج البيت) . انظر (ص : 116) من المصدر نفسه .

هذا بعض ما في فرنسا ، يكتبه عالم اجتماعي فرنسي شهير .

وفي أمريكا : يقول القاضي (بن لندسي) الأمريكي (رئيس محكمة جنايات الصبيان بدنور) في كتابه (تمرد النشء الجديد) :

(ان خمساً وأربعين في المائة من فتيات المدارس يدنسن أعراضهن قبل خروجهن منها) .

وترتفع هذه النسبة كثيراً في مراحل التعليم التالية ، فيكتب :

(إن طالباً في مدرسة ثانوية تكون عواطفه دون عواطف الطالبة شدّة والتهاباً ، فالصبية هي التي تقدم أبداً وتأمر ، وما يفعل الصبي إلا أن يتبع ويأتمر) .

ثم هذا ليس غير باب نافذ يفضي إلى أبواب . انظر (ص : 128) من المصدر المتقدم .

وتقول جريدة (Free Press ) الأمريكية ، التي تصدر بدترويت (Detroit) :

(ان ما قد نشأ بيننا اليوم من قلة الزواج ، وكثرة الطلاق ، وتفاحش العلاقات غير المشروعة -الدائمة أو العارضة- بين الرجال والنساء ، يدل على أننا راجعون القهقرى إلى البهيمية ، فالرغبة الطبيعية في النسل إلى التلاشي ، والجيل المولود ملقى حبله على غاربه ، والشعور بكون تعمير الأسرة والبيت لازماً لبقاء المدنية والحكم المستقل يكاد ينتفي من النفوس ، وبخلاف ذلك ، أصبح الناس ينشأ فيهم الإغفال عن مآل المدنية والحكومة ، وعدم النصح لهما) .

ثم اقترحت الجريدة الآنفة الذكر حلاً للمشكلة ، والحل الذي تقترحه : هو النكاح الاختباري : أن يعاشر الرجل المرأة ، على سبيل التجربة حيناً من الزمان ، بدون إجراء عقد بينهما ، فإن هما استقاما على الألفة بينهما تزوجّا ، وإلا افترقا ، وبحث كل واحد منهما عن زواج آخر .

وهو حلّ عجيب ، ليس أقل ضرراً ولا خطراً من أصل المشكلة. انظر (ص : 137) من المصدر المتقدّم .

وفي إنكلترا ، يقول المؤرخ الإنجليزي (جورج رائيل اسكات) في كتابه (تاريخ الفحشاء) :

(ولا تزال تكثر النساء اللاتي يزاولن العلاقات الجنسية قبل الزواج من غير ما تحرج ، وفي حكم النادر والشاذ وجود الأبكار ، اللاتي يكنّ في الحقيقة والواقع أبكاراً ، عندما يعقدن النكاح عقد الوفاء الأبدي- أمام منبر الكنيسة) . انظر (ص : 141) من المصدر المتقدم .

ويقول في كتابه الآنف الذكر :

(فالآن أصبحت الفتيات لا يخطر ببالهن الزواج ، أو الحياة العفيفة الكريمة ، حتى صار اللهو والمجون الذي كان يطلبه في الزمان الغابر أوغاد الناس تطلبه كل فتاة اليوم ، وأمست البكارة والفتوة شيئاً من آثار الماضي ، يؤود حفظهما فتاة العصر الجديد ، فليست متعة الحياة عندها إلا أن يعبّ المرء كأس اللذات إلى صبابتها في الشباب ، فهي تسعى وراء تلك اللذات ، وتبحث عنها في المراقص والأندية الليلية والفنادق والمقاهي .)..

إلى آخر ما يسجله هذا المؤرخ في هذا الكتاب . أنظر (ص : 143) من المصدر ذاته .

هذه بعض الشهادات عن حال المرأة الأوربية والأمريكية في هذه الأقطار الثلاثة ، بأقلام كتّاب وعلماء من أبنائها ، يقولون الحقيقة لا يواربون ولا يخادعون .

والأقطار الأوربية الأخرى لا تقصر عن هذه الأقطار الثلاثة في شيء من ذلك -إن لم تزد عليها- .

ولدي العزيز ..

وبعد هذا التقديم ، وهذا العرض الموجز ، لنرجع إلى حديث زميلك الذي عقدت له السؤال ، لنقف منه أولاً- على نقطتين .

لنقف على قوله : إن المرأة الأوربية تخرج ، وتندمج ، وتخالط ، وتخطط في ذهنها صورة لفارس أحلامها وتبحث عنه إلى نهاية ما يقول .

لنقف هنا ، ولنتساءل جادّين : كيف تخطط الصورة ؟، ومتى ؟، وهل لأحلامها فارس محدّد لتخطط له صورة معينة ، وهي تندفع هذه الاندفاعة العارمة ، المتمردة على الحدود ؟! .

متى يكون هذا التخطيط ، والانطلاقة تفاجئها قبل أوان نضوج الغريزة ، وهي صبية في الحادية عشرة كما يقول القاضي (بن لندسي)-، أو في السابعة والثامنة كما يقول الدكتور (أديث هوكر) في كتابه (القوانين الجنسية) انظر (ص : 124) من المصدر نفسه .

إنها فكرة شاب شرقي ، بعيد عن واقع الفتاة الأوربية ، وعن ملابساتها ومحيط حياتها ، فهو يظن خيراً ، ويسلسل أفكاره على ما يظن ، وما أكثر ما تتخلف الظنون !! .

لا ، لا -أيها العزيز-، ان الأمر أسرع من ذلك ، وأكثر وضوحاً، ولينظر صديقك أحد المصادر الأجنبية التي تتعرض لهذه الناحية كي يتضح له ذلك .

نعم ؛ قد تريد الفتاة الأوربية الاقتران برجل معيّن ، ولكن بعد تجوال طويل ، وتطواف مع الغريزة ، حتى ينالها السأم ، وتخلد إلى السكون كما يقول بعض شهادات الكتّاب الغربيين- ، وهو اقتران لا يضمن به وفاء ، ولا تصح به مقارنة .

ثم لنقف على قوله: mولا يهمنا ما يحدث بعد ذلك من الملابساتn ولننظر : كيف يصحّ ذلك ونحن في موضع مقارنة بين مبدأين ، أو بين نظامين ؟! .

بلى ، قد يصح إغفال بعض الملابسات التي تحدث وإسقاطها من الحساب ، إذا كانت نادرة قليلة الوقوع ، لأن النادر لا يقاس عليه ، ولا يخدِش بقياس ، إذ لعل وقوع تلك الملابسات القليلة كان مجرد اتفاق .

 أمّا إذا كانت هي الكثرة الكاثرة ، أو الظاهرة العامة ، فلا يمكن إغفالها أبداً ، ولا يمكن الخلوص إلى النتيجة الصحيحة مع التغاضي عنها ، وفي المنقولات السالفة ما يوضح الأمر .

هذه نظرة الغرب في المرأة ، وعلاقتها بالرجل، وهذه بعض تبعاتها.

وأما نظرة الإسلام في ذلك ، فتكفي -لتحديدها والدلالة عليها- هذه النصوص الكريمة :

)يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً .( . (النساء : 1)

)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .( .(الروم : 21)

)هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..( . (البقرة : 187) .

هذه هي المرأة في نظر الإسلام ، إنسانة كاملة كالإنسان الذكر ، ولا فرق بينهما في ذلك ، mخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَاn ، mخَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاًn ، والموائز الموجودة بينهما إنما هي توجيهات طبيعية في تكوين كل واحد منهما ، تعدّه لحمل نوع من الأعباء .

ثم هذه علاقة المرأة بالرجل ، وعلاقة الرجل بالمرأة في الإسلام : سكن روحي وطبيعي يلجأ إليه كل من الزوجين ، وعقد مودّة ورحمة ، يعقده الله الودود الرحيم بين قلبيهما .

أما النزوع الجنسي ؛ فهو أحد الجهات التي تتكون منها هذه العلاقة، وهو آخرها جميعاً في حساب الدين .

وحتى هذا النزوع الجنسي بين الزوجين ، لا تكون له صبغته الحيوانية الخالصة في رأي الإسلام وفي ظل نظرته .

واقرأ إذا شئت- معي قوله (تعالى) : ) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ ... هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..( .

 هكذا يعبّر القرآن وهو يتحدث عن الصلة الجنسية : mهُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّn ، كل منكما لباس لصاحبه ، يصونه عن التبذل، ويقيه عن لفح الغريزة ، وعادية الجنس ، ويتزين بلبسه في الحياة .

 

*  *  *

 

ولدي الحبيب ..

والإسلام لا ينكر دفعة الغريزة -ولا سيما في أوان المراهقة- ولا يتنكّر لها ، فهي أمر طبيعي لا يمكن جحوده ولا التنكّر له .

ومن أجل ذلك حثّ الإسلام على التزويج ، وأكّد في الدعوة إليه، بل وأوجب التزويج على الإنسان إذا كان موسراً ، وخشي من نفسه أن يقع في المحرم إذا ترك التزويج .

بني ..

وحثّ الإسلام على التزويج وتأكيده في الدعوة إليه لا يختص بالذكور -كما يقول زميلك في سؤاله-، أو على الأصح- كما تقول أنت في تركيز سؤال ذلك الزميل .

لا يختص بالذكور ، فأكثر النصوص الواردة في ذلك ، عامة أو مطلقة تشمل الرجال والنساء .

فقول الرسول(ص) مثلاً- : (النكاح سنتي ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ، عام لا يختص بالرجال وحدهم .

وكذلك قوله (ص) : (من تزوّج أحرز نصف دينه ، فليتق الله في النصف الآخر) ..

إلى أكثر النصوص التي تتحدث عنها .

إن الإسلام لا ينكر دفعة الغريزة ، ولا يتنكّر لها ، ولكنه ينكر على الذكر أو الأنثى أن تندفع معها ، وانه ليعلم حق العلم- أن (الجوعة الجنسية) لا تشبه (جوعة المعدة) ، فهي إنما تستثار بالقصد ، وبالتفكير ، وبالتعرّض للمحرّضات والمغريات والمثيرات ، أما إذا لم يتعرّض الإنسان لشيء من أولئك فهو بمأمن منها ومن عواديها ، وهذا واضح كل الوضوح .

ولكن فكر المراهقة نزق طائش ، لا يعي رشده ، ولا يحسن الاختيار .

وهو -من أجل ذلك- مفتقر إلى مرشد حاذق أمين ، يبصّره السبيل، ويقيه العثار ، والفتيات كالفتيان في كل أولئك .

ويضمّ إلى فكر المراهقة -الذي لا يحسن أن يختار وهو يمّر بهذه المرحلة الدقيقة- أن الفتاة في الإسلام محجبّة لا تختلط بالرجال ، ولا تعرف أخلاقهم ، ولا أطوارهم .

وتضمّ إلى ذلك ظاهرة الحياء التي فطر عليها الإنسان ، وكانت أحد مشاعره الفطرية الأصيلة ، العميقة الآثار والجذور ...

ظاهرة الحياء التي أودعتها الفطرة في طباع الإنسان ، الذكر منه والأنثى ، وإن كان حظ الأنثى منه أكثر وأوفر .

وليست هذه الصفة وليدة تربية مخصوصة -كما يفهم من عبارة السؤال-، ولكن التربية توجّه ذلك الشعور الفطري ، فتقوّيه أو تضعّفه وتضاعفه أو تميته ، حسب توجيهها ، وحسب اقتضاء مناهجها .

ومناهج الإسلام التربوية تلتزم هذا الشعور -وكل شعور طبيعي آخر- فتوفيّه حقه معتدلاً ، دون زيادة أو نقصان .

والزيادة والنقصان عن الحد الصحيح في هذه الصفة -وفي كل ناحية فطرية أخرى- انحراف لابد من تقويمه ، وإرجاعه إلى الاعتدال .

والمضاعفات التي تحصل في سلوك الإنسان إنما تنشأ من انحراف التربية عن النهج القويم .

هذه أهم العوامل التي تجتمع للفتاة المحافظة أبّان مراهقتها .

فإذا أضيف -إلى ذلك- قصور في تربيتها العامة ، وجهل بوجوه الاختيار ، فكيف يمكن أن يجعل زمام أمرها بيدها ؟ .

وهل ذلك إلا إهدار لحقها الصحيح ، وتضييع لسعادتها المرجوة؟.

وحقها الصحيح ليس هو إشباع رغبتها الجنسية ، وإنما هو تزويجها الزواج السعيد .

وأجدى السبل في هذا الموقف أن يوكل الأمر إلى وليّها .

إلى أقرب الناس إليها ، وأشدهم محافظة على مصيرها .

إلى أبيها الذي كدح لتنشئتها ، وجهد لإسعادها .

أن يوكل الأمر إلى وليّها الرؤوف بها ، والحريص على هنائها، وتفرض عليه شروط لهذه الولاية ، وتوضع له حدود لهذا التصرف ، ويحرّم عليه الامتناع إذا طلب يدها الكفء من الرجال ، ثم تستأمر هي في النتيجة -إذا كانت كاملة رشيدة-، فلا يبتّ في الأمر دون رضاها.

نعم ؛ وهذا هو السبيل الذي خطّه لها الإسلام .

أما المضاعفات التي قد تحصل لبعض الفتيات ، فيحرمن من الزواج حتى يعنسن ، وييأسن من كل أمل لهن في الحياة ..

أما هذه المضاعفات فسببها -في الأكثر- انحراف الناس -والآباء منهم بالخصوص- عن تعاليم الإسلام ، وعن تربيته السوية ، فيميلون عنها نحو الإفراط أو التفريط ، ونتائج هذا الانحراف لا تصح نسبتها إلى الإسلام .

ولدي ..

لقد اكتفيت بالإشارة في جواب بعض النقاط التي تعرّض لها السؤال ، وأرجو أن تكون الإشارة مفهمة ، ولو أني تعرّضت لجواب كل نقطة منها على وجه التفصيل ، لاحتجت إلى ضعف هذه الرسالة ، فإليك معذرتي مع وافر تحياتي ، واسلم .

 

 

(35)

ان الإسلام ليستنصر . القلة التي تشعر بالمسؤولية وتقوم بالواجب . رجال التثقيف ورواسب النفوس . سيروا إلى غايتكم . نصير الدين الطوسي في ركاب(هولاكو) . مسخ الحقائق . شواهد تنطق . أعمال مشكورة . عين حارسة لحفظ الإسلام . مصادر . الثقافة الإسلامية والثقافة الرومانية والهيلينية . مصادر .

 

البصرة - كلية الآداب

28/ رجب / سنة : 1387هـ

ولدي المهذب النجيب ……. دام في سرور .

تحية دائمة ، وسلاماً زكياً ، وثناء طيباً ، وأسأله –سبحانه- أن يبارك فيك ، ويلقّيك عقبى جهودك ثماراً يانعة ، ومساعي ناصعة ، وأن يحقّق أمل الإسلام بك وبأمثالك من شبابه ، المؤمنين بدعوته ، الواعين لأهدافه ، الملبين لصرخته .

أجل أيها العزيز- إن الإسلام ليستصرخ ، ويستنصر ، وموقفه وهو في بلاده وبين أبنائه موقف الغريب الشريد ، الذي كثر واتره ، وعزّ ناصره .

ان الإسلام ليستصرخ ويستنصر ، فلا ريث ولا إبطاء ، وكل برهة يتأخر عنه حماته يتعرض فيها لنكبة جديدة ، ولهدم جديد ، والمسلمون لا يشعرون ، والكثير منهم أحبّ الأحوال إليهم أنهم لا يشعرون !! .

عزيزي ..

بين يدي رسالتك العارية عن التأريخ ، وقد وصلتني قبل أيام ، وسرّني جداًَ أن أجدك من القلة التي شعرت بالمسؤولية لدينها ، وعرفت الواجب الملقى على عواتقها ، وتصدت لدفع العاديات عن الإسلام قدر استطاعتها ..

سرّني أن أجدك من هذه القلة من شباب المسلمين ، الشاعرة بواجبها ، بين الكثرة الغافلة -أو المستغفلة- عما يراد بها .

سرّني أن تتصدى قدر وسعك لتذود الشبهات والافتراءات عن قدس الإسلام ، وعن حرمات علمائه ..

أن تتصدى لذلك حتى بين جدران الجامعة ، وفي أثناء محاضراتها ، وعلى ألسنة محاضريها ، والأساتذة أيها العزيز رجال كالرجال ، يغفلون ويستغفلون .

وقد ينحرفون دون غفلة أو استغفال ، وخصوصاً في الآراء والنقول التي تعود إلى المذهب ! .

ورجال العلم والتثقيف أجدر الناس كلهم بالبعد عن هذه الرواسب ، ولكن بعض النفوس عصيّة على التهذب .

وما ضرّ القلة العاملة أن يكون المنحرف من أي صنف ، ومن أيّ وزن ، بعد أن كان منحرفاً عن الجادة القويمة ، وبعد أن كانت تلك القلة تعمل لله ، وتكدح في سبيله ، وتدافع عن حرماته ؟ .

سيروا إلى غايتكم -أيها الميامين-، وأعدّوا لها ما استطعتم من قوة العلم ، وقوة الإيمان ، والله معكم في السبيل ، وهو دليلكم إلى الغاية ، ومثبت أقدامكم في النصرة ، ومضاعف أجركم في العقبى .

 

*  *  *

 

ولدي ..

ذكرت أن أحد الأساتذة في كلية التربية كان يحاضر في موضوع تاريخ الشرق الأدنى ، فقال في محاضرته :

(لما هجم (هولاكو) على بغداد عام (656) هـ كان من جملة المساعدين له ، والعاملين معه من أجل الإطاحة بالحكم القائم آنذاك، رجل من أفذاذ الشيعة ، وهو شيخ الطائفة نصير الدين الطوسي) .

وقد آلمتك هذه الصورة المشوهة للحقيقة ، والتعليل الماسخ للحوادث .

رجل من أفذاذ علماء الإسلام يعمل مع سلطان كافر للإطاحة بحكومة مسلمة ، ويتعاون مع جيش كافر على إراقة دماء مسلمة ، وتوطيد الأمر لحكومة كافرة !! .

أمور لا تتمشى مع بدهيات العقول ، وأوليات الفكر ! .

ودافعت ما وسعك الدفاع ، وجادلت ما أمكنك الجدل ، ثم طلبت من الأستاذ أن تكتب تقريراً خاصاً حول الموضوع ، وقد وافقك على الطلب .

ولدي وعزيزي ..

وليس من العجيب أن تمسخ الحقائق ، وتشوّه نضارتها .

فهذا هو فعل التاريخ في أخبار أي طائفة ، أو فئة تعارض السياسة القائمة آنذاك ، وهذا هو دأب المؤرخين في حوادث أيّ فكرة أو شخصية تخالف مذهب المؤرخ ، والشواهد على ذلك كثيرة وفيرة وتأريخ الشيعة ، وتأريخ أئمتهم وعلمائهم من أنصع الشواهد عليه .

وكتاب (تأريخ الشعوب الإسلامية) تأليف المستشرق الألماني (كارل بروكلمان) المتوفى عام 1956م ، مليء بالأدوار التي تلعبها العقيدة في تلوين الحقائق وفي تعليلها .

ليس من العجيب أن تمسخ الحقائق ، وتشوّه نضارتها ، ولكن موضع العجب أن ينظر ناقد مفكر ، يوقن هو ، ويوقن الناس له بحصافة الرأي ، ونفوذ البصيرة .. أن ينظر هذا الناقد فيخفى عليه مسخ الحقائق .

وأعجب من ذلك أن يرى ويصرّ على صحة رأيه-: ان تلك الحقائق المشوهة الممسوخة تتمشى مع طبيعة الأشياء ، وطبيعة المواقف .

ومن يطّلع على أعمال المغول في زحفهم الأول أيام (جنكيز خان)، وتدميرهم الحواضر الإسلامية ، وإبادتهم العدد الكبير من المسلمين وعلمائهم ، ووحشيتهم التي أظهروها في زحفهم على مدينة نيسابور ، الآهلة بالعلماء ، العامرة بالمدارس والمساجد ، وفرار نصير الدين نفسه في من فرّ من وجه الوحش الكاسر ، ونجاته العجيبة في من نجا من الظلم الكافر ...

قلت : ومن يطّلع على هذه السلسلة من الحوادث ، وعلى فرار نصير الدين الطوسي ، ونجاته من الموت المحقق ، يعلم -علم اليقين- أن نصير الدين لم يكن مختاراً أبداً في صحبته (هولاكو) في زحف المغول الثاني ، وهجومه على بغداد ، وإطاحته بالحكم العباسي القائم .

ومن يعرف العدد الكبير الذي جمعه هذا الفيلسوف الإسلامي العظيم في مكتبة مراغة ، من الكتب التي نهبها الجند المغولي ، من بغداد والشام والجزيرة ، ويعرف العدد الذي جمعه حوله من علماء المسلمين وفلاسفتهم في مراغة ، وفي رصدها التأريخي المشهور ، وأذاقهم حلاوة الأمن بعد ذلك الخوف الشديد ، والنكال المبيد ، ويسّر لهم الحياة الهانئة، والمعيشة الرضيّة .

من يعرف هذه السلسلة من الجهود والأعمال العظيمة المشكورة ، يعلم علم اليقين كذلك- أن نصير الدين كان عيناً حارسة ، تعمل في جيش (هولاكو) لحياطة الإسلام ، وحفظ معنوياته ، وجمع منتشراته .

عيناً حارسة ساهرة ، تعمل ما أمكن العمل ، وتحوط ما وسعت الحياطة ، وتحفظ ما استطاعت الحفظ ، وتجمع ما قدرت على الجمع .

وفي العدد الثامن والتسعين من مجلة (العربي) بحث طريف حول الموضوع بقلم الأستاذ (السيد حسن الأمين) يمكنك الرجوع إليه ، والإفادة منه ، وعنوان البحث : (بطلان إسلاميان) .

وانظر الجزء السادس والأربعين من كتاب (أعيان الشيعة) ، في ترجمة (محمد بن الحسن المعروف بنصير الدين الطوسي) ، من صحيفة (4) إلى ص (19) .

وانظر كتاب (فوات الوفيات) - الجزء الثاني ، ص : (149-152) .

وانظر كتاب (البداية والنهاية) لابن كثير : الجزء الثالث عشر ، ص (267-278) .

وكتاب  (السلوك) للمقريزي : الجزء الأول ، ص (614) .

وإذا أردت زيادة في الإطلاع على المصادر ، فانظر كتاب (معجم المؤلفين) ، تأليف الأستاذ (رضا كحالة) : الجزء الحادي عشر ، ص (207) .

ومن الله أستمد لك التوفيق في سعيك والنفوذ في بصيرتك ، والثبات في إيمانك .

 

*  *  *

 

عزيزي ..

وذكرت أن لديك موضوعاً آخر ، تحاول أن تكتب فيه تقريراً كذلك ، وعنوان بحثك : (الثقافة الرومانية والهيلينية ليستا أساساً للثقافة الإسلامية) ، وأنت تستوضح مني خطوط البحث ، وتسترشد إلى بعض المصادر .

ووفرة أعمالي أيها العزيز- تمنعني أن أفيض في الحديث عن ذلك، وحسبي أن أشير إشارة أعتمد فيها على فطنتك وذكائك .

والثقافة الإسلامية التي تبحث عنها ، قد تعني بها : فلسفة الإسلام وعلومه الخاصة ، النابعة من كتابه الكريم ، ومن سنّته المطهرة وأقوال المعصومين من خلفاء الرسول 7 ..

قد تعني بها : فلسفة الإسلام وعلومه ومفاهيمه التي يفسّر بها الكون والطبيعة والحياة والإنسان ، وطرائقه التي يعلل بها كل أولئك، وقوانينه وشرائعه التي ينظم بها الحياة ، ويوجه بها الإنسان في مختلف الحقول وشتى الميادين والمجالات ، وأصوله التي تبتني عليها تلك القوانين والشرائع ..

قد تعني بالثقافة الإسلامية هذه المجموعة التي تتألف منها معارف الإسلام ، والتي تغني المسلمين لو أنهم انفردوا إليها- عن أي ثقافة، وتؤسس لهم -وللناس أجمعين معهم- أسمى حضارة ، وواضح كل الوضوح- أن ثقافة الإسلام هذه إنما تستمّد من وحي الله ، ومن ينابيع الإسلام الخاصة به .

.. من كتاب الله العظيم ، ومن أقوال الرسول 7 ، وأقوال أوصيائه المطهّرين F ، ولا صلة لها بأي ثقافة أخرى ، رومانية ، أو هيلينية ، أو غيرهما من الثقافات التي عرفها العالم ، ومرّ بها .

وقد تعني بالثقافة الإسلامية التي تبحث عنها : مجموع ما عرفه المسلمون من دينهم ، وما اقتبسوه من علوم غيرهم وفنونهم ، لما احتكّوا بشتى الثقافات ، وامتزجوا بشتى المجتمعات ، وعربّت لهم كتب الفلسفة ، وكتب المنطق والعلوم الإغريقية (الهيلينية) .

.. قد تعني بالثقافة الإسلامية التي تبحث عنها : هذه المجموعة التي حصلت للمسلمين بعد أن امتزجوا بسواهم ، وأثروا وتأثروا بالثقافات المنقولة ، والفلسفات والآراء المعرّبة ، وبديهي أشد البداهة- ان الثقافة الهيلينية وبعض الرومانية لهما تأثير لا ينكر فيها .

أما المصادر ، فيمكنك الرجوع إلى كتاب : (الفكر الإسلامي : منابعه وآثاره) للدكتور (أحمد شلبي) .

وكتاب : (خصائص التصور الإسلامي) ، للأستاذ (سيد قطب).

وكتاب : (عبقرية العرب في العلم والفلسفة) ، للدكتور (عمر فروخ) ، والى شتى الكتب التي تتحدث عن الفكر الإسلامي .

ويمكنك الإفادة من كتب دوائر المعارف ، البريطانية ، والأمريكية،  والفرنسية ، وغيرها ، وكتاب (قصة الحضارة) .

وختاماً أزجي لك تحياتي وتقديري ، واسلم .

 

 

 

(36)

هذه سلسلة من الرسائل تحتوي صورة من التحليل النفسي على ضوء تعاليم الإسلام ، والمشكلة التي تعنى الرسائل بدرسها وعلاجها مشكلة شاب مؤمن نقي السريرة ، أصابت أسرته بعض نكبات الدهر ، وكان أثر هذه النكبة عميقاً في حياة هذا الشاب المؤمن ، وفي تلوين سلوكه ، ثم في تلوين أفكاره وقد رأينا ذكر رسائله هنا مع أجوبتها تحديداً للمشكلة ، وإيضاحاً لطريقة علاجها .

 

شكوى

إلى البصرة 10 / 2 / 1965 م

سماحة ..

سلام عليكم طبتم .

سيدي أبا ضياء : وهل لي عزيز غيرك ، وهل لي أب سواك ؟ .

ستكتب الأيام لي ذلك ، وتشهد الليالي ، وأنا الصبي الذي انكفأت عليه فحننت عليه ، والشاب الذي تمرست في الاهتمام به طويلاً ، فعشت وإياكم ردحاً من الزمن غير يسير ، وهل وجدت إلا حنان الأب وشفقة العلم ؟ ، وهل وجدتني إلا ذلك الولد العاصي ، الذي يتهرب من لقاء أبيه ؟ ، وهل لي عذر ، أم هل هذا موطن العذر هنا ؟ .

أستاذي ومرشدي ..

يرجع المريض إلى الطبيب المختص ، ويرجع التلميذ إلى معلمه ، وأنا إلى من أرجع اليوم ، حيث تنهال عليّ الأفكار والهواجس و..و..، تغمر فكري وتشغل لبيّ ، وتملأ حياتي ، ولا تفارقني ، ولو كنت قبالي لما تباطأت في شرح معالم هذه الأفكار التي أبثها إليكم ، وأشكوها نحوكم .

وما لي ، ونزعات نفسي تريدني أن أضلّ وأغوى ، أو أردّ إلى الجاهلية أعمى ؟ .

وما لي ، وكلما أشبعت روحي بالإيمان .. باليقين ، قست عليّ وأوحشتني من المؤمنين الذين أحبهم ؟ .

وما لي بعد هذا كله إلا اتبّاع نفسي ورغائبها ، أو اتباع حديث روحي وسبحاتها .

ولكم لطمت وجهي كثيراً ؟ ، ولكم بكيت من خشية سوء المصير كثيراً أيضاً ؟ ، ولكم أنا اليوم ثائر على أفكار نفسي كثيراً جداً ؟ ، وعلى أيّ حال ؛ فإني اليوم في مصيبة لا يكفيها كتاب ، فضلاً عن رسالة .

وعلمي بأنكم أبي الروحي ، وأستاذي الحريص على تأسيس شخصيتي تأسيساً إسلامياً ، لهذا لاذ قلبي إليكم ليخبركم بحال ولدكم ، رهين أسوأ الأمراض وأرذل الأفكار ، وسجين آراء أخشى على إيماني منها من الانفلات .

وهل أول حديث أنقله أو أذكره لشخص سواكم ؟ ، فهل لهذا المريض من دواء ؟ ، وهل لهذه العوادي من شفاء ؟ .

وعلى أي حال –سيدي-، فإني اليوم ، وكل يوم مضى عليّ ، أشكو إلى الله وإليكم نفسي التي بين جنبيّ ، فواهاً لها لما سولت لها ظنونها ومناها ، وتباً لها لجرأتها على سيدها ومولاها ، كما دعوت صباح هذا اليوم ، وكما قرأت الليلة عندما فتحت القرآن الكريم :

).. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ .( .

)وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ . وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ .( .

)فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ .( .

)وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ . فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ . وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ.( .

وقد تعجب ، بل وقد تسخر حينما أقول : إني لا أدري عن مصير كل هذه الهواجس ، ومبتدأ الظنون والأفكار التي شحنت فكري .

هل حدثت من دراستي لكتب نفسية ، تبحث في صراحة بالغة عن ذلك ؟ ، أم من عدم حسن تصرفّي وتبريري ؟ ، وقد يكون كلاهما، وقد يكون أمر واحد بينهما ، أو شيء آخر يعرو الشباب في مثل سني ، إلا أنني أستعجل الدواء كيلا يتفشى الداء ، فلا زلت أراني : لي من الإرادة التي تستطيع أن تقسر وتبعد كل هذه الأفكار ، وتبددها ، بعد جهد ليس بالقليل ، ولا بالوقت القليل .

وعلى أي صورة ، سأتركك يا سيدي على هذا الشاطئ الذي تلاطمت أمواج كناياته وأوصافه ، وتبعثرت بين هنا وهناك زبى الحديث ، فلا تخلني بذلك ، وإن رأيت زبداً كثيراً فيه أو قليلاً ، فإنه سيذهب ، لأن الزبد يذهب جفاءً بلا ريب ، ولي وإياكم لقاء على محيط جوابكم .

أرجو أن أنال غاية رضاك وحبك وعطفك.

وأترككم سيدي للقاء ، ولقائي معكم حبيب ، والسلام عليكم .

                                                  ولدكم

 

 

 

(37)

في ظل الإيمان . إيمان أبعد من التهم . إن الله مع الذين اتقوا . الأفكار الشاذة تغزو فكر كل أحد ولا حذر منها على الإيمان . علاجها . مناهج ونصائح .

 

النجف – 15/ شوال / سنة / 1384هـ

ولدي رعاك الله ، وأخذ بيدك ، وكفاك الأسواء والأدواء .

تحية كريمة ، وشوقاً متجدداً ، ولهفة متزايدة ، وابتهالاً إلى الحق سبحانه- أن يأخذ بعضدك ، ويشد أزرك ، ويعصمك من المزالق والطوارق ، إنه أرحم الراحمين .

عزيزي ..

وأظنّ ان الصلة القائمة بيني وبينك تحت ظل الإيمان- تخوّلني أن أناديك هذا النداء ، وأنت تعلم صدقي فيه ، كما عرفت صدقك فيه حين حدثتني عنه في طرف من رسالتك .

التقيت بك أول مرة في الحرم العلوي المطهّر ، وكان الإيمان هو الذي عرّف بين روحينا ، ثم كان الحب في ظلال هذا الإيمان هو الذي ألف بين قلبينا .

نعم ؛ وشعرت على مرور الأيام كلما اجتمعت بك -: أنني إنما أتحدث إلى ولدي ، وشعرت انك توقن إنما تحدث أباً ، وإنما تصغي إلى نصائح أب ، وأحسست أن يداً قوية طاهرة تدفعني إليك ، وتضمك إليّ حتى تلحفك عاطفتي ، وتبوئك أسمى المنازل من نفسي .

وسوغ لي هذا التجاوب الإيماني ما بين نفسينا : أن أعبّر لك في بعض المواقف عن مشاعري تعبيراً أبوّياً ، يمتزج فيه الحب والتقدير .

والصلة حين تنشأ على الإيمان بالله ، والتزام تقواه ، والسعي لرضاه ، لم تزد على الأيام إلا قوة ، ولم تنطف إلا براً وإلا طهراً .

وصلتني رسالتك ، ولا أدري كم تلوتها ، وكم صرفت في ذلك من الوقت ، ولكنني أعلم أنها كانت من أحب الساعات إلي ، فقد كنت أصغي إلى أحاديث ولد حبيب .

قرأت رسالتك قرأت حروفها ، وأصغيت إلى الهمسات الرقيقة بين كلماتها وبين حروفها ، وفي جملها ومقاطعها ، وسمعت شكواك المبرحة فيها ، وآلامك العاصفة التي حملتها إيّاها .

نعم ، وأصغيت إلى قلب صغير ، في عمر الزهرة الناضرة ، يضطرب ويتلوى ، وهو يوقع ألحان الشكوى لأبيه ، والى قلب حان عاطف ، يخفق ويئنّ وهو يستمع هذه اللحون ، ويبصر هذا الشجى من ولده .

قرأت شكواك المبرحة الشديدة ، من أفكار وهواجس تنازعك في الآونة الأخيرة ، حتى خشيتها على إيمانك ، وأعيذك بالله ، وأعيذ إيمانك وقلبك ونفسك باسمه العظيم ، ودينه القويم ، من شر الوساوس والهواجس .

وأعيذك من أن تتهم نفسك الطاهرة المؤمنة بأن تضلّ ، أو تتهم إيمانك القوي الواعي بأن يضعف ويهن ، ومن لي بأن يكون ولدي إلى جنبي ، فأشعره بأن إيمانه أعظم ، وأقوى ، وأرسخ من أن يتزلزل ، أو ينهار للهواجس التي يشكوها ، وإن كانت حادّة عارمة ؟ .

لا . لا ، إن إيمانك أبعد من هذه التهمة ، وإن نفسك أرفع من هذه الضعة ، وإن إرادتك أقوى من هذا الوهن .

لا . لا ، إن الله الذي أسلمت إليه وجهك ، وعمرت بحبه قلبك ، وأخلصت له دينك ، لن يسلمك أبداً لهاجسة ، ولن يكلك إلى شيطان ، ولن يبعدك وأنت تريد القرب منه .

ثق أن الله معك أبداً في جهادك –هذا- لنفسك ولهواجسك ، يأخذ بيدك ، ويشدّ على عضدك ، ومن كان الله نصيره فهو قوي عزيز .

إن هذه الأفكار وإن طغت- لن تستطيع أن تفردك من ربك ، ولن تقوى أن تقطع مدده لك ، أو تقلل من عونه إياك :

)إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ .( .(النحل : 128 ) )

والهواجس والأفكار الشاذة الملتوية لابدّ من غزوها فكر كل أحد ، وخصوصاً إذا كان شاباً في مثل سنك ، وخصوصاً إذا كان كثير القراءة لمختلف الآراء مثلك ، وخصوصاً إذا كان شديد الحرص على إبعاد هذه الأفكار عنه كما أتوسمه فيك .

إنها حالة ليست غريبة ، ولا تدعو إلى القلق ، واقرأ معي قوله (تعالى) في سورة الأعراف :

)إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ . وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ .( . (الأعراف : 201 - 202)

أرأيت ؟ ، إن الطائف من الشيطان يمسّ حتى الذين اتقوا ، إذن فهو حالة ليست غريبة ، ولا غير طبيعية ، ولا يخشى منها على إيمان المؤمن ، إذا كان ثابت الأسس ، قوي الدعائم .

وعلاجها لا يكون بمحاولة كبحها ، وصرفها عن الفكر ، أو صرف الفكر عنها ، لأنها تحاول التغلب على الفكر في كل فترة ، مهما حاول التهرب منها ، وطلب إخمادها ، ومهما اشتدّ تقززه منها ، فتوجب للإنسان بسبب ذلك- قلقاً يقض عليه مضجعه ، وينغّص عليه حياته، وهذه هي الحال التي تشكوها -فيما أظن- .

إن علاجها لا يكون بهذه الطريقة السلبية ، لأنها تقسّم النفس، وتضارب بين شطريها ، وتلقي العداء بين طرفيها ، وتؤدي إلى نتائج غير محمودة ، وحتى إذا استطاع كبتها ، وصرف الفكر عنها ، فإنها ترتدّ عقداً لا شعورية تكدر عليه عيشه .

ولكن علاجها الحكيم المجدي : هو أن يستقبل المؤمن هذه الأفكار بصورة إيجابية يقظة واعية ، حتى يتعرف الفكر ، أو الهاجس ، ويستبطن علته ودوافعه ، ثم ينعطف عليه -بعد ذلك- فينقض أسّه بالمنطق العقلي المتين ، ويبيد بذوره وجذوره بالملاحظة الفكرية الصحيحة .

واقرأ –معي- الآية الكريمة -مرة ثانية-، لتعرف دلالتها على ذلك:

mإنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِn .

والشيطان مولع بالمتقين ، يحاول صرفهم عن سبيل التقوى ، فإذا مسّهم طائف منه ثبتوا ، وتذكروا ما زودّهم به الفكر الواعي المستقيم من الأدلة المتينة ، والمناهج القويمة ، التي رسخ عليها إيمانهم ، ونشأت عليها تقواهم

mتَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَn، وإذا بظلمة ذلك الطائف عادت ضياءً، وإذا بعمل الشيطان ومحاولته قد صارت هباءً .

هذا هو العلاج الحازم الحاسم ، الذي تصفه الآية الكريمة لهذا النوع من الأدواء .

ووراء ذلك : العصمة التي يفيدها المؤمن من إيمانه ، والنصرة والمدد اللذان يتواتران عليه من ربه :

)وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ .( . (العنكبوت : 69)

ولدي الزكي ، وتلميذي النجيب ..

أثبت لهذه الخواطر وهذه الأفكار ، ولا تحذرها ، واستقبلها بوجهك المؤمن المشرق ، وبروحك المطمئنة الهادئة ، واستعرضها واحدة واحدة ، وفتش عن جذورها وعللها ، وناقشها مناقشة حرة بمنطقك القوي ، ومناهجك الرشيدة ، ويمكنك أن تستعين في ذلك يمن تعتمد عليه .

اصنع كذلك ، فإن شعورك سيرفضها واحدة واحدة ، ولا يبقى إلا الإيمان الخالص ، وإلا أدلة الإيمان الصحيح الصريح ، وستعرف نصرة الله لك ، وسمعه شكواك ، وستعلم حقاً انطباق الآية التي تلوتها في آخر رسالتك :

)فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ ..( . (17: الرعد)

ولدي ..

إن الله أشدّ رأفة بك من أبيك ، هذا الذي يحدّثك ، ويودّ أن يشاركك وجدانك ، فتقعد به مسافات شاسعة تحول بين موضعك وموضعه ، وأشدّ رأفة بك من كل قريب ، فثق به ، والجأ إليه ، وأخلص له في ثقتك ولجوئك ، فستجده السميع المجيب .

ونصيحتي إليك -أولاً-: أن تترك القراءة والتلخيص اللذين أخذت نفسك بهما فترة وجيزة ، ريثما تطبق هذا المنهاج ، وتستوفي أدوار العلاج .

ونصيحتي –ثانياً-: أن تثق بنفسك ، وأن تثق بإيمانك ، فإن عدم الثقة بالنفس يسبب لها الضعف ، ويسلمها إلى القلق ، ويوصد عليها باب اليقين .

ونصيحتي -ثالثاً-: أن تكرر قراءة رسالتي هذه ، فتقرأها ولو مرة واحدة في كل يوم ، وستعرف أثر ذلك بعد حين .

ونصيحتي -أخيراً-: أن تكتم حديثك هذا ، حتى عن أقرب الناس إليك -ما وسعك الكتمان-، وأمنيتي لك طول البقاء ، ودوام الهناء ، وخلود النعمة ، ومزيد التوفيق .

أما بعد جميع ذلك ، فأنا أنتظر أن تعرّفني عن كل ما يطرأ ، وأن تبوح لي بما تجد ، وأن لا تبطئ عني في التعريف ، فإن عاطفة الأبوة لا تحتمل الإبطاء ، وأرجو أن تصل إليك رسالتي وأنت متفتح الأمل ، وأن يصلني جوابك ، وأنت موفور السعادة .

وتقبل تحيات أبيك ، وبالغ شوقه ، ووافر سؤاله ، وجزيل دعائه .

 

 

 

(38)

نشأة الهواجس . صراع . أثر الرسالة . آمال .

 

البصرة - 27/2/1965.

سماحة ....

تحية مشرقة بالنور والهدى ، وسلام عابق بالأماني والإخلاص ، ودعاء حفيف كلما مسّ جسدي حرم الأطهار من آل الرسول 7، أن يضفي عليكم سعادة العاجلة والآجلة ، وان يديم إخلاصكم لهذا الإسلام ، فيشفي منه شفاء العلل والأمراض ، وشفاء الضلال والغواية- كثير من الناس .

وسلام -بعد هذا- لأبي ضياء وأبي ، مرشدي في المحن ، ودليلي في الشجن ، ومنفس كربي في الضراء ، وحين الوحشة واليأس .

أستاذنا الأمجد ..

علمتني نفسي ، وهي خير مدرسة في مسارب التجارب : أن الهواجس والأفكار والظنون تواكب النفس الإنسانية مواكبة مضطردة ، تنمو معها وتكبر فيها وتزداد عتواً وشقاءً ، للنفس التي تلوذ نحو المغريات الطائشة ، والنزوات المبتذلة ، ولكن سرعان ما تذبل هيبة هذه النفس ، وسرعان ما يرخص ثمنها الغالي النفيس .

وتنمو الهواجس والأفكار -كأنه لا بد من ذلك- تنمو وتكبر وتزداد عنفواناً وقوة كذلك في النفس التي تلوي على مراحم الحق والعدل والهدى الأزلي ، وحينما تلوي أيضاً على دين الله فتقعد متفهمة شامخة .

ومذ عكفت –بجدّ- على هذا الدين .

ومذ قمت مقصراً ببغض الواجبات الدينية ، كأي فرد لا يرغب أن ينأى عن واجب دينه ، هامستني أفكار ما كنت أصغي إليها أو أفهمها ، ولم أكن أتعرّف على قرارها ومستقرها ، ولم أدر أني سأقع فريسة لها ، إلا من قريب ، حين نظرت إلى نفسي وإذا بي أراني متثاقلاً عن أداء بعض ما كنت قائماً به منذ قريب .

وكثيراً ، وصراحتي أقولها لمن حق عليّ أن أقول له صراحتي نفسي: أجل ، وكثيراً ما عرقلتني ، وكثيراً ما أخرت اطراد مسيري الإيماني المتصل .

ولكنني -على أي حال ، وبفعل الإرادة الإسلامية ، وبقوة الجماهيرية الإيمانية-، كنت أندفع بوحي هذين لمجاراة سلك الهدى المتصل ، وسيله المتدفق العرم بين أرجاء هذا الوجود ، فقد هزتني قراءتي ودراساتي للكتب الإسلامية المثيرة هزات عنيفة ، وقد لمت نفسي على وقوفي أو تفكيري به رويداً ، ولكنها أيضاً صيرتها خامدة في حين ، وصيرتني خامداً في بعض الأحايين .

وبين هذا وذاك لا يعرف أي صديق لي هذا الاتجاه المضطرب الأمواج .

هل أنا ؟ .. أم هل تغيرت ؟ .

حتى إذا تدفق الإيمان من حب زين الدين ، أرسلت كاهل سفينتي على مرشدي اللبيب ، ليروي شاطئي وغديري الجاف بعنفوان رأفته وحبّه ، وبدفقات إخلاصه ، ورشحات إرشاده ، ما يشير لهذا الحائر الخائر إلى رحمة المسير ، ورحمة الهدى ، ورحمة الله العظمى .

أجل ؛ لقد أوقعتم على أوتار نفسي إيقاعاً حساساً بنغمات صادحة مكشوفة ، إلاً من الإيمان ، وأمسكتم بحكمة واقتدار على نشازها وشتاتها .

وبعد ذلك ، فقد لملمتم الشارد ، وأيقظتم الحائر منها ، فأصبحت -مع ربيع الحياة ، وزهي النبات- يانعاً غضاً من كل جانب إلا اللمم .

وبعد خلود نفسي ، وسكينتها ، تصفحت بارتعاش وخوف رسالتكم الرشيدة .. ارتعاش الحب الإيماني الصادق .. وخوف العتبى لما جرى عليّ ، وما مكث في فكري من هوس الأفكار ، ونزع الآراء ، ولما يخامرني من زنافر الباطل ، ورداءة الغذاء الفكري .

ولعجيب وغير عجيب أيضاً أن أشاهد متنمقاً تلك الطراوة الخفية فيها ، والتي كلما قرأتها لمست منها شيئاً جديداً ، لم أكن أحسّ به ولم استشعره من قبل .

وتذوقت بلهف حرارة الإيمان ، وحلاوة الحب ، في كل همسة ، وفي كل جانب من جوانبها الرشيقة المهيبة حين علمت أن ذلك لا يدعو للقلق ، لأنها حالات ملازمة لهذا الكائن ، وعرفت مبرراته ، وانه يسري مع الإنسان في أدوار حياته وشبابه ، وحتى حينما يتم عقله، ويتركز فهمه ، ويكمل يقينه ، وتذهب عنه كل معوقات الإيمان، ومرديات الهوى ، وموجبات الغواية بعد ذلك .

ثم أبصرتني ذلك الشيطان العدو اللدود لهذه النفس ، حين يمس المتقين من الناس ، ويصب كل همّه عليهم ، فضلاً عن إخوانه الذين يمدهم في الغي غياً ، وفي الضلال تمادياً .

ولم أتمالك على نفسي ، وأبي يصارحني بمثل هذه الصراحة ، وأنا أطوف مع رسالته الطائفة على فكري ونفسي ، وأجول معها ، حتى بكيت ، بكيت حيناً بعد أن أسّرتني ، وكم تبسمت ، وكم فرحت ، بل وضحكت أيضاً حتى خلت أن جلسائي سيهزؤون مني لهذا التصرف!!، لولا لفتة من نظر عابرة إليهم بين كل حين وحين فأراهم في شأن غير شأني ، فارجع إلى حيث رشحاتها الرقيقة ، ورشقاتها الجميلة ، ودلالاتها الصائبة .

وأنهيت الخطاب الجسيم ، لكني ابتعدت جانباً ، قصد التدبر منها، والنظر إليها ، وإذا عيناي لم تبخلا بذرف الدموع ، خصوصاً لما قرأت نجواك الرشيف :

(ولدي الزكي وتلميذي النجيب : أثبت لهذه الخواطر وهذه الأفكار ، ولا تحذرها ، واستقبلها بوجهك المؤمن المشرق ، وبروحك المطمئنة الهادئة .... وستعرف نصرة الله لك ، وسمعه شكواك) .

(ثق ان الله معك أبداً في جهادك هذا لنفسك ، يأخذ بيدك ، ويشدّ على عضدك) .

وبكيت خشية إيمانك هذا بولدك حين تقول له : ( لا . لا -أيها العزيز-، ان إيمانك أبعد من هذه التهمة ، وان نفسك أرفع من هذه الضعة ، وان إرادتك أقوى من هذا الوهن) .

وحين أودعت رسالتكم في جيبي ، وحين رددّت أحاسيسها وهمساتها في شعوري ، صغر بعد حين- ما كان يكبلني ، وضؤل بعد آخر ما كان يشقيني .

على أني الآن لا أقول : إني وضعت صخرة صماء عليها جميعاً ، ولا أنها أقل بكثير مما مضى ، ولكن على رشاقة الآمال ، وحلاوة الإيمان ، وصراحة الضمير ، وهدى النفس ، وبراءة الفطرة ، وسلامة الأخلاق ، وثقة النفس ، وغلبة الله للشيطان ، وتأثيره القوي منه على النفس ، أستطيع ان استنقذ روحي ، وأهيئ تفكيري سليماً متجرداً بعد حين من الأمراض الباطنة، والأفكار الممضة ، والتبعات الخادشة.

وبهذا وبذاك ، وبعد هذا ، فللتربية نصيب كبير في ذلك ، وتأثير فعال في صقل هذه النفس وتزكيتها ، وتطهيرها من أوضار الحياة ، وخنق المريبات ، وخدع الهواجس جميعاً .

بعد ذلك ، وبعد التربية على أيدي الأكفاء ، وبعاطفة التربية الشقيقة ، وبإخلاص الإصلاح الرقيق ، وحفيف الحنان الرشيق ، يصاغ ولدكم على يد أستاذه الأب ، ومربيه الأجل ..

ولقد ربحت في تجارة نصائحكم الفريدة الثمينة ، وقد صرت أتلوها صباح كل يوم، وأرجع إليها عند الوهن، وكلما خطر على فكري خطر.

وابتعدت عن المطالعة قليلاً ، وإن عزّ عليّ ذلك .

ولي -بعد ذلك- من توطيد الثقة بالنفس ، والاعتماد على الله، رصيد لا زلت أحنو نحوه ، وأمشي إليه .

ولقد كان خطابكم القيم ، وذكركم الثمين ، استقراراً لولدكم، ولعلي أحسد نفسي الآن بأني -بحمده (تعالى) أوفق لمثل هذا الزين من هذا الدين في وقت عصيب ، ليرخي أعنادا قاسية ، ويصلب أعواداً راخية ، ناحلة خائرة ، ولكن فقد يكون الحق ان تشجعوا هذا الإنسان أكثر ، وتدفعوه أشد في السير في عزم وإقدام في ظلال صلابة الحق ، وقوة الهدى ، وحسن البصيرة ، وبعد -أيما بعد- عن مزالق الضلال، ومفاتن الغواية ، ومرديات الهوى

أما أنا فإني لأعيد توسلاتي إلى الكبير المتعال ، الحق المبين ، أن يديم لي هذا الرواء الشفيف ، وهذا المنهل العذب ، وأن أبقى معه على صدق الإخلاص ، وضمان الإيمان ، وولاء اليقين والحب ، بين نهارين من حياة ، أو ليلين من خلود .

دمت –سيدي- في سعادة وارفة ، وصحة ناعمة ، ونعيم مزروع في كل واد .

                                                           خادمكم

 

 

 

(39)

 سرني أن أصيب القصد . الإيحاء بالضعف . مساوئه . ثق بنفسك كل الثقة . الخطرات المنحرفة قد تكسب المؤمن قوة في إيمانه . كبح الخواطر هو الذي نماها . خير الإيمان الباسم المتفائل .

 

النجف – 5/ ذي القعدة / سنة : 1384هـ

ولدي العزيز المهذب الكامل ...... حرسه الله ووفقه ، ولقاه ما يأمل ، وكفاه ما يحذر .

تحية زكية طيبة ، تسطع بنور الإسلام ، وعبق الإيمان ، وأرج الهدى، وإخلاص الدعوة إلى الله ، والاتباع لسبيله ، والتطلع إلى مرضاته، وشوقاً مكيناً ، ودعاءً خالصاً : أن يقيك الله العثار ، ويعصمك من الأخطار .

بني ..

وبعد أيام -يعلم مبلغ طولها وأثرها الآباء المفارقون-، وصلتني رسالتك العزيزة ، تحمل إلي أنفاسك العطرة ، وتصور لي عاطفتك البارة .

أجل ؛ لقد شممت أنفاسك تشيع على مقاطع الرسالة ، وتعبق في حروفها ، ولمست عاطفتك نحو أبيك ترق مع النجوى فتكون حباً، وتضطرم مع الشكوى فتكون ناراً ، ولمحت روحك تنسكب في عبارات الرسالة وإشاراتها ، وفي همسة الحب ، وفي زفرة الشكوى ، ووجدتك المؤمن البار تتماثل لتسّر أباك ، وتتفاءل لتبهجه ، وقد حمدت الله الذي حقق لك أملي ، وأجاب فيك دعوتي ، وأسأله أن يتم لنا فضله ، ويواتر علينا نعمه ، ويبلّغنا رضاه ، ويلزمنا تقواه .

لقد سرني -ولله الفضل عليّ وعليك- أن أصيب القصد في رسالتي الأولى ، فأفلح في تشخيص الداء ، ثم أوفق في وصف الدواء، وان استقبل البشرى منك بهذا الفوز ، وآمل ان تتوالى عليّ البشريات منك قريباً جداً ، وان تبلغ الغاية المحمودة بعد قليل ، وبعد جهد ضئيل، وكل ذلك بمدد الله وعونه ، ونصره الذي أعز به المؤمنين ، وحبه الذي وعد به المتقين .

والشيء الذي لم أرتضه من رسالتك -أيها العزيز-: هو أن تصف نفسك فيها بالحائر الخائر ، وبما يشبهها من النعوت التي توحي للنفس بالضعف ، وتؤكد فيها عدم الثقة ، وتولد فيها الشهور بالنقص، وتكبلها أخيراً بالشعور بالاستقذار !! .

والإيحاء الذاتي من أشد المؤثرات على نفس الإنسان التي تولد فيها القوة أو الضعف ، والرفعة والضعة .

ان من ابتدر إلى أمر -مهما كان ثقيلاً باهضاً- وهو يوقن بقدرته عليه ، سهل عليه ذلك الأمر ، وخفّت أعباؤه ، ومن أقدم على شيء -وإن كان صغيراً خفيفاً- وهو يشعر بضعفه عنه ، ارتعشت دونه قواه، وخارت أعضاؤه .

ثق بنفسك كل الثقة ، ولا تشعرها بالضعف أبداً ، ولا توح إليها بالخوَر ، فان الثقة بالنفس هي ذخيرتك الأولى لجهادك لها ، وأشعرها بحبك إياها ، وتكريمك لها ، فإن الحب المعتدل للنفس هو القوة الكبرى للسيطرة عليها .

وثق بربك ، وبتوفيقه ونصره ، فإن الثقة بالله مصدر قوتك في الجهاد ، ومصباح هداك في المسير ، ومبعث طمأنينتك عند اضطراب القدم :

)الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ .( . (الرعد : 28)

لا . لا -يا عزيزي-: لست بحائر ولا خائر ، وأؤكد ذلك لك، وأستطيع أن أبسط عليه ألف دليل ودليل .

لست بحائر ولا خائر ، ولكنك تريد إيمانك نقياً من هذه الغشاوة الصفيفة التي تثيرها الأوهام ، وهذا ما ستبلغه -إن شاء الله- بعد قليل، جد قليل ، إذا استمررت في تناول العلاج ، وتطبيق المنهاج .

وقد ذكرت لك في رسالتي السابقة : ان هذه الخطرات التي تعرض لهذا الكائن ليست غريبة ، ولا غير طبيعية ، ما دام له ذهن ينتقل ، ووهم يتخيل ، وفكر يتقلب ، وخطورها في الفكر لا يضر بالإيمان شيئاً، ولا ينقص منه فتيلاً ، إلا إذا استمسك بها الإنسان ، ولوّن بها عقيدته، أو تأثر بها حتى ولى العقيدة ظهره .

ولدي ..

والمؤمن الواعي قد يكسب من وراء هذه الخطرات المنحرفة قوة جديدة في إيمانه ، ويقظة في ضميره ، ذلك ان هذه الطوائف حين تمس المؤمن لتلبس عليه دينه ، وحين يرجع -بعد ان يمسّه ذلك الطائف من الشيطان- إلى ما في قلبه من نور يبدد  تلك الظلمة ، والى ما في عقيدته من يقين ينفي ذلك الشك ، والى ما في فكره من برهان يحطم تلك الشبهة .

.. وحين يرجع إلى الله خالقه ومدبره ، الذي يؤمن به ، ويلجأ إليه، ويجده ملء قلبه ونفسه وفكره ، وملء جميع آفاقه ، والذي يمدّه بالنور واليقين والبرهان والطمأنينة .

أقول : وحين يرجع المؤمن من إيمانه إلى هذا الرصيد العظيم ، يوقن -حق اليقين- ان لديه عاصماً لن يمسّ ، ولن يخدش ، ولن يقام له بسبيل ، ويقيد من هذه التجربة قوة مضاعفة في إيمانه ، ويقظة واعية في ضميره .

واقرأ –معي- آية الأعراف مرة ثالثة ، ليستبين لك بعض آفاقها على ضوء هذا التشريح :

)إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ .( .

ولدي العزيز ..

ما شأن هذه العوادي ، وما قدرتها ، بل وما قيمتها ، لتكون أنت  -أو لتفكر- بأن تكون فريسة لها ؟! .

عد إليها بجأش ثابت بالله ، وقلب مطمئن بنصره ، وعزيمة واثقة بقوّته ، فستجد الفتح من أول نظرة ، وعند أول مقابلة ، نعم ؛ وسترى -عين اليقين- أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين .

وابدأ بالأفكار السحيقة التي اعترضت سبيلك أول مرة ، والهواجس القوية التي هزمتك في أول معركة ..

ابدأ بها أولاً فأولاً ، وواحدة فواحدة ، وتحسس مواطن الضعف فيها ، وسلّط عليها النور الكاشف من الإيمان ، والبرهان الهادي من العقل ، فسينكشف الظلام لأنه لا يملك أن يواجه النور ، وسيزول الريب لأنه لا يقوى أن يقابل البرهان ، وسيذهب الباطل لأنه لا يشجع أن يصابر الحق ، وستكون هزيمة الخاطر الأول تمهيداً لهزيمة الهاجس الأخير .

إنه الكبح -أيها العزيز-، نعم ؛ إنه الكبح لهذه الخواطر ، هو الذي نمّاها فصيّرها قوية عارمة ، وأنه الخوف الشديد منها ، والتهرب من ملاقاتها هو الذي شجّعها ، فجعلها عادية مهاجمة ، أما غير ذلك فإنما هي أخيلة لا قوة فيها ، ولا مدد لها ، ولا ثبات لأمرها ، فلماذا يخشاها الإنسان وهو يتسلح بالإيمان ؟! .

وكيف يحذر كيد عدوه الضعيف ، وهو يلجأ إلى ربه القوي ، ويأوي إلى ركنه الشديد ؟! .

ولست أراني بحاجة إلى تكرار نصائحي السابقة بعد أن استبنت رشدها ، ولمست بعض آثارها ، ولا إلى التأكيد على أن يكون سبيل رسالة أبيك هذه سبيل رسالته الأولى .

وسرّ ذلك : انك في هذه الأدوار تفتقر إلى قلب مؤمن يسندك ، كما تفتقر إلى ذهن نيّر يرشدك .

ولدي النجيب الحبيب .... ثم مادا أقول ؟ .

هل تملك رسائلي أن تقوم بما أريد ؟ .

هل تؤدي عني بعض مهمات الأبوة لولدي ، وهو في ساعات احتياجه إلى حدب أبيه ورشده ؟! .

هل تفي الرسائل بذلك ، وخصوصاً وأنا أعزم -ولله المشيئة- سفراً إلى البحرين ، ولعل الفرصة هناك لا تتيح لي أن أفكر كما أشاء ، وأن أكتب كما أريد ؟ .

وأرجو من الله –سبحانه- العون حتى لا يصدّني واجب عن واجب ، ولا يصرفني حق عن حق .

وآمل أن لا يثبّطك هذا عن مواصلة كفاحك ، ولا يمنعك عن تعريفي بنتائجك ، وانتظر أن يصلني جواب هذه الرسالة قبل سفري ، وهو على ما يبدو لا يكون قبل يوم الثلاثاء القادم ، ومن الله التيسير، وبيده التقدير ، وله الأمر من قبل ومن بعد .

تفاءل -أيها العزيز-، فخير الإيمان الباسم المشرق المتفائل .

ابتسم فكل ما حولك من ظواهر هذا الوجود وقوانينه وأشيائه وأحيائه مؤمن قانت مثلك ، يشد على كفك ، ويبتسم معك ، ويبارك لك إيمانك ، ويذود معك الشبهات عنه .

وبعد كل ذلك ؛ فأرجو أن تفتح سجلاً شاملاً لهذه الخواطر التي تخامرك أو تضايقك ، وأن تكون دقيقاً في تصويرها ، جريئاً في التعبير عنها ، وأن ترسل إليّ منه نسخة ولو إلى البحرين ، وأنا أعلم أن هذا العزم وحده سيذهب بأكثر من نصف هذه الخواطر ، وأؤكد ان تصلني رسالتك قبل سفري .

واغتنم دعاء الأبوة وأمانيها العذبة ، وآمالها الكبيرة .

 

 

 

(40)

طلب . قصة حياة وقصة إيمان . إمعان في عالم الروح . تناقض . في المعترك .

 

البصرة – 18/ ذي القعدة / سنة : 1384هـ

سماحة ......

سلام عليكم ، طبتم .

وسلام لحوح . وتحية ممزوجة بالأماني ، ومعطرة بالأشواق .

أي والدي ... بغير عذر يتقدم إليكم ولدكم ، ويحمله قرطاسه من بعيد ، يمليه بإيحائه القاصر بعد مضي أيام كانت طويلة .

وبغير عذر أيضاً يدخل بابكم ، ولكني -إن شاء الله- ألج إليكم وكلي شوق ولهف وإكبار ، وآمل أن تتلقوني كذلك بالشوق واللهف، وحسبي من هذا الطول ، وربما هذا الجفاء أني أردت ان أتعرف نتائج علاجكم الشافي ، وأتحصف أكثر من آرائكم السديدة ، ونصحكم الجميل ، لتمضي فترة وأنا سابت العلاج، ولتمضي فترة لتكهن النتائج، فحييت –سيدي- في مستقركم الجديد ، كما آمل لكم طيب الإقامة، وحسن الصحة ، ووفرة الابتهاج .

وهذه رسالتكم المليئة بالآمال ، المكدسة بالأفراح ، العابقة بالأنوار، وأنا أتناول بشوق جرعاتها الهنيئة ، رغم أن الآلام لا زالت مرخية سدولها ، والأفكار الشعواء لا زالت مقضضة أنيابها عليّ .

ويقف الآن بياني ليصور حالاتي المزدلفة، ويصور هالاتي الفكرية،  ويقف ليصور انتصاراتي وخيباتي بين حين وأحيان ، ويقف ليصوّر أخيراً موقف الشريد الذي لم يعثر إلا عن قريب- على من يداويه طول مدة ألمه ، ولا من يوقظه حيال رقاده ، ولا من يمسك شخصه وهو في غياهب سكرته .

وكم طلبت أن أتتلمذ على يد طبيب ، نعم ؛ ولكني وددت أيضاً أن يكون هذا الطبيب عارفاً أيما معرفة بجراحة هذا البدن ، يعرف كيف يدخل للأفكار فيعالجها ، ويعرف مرابضها ومهماتها ونتائجها ، ويدخل إلى الهواجس ثم يعلل وجودها ونتائجها وأدواءها .

وبدون جدوى لم أر في الكتب ما يدلني عليه ، ولا في الرجال من أتعرف عليه ، وحين ألممت في ميدان الرجال الماهرين بحسابي- ألفيت شخصي قبالهم ، ثم ما لبثت أن فوجئت بالطرد الأدبي ، أو الاعتذار الوقتي ، والانهزام الديني !! بقصد الاشتغال ، وكثرة المهام ، وبقصد آخر ، وكم حنوت ، وكم فشلت ، حتى قررت أن أبسط ذراعي وسيط من أحتمل انه سيرشدني ، وسيلتزم حياة هذا الإنسان ، ولبنة هذا الإسلام .

ثم عرفت -بعد تجربة ليست بالقصيرة- أنني وغيري إن حرمنا من رجال العلم أو من العلم ، فمعناه أننا كتبنا على نفوسنا البؤس والشقاء والحيرة ، وان بدا في زحمة المدنية ومفاتنها وأشواق الدنيا ورغائبها- أننا منتصرون ، أننا تقدميون، أننا مثقفون .

ولكنني ما استسلمت يوماً للظنون الفارغة ، وما اقتنعت بجدوى النشوة الذليلة ، والانتصارة الزائفة ، وإنما أردت صياغة نفسي متوازناً من هيبة العلم ، متوازناً من رشح الإخلاص ، متوازناً من قوة المادة وقوة الروح ، ولي في هذا التوازن حديث سأتعرض له .

وعلى أي صورة ؛ فقد استدرجت قرار الإيمان بعدالة هذا الدين، وصدق دعوته ، وحقانية منهجه ، حتى ألفيت نفسي لابد من أن أصونها من عثرات الهوى ، وبطش الغواية ، وحيرة العمى ، أن ألج في سلك الهداة إلى الله ودينه ، والمعرفين على طاعته ورضوانه .

واستقررت بعد هذا كله على نصاب اليقين ، وعرش الإيمان ، كما استقر إيماني الخارجي ، ولم أبل بمرض أياً كان شكل نوعه ، وفي ظلال يقيني وإيماني سرت كما لا بد لي من ذلك ، وطفقت أخصف من العبر ما يعدّ إعداداً زاهراً لمستقبلي المغيّب ، وأستر ما سلف من عيوب ونقائص ، حتى هزتني الحياة هزات عنيفة ، وعمري لا يربو على التاسعة عشرة .

ثم أضاف القدر إليها عبراً زاخرة بالأوضار ، وثكلات موجعة، وآلاما مقرحة ، وزفرات رمضاء محرقة ، وأثقالاً باهضة ، كلها وقفت بجانبي ، وفي توّ بكر انطلاقة حياتي .... وكلها صدمات عنيفة ، لم تزد على هزة الحياة إلا تردداً ، ولا من عبرها -في حسابي- إلا إكثارا ، ولا مني إلا إيقاظاً وتفطناً ، وتحرزاً وتحذراً .

ثم أشار القدر اليّ بحمل كل هذه الأرزاء، وضربني ضربات فادحة، كانت بدايتها أن انهار والدي في عمله ، وخسر خسراناً مبيناً في تجارته، وكان تبع ذلك ان انهارت حياتنا ومعائشنا .

ومرت الأيام ، ولكنها لم تعطنا شيئاً يستحق الذكر ، فضلاً عن إرهاقنا بالديون الكثيرة الشديدة ، التي لا تعدّ إلا بعداد الآلاف .

ولا تعجب –سيدي-، فلست مبالغاً بل هو الحق والصدق ، من واقع ما عاشه –ويعيشه- ولدك الذي طلبت إليه ان يفاتحك بسجل، وستكون رسائلنا هذه بمثابة سجل حافل مكتوم مغلق عن نظرات الآخرين .

وطبيعي -مثل كل ما مر ذكره- ان يربك حياتي ، وان يشجّع هيام الأفكار السوداء اللاذعة في دماغي ، وأنا في مثل ذلك السن الذي لا يزداد يوماً إلا تزيده الحياة هموماً وأرزاءً وآلاماً ، في وقت لازال يصعد بأنفاس محرقة لاهبة إلى السن المذكور من ربيع العمر الوجيه .

ومن عوز المال ، إلى عوز الإعداد للمستقبل ، ثم عوز الناصح الرشيد ، الذي يجب أن يوقظ النفس ، ويعدّها إعداداً ثابتاً مرناً .

وقد تقول مالـ .... وهذه ؟ ، إنها حالة كل أحد .

إننا -يا أبتاه- عشنا فترة غير وجيزة ولا قصيرة ، فترة تقلبنا فيها في غمرات النعمة والمال تفوق الأذهان ، أما الآن فحسرة النعمة السابقة ولذتها تموج على الخاطر ، وتمرّ مر الأحلام بعد اليقظة ، ولو أردت ان أشرح هذا لسماحتكم لطال المقال ، ولخرجت أيضاً عما يجب ذكره .

وطبيعي –أيضاً- مثل هذا أن يزيد تأجج الأفكار السوداء ، وعيشها طويلاً في فكري ، ليكون أمر قلعها ليس سهلاً ميسوراً ، طالما تحققت التربة والبيئة ، والغذاء والشيطان !! .

ثم سادني رعب طويل ، وأنا أتقلب في ظلم الكوارث ومعضلاتها إلى ظلم الحرمان والفاقة كإنسان وكشاب .

أفلا تكون واحدة -من هذه كلها- بقادرة على خلق إنسان خائر حائر ، حتى أمسي في عباب عتابكم !، وعتبكم تربية وتعليم ، ولم ترضه مني ؟ ..

كلا .. فإني خائر حائر لهذه الأسباب حيال القوى التي لا قدرة لي عليها ، وليس لضعف آخر ، فقوة الإيمان ورساخة الثبات ، وشدة اليقين ، صمدتني للخطوب ، ومنحتني جدة وجلداً في الحياة ، وخشونة وعبراً زاكية ، يمكنني بعد أن ألمح بصيصاً من نور الحق أن أسير متمرس العبر ، ومتمرس الفهم لهذه الحياة .

سيدي .. وصبر نفسك الطاهرة الخيرة معي ، وعلى احتمال شجواي وأذاي .

وهل سمحت لي الآن أن أعيد الخطاب ؟ ، وأن أستأذن مرة أخرى ، رغم علمي أن وقتكم ثمين وثمين جداً ، ولكن حسب المربّين العظماء ، والأطباء الحكماء ، أن يعلموا كينونات تلاميذهم ، كما يعلم الفلاح طبيعة أرضه ، ليزرعها أي صنف أو زرع أراد .

ثم جاء دور الإيمان معقباً كل هذه الأحداث ، جاء الإيمان ليبسط ذراعيه وسط خضم من أمواج تتضارب بشدة ، وتتخاضم بعنف في حومة الصراع بلا رادع ولا مانع !! .

جاء وسبيله لذلك : أن يدخل إلى قلبي فيشغله بتهاليل وتسابيح وتقاديس ، بدل أهوال وأوجاع وأوضار .

أجل دخل الإيمان ، وانطلقت روحي مرفرفة بقدومه ، ومرحبة بمجيئه ، ثم سبحت في لجة غير ناظرة لشيء سواه ، وكأن قد غمرتها نشوة من نوم عميق ، أو سبات شديد ، تعانقا طويلاً ، وتمازجا وتحابا على روح الوداعة ، والصدق والأمانة ، والإخلاص والصبر ، والعزم والاتكال على الله ، واحتمال الأذى في سبيله ، وعلى روح الإيمان المتاخمة لكل أولئك .

وأطلقت لكياني الروحي عنان سبحاته ، ورشحاته وقداسته، وتناسيت كياني الجسدي المادي في أكثر صفاته ، وأغلب متطلباته، ونسيت معه أيضاً كل شيء لا يخص روحي ، واستعداد جسدي للموت والبلى والعدم ، ونسيت أني في الدنيا ، ونسيت أني محاسب على ذلك التيه لنفسي .

وطبيعي ، فقد حرم جسدي كثيراً من راحاته في الصيف أو في الشتاء ، ومن جملة من حقوقه في أكثر الأحايين طالما يزيد نماءً لروحي .

وعلى أثر هذا التناقض ، بل هذا التبادل ، شحن فكري بأصناف الهواجس ، وألوان الأفكار ، وهنا لجّ التلاطم ، واحتدم الصراع حينما أبصرت شخصي بعيداً عن مادية الدنيا ومتطلباتها ، حتى عبت على الناس أن يقوموا بأي نشاط حيوي ، وحتى عبت على نفسي أن تذهب إلى عملها .

وخشية من سوء المصير ، وسوء العاقبة ، اندفع بغير شوق لبقية أعمالي ، وواجباتي الدنيوية ، حتى أني لا أدري أية عناية لأهلي وبيتي، بل ونفسي أيضاً ... وهنا بذور محنتي التي تعرضت إليها في رسالتين، وأطيل ذكرها هنا .

وحين رأيت بعض الناس لهم اهتمامات خاصة بدنياهم ، اهتمامات لا يحتقرها الإسلام نفسه ، وواجبات لا يمنع قيامها الإيمان، ورأيت نفسي تلوي على روحانية لا أصل لها في هذا الكون ، لا أدري هل ندمت ؟.. بل لا ، وإنما عرفت ذلك وتفطنت إليه ، وعرفت أيضاً البون الشاسع بيني وما يجمعني من الآخرين ، أردت أخيراً ان أسوي قضاياي بشخصي ، دون ان أخبر أحداً ، ودون ان أعلم فرداً قريباً أو بعيداً .

ومنذ زمن ، وأنا في مثل هذا الإعداد وأغراض التوازن ، ولا زلت حتى أفرطت في بعض مهمات الدنيا وحاجاتها ، قصد الإسراع في التوازن ، والهيمنة الكلية المستوية في الطريق الوسط .

ذلك هو عدم توازن مطالب جسدي بسبحات روحي ، وعدم التوازن هذا أضناني مقصدي ، وأناخني رهين الهواجس الظلماء والأفكار الخشناء ، ولذلك كله أدرجت عضال مرضي في رسالتين موجزاً ، وها أنا ذا أصرّح إليكم ما وسعني التصريح ، وأضع النقاط على حروفها الملساء عساني أنتقل من عتم الأفكار إلى منار الحياة المشرقة ، واستقامة المقصود ، وعظمة المراد .

وبعد ذلك يا أبتي فإني أعتقد قد أوضحت القصد ، وعبّرت بما يجب بغير تلميح ولا تكتم ..

وبلا تلميح ، وبغير تكتم ، أشير أيضاً إلى قوة السرّ التي أفصحتم عنها ، مع أني أنا الذي أكابد فاقتها ، وأعيش مضاضتها وضناها حين أوجزتم صادعين :

(وسرّ ذلك : انك في هذه الأدوار تفتقر إلى قلب مؤمن يسندك ، كما تفتقر إلى ذهن نيّر يرشدك) .

أجل والله ... !، ولست أنا فحسب ، بل كل إنسان على وجه الأرض .

فقد جاءت النغمة أشد صدىً ، وأشد صدىً ، وأوقع حساً ...

أجل ؛ وغير بعيد عليكم -مربي النفوس- أن تعلموا ذلك ، وغير بعيد عليّ أيضا ، وأنا أتضوى مرارة الفكرة بفاقتي اللهيفة إلى قلب مؤمن ، وذهن نيّر .

ولكن من لي وأنا بمثل هذه الظروف العصيبة التي تتناوش فكري كما تتناوش صحتي وحياتي ، أن أدل على طريق راشد صائب ، وقلب مؤمن طاهر ؟!! .

كلا ، وطريقي صعب مستصعب ، وأنا أدري أن أمامي سبلاً ثلاثة ليس بينها رابع :

أما الزواج حالياً ، ومعناه الخلاص من كل فكر موحش ، والشفاء من كل هاجس أو رجس .

وأما النزول إلى حياض دنس الحيوانية ، وهذا معناه الإفلات الروحي ، والانهزام الإيماني ، إلى جانب الخسائر الكبرى التي تفادحني، والمعضلات العظمى التي يأباها ضميري وعقلي وديني .

وأما الكبت الذي تحدثتم عنه في أواخر رسالتكم .

أما الأول فمحال الآن . نعم ؛ محال ، وبكل تأكيد حالياً ، وأما الثاني فقد وقفت على نتائجه قباله ، وأما الآخر فمعناه استئناف كل مر بمر ، وكل فكر بآخر ، وكل هاجسة بلونها .

أما أنا اليوم ، فحقاً لفي معترك صاخب بين عقلي وهواي ، بين إيماني وما يدعو لنفيه ، ولئن كان حقاً هذا ، فحق كذلك أني لا .. ولن أصارح شخصاً آخر بمثل هذا ، إلا أن أتعرف النتائج ، وأستيقن من الطريق الثابت في غد المستقبل !! .

كما وأني وإن أوحشت هذه السبل الثلاثة أمامي ، فإني كنت -ولا أزال- أتضرع بيد الإخلاص والإيمان إلى ربي الرؤوف الرحيم ، أن يرأف بعبده الضرير في هذه السبل ، ويخلصّه من فتن الأفكار السافيات، وهوج الهواجس المرديات .

وعلمي يقين بأن هذه فتنة ، وهذه فترة بلية ، ضمت إلى جملة فتن وبلايا حياتنا ، ولكنها ليست في ذات وقتها .

فماذا يصنع الإسلام في أمثال هذه البلايا والفتن ، ولله في كل واقعة حكم ؟ .

وإني وإن كنت أسترضع من لبان المعرفة قليلاً ، واسترزق من كنز العلم ضئيلاً ، فإني آمل من سماحتكم أن تفيضوا وتخففوا عني وبال أمري العضال ، كما وسترى أنني لا زلت كاتم حديثي عن كل أحد، وستعلم أن ولدكم لازال ناهجاً منهاجكم ، وستراه ولداً باراً ، يكن تقديراً فائقاً وتكريماً نبيلاً إليكم لتكونوا على مداد الإيمان ، وحب الإسلام أباً رحيماً ورؤوفاً .. أباً لا يستوحش من ابنه لتيهه وضلاله ، ولا ينفر منه لذنوبه حتى يدلّه على معالم الطريق الرحب ، والنهج المستقيم .

                                             ولدكم


 

[1] - هي قوله (تعالى) :

)قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(.